النص المفهرس

صفحات 261-280

(١٥)
التيمم
[٢٨ - باب
التَّيَمُّمِ]
٨٤٢ - (٣٦٧ / ١٠٨) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ
عَلَى مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ:
أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﴾ِ فِي بَعْضٍ أَسْفَارِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا
بِالْبَيْدَاءِ - أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ - انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي، فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾
عَلَى الْتِمَاسِهِ، وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ
مَاءٌ، فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالُوا: أَلاَ تَرَى إِلَى مَا صَنَعَتْ
عَائِشَةُ؟! أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللهِ ﴿ وَبِالنَّاسِ مَعَهُ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ؛
وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ، وَرَسُولُ اللهِوَهُ وَاضِحٌ رَأْسَهُ عَلَى
فَخِذِي قَدْ نَمَ، فَقَالَ: حَبَسْتِ رَسُولَ اللهِنَّهِ وَالنَّاسَ، وَلَيْسُوا عَلَى
مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، قَالَتْ: فَعَاتَِّي أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ
يَقُولَ، وَجَعَلَ يَطْعُنُ بِيَدِهِ فِي خَاصِرَّتِي، فَلاَ يَمْنَعُنِي مِنَ الَّحَرُّكِ إِلاَّ
مَكَانُ رَسُولِ اللهِ لَّهِ عَلَى فَخِذِي، فَنَامَ رَسُولُ اللهِ وَهِ حَتَّى أَصْبَحَ
٢٦١

عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ اللهُ آَيَّةَ التَّيَّهُمِ، فَتَيَمَّمُوا. فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الْخُضَيْرِ
- وَهُوَ أَحَدُ النَُّبَاءِ -: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَتْ
عَائِشَةُ: فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ، فَوَجَدْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ.
٨٤٣ - (٣٦٧ / ١٠٩) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُّو
أُسَامَةَ ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، وَابْنُ بِشْرٍ، عَنْ
هِشَامٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلاَدَةً،
فَهَلَكَتْ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ وَلِ نَاساً مِنْ أَصْحَابِهِ فِي طَلَبِهَا،
فَأَدْرَكَتْهُمُ الصَّلاَةُ، فَصَلَّوْا بِغَيْرٍ وُضُوءٍ، فَلَمَّا أَتَوَّا النَّبِّ لَّهِ، شَكَوْا
ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَنَزَلَتْ آيَّةُ الَّيَهُمِ. فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: جَزَاكِ اللهُ خَيْراً،
فَوَاللهِ! مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ قَطُ، إِلاَّ جَعَلَ اللهُ لَكِ مِنْهُ مَخْرَجاً، وَجَعَلَ
لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ بَرَكَةً.
وفيه ثلاثة أحاديث:
الأول: حديثُ عائشة، قالت: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّهُ فِي
بَعْضٍ أَسْفَارِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ - أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ - انْقَطَعَ عِقْدٌلِي،
فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَلَى الْتِمَاسِهِ، وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ،
وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالُوا: أَلاَ تَرَى إِلَى مَا
صَنَعَتْ عَائِشَةُ؟! أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللهِ وَّهِ وَبِالنَّاسِ مَعَهُ، وَلَيْسُوا عَلَى
مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ، وَرَسُولُ اللهِ وَّهِ وَاضِحٌ رَأْسَهُ
عَلَى فَخِذِي قَدْ نَمَ، فَقَالَ: حَبَسْتِ رَسُولَ اللهِ وَّهِ وَالنَّاسَ، وَلَيْسُوا
٢٦٢

عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، قَالَتْ: فَعَاتَبَّنِي أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ مَا شَاءَ اللهُ
أَنْ يَقُولَ، وَجَعَلَ يَطْعُنُ بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي، فَلاَ يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلاَّ
مَكَانُ رَسُولِ اللهِوَ﴿ عَلَى فَخِذِي، فَنَامَ رَسُولُ اللهِِّ حَتَّى أَصْبَحَ عَلَى
غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ اللهُ آَيَّةَ النََّّمُّمِ، فَيَمَّمُوا.
فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ - وَهُوَ أَحَدُ النَُّبَاءِ -: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ
يَا آلَ أَبِي بَكْرِ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ، فَوَجَدْنَاَ
الْعِقْدَ تَحْتَهُ.
وفي رواية: أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلَادَةً، فَهَلَكَتْ، فَأَرْسَلَ
رَسُولُ اللهِ لِّ نَاساً مِنْ أَصْحَابِهِ فِي طَلَبِهَا، فَأَدْرَكَنْهُمُ الصَّلاَةُ، فَصَلَّوْا
بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَلَمَّا أَتَوًّا النَّبِيَّ ◌َِّ، شَكَوْا ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَنَزَلَتْ آيَةُ التََّهُمِ.
فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرِ: جَزَاكِ اللهُ خَيْراً، فَوَاللهِ! مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ
قَطُ، إِلاَّ جَعَلَ اللهُلَكِ مِنْهُ مَخْرَجاً، وَجَعَلَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ بَرَكَةً. أخرجه
البخاري، والأربعة سوى الترمذي.
وفي الباب: عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِلَّهِعَرَّسَ بِأُوْلاَتِ
الْجَيْشِ، وَمَعَهُ عَائِشَةُ، فَانْقَطَعَ عِقْدٌ لَهَا مِنْ جَزْعِ ظَفَارٍ، فَحَبَسَ النَّاسَ
ابْتِغَاءُ عِقْدِهَا ذَلِكَ، حَتَّى أَضَاءَ الْفَجْرُ، وَلَيْسَ مَعَ النَّاسِ مَاءٌ، فَتَغَيَّظَ
عَلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: حَبَسْتِ النَّاسَ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ؟! فَأَنْزَلَ اللهُ
تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ وَلِّ رُخْصَةَ التَّطَهُّرِ بِالصَّعِيدِ الطَّيِّبِ، فَقَامَ الْمُسْلِمُونَ
مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَضَرَبُوا بِأَيْدِيهِمْ، إِلَى الأَرْضِ، ثُمَّ رَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ،
٢٦٣

وَلَمْ يَقْبِضُوا مِنَ الْتُّرَابِ شَيْئاً، فَمَسَحُوا بِهَا وُجُوهَهُمْ وَأَيْدِيَهُمْ إِلَى
الْمَنَاكِبِ، وَمِنْ بُطُونِ أَيْدِيهِمْ إِلَى الْآبَاطِ. أخرجه الأربعة سوى
الترمذي.
إذا عرفت هذا، فالكلام ــ هاهنا - في مواضع:
الأول: في وجه الترتيب:
لما فرغ من بيان التطهير بالماء، شرع في بيان التطهير بالتراب
عند فقد الماء.
والتيمم في اللغة: القَصْدُ، يقال: تَيَمَّمْتُ فلاناً: إذا قصدته،
وفي ((البخاري)) في (تفسير سورة المائدة): التيمم: التعهد، وهو
- أيضاً - ينبئ عن القصد.
وفي الشرع: القَصْدُ إلى جنس الأرض لاستباحة الصلاة
ونحوِها، وهو ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، وهو فضيلة خصّ
الله تعالى بها هذه الأمّة، ليس في الأمم قبلها.
ثم الكلام في مواضع:
الأول: في صفته: فقيل: ضربة واحدة للوجه واليدين إلى
الكوعين، وهو مذهب الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، ويعلى بن
القاسم عن مالك، وهو مرويٍّ عن علي، وسعيد بن المسيب،
والأعمش، وعطاء، وظاهرُ حديثٍ عمارٍ وغيرُه شاهد بهذا - على ما
سیجيء۔۔
٢٦٤

وقيل: ضربتان؛ ضربة للوجه، وضربه لليدين إلى المرفقين.
ومذهب الشافعي، وأبي حنيفة، والصحيح من مذهب مالك،
ومروي عن ابن عمر، والشعبي، والحسن، والثوري، والليث.
وفيه حديثُ أبي أمامة، مرفوعاً: ((التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ
لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ)»، وفيه ابن الزبير، وهو ضعيف.
وحديث ابن عمر، يرفعه: ((التَّيَهُمُ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ
إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ»، وفيه عَلِيُّ ابْنُ ظَبْيَانَ، ضعفة الأكثر، وقال أبو علي
النيسابوري: لا بأس به، وصحح الحاکم الحدیث، والحديثان رواهما
الطبراني.
وحديثُ عائشة: أن النبي - عليه السلام - قال: ((فِي التَّيَمُّمِ
ضَرْبَتَانِ؛ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ)) رواه البزار،
وفيه الجوشنُ بن الحارث، وهو ضعيف.
وحديثُ عمار: أنهم تَمَّمُوا مَعَ رَسُولِ اللهَِّ، فَأَمَرَ الْمُسْلِمِينَ،
فَضَرَبُوا بِأَكُفُّهِمُ التُّرَابَ، وَلَمْ يَقْبِضُوا مِنَ الْتُّرَابِ شَيْئاً، فَمَسَحُوا
بِوُجُوهِهِمْ مَسْحَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ عَادُوا فَضَرَّبُوا بِأَكُفِّهِمُ الصَّعِيدَ مَرَّةً أُخْرَى،
فَمَسَحُوا بِأَيْدِیهِمْ. أخرجه أبو داود، وابن ماجه.
وهو أقوى في التمسك به، لكن فيه الترابُ مرويُّ بضربة واحدة
- كما مَرَّ -، وكما سيجيء في حديثه - أيضاً -، ولأن الرواية، وليس
فیه ذکر حَدِّ الیدین.
٢٦٥

وفي الرواية الأولى التي مرت: (إِلَى الْمَنَاكِبِ وَالْآَبَاطِ)، وفي
هذه الرواية - يعني: رواية (ضربتين) - قال بعضهم: إلى المناكب
والآباط - أيضاً -، وقال بعضهم: إلى ما فوق المرفقين، وفي سنده -
أيضاً - مقال؛ لأن الحديث من رواية عبيدالله بن عبدالله بن عمر، وأنه
یروی تارة عن عمار بن ياسر، وتارة عن ابن عباس عن عمار، فقال أبو
داود: قال مالك: عن الترمذي، عن عبدالله بن عبدالله، عن أبيه، عن
عمار، ولذلك قال أبو أويس: عن الزهري، وشك فيه ابن عتبة، قال
ح عن عبيدالله، عن أبيه، ومرة هناك عن أبيه، ومرة عن ابن عباس،
اضطرب فيه، وفي [ ... ] عنه من الترمذي.
وقال الترمذي وجماعة: فَضَعَّفَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ حَدِيثَ عَمَّارٍ
[َعَنْ النَّبِّ وَه] فِي التََّمُمِ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ لَمَّا رُوِيَ عَنْهُ حَدِيثُ
الْمَنَاكِبِ وَالْآبَاطِ، وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِيْرَاهِيمَ: حَدِيثُ عَمَّارٍ فِي التَُّّمِ
لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَحَدِيثُ عَمَّارٍ: تَيَمَّمْنَا مَعَ
النَّبِيِّ وَهُ إِلَى الْمَنَاكِبِ وَالآبَاطِ لَيْسَ هُوَ بِمُخَالِفٍ لِحَدِيثِ الْوَجْهِ
وَالْكَفَيْنِ؛ لأَنَّ عَمَّاراً لَمْ يَذْكُرْ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا قَالَ:
فَعَلْنَا كَذَا وَكَذَا، فَلَمَّا سَأَلَ النَّبِيَّ ◌َّهَ، أَمَرَهُ بِالْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، [فَانْتُهَى
إِلَى مَا عَلَّمَهُ رَسُولُ اللهِوَهِ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ: مَا
أَفْتَى بِهِ عَمَّارٌ بَعْدَ النَّبِيِّ وَّهِ فِي التَّيَهُمِ: أَنَّهُ قَالَ: الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْن]،
فَفِي هَذَا دَلاَلَةٌ أَنَّهُ انْتُهَى إِلَى مَا عَلَّمَهُ النَّبِيُّ ◌َِّ، فَعَلَّمَهُ إِلَى الْوَجْهِ
وَالْكَفَّيْنِ.
٢٦٦

ثم أخرج الترمذي حديثَ ابن عبّاس: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ التَّيَهُم، فَقَالَ:
إِنَّ اللهَ قَالَ فِي كِتَابِهِ حِينَ ذَكَرَ الْوُضُوءَ: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيَدِيَكُمْ إِلَى
اَلْمَرَافِقِ﴾، وَقَالَ فِي التَّيَهُمِ: ﴿فَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم﴾ [المائدة:
٦]، وَقَالَ: ﴿وَالشَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَقْطَهُوَاْ أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٧]، فَكَانَتْ
السُّنَّةُ فِي الْقَطْعِ الْكَفَّيْنِ، إِنَّمَا هُوَ الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ - يَعْنِي: التََّمُّمَ ))، ومنه
قيل: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى الإبطين، وهو محكي عن
الزهري، والحديث الدال عليه ما صح.
وقيل: إن كان للحدث الأصغر، فإلى الكوعين، وإن كان
للأكبر، فإلى المرفقين، وهو ضعيف.
وقيل: ضربتان، يمسح بكل ضربة فيهما وجهه وذراعيه إلى
مرفقیه، وهو قول ابن أبي ليلى، وحسن بن حَيّ.
وقيل: ثلاث ضربات؛ الأولى للوجه، والثانية لليدين إلى
المرفقين، والثالثة لهما جميعاً، وهو قول ابن سيرين، وعنه: أن
الأولى للوجه، والثانية للكفين - يعني: اليدين إلى الكوعين -، والثالثة
للذراعین.
وفي ((قواعد ابن رشد)): روي الاستحباب عن مالك إلى ثلاث،
والغرض البيان .
وعبارة ابن الحاجب: ولو اقتصر على ضربة للوجه واليدين،
فثالثها : يعيد في الوقت.
٢٦٧

وقيل: أربع ضربات، لا أصل له.
وأدلة الأقوال مذكورة في كتب الفروع.
الثاني: فیما یتیمم به :
فقيل: بالتراب الطاهر الذي له غبار يتعلق بالوضوء، وهو
مذهب الشافعي، وأحمد، وداود، وأكثر أهل الحديث، ويجيء في
قوله: ﴿فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيَدِيكُمْ مِّنْهُ﴾ [المائدة: ٦] ظاهر في ذلك؛
لأن (من) للتبعيض، وقيل: بكل ما يكون من جنس الأرض، حتى لو
ضرب يده على الصخرة الصمّاء المغسولة، أجزأه، وهو مذهب أبي
حنيفة ومالك.
وقيل: بكل ما يكون على الأرض، حتى بالثلج، وهو مرويّ عن
الأوزاعي، وسفيان الثوري.
وقيل: بالمسك والزعفران - أيضاً -، وهو منقول عن ابن
کیسان، وابن عُلية.
والثالث: في أن التيمم رافع للحدث، أو مبيح للصّلاة:
وذهب الجمهور إلى الثاني، وجماعةٌ إلى الأوّل، وقد فَرَّع على
ذلك بعضُهم عدمَ وجوب غسل الأعضاء للجنب إذا تيمم وصلى، ثم
وجد الماء - على ما حكي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن -، ووجوبه
على ما ذهب إليه الجمهور، وكلها جواز التيمم إذا كانت النجاسة على
يديه - على ما نقل عن أحمد -، وعدم جوازه - على ما عليه الجمهور -.
٢٦٨

وقال ابن الحاجب: ولا ينوي المتيمم رفعَ الحدث؛ فإنه
لا یرفعه علی المشهور.
وقال ابن حزم في ((المحلى)): القول بأن المتيمم مستبيحٌ غيرُ
رافع، باطل؛ لأنه قولٌ بلا برهان، وقد سمّاه الله طهارة في قوله:
﴿وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وقد دلّ الإجماع على جواز الصّلاة
به عند وجود شرائطه، ولا يمكن لقائل إنكارُه، والقول بأنه غير رافع
يُنافي ذلك، هذا كلامه.
ولا يخفى بأنّ تسمية الله تعالى له طهارة، وجواز الصّلاة به،
لا يلزم كونه رافعاً، بل يكفي كونه مستبيحاً في طهارة صاحب العذر.
والرابع: مساواة الحدث الأصغر والأكبر، حتى إن الجنب لو
عَدِمَ الماء، أو لم يقدر على استعمالِهِ، لهُ أن يتيمّم كالمحدِث، وهو
قول جمهور العلماء من الخلف والسّلف.
وقد روي عن عمر، وابن مسعود عدمُ جواز التيمم للجنب
- على ما سيجيء في مناظرة أبي موسى مع ابن مسعود، وعمار مع
عمر ابن الخطاب -، وهو قول النخعي، والأسود - على ما نقله ابن
حزم -.
وقد قيل: إن عمر، وابنَ مسعود رجعا عن ذلك.
ثم لما تيمم الجنب، وصلى، ثم أدرك الماء، وجب عليه الغسلُ
في جمهور المذاهب، وقيل: لا، وهو ضعيف.
٢٦٩

وحديث أبي ذرّ، قال: اجْتَمَعَتْ [غُنَيْمَةٌ] عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وََّه
فَقَالَ: ((يَا أَبَا ذَرَّ! ابْدُ فِيهَا))، فَبَدَوْتُ إِلَى الرَّبََّةِ، فَكَانَتْ تُصِيبُِّي
الْجَنَابَةُ، فَأَمْكُثُ الْخَمْسَ وَالسِّتَّ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ وَه فَقَالَ: ((أَبُو ذَرِّ».
فَسَكَثُ، فَقَالَ رسول الله وَّهِ: («ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ أَبَا ذَرٍّ، لِأُمِّكَ الْوَيْلُ))،
فَدَعَا لِي بِجَارِيَةٍ سَوْدَاءَ، فَجَاءَتْ بِعُسِّ فِيهِ مَاءٌ، فَسَتَرَتْنِي بِثَوْبٍ،
وَاسْتَتَرْتُ بِالرَّاحِلَةِ وَاغْتَسَلْتُ، فَكَأَنِّي أَلْقَيْتُ عَنِّي جَبَلاً، فَقَالَ:
((الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ وَلَوْ إِلَى عَشْرِ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدْتَ
الْمَاءَ، فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ)) أخرجه الأربعة إلا ابن ماجه.
وفي رواية: ((فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ، فَأَمِسَّهُ جْدَكَ)) فيؤيّد قولَ
الجمهور.
وحديث أبي سعيد: خَرَجَ رَجُلاَنِ فِى سَفَرٍ، فَحَضَرَتِ الصَّلاَةُ،
وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ، فَتَيَمَّمَا صَعِيداً طَيِّباً، فَصَلَّيَا، ثُمَّ وَجَدَا الْمَاءَ فِي
الْوَقْتِ، فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الصَّلاَةَ وَالْوُضُوءَ، وَلَمْ يُعِدِ الآخَرُ، ثُمَّ أَتْيَا
رَسُولَ اللهِ وَ﴿َ، فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ: ((أَصَبْتَ السُّنَّةَ،
وَأَجْزَأَتّكَ صَلاَتُكَ))، وَقَالَ لِلَّذِي تَوَضَّأَ وَأَعَادَ: (لَكَ الأَجْرُ مَرَّتَيْنِ))
أخرجه أبو داود.
وهذا الحديث يفيد عدم وجوب الإعادة، ولم يفد عدم وجوب
الغسل؛ إذ الرافع منه الحدث لا الجنابة.
ولمَّا أخرج الترمذي حديث أبي ذرّ، قال: وفي الباب: عن أبي
٢٧٠

هريرة، وعبدالله بن عمر، وعمران بن حصین.
فأما حديث عمران فسيجيء في (كتاب الصّلاة) - إن شاء الله -.
وحديث أبي هريرة، مرفوعاً: ((الصَّعِيدُ وُضُوءُ الْمُسْلِمِ إِنْ لَمْ
يَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ، فَلْيَتَّقِ اللهَ، وَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ)»
رواه البزار، ورجاله ثقات.
وحديث عبدالله بن عمرو، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ وَه
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! الرَّجُلُ يَغِيبُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ، أَيُجَامِعُ أَهْلَهُ؟
قَالَ: (نَعَمْ)) رواه أحمد.
والخامس: أنه يجوز أداء فرائض متعددة بتيمُّم، أو يجب لكلِّ
فرض تیمُّمٌ؟
فقيل: يجوز، وهو مثل الوضوء، يجوز أن يصلي به ما شاء من
الفرائض والنوافل، ولا ينتقض إلا برؤية الماء، أو ناقض الوضوء،
وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، ومرويّ عن ابن عباس، وأبي جعفر
محمد بن علي، والليث، والحسن بن حَيّ، والمُزني، وداود.
وقيل: يجب لكل فرض تيُّمٌّ، ويجوز له أن يصلي ما شاء من
النوافل قبل الفريضة وبعدها، وكذا صلاة الجنازة، وهو مذهب
الشافعي، والمشهور من مذهب أحمد.
وقيل: يجب لكل فرض تيممٌّ، وله أن يتنفل بذلك التيمم بعدَ
الفريضة، لا قبلَها، فلو تنفّل قبلها، لا يجوز أداء الفريضة بذلك
٢٧١

التيمّم، وهو المشهور من مذهب مالك.
قال في ((المُغني)): وقال مالك: لا يتطوّع قبل الفريضة بصلاة
غير راتبة، وحكي نحوُه عن أحمد؛ لأن النفل تَبَعٌ للفرض، فلا يتقدم
المتبوع.
والمشهور من مذهب أحمد: جوازُ الفرض الواحد، وما شاء من
النوافل مقدَّماً ومؤخّراً.
وقال شريك: یتیمّم لكل صلاة، فرضاً كان أو نفلاً، روي مثله
عن إبراهيم النخعي، وقتادة، وربيعة، ویحیی بن سعيد، ویروی عن
أحمد، وإسحاق، واستدل بحديث ابن عبّاس: مِنَ السُّنَّةِ أَنْ لاَ يُصَلِّيَ
الرَّجُلُ بِالثَّيَّهُّمِ إِلَّ صَلاَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ يَتَيَمَّمَ لِلصَّلاَةِ الأُخْرَى. رواه
الطبراني.
ورُدَّ بأن المراد: الفريضة، لا مطلق الصّلاة، وبأن [ ... ]
الحسن بن عمارة، وقد مَرَّ قوله في أوّل الكتاب.
وقال أبو ثور: يتيمم لوقت كل صلاة، وله أن يصلّي ما شاء من
الفريضة والنوافل والفوائت من الفروض بتيمم واحد.
وما في تفاصيل هذه الأبحاث موضعها كتب الفروع.
الثاني: في التعريف برواته سوى ما سلف.
وهو (عَبْدُ الرَّحْمَنِ)، وهو ابْنُ الْقَاسِمِ بنِ محمد بن أبي بكر
الصديق، أبو محمدِ المدنيُّ، الفقيهُ، ولد في حياة عائشة.
٢٧٢

روى عن أبيه، وأسلم مولى عمر، وسعيد بن المسيّب، وجماعة.
وعنه الزهري، وأيّوب، وهشام بن عروة، وآخرون.
وَثَّقَهُ القوم، وأثنوا عليه كثيراً.
قال مالك: إن هذا الشأن لا يورث، وإن أحداً لم يخلف أباه في
مجلسه إلا عبد الرحمن بن القاسم.
وقال ابن عيينة: كان عبدُ الرحمن أفضلَ أهل زمانه.
وثناءُ الناس عليه كثير، وأخرج له الستة.
توفي سنة ست وعشرين بالشام - رحمه الله -.
الثالث: في تعيين هذه السَّفْرة:
ففي ((البخاري))، و((مسلم)): أن الواقعة بالبيداء، أو بذات
الجيش، من غير تعيين موضع وسفر.
وفي ((النسائي)) عن عائشة: سَقَطَتْ قِلاَدَةٌ لِي بِالْبَيْدَاءِ وَنَحْنُ
دَاخِلُونَ الْمَدِينَةَ.
وفي رواية له: عَرَّسَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِأَوَلاَتِ الْجَيْشِ. قال عمار:
فَانْقَطَعَ عِقْدُ عَائِشَةَ.
وفي ((الترمذي)) من طريق هشام، عن أبيه، عن عائشة: أن
قِلادَتَها سقطَتْ ليلَةَ الأَبْواءِ في صَفَر سنةَ اثنتين من الهجرة.
وفي ((ابن ماجه)) من حديث عمار: أنه بالبيداء.
وفي ((معجم الطبراني)) من حديث الزبير، عن عائشة، قالت:
٢٧٣

لَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرٍ عِقْدِي فِي غَزْوَةِ المُريسيعِ مَا كَانَ، قَالَ أَهْلُ الإِفْكِ مَا
قَالُوا، فَخَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ بَّهِ فِي غَزْوَةٍ أُخْرَى، فَسَقَطَ - أَيْضاً -
عِقْدِي، حَتَّى حَبَسَ الْتِمَاسُهُ النَّاسَ، وَالطَّلَعَ الْفَجْرُ، فَلَقِيتُ مِنْ أَبِي
بَكْرِ مَا شَاءَ اللهُ، وَقَالَ لِي: يَا بَنِيَّهُ فِي [كل] سَفَرٍ تَكُونِينَ عَنَاءً وَبَلاءً،
وَلَيْسَ مَعَ النَّاسِ مَاءٌ، فَأَنْزَلَ اللهُ الرُّخْصَةَ بِالتََّمُّمِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَا
وَاللهِ يَا بِنيَّةُ! إِنَّكِ لِمَا عَلِمْتُ مُبَارَكَةٌ.
كانت في غزوة المريسع التي فيها قصّة الإفك - أيضاً -.
وذكر ابن الجوزي: أن ابن حبيب زعم أن عقدها سقط في السنة
الرابعة في غزوة ذات الرقاع، وفي غزوة بني المصطلق سنة ست قصةٌ
الإفك .
وقوله: (بِالْبَيْدَاءِ)، وهو الشرف الذي قدام ذي الحليفة في
طريق مكة.
وذكر البَكْري: أن سقوط العقد بمكان يقال له: الضلضل
- بضادين معجمتين -.
وذاتُ الجيش: من المدينة على بريد، ذكره أبو عُبيد عن
القعنبي.
والرابع: في العقد:
: قوله: (انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي)، وفي الرواية الثانية: أنها من أسماءَ
أختِها، فيجوز أن يكون لأسماء، وإنما أضافته عائشة إلى نفسها؛ لكونه
في يدها، ولمَّا كان الأصل في الرواة الضبط، وقد وقع في حديث التيمم
٢٧٤

الاختلافُ زماناً ومكاناً - على ما مَرَّ -، ولفظاً - على ما سيجيء-، ذهب
بعض المحققين إلى أنها مرتين، ويؤيد ذلك: أن آية التيمم - أيضاً -
اثنتان: في سورة النساء واحدة، وفي سورة المائدة أخرى.
وذكر ابن بطال: أن ثمن العقد الذي [انقطع] اثنا عشر درهماً.
وذكر ابن التين: أن ثمنه أقل من ذلك.
* وقولها: (وَجَعَلَ يَطْعُنُ) - بضم العين -، وروي بالفتح أيضاً.
وفي ((المجمل)) : - الفتح - بالقول، و- الضم - بالرمح.
وفي «جامع القراء»: وكلاهما بالضم.
والخامس: في سَنة نزول آية التيمم:
ففي الرواية الأولى من حديث عائشة: فَنَامَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ حَتَّى
أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ التََّّهُمِ، فَيَمَّمُوا.
وفي الرواية الثانية: فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ وَهِ نَاساً مِنْ أَصْحَابِهِ فِي
طَلَبِهَا، فَأَدْرَكَتْهُمُ الصَّلاَةُ، فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَلَمَّا أَتَوَا النَّبِيَّ ◌َِهه
شَكَوْا ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الَّيَهُّمِ .
فيجوز أن يكون رجوعهم إلى النبي - عليه الصّلاة والسلام-، في
وقت استيقاظ النبي - عليه السلام -، فإذا رجعوا، وشكوا حالهم،
وليس في المكان ماء، والناس الذين معه - عليه الصلاة والسلام -
متحيرين لأجل عدم الماء، وصار وقت الصّلاة ضيِّقاً، فنزلت آية
التيمم .
٢٧٥

ويجوز أن تكون القضية متعددة - على ما مَرَّ -، والآية النازلة هي
التي في سورة المائدة على ما أورد البخاري، ورواه الحميدي في
((الجمع)) من حديث عمرو بن الحارث، عن عبد الرحمن بن القاسم،
عن عائشة، وفيه نزلت: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الضَّلَوَةِ فَاغْسِلُواْ
وُجُوهَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]، وذكر
الواحدي في سورة النساء: فهي التي نزلت في تلك الواقعة.
وجزم القرطبي على أنها آية النساء؛ لأن آية المائدة ذكر فيها
الوضوء بالماء، والتيمم وغسل الجنابة، وفي النساء لم يذكر الوضوء،
وإنما ذكر التيمم عند عدم الماء، فكانت الآية الواحدة في سورة النساء
أخصّ بها من المائدة.
وقال ابن بطال: هي آية المائدة، وآية النساء؛ لأن الآيتين
مدنیتان، والوضوء كان لازماً قبل ذلك؛ إذ لم تكن صلاة قبل ذلك إلا
بوضوء، فلمّا نزلت آية التيمم، لم يذكر الوضوء؛ لأنه كان معلوماً قبل
ذلك، ويحتمل أن نزل أوّلاً أوَّلُ الآية، وهو فرض الوضوء، ثم نزل
عند هذه الواقعة آیةُ التيمم، وهو تمام الآية، يعني من قوله: ﴿وَإِنكُنتُم
مَرْضَى﴾ إلى آخرها.
وقال أبو بكر بن العربي: هذه معضلة ما وجدت لدائها من دواء
آيتان فيها ذكر التيمم: في النساء، وفي المائدة، فلا يعلم أيهما عَنَتْ
عائشةُ بقولها.
٢٧٦

وقيل بتعدد القضية، وقد مَرَّ هذا.
وَعَنِ الأَسْلَعِ - رَجُلٍ مِنْ بني الأَعْرَجِ بن كَعْبٍ -، قَالَ: كُنْتُ
أَخْدُمُ النَّبِيَّ ◌َّهَ فَقَالَ لِي: ((يَا أَسْلَعُ! قُمَّ أَرِنِي كَيْفَ كَذَا وَكَذَا؟))،
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ، فَسَكَتَ عَنِّي سَاعَةً، حَتَّى جَاءَهُ
جِبْرِيلُ بِالصَّعِيدِ الأمر بالنََّهُّمِ، قَالَ: ((قُمْ يَا أَسْلَعُ فَتَغَّمْ).
وفي رواية عَنِ الأَسْلَعِ بْنِ شَرِيكٍ، قَالَ: كُنْتُ أَرْحَلُ نَاقَةً
رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَأَصَابَتِي جَنَبَةٌ فِي لَيْلَةِ بَارِدَةٍ، وَأَرَادَ رَسُولُ اللهِ إِلَه
الرَّحْلَةَ، وَكَرِهْتُ أَنْ أَرْحَلَ نَاقَةَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ وَأَنَاَ جُنُبٌ، وَخَشِيتُ أَنْ
أَغْتَسِلَ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ، فَأَمُوتَ أَوْ أُمَرضَ، فَأَمَرْتُ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ
فَرَحَلَهَا، وَوَضَعْتُ أَحْجَاراً، فَأَسْخَنْتُ بِهَا مَاءً، فَاغْتَسَلْتُ، ثُمَّ لَحِقْتُ
بِرَسُولِ اللهِ وَّهِ وَأَصْحَابِهِ، فَقَالَ: ((يَا أَسْلَعُ! مَا لِي أَرَى رِحْلَتَكَ
تَغَيََّتْ؟))، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! لَمْ أَرْحَلْهَا، رَحَلَهَا رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ،
قَالَ: ((وَلِمَ؟))، فَقُلْتُ: إِّي أَصَابْتِي جَنَةٌ، فَخَشِيتُ الْقُرَّ عَلَى نَفْسِي،
فَأَمَرْتُهُ أَنْ يَرْحَلَهَا، وَوَضَعْتُ أَحْجَاراً فَأَسْخَنْتُ مَاءِ، وَاغْتَسَلْتُ بِهِ، فَأَنْزَلَ
اللهُ تَعَالَى: ﴿يَتَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الضَلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ إِلَى قَوْلِهِ:
﴿إِنَّاللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣]. رواهما الطبراني.
وفي الأُولى: الربيعُ بن بدر، وهو ضعيف، وفي الثانية: الهيثم
ابن رزين، وهو مختلف فيه.
وقد ذكر البرقي في ((معرفة الصحابة)): أن الأسلع قال لرسول الله وَّ ه
٢٧٧

يوماً: إني جنب، وليس عندي ماء، فأنزل الله آية التيمم.
وفي ((المصنف)) عن عباد بن العَوَّام، عن برد، عن سليمان بن
موسى، عن أبي هريرة: لَمَّا نَزَلَتْ آيَّةُ التَّيَّهُمِ، لَمْ أَدْرِ كَيْفَ أَصْنَعُ،
فَأَتَيْتُ النَّبِّ ◌َهَ، [فَلَمْ أَجِدْهُ، فَانْطَلَقْتُ أَطْلُهُ، فَاسْتَقْبَلْتُهُ، فَلَمَّا رَأَى،
عَرَفَ الَّذِي جِئْتُ لَهُ، فَالَ، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ إِلَى الأَرْضَ، فَمَسَحَ وَجْهَهُ
وَكَفَّيْهِ.
وهذان الحديثان بظاهرهما مخالف لما في الكتاب من نزول آية
التيمم في قصّة عائشة، ولا يمكن أن يقال بأن أبا هريرة وأسلع كانا في
تلك السفرة مع النبي - عليه السلام -؛ لأن إيمانهما متأخر عن ذلك.
وقد يجاب عن ذلك؛ بأن الصحيح ما ذكر في الصحاح من
حديث عائشة، وهذان الحديثان ضعيفان، وقد تأوّل بعض الناس بأن
المراد بالنزول: تعليم النبيّ - عليه السلام - لهما صفة التيمم، وبيان أن
ذلك نازل موجود في القرآن، وحديث أبي هريرة صريح في ذلك.
وقيل: الآية النازلة في حديث عائشة آية المائدة؛ كما جاء
مصرّحاً في الصحيح، والنازلة في قصّة الأسلع وأبي هريرة آية النساء،
قد جاء مصرّحاً من حديث الأسلع - على ما مرَّ -.
والسادس: في القوم الذين ذهبوا في طلب العقد بغير وضوء،
وعدم أمر النبيّ - عليه الصلاة والسلام - لهم بالإعادة:
ربما يستدل به على وجوب الصّلاة على فاقد الطهورين، وعموم
٢٧٨

وجوب الإعادة، ويكون قوله - عليه السلام -: ((لاَ يَقْبَلُ اللهُ صَلاَةً بِغَيْرِ
طُهُورٍ)) مخصوص بوجدان الطهور، وقدرة الاستعمال، أو لا يلزم من
عدم القبول عدم الصحة .
وبالجملة: في مسألة فقاد الطهورين أقوال:
وجوبُ الصلاة، وعدمُ وجوب الإعادة، وهو مذهب المزني،
وبعض المحققين من أرباب المذاهب الثلاثة، وهذا الحديث يؤيده.
ووجوبُ الصلاة، ووجوبُ الإعادة، وهو المختار من مذهب
الشافعيّ.
وحُرمةُ الصّلاة، ولا إعادة، وهو الظاهر من مذهب مالك.
وحُرمتها، ووجوبُ الإعادة، وهو المشهور من مذهب أبي
حنيفة، والأوزاعي.
واستحبابُ الصّلاة، وعدم وجوب الإعادة، وهو قول شاذ لا
یعمل به .
وقال ابن المنذر: لا يصلِّي في الحال، بل يصبر حتى يجدَ الماء
والتراب، وهو قول الأوزاعي، والثوري، وأصحاب الرأي، ورواية عن
أبي ثور، والأخرى عنه: أنه لا يعيد، وحكي عن أبي داود - أيضاً -،
وعن مالك رواية: أنه يصلّي، وفي الإعادة قولان.
وقال أحمد: يصلي، وفي الإعادة روايتان، وهكذا ذكره النووي
في ((شرح المهذب)).
٢٧٩

وقال ابن قدامة في ((المغني)): وإنْ عَدِمَ الماء والتراب، صلَّى
على حسب حاله، وهذا قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي: لا يصلي حتى يقدر
[على أحدهما].
وقال مالك: لا يصلي، ولا يقضي، قال ابن عبد البر: هذه
رواية منكرة عن مالك، وذكر عن أصحابه قولين؛ أحدهما: يترك،
والثاني : يصلي على حسب حاله، ويعيد.
ثم استدل صاحب ((المغني)) على مذهبه بوجوب الصلاة، وقدم
الإعادة؛ لهذا الحديث، فظهر بهذا أن قول القرطبي: لا صلاة عليه
ولا قضاء، قاله مالك، وابن نافع، والثوري، والأوزاعي.
وأصحاب الرأي قالوا: لا صلاة عليه، وعليه الإعادة.
وعدم قول مالك نصَّ ابن عبد البرّ على أنه منكر، وليس هذا
مرفوعاً.
وفي مذهب الثوري، والأوزاعي، وأصحاب الرأي، فتدبّر.
وأمّا في حق واجِدِ أحدِ الطهورين، فالإجماع قائم على عدم
جواز صلاته بدون طهور، ولا فرق في ذلك بين الفريضة والنافلة،
وسجود التلاوة والشكر - على المشهور -، وفي سجدة التلاوة والشكر
خلافٌ ينقل عن ابن عمر - على ما سيجيء -.
وحُكي عن الشعبي، ومحمّد بن جرير: جواز صلاة الجنائز بغير
وضوء، ومال إليه ابنُ حزم، والجمهورُ على خلافه.
٢٨٠
.