النص المفهرس

صفحات 161-180

والمراد من الإفضاء في الثوب الواحد: الاجتماع فیه؛ بحیث تمس
بشرةُ كلٍّ منهما بشرةَ الآخر، وهذا أيضاً حرام؛ لأنه يؤدي إلى مَسِّ الفرج،
ووصول الواحد منهما إلى أعضاء الآخر، وأعضائه إلى فرج الآخر،
والكل حرام، وهذا النهي يؤكد الأول، ويومئ إلى أن التحريم لا ينحصر
في البصر، بل هو عامٌّ متناوِلٌ للمسِّ - أيضاً -، وقد يوجد من هذا حرمة
ذكرِ العورة ولمسِها والاستماع لذلك؛ فإن إدراك البصر بالنظر، وإدراك
سائر الجوارح باللمس، إذا كان حراماً، فينبغي أن يكون الذِّكّر الذي هو
فعلُ اللسان، والاستماعُ الذي هو فعلُ السمع حراماً - أيضاً -.
وسيجيء لهذا زيادةُ بسط - إن شاء الله تعالى -.
وفي لفظ العورة في هذا الحديث ثلاث روايات؛ العَوْرَةُ على
المشهور، والعِرْيَةُ - بكسر العين وسكون الراء -، والعُرَيَّةُ - بضم العين
وفتح الراء وتشديد الياء، على التصغير -، وفي روايةِ التصغير نوعُ
إيماء إلى استحقار موضع النظر، وأن على العاقل أن يكف البصر عن
ذلك الموضع الحقير، ويكون نظره مقصوراً على عوالي الأعضاء، وما
فيها نوعُ اعتبار واستبصار، ويقال لمثل هذا: تقريب المناسبة.
[١٨ -باب
جَوَازِ الإِغْتِسَالِ عُرْيَاناً فِي الْخَلْوَةِ]
٧٩٦ _ (٣٣٩ / ٧٥) - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ،
١٦١

حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبْهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثْنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ
مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِوَلِ فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ: (( كَانَتْ
بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةَ، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى سَوْءَةٍ بَعْضٍ، وَكَانَ مُوسَى
- عَلَيْهِ السَّلامُ - يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَقَالُوا: وَاللهِ! مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَاَ
إِلَّ أَنَّهُ آدَرُ . - قَالَ : - فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ، فَرَّ
الْحَجَرُ بِشَوْبِهِ . - قَالَ : - فَجَمَحَ مُوسَى بِثْرِهِ يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ، ثَوْيِي
حَجَرًا حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى سَوْءَةٍ مُوسَى، قَالُوا: وَاللهِ! مَا
بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ، فَقَامَ الْحَجَرُ حَتَّى نُطِرَ إِلَيْهِ . - قَالَ : - فَأَخَذَ ثَوْبَهُ، فَطَفِقَ
بِالْحَجَرِ ضَرْباً). قَالَ أَبَّ هُرَيْرَةَ: وَاللهِ! إِنَهُ بِالْحَجَرِ نَبٌ سِنَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ؛
ضَرْبُ مُوسَى بِالْحَجَرِ.
الحديث الرابع: حديثُ أبي هريرة: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ:
(كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى سَوْءَةِ بَعْضٍ،
وَكَانَ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَقَالُوا: وَاللهِ! مَا يَمْنَعُ
مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إِلاَّ أَنَهُ آدَرُ . - قَالَ : - فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ، فَوَضَعَ
ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ، فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ . - قَالَ : - فَجَمَحَ مُوسَى بِثْرِهِ
يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ، ثَوْبِي حَجَرُ! حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى سَوْءَةِ
مُوسَى، قَالُوا: وَاللهِ! مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ، فَقَامَ الْحَجَرُ حَتَّى نُظِرَ إِلَيْهِ.
- قَالَ : - فَأَخَذَ ثَوْبَهُ، فَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْباً)). قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللهِ! إِنَّهُ
بِالْحَجَرِ نَدَبٌ سِنَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ؛ ضَرْبُ مُوسَى بِالْحَجَرِ. أخرجه البخاري،
١٦٢

والترمذي، والكلام عليه في مواضع :
الأول: في المناسبة:
لما ذكر وجوبَ التستر في الاغتسال، وذكر السبب - أيضاً -،
أراد أن يشير إلى ترك بني إسرائيل ذلك، وأومأ إلى أن الشارع فيهم -
وهو موسى صلوات الله عليه - لا يفعل ذلك، بل يغتسل وحده في
الخلوة، وبيَّن بأن اغتساله بغير ساتر، فيكون الحديث مشتملاً على
أمرين :
أحدهما: اغتسالُ بني إسرائيل عُرْياً بمرأى الأعين.
والثاني: اغتسالُ موسى عرياناً في الخلوة، ثم [بيَّن أن] ذلك إِمَّا
أن يكون جائزاً في شرعهم، ويتركه موسى - عليه السلام - تنزهاً وحياءً
ومروءةً، ويؤيده رواية البخاري: ((إِنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلاً حَيِيًّاً سِتِيراً،
لاَ يُرَى مِنْ جِلْدِهِ شَيْءٌ؛ اسْتِحْيَاءً» .
أو أن يكون حراماً في شرعهم، كما هو في شرعنا، ويتساهلون
فیه كما يتساهل كثير من الناس في هذا الزمان، وموسى - عليه السلام
- لما رأى تساهلهم في ذلك، وعدمَ انزجارهم بقوله، أومأ إلى الزجر
بالفعل - أيضاً -، وهو الاغتسال في الخلوة؛ لأن الإعراض عن
الجاهل أبلغُ زجراً له، ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيَايَئِنَا فَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام:
٦٨ ].
ثم كشف العورة في شرعنا حرام إلا لضرورة، والضرورة تتنوع
١٦٣

في نفسها، وبالنسبة إلى حالة الخلوة وغيرها، فالاغتسالُ ونحوُه
ضرورة في حال الخلوة، وقد قيل: كل ما هو ضرورة في حال غير
الخلوة، يكون ضرورة فيها، بدون عكس، ثم الأفضل في الخلوة: أن
يغتسل مستور العورة، والاغتسال عرياناً فيها جائز، وهو مذهب
الجمهور.
ومَنَعَ الجواز في الخلوة - أيضاً - ابنُ أبي ليلى.
وحكى الماوردي وجهاً لبعض أصحاب الشافعي - أيضاً -.
وقيل: الخلاف في النزول في الماء عرياناً بغير مئزر، لا الاغتسال
في خلوة عرياناً، بأن يصب الماء عليه، ويدل على ذلك: احتجاجهم
بما روي عن النبي - عليه الصلاة والسلام -: ((لا تدخلوا الماء إلا
بمئزر، فإن للماء عامراً))، وبأن ابن عباس لا يغتسل في بحر ولا نهر،
إلا وعليه مئزر، فإذا سئل عن ذلك، قال: إن له عامراً؛ أي: سُكَّاناً في
الماء .
هذا والصحيح: أن الاختلاف في الاغتسال عرياناً في الخلوة -
أيضاً-، لا في النزول في الماء بغير مئزر فقط؛ لأنهم يحتجون بحديث
بَهْزِ بن حَكِيمٍ بن معاوية، وله صحبة، وقد أخرجه الأربعة، وأبو داود
في (الحجامة)، والترمذي في (الاستئذان)، والنسائي في (عِشْرةٍ
النساء)، وابن ماجه في (النكاح): قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي
مِنْهَا وَمَا نَذَرُ؟ قَالَ: ((احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلَّ مِنْ زَوْجَتِكَ، أَوْ مَا مَلَكَتْ
يَمِينُكَ))، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ؟
١٦٤

قَالَ: ((إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لاَ يَرَيَنَّهَا أَحَدٌ، فَلاَ يَرَيَّنَّهَا))، قَالَ: قُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللهِ! إِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِياً؟ قَالَ: ((اللهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنَ
النَّاسِ)»
وأخرج البخاري القطعة منه، وهو قوله: ((فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا
مِنْهُ مِنَ النَّاسِ».
ولما جاء في ((سنن أبي داود))، و((النسائي)) من حديث يعلى بن
أمية: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ رَأَى رَجُلاً يَغْتَسِلُ بِالْبَرَازِ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ
اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: ((إِنَّ اللهَ حَلِيمٌ حَيِيٍّ سِتِيرٌ، يُحِبُّ الْحَيَاءَ
وَالسَّتْرَ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْتَتِرْ))، وقد مرَّ.
وهذا عند الجمهور محمول على الندب والاستحباب، لا على
الإیجاب، وقد تكلم قوم في إسنادهما، وقوم في إسناد الأول، وحمل
الثاني على أنه بمرأى العين؛ حيث يراه رسول الله اصليه، [أو أي]
إنسان .
[الثاني]: في قوله: (إِلاَّ أَنَّهُ آدَرُ) هو بمد الهمزة وفتح الدال
المهملة ثم راء مهملة: عظيم الخصيتين؛ من الأُدْرَةِ - بضم الهمزة مع
سكون الدال وفتحها - ولا يقال: آدرا، وقيل: الإيذاء المذكورُ في قوله
تعالى: ﴿كَذِينَ ءَاذَوْ مُوسَى﴾ [الأحزاب: ٦٩] هو رميُهم إياه بالأُدرة، ويدل
عليه ما جاء في بعض الروايات: أن هذه الآية الكريمة نزلت في ذلك.
وقيل: اتهامهم بقتل هارون حين صعدا معاً الجبل، ومات
هارون فيه .
١٦٥

ويجوز أن يكونا معاً فاتَّهم بهذا وبذاك، وبرأه الله من كل منهما،
والله أعلم.
والثالث: في قوله: (فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى
حَجَرٍ) المفهوم منه: أنه - عليه الصلاة والسلام - يغتسل عرياناً، وقد
وضع ثوبه على حجر، وتعرى، وأما أنه دخل الماء بغير مئزر، فغير
مفهوم من هذا اللفظ، نعم، جاء في الكتاب: (أنه اغتسل عند مُوَيْه) -
تصغير ماء -، وفي بعض النسخ: (مَشْرَبَة) - بفتح الميم وإسكان الشين
المعجمة ثم راء مهملة - بدل (مويه)، وهي حفرة في أصل النخلة
يُجمَع الماء فيها لسقيها، وهذا - أيضاً - لا يدل على دخوله - عليه
الصلاة والسلام - في الماء عرياناً، بل إنما يدل على أنه اغتسل عرياناً
عند مويه، أو مشربة، وأن ذلك كان جائزاً في شريعته؛ كما هو جائز
في هذه الشريعة، والظاهر: جوازُه في الشرائع جميعاً؛ لأنه ليس مما
ينفر الطبع فيه، ولا يترتب عليه مفسدة، وما ورد فيه شيء من الأخبار
الدالة على أن فيه بعيد، وربما يكون أعونَ على الاغتسال، وإيصال
الماء إلى جميع الأعضاء، وأعون على الإضرار في كثرة صب الماء
المفضي إلى الإسراف، ولهذا اغتسل كليم الله موسى - صلوات الله
عليه وسلامه -.
وعن أبي هريرة، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((بَيْنَمَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ
عُرْيَاناً، خَرَّ عَلَيْهِ رِجْلُ جَرَادٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ يَحْثِي فِي ثَوْبِهِ، فَنَادَى
رَبُّهُ: يَا أَيُّوبُ! أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْئُكَ عَمَّا تَرَى؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، وَلَكِنْ لاَ
١٦٦

غِنَى لِي عَنْ بَرَكَتِكَ)) أخرجه البخاري، والنسائي.
وأما فِرارُ الحجر بثوبه - عليه الصلاة والسلام -، [فهو] معجزة
عظيمة له - عليه الصلاة والسلام -.
والجُموح: الإسراع في المشي، والإقبال عليه، وإنما يكون
ذلك لأجل بقائه عرياناً، ولابدَّ له من ستر العورة.
قال ابن سيده: جَمَحَ الفرسُ بصاحبه: ذهب يجري جَرْیاً غالباً،
وكل شىء إذا مضى لوجهه على أمر، فقد جمح به، قال الله تعالى:
﴿لَوَّلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ [التوبة: ٥٧].
وفي (الإِثْرِ) الحركاتُ الثلاث في [الهمزة] (١) مع سكون الثاء
لغة، والرابعة فتحهما.
ودخول الباء عليه - على ما في رواية الكتاب - إيماء إلى شدة
جموح موسى - عليه الصلاة والسلام - كأنه على الحجر، وهو يجمع
به، ورمزٌ إلى سبب الجموح؛ كأنه لا يجمح اختياراً، بل الحجر
یجمع به کالفرس بصاحبه.
وفي البخاري: ((فَجَمَحَ مُوسَى بِإِثْرِهِ))، وهو ظاهر أنه مشى سريعاً
في خلف الحجر، فلأجل صدور فعل ذي الحياة عنه؛ استعظاماً لكشف
العورة.
وفي البخاري: ((ثَوْبِي يَا حَجَرُ)) بإثبات حرف النداء.
(١) بياض في الأصل.
١٦٧

وأما عدم توقف موسى عن الجموح حين وصل إلى القوم،
فلأجل أنه ما وصل إلى مجتمع القوم، بل هو بعدُ في الصحراء، وفيه
بعضُ القوم، وقد رأوا موسى - عليه السلام -، وهو ما رآهم، أو أنه
وصل إلى مأمنهم، ورأوه، و[ ... ] موسى - عليه السلام - لاشتغاله
بالحجر، وطلب ثوبه منه، واستغراقه في هذا الأمر العظيم، وعلمِه
بأن الله تعالى حكمة بالغة في ذلك، ويؤيده رواية البخاري: ((حَتَّى
انْتُهَى إِلَى مَلإٍ مِنْ بِي إِسْرَائِيلَ، فَرَأَوْهُ عُرْيَاناً أَحْسَنَ مَا خَلَقَ اللهُ، وَأَبْرَأَهُ
مِمَّا يَقُولُونَ))، وقيل: كان عليه مئزر، وإنما عرفوا عدم أدرته [بما]
يظهر تحت المئزر المبلول، وقد اعتمد على الثاني قوم، مع أن لفظ
السوءة يرده، اللهم إلا أن يقدروا: موضع السوءة؛ لأن حقيقة النظر
إلى السوءة وهي العورة، إنما یکون إذا وقع النظر إليها بدون ساتر.
وقد استدل مَنْ ذهب إلى جواز كشف العورة في شريعة موسى -
عليه السلام -، وأن اغتسالهم عراة، ونظر بعضهم إلى عورة بعض كان
جائزاً؛ فإن موسى - عليه السلام - يغتسل في الخلوة تنزهاً، بظاهر
الحديث من ذهاب موسى بين القوم، وقد يجاب بالضرورة.
واستنبط ابن بطال من ذلك جوازَ النظر إلى العورة عند الضرورة
الداعية إلى ذلك، من مداواة أو براء من العيوب؛ كالبَرَصِ وغيره من
الأدواء التي يتحاكم الناس فيها مما لا بد فيها من رؤية أهل النظر
إياها .
وبالجملة: المفهوم من الحديث: أن الحجر لم يزل فارّاً بثوبه
١٦٨

حتى نظر إلى موسى القوم، وعلموا أنه لا بأس به، ثم وقف بعد
ذلك.
والتعبير عن الوقوف بالقيام إيماءٌ إلى أنه في حال وقوفه عالياً
مرتفعاً، ولعله كان حجراً طويلاً، وكان في حال مشيه يمشي على
بطنه، وعند وقوفه وقف منتصباً.
والرواية في: (نُظِرَ إِلَيْهِ) - ضم النون وكسر الظاء، على ما لم
يسم فاعله -، وفيه إيماءٌ إلى أن قيامه عند مجتمع الناس؛ حيث لم
يجعل الناظر شخصاً معلوماً.
وفي رواية البخاري: ((حَتَّى انْتُهَى إِلَى مَلاٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ))،
والظاهر: أنه موسى؛ لقوله: (فَأَخَذَ) و(طَفِقَ)، وإنما لم يقل: حتى
نظروا إليه؛ لأن الغرض: بيانُ نظره ونظرهم إليه، وبيان [ ... ]
موسى [ ... ] أخذ الثوب عنه، والضرب له، وذلك يؤدي بتلك
الطريقة على الاختصار لا غير.
وأما ضربُه الحجرَ، فلأجل أنه فعلَ ما لا ينبغي من تسبيبٍ
لكشف عورته ظاهراً، وإن كان ذلك حسناً معنَى؛ لأنه بأمر الله تعالی،
وخلق الحركة فيها إظهاراً لبراءته، وحصول إضافة معجزة، وجعل الله
تعالى في ضربه إظهارَ معجزة أخرى؛ حيث أثَّرَ ضربُه في الحجر،
وصار فيه أثر الضرب، وقيل: ضربه بأمر الله تعالى.
والنَّدَبُ - بفتح النون والدال المهملة -: الجرح إذا لم يرتفع عن
١٦٩

الجلد، وعن الأصمعي: هو الجرح إذا بقي منه سرق، يقال: ضربه
حتى أَنْدَبَه.
، وقولُ أبي هريرة: (سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ) روي مرفوعاً على أنه بدل
من (نَدَبٌ)، ومنصوباً على التمييز، والمعنى: مواضع الجرح على
الحجر بهذا العدد.
وفي رواية البخاري: (فَوَاللهِ! إِنَّ بِالْحَجَرِ لَنَدَباً مِنْ أَثَرِ ضَرْبِهِ؛
ثَلاَثاً أَوْ أَرْبَعاً أَوْ خَمْساً»، وأَّده بالقسم؛ إيماءً إلى أنه أمر عظيم،
غريب عن الفهم، من شأنه أن يتسارع إليه الحمل على التجوز
والسهو .
وفيه: جواز تأكيد الأمور التي من شأنها ذلك القسم.
* وقوله: (ضَرْبُ مُوسَى بِالْحَجَرِ) تكرير للمعنى الأول، تأكيداً
وبیاناً بأن التُّدَبَ إنما تكون من ضرب موسی - عليه السلام -، وإن كان
يُعلم ذلك من قوله: ((فَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْباً»، ((وَاللهِ! إِنَّهُ بِالْحَجْرِ
نَدَبٌ)).
وفي قوله: ((ضَرْبُ مُوسَى بِالْحَجَرِ))، مع أن الظاهر: ضربُ
موسى على الحجر، إيماءٌ إلى شدة حصول الجرح في الحجر؛ كأن
موسى - عليه السلام - ضرب الحجر بالحجر؛ لأن حصول أثر الجرح
في الحجر عادةً إنما يكون بضرب شيء صلب؛ كالحجر، والحديد،
ونحوهما، لا باليد والعصا، وتقديمُ الحجر وتنكير الندب في قوله:
((وَاللهِ! إِنَّهُ بِالْحَجَرِ نَدَبٌ)) ربما يومئ إلى ذلك - أيضاً -، وفي رواية
١٧٠

البخاري: ((وَاللهِ! إِنَّهُ لَنَدَبُّ بِالْحَجَرِ سِنَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ ضَرْباً بِالْحَجَرِ)»،
ورواية الکتاب أشمل للفوائد ۔ على ما ذكرنا -.
وفي الحديث: دلالة على أن الله تعالى خلق أنبياءه أبرياء من
العيوب، وجعلهم أكمل الخلق خَلْقاً وخُلقاً، وما وقع ليعقوبَ
وأيوبَ، فلرفع الدرجة، ليس في أول الأمر، وقد زال - أيضاً -، وما
قيل: إن شعيباً بُعث ضريراً، واستدل من قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَغَرَكَ فِيْنَا
ضَعِيفًا ﴾ [هود: ٩١]، والضعيف هو الضرير بلغة أهل مدين، فغيرُ
صحيح، كيف، ولفظة: ﴿فِيِنَا﴾ تردُّه؛ فإن المراد بالضعيف لو كان
هو الضرير تكون هذه اللفظة زائدة؛ لأن الضرير ضرير فيهم وفي
غيرهم، فعلم أن مرادَهم تحقيرُ شأنه، لا بيان أنه أعمى، ولهذا قالوا:
﴿وَمَّآ أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزِ﴾ [هود: ٩١]؛ يعني: أي: كنت عزيزاً عند غيرنا، وما
كنت عزيزاً عندنا، بل ضعيفاً حقيراً.
[١٩ - باب
الإِعْتِنَاءِ بِحِفْظِ الْعَوْرَةِ ]
٧٩٧ - (٣٤٠ / ٧٦) - وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ،
وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ بْنِ مَيْمُونٍ جَمِيعاً، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَاَ
ابْنُ جُرَيْجٍ ح، وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ،
وَاللَّفْظُ لَهُمَا - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ
١٧١

الرَّرَّاقِ : - أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ
ابْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: لَمَّا يُنِيَتِ الْكَعْبَةُ، ذَهَبَ النَّبِيُّ وَلِهِ، وَعَبَّاسٌ يَنْقُلاَنِ
حِجَارَةً، فَقَالَ الْعَبَّاسُ لِلنَّبِيِّ وَهَ: اجْعَلْ إِزَارَكَ عَلَى عَاتِقِكَ مِنَ
الْحِجَارَةِ، فَفَعَلَ، فَخَرَّ إِلَى الأَرْضِ، وَطَمَحَتْ عَيْنَهُ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ
قَامَ فَقَالَ: ((إِزَارِي إِزَارِي))، فَشَدَّ عَلَيْهِ إِزَارَهُ. قَالَ ابْنُ رَافِعٍ فِي رِوَايَتِهِ:
عَلَى رَقَئِكَ. وَلَمْ يَقُلْ: عَلَى عَاتِقِكَ.
٧٩٨ _ (٣٤٠ / ٧٧) - وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ
عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ:
سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِاللهِ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ﴿ كَانَ يَتْقُلُ مَعَهُمُ
الْحِجَارَةَ لِلْكَعْبَةِ، وَعَلَيْهِ إِزَارُهُ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ عَمُّهُ: يَا بْنَ أَخِي! لَوْ
حَلَلْتَ إِزَارَكَ، فَجَعَلْنَهُ عَلَى مَنْكِبِكَ دُونَ الْحِجَارَةِ، - قَالَ : - فَحَلَّهُ،
فَجَعَلَهُ عَلَى مَنْكِبِهِ، فَسَقَطَ مَغْشِيَاً عَلَيْهِ . قَالَ : - فَمَا رُبِيَ بَعْدَ ذَلِكَ
الْيَوْمِ عُرْيَاناً.
الحديث الخامس: حديثُ جابر، لَمَّا يُنِيَتِ الْكَعْبَةُ، ذَهَبَ
النَّبِيُّ ◌َّهِ وَعَبَّاسٌ يَنْقُلاَنِ حِجَارَةٌ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ لِلنَّبِيِّ وََّ: اجْعَلْ
إِزَارَكَ عَلَى عَاتِقِكَ مِنَ الْحِجَارَةِ، فَفَعَلَ، فَخَرَّ إِلَى الأَرْضِ، وَطَمَحَتْ
عَيْنَاهُ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ قَامَ فَقَالَ: ((إِزَارِي إِزَارِي))، فَشَدَّ عَلَيْهِ إِزَارَهُ.
وفي رواية: أنه - عليه السلام - كَانَ يَنْقُلُ مَعَهُمُ الْحِجَارَةَ لِلْكَعْبَةِ،
١٧٢

وَعَلَيْهِ إِزَارُهُ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ عَمُّهُ: يَا بْنَ أَخِي! لَوْ حَلَلْتَ إِزَارَكَ
فَجَعَلْتَهُ عَلَى منكِبكَ دُونَ الْحِجَارَةِ، - قَالَ : - فَحَلَّهُ، فَجَعَلَهُ عَلَى
مَنْكِهِ، فَسَقَطَ مَغْشِيّاً عَلَيْهِ - قَالَ : - فَمَا رُبِيَ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ عُرْيَانً»
أخرجه البخاري.
إذا عرفت هذا، فاعلم أن مسلماً لما ذكر اغتسال موسى - عليه
السلام - عرياناً، وفرارَ الحجر بثوبه، ورؤيةَ القوم عورته، أراد أن يشير
إلى أن مثل ذلك قد وقع لنبينا - عليه الصلاة والسلام - في صغره، فخرَّ
مغشياً عليه، ثم قام وطلب إزاره، وشدَّه عليه، ولم يُر عرياناً بعد
ذلك.
وفيه: منقبة عظيمة لرسول الله ێر؛ حيث لم یکن فيه ما فيه أدنی
منقصة؛ لا في صغره، ولا بعد كبره، وأنه ما كان يفعل ما تفعله
الجاهلية في صغر سنه - أيضاً -، وإن وقع منه في صغره شيء مما فيه
نوع شَیْن، لم يعبه الله علیه، بل رشده، وثبته عليه.
وفي رواية من غير ((الصحيحين)): ((فنزل ملك من السماء، فشدً
علیه إزاره)).
وفيه: أنه لم يزل من أول حياته ممتازاً من بين الناس، مشهوراً
بالفضائل التي لا تكون من غيره.
وفيه: أقوی دلیل على اصطفائه، ولکن الذین ینکرون ذلك صُمِّ
بکم عمي فهم لا يرجعون.
١٧٣

وأَمرُ العباس له بحل إزاره، وجعله على عاتقه؛ إِمَّا أنه كان
صغيراً؛ بحيث لا يؤبه في أمثاله في كشف العورة، وإِمَّا لأن كشف
العورة في الجاهلية مما لا يُحترز عنه، ويدل عليه: طوافهم بالبيت
عربياً، ونهي النبي - عليه الصلاة والسلام - عن ذلك، ويدل على صحة
الوجه الثاني: زمان بنيان الكعبة؛ فإن الصحيح في كتب التواريخ: أنه
في وقتٍ كان النبي - عليه الصلاة والسلام - قد تجاوز البلوغ.
وأولُ من بنى الكعبة بعدَ الطوفان: إبراهيم، ثم هُدم، فبناه قوم
من العرب من جُرْهُم، ثم هُدم، فبنته العمالقة، ثم هُدم، فبناه ابن
الزبير، ثم لما قتله الحجاج، هَدَمه وبناه، ولما أراد المهدي العباسي
هدمه وبناءه، توجه مالك - رحمه الله - من المدينة إلى بغداد، وقال
له: الله، الله، لا تجعل البيتَ ملعبةً للملوك، فتركَه.
وسيجيء في بنيان الكعبة زيادة كلام - إن شاء الله تعالى -.
٧٩٩ - (٣٤١ / ٧٨) - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الأَمَوِيُّ، حَدَّثَنِي
أَبِيِ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ بْنِ عَبَّادِ بْنِ حُنَّفِ الأَنْصَارِيُّ، أَخْبَرَنِي
أَبُّ أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيَّفٍ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، قَالَ: أَقْبَلْتُ
بِحَجَرٍ أَحْمِلُهُ ثَقِيلٍ، وَعَلَيَّ إِزَارٌ خَفِيفٌ - قَالَ : - فَانْحَلَّ إِزَارِي، وَمَعِيَ
الْحَجَرُ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَضَعَهُ، حَتَّى بَلَغْتُ بِهِ إِلَى مَوْضِعِهِ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِوَلِ: ((ارْجِعْ إِلَى ثَوْبِكَ فَخُذْهُ وَلاَ تَمْشُوا عُرَاةً» .
١٧٤

الحديث السادس: حديثُ المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ، قَالَ: أَقْبَلْتُ بِحَجَرِ
أَحْمِلُهُ تَقِيلٍ، وَعَلَيَّ إِزَارٌ خَفِيفٌ - قَالَ : - فَانْحَلَّ إِزَارِي، وَمَعِيَ الْحَجَرُ لَمْ
أَسْتَطِعْ أَنْ أَضَعَهُ، حَتَى بَلَغْتُ بِهِ إِلَى مَوْضِعِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّه:
(رْجِعْ إِلَى ثَوْبِكَ فَخُذْهُ، وَلاَ تَمْشُوا عُرَاةً) أخرجه أبو داود.
إذا عرفت، فالكلام عليه في مواضع:
الأول: في التعريف برواته سوى ما سلف، وهو: أبو أمامة،
وشيخه.
أما (أَبُو أَمَامَةَ)، فهو أسعد بن سهل(١) بنِ حُنيفِ الأنصاريُّ،
المدنيُّ، ولد في حياة النبي - عليه الصلاة والسلام -، وسُمِّي باسم
جده أسعد ابن زرارة.
روى عن أبيه، وعمر، وعائشة، وجماعة.
وعنه سعد بن إبراهيم، وأبو الزناد، والعنبريُّ، وخلق.
وأخرج له الستة.
توفي سنة مئة.
وأما شيخه، فهو أبو عثمانَ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ بنِ نَوْفَلِ بنِ أهيبٍ
ابنِ عبدِ منافٍ بنِ زهرةَ الزهريُّ، وأمه عاتكة أختُ عبد الرحمن بن
عوف.
توفي النبي - عليه الصلاة والسلام - وله ثمان سنين، وقد صح
(١) في الأصل: ((سهل بن سعد)).
١٧٥

سماعه عن النبي - عليه السلام -.
روي له عنه اثنان وعشرون حديثاً، اتفقا على حديثين، وانفرد
البخاري بأربعة، ومسلم بهذا الحديث، وأخرج له الأربعة - أيضاً -،
وكان من فضلاء الصحابة وفقهائهم.
روى عنه: علي بن الحسين، وعروة بن الزبير، وابن أبي مليكة،
وخلائق.
أصابه حجر المنجنيق في زمان الحجاج وهو يصلي في الحِجْر،
فمكث خمسة أيام، ومات في ربيع الآخر سنة أربع وستين، وهو ابن
ثلاث وستين سنة
والثاني : في أحكامه:
وهو النهي عن كشف العورة، وقد مرَّ.
الثالث: في قوله: (وَلاَ تَمْشُوا) الرواية بالواو على الجمع، وفي
جمعه بعد توحيد (ارْجِعْ) (فَخُذْهُ) إيماءٌ إلى أنه الغرضُ المسوقُ له
الكلام، وما قبله توطئة له؛ كأنه قيل: ولا تمش أنت ومن هو مثلك
من أهل دينك عرياناً .
*
[٢٠ - باب
مَا يُسْتَثَرُ بِهِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ]
٨٠٠ - (٣٤٢ / ٧٩) - حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، وَعَبْدُاللهِ بْنُ
١٧٦
٠

مُحَمَّدٍ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ، قَالاَ: حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ - وَهُوَ ابْنُ مَيْمُونٍ -:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِاللهِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ مَوْلَى
الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الهِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَرْدَفَتِي رَسُولُ اللهِوَّل
ذَاتَ يَوْمٍ خَلْقَهُ، فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيثاً لاَ أُحَدِّثُ بِهِ أَحَداً مِنَ النَّاسِ، وَكَانَ
أَحَبَّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ:﴿ لِحَاجَتِهِ هَدَفٌ، أَوْ حَائِشُ نَخْلٍ. قَالَ
ابْنُ أَسْمَاءَ فِي حَدِيثِهِ: يَعْنِي: خَائِطَ نَخْلٍ.
الحديث السابع: حديثُ عبدِ الله بن جعفر: أَرْدَفَتِي رَسُولُ اللهِّلـ
ذَاتَ يَوْمٍ خَلْفَهُ، فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيثاً لاَ أُحَدِّثُ بِهِ أَحَداً مِنَ النَّاسِ،
وَكَانَ أَحَبَّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ وَّهِ لِحَاجَتِهِ هَدَفٌ، أَوْ حَائِشُ
نَخْلٍ. قَالَ ابْنُ أَسْمَاءَ فِي حَدِيثِهِ: يَعْنِي: خَائِطَ نَخْلٍ. أخرجه أبو
داود، وابن ماجه.
إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في مواضع :
الأول: في التعريف برواته سوی ما سلف، وهو محمد، وشیخه،
[وعبدالله بن جعفر].
أما [محمدٌ، فهو ابنُا عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ التميميُّ الضُّبَعِيُّ،
البصريُّ.
عن عبدالله بن شداد، وعبد الرحمن بن أبي بكرة، وجمع.
وعنه هشام بن حسان، وجرير بن حازم، وشعبة، وجماعة.
وَثَّقَهُ ابن معين، وأبو حاتم، وأخرج له الستة.
١٧٧

قال شعبة: کان سيد بني تميم.
وأما شيخه، فهو الْحَسَنُ بْنُ سَعْدِ بنِ معبد الهاشميُّ، مولی
الحسنِ بنِ عليٍّ.
عن أبيه، وعبد الرحمن بن عبدالله بن مسعود، وجماعة.
وعنه أبو إسحاق الشيباني، وحجاج بن أرطاة، والمسعودي،
وآخرون.
وَثَّقَهُ النسائي، وأخرج له الستة سوى البخاري، والترمذي.
وأما (عَبْدُاللهِ)، فهو ابْنُ جَعْفَرِ بن أبي طالب بن عبد المطلب،
أبو جعفر الهاشميُّ، المدنيُّ، أولُ من وُلد للمهاجرين في الحبشة،
وكان جراداً كاتبه، وكان يسمى: البحر، ويقال: لم يكن في الإسلام
أسخی منه.
روي له عن رسول الله وَالل خمسة وعشرون حديثاً، اتفقا على
حديثين، وأخرج له الأربعة - أيضاً -.
روى عنه بنوه: إسماعيل، وإسحاق، ومعاوية، ومحمد بن علي
ابن الحسين، والقاسم بن محمد، وآخرون.
له مناقب جمة، وسيجيء في (الفضائل) نبذ منها.
توفي سنة تسعین
والثاني: في قوله: (وَكَانَ أَحَبَّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ وَلو
١٧٨

لِحَاجَتِهِ هَدَفٌ) وجه مناسبة هذا الكلام لأول الحديث: أن سماع
الراوي، وهو عبدالله بن جعفر الحديثَ الذي أسرَّ النبي - عليه الصلاة
والسلام - حين كان ردفه في وقت يكون في [ ... ] استتار النبي - عليه
الصلاة والسلام - لقضاء حاجته، كأنه لما استتر إليه، نزل من راحلته،
ومضى لقضاء حاجته، واستتر، والراوي روى القصة بتمامها، وترك
الحديث الذي أسرَّ إليه؛ لأنه مما يجب أن يخفى، و- أيضاً -: في هذا
كما في الحديث الذي أسر إليه، فتناسب ذكرهما معاً.
وليس في ((ابن ماجه)) أولُ الحديث، وإِن فيه: وَكَانَ أَحَبَّ ... ،
إلى آخره.
والهَدَفُ - بفتح الهاء والدالـ: المرتفع عن الأرض.
والحَائِشُ - بالحاء المهملة والشين المعجمة وبينهما مثناة
تحتانية -: البستان من النخيل، وفسر في هذا الكتاب بحائط النخل،
وهو صحيح.
والثالث: في أحكامه:
ويؤخذ من قوله: (أَحَب): أنه - عليه السلام - يستتر نحو التباعد
من الناس وغيره، وهذا أحب إليه من غيره؛ لأن فيه التستر الكامل.
وعن يعلى بن مرة، عن أبيه، قال: كُنْتُ مَعَ النَّبِّوَّهُ فِي سَفَرٍ،
فَأَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ حَاجَتَهُ، فَقَالَ لِي: ((ائْتِ تِلْكَ الأَشَاءَتَيْنِ)) - يَعْنِي:
النَّخْلَ الصِّغَارَ -، فَقُلْ لَهُمَا: إِنَّ رَسُولَ اللهِ يَأْمُرُكُمَا أَنْ تَجْتَمِعَا))،
١٧٩

فَاجْتَمَعَتَا، فَاسْتَتَّرَ بِهِمَا، فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ قَالَ لِي: ((اقْتِهِمَا، فَقُلْ
لَهُمَا: لِتَرْجِعْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا إِلَى مَكَانِهَا))، فَقُلْتُ لَهُمَا، فَرَجَعَتَا.
أخرجه ابن ماجه.
وعن أنس، وابن عمر: كَانَ النَّبِيُّ نَ﴿ إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ، لَمْ يَرْفَعْ
ثَوْبَةُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنْ الأَرْضِ. أخرجه أبو داود، والترمذي.
وأما حديث أبي هريرة: أن النبي - عليه السلام - قال: ((مَن
اكْتَحَلَ، فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ، فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لاَ، فَلاَ حَرَجَ، وَمَنْ
اسْتَجْمَرَ، فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ، فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لاَ، فَلاَ حَرَجَ، وَمَنْ
أَكَلَ، فَمَا تَخَلَّلَ، فَلْيَلْفِظْ، وَمَا لاَكَ بِلِسَانِهِ، فَلْيَبْتَلِعْ، مَنْ فَعَلَ، فَقَدْ
أَحْسَنَ، وَمَنْ لاَ، فَلاَ حَرَجَ، وَمَنْ أَتَى الْغَائِطَ، فَلْيَسْتَتِرْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ
إِلاَّ أَنْ يَجْمَعَ كَثِيباً مِنْ رَمْلٍ، فَلْيَسْتَتِرْ بِهِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَلْعَبُ بِمَقَاعِدِ
بَنِي آدَمَ، مَنْ فَعَلَ، فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لاَ، فَلاَ حَرَجَ)) أخرجه أبو داود،
وابن ماجه [ ... ] وأن في سنده مقال، إنما يدل على عدم الحرج من
جمع الكثيب من التراب للاستتار به؛ لأن ترك الاستتار مطلقاً، وبعد
الحاجة، والله أعلم.
١٨٠