النص المفهرس

صفحات 421-440

وأنت خبير ببُعد هذه الوجوه؛ لما فيها من ترك الظاهر، بل
الظاهر: أنه من باب القلب، على مَا مَرَّ في التعبير عن الحيض
بالنفاس: أنه لما كان عبارة عن خروج النفس الذي هو الولد،
والغرضُ الأصلُ من النكاح بقاءُ النسل، وقد جعل الله تعالى - تبارك
الله تعالى - الحيضَ دليل الحمل، فإن المرأة إذا ارتفع حيضُها، لم
تحمل عادةً، فلمّا رأى النبي - عليه الصلاة والسلام - انسلالَ أمّ سلمة
وملالتها بحدوث القذر منها، وانقطاعها عن مضاجعته - عليه الصلاة
والسلام - لأجل ذلك، أورد اللفظ الدال على أن هذا الذي تستقذره
ليس بقذر بالنظر إلى الحالة المطلوبة، وهي الولادة، وأنه مقدمة
ذلك، وعلامة صدور الولد منها، فكأنه أبرز حدوث هذه الحالة
بحدوث حالة الدم الذي يخرج بعد خروج الولد؛ إيراداً للمقدمة مقام
المطلوب، وإبراز [ ... ](١) في معرض الحسن، ولذلك ذكر في
حديث عائشة - أيضاً - حين دخل عليها وهي تبكي.
وبالجملة: تعبيره - عليه الصلاة والسلام - عن الحيض بالنفاس في
هذه المواقع لأجل التأنيس، وترك الاستقذار، وتطبيباً لمن حدث لها
ذلك، وعلى هذا: التعبير عن الحيض في قوله تعالى: ﴿فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَهَا
بِإِسْحَقَ﴾ [هود: ٧١]؛ فإن حالة الولادة حالة سرور لصاحب الولد، فناسب
أن يعبر عن الحيض الذي هو مقدمة الإمكان بالضحك، فتدبّر.
(١) بياض في الأصل.
٤٢١

الثالث: في قوله: (وَكَانَتْ هِيَ وَرَسُولُ اللهِ أَ﴿ يَغْتَسِلاَنِ فِي
الإِنَاءِ الوَاحِدِ مِنَ الجَنَابَةِ) إنما غيّر الأسلوب هنا من التكلم إلى الغيبة؛
لأنه ليس من تتمة هذا الحديث؛ لأن اغتسالهما من الجنابة في إناء
واحد ليس في هذه الحالة؛ لأن الحديث إنما يكون في مبدأ الحيض،
والاغتسال من الجنابة إنما يكون في موطن آخر، ولذلك لم يذكر
البخاري في هذا الموضع هذه الزيادة، بل تم الحديث عند قوله: ((فِي
الخَمِيلَةِ))، وذكرها في (باب النوم مع الحائض وهي في ثيابها).
[٣ - باب
جَوَازٍ غَسْلِ الخَائِضِ رَأْسَ زَوْجِهَا وَتَرْجِيلِهِ،
وَطَهَارَةِ سُؤْرِهَا، وَالإِتِّكَاءِ فِي حِجْرِهَا، وَقِرَاءَةِ القَرْآنِ فِهِ ]
٧١٠ - (٢٩٧ / ٦) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى
مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ:
كَانَ النَّبِيُّ ◌َ﴿ إِذَا اعْتَكَفَ، يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ، فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لاَ يَدْخُلُ
البَيْتَ إِلَّ لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ.
٧١١ - (٢٩٧ / ٧) - وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ ح،
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَاَ اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
عُرْوَةَ، وَعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِّ ﴿ قَالَتْ: إِنْ
٤٢٢

كُنْتُ لِأَدْخُلُ البَيْتَ لِلْحَاجَةِ، وَالمَرِيضُ فِيهِ، فَمَا أَسْأَلُ عَنْهُ إِلاَّ وَأَنَا
مَارَّةٌ، وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِوَلِ لَيَّدْخِلُ عَلَيَّ رَأْسَهُ وَهُوَ فِي المَسْجِدِ،
فَأُرَجّلُهُ، وَكَانَ لاَ يَدْخُلُ البَيْتَ إِلَّ لِحَاجَةٍ إِذَا كَانَ مُعْتَكِفاً. وَقَالَ ابْنُ
رُمْحِ: إِذَا كَانُوا مُعْتَكِفِينَ.
٧١٢ - (٢٩٧ / ٨) - وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا
ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ◌َ: أَنَّهَا
قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِهِ يُخْرِجُ إِلَيَّ رَأْسَهُ مِنَ المَسْجِدِ وَهُوَ مُجَاوِرٌ،
فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ.
٧١٣ - (٢٩٧ /٩) - وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَاَ
أَبُو خَيْئَمَةَ، عَنْ هِشَامٍ، أَخْبَرَنَاَ عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ
رَسُولُ اللهِ﴾﴿ يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ وَأَنَا فِي حُجْرَتِي، فَأُرَجِّلُ رَأْسَهُ وَأَنَا
خَائِضٌ.
الحديث الرابع: حديثُ عائشة، قالت: كَانَ النَّبِيُّ ونَ﴾ إِذَا
اعْتَكَفَ، يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ، فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لاَ يَدْخُلُ البَيْتَ إِلاَّ لِحَاجَةٍ
الإِنْسَانِ.
وفي رواية: إِنْ كُنْتُ لأَدْخُلُ البَيْتَ لِلْحَاجَةِ، وَالمَرِيضُ فِيهِ، فَمَا
أَسْأَلُ عَنْهُ إِلاَّ وَأَنَا مَارَّةٌ، وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِنَّهِلَيُدْخِلُ عَلَيَّ رَأْسَهُ وَهُوَ
٤٢٣

فِي المَسْجِدِ، فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لاَ يَدْخُلُ البَيْتَ إِلاَّ لِحَاجَةٍ إِذَا كَانَ
مُعْتَكِفاً)).
وفي رواية: كَانَ رَسُولُ اللهِوَّهِ يُخْرِجُ إِلَيَّ رَأْسَهُ مِنَ المَسْجِدِ وَهُوَ
مُجَاوِرٌ، فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ.
[وفي رواية: كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ وَأَنَا فِي
حُجْرَتِهَا، فَأُرَجِّلُ رَأْسَهُ وَأَنَا حَائِضٌ.
[وفي رواية]: كُنْتُ أَغْسِلُ رَأْسَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ وَأَنَا حَائِضٌ.
أخرجه البخاري، والأربعة.
إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في موضعين:
الأول: في التعريف برواته سوى ما سلف.
(محمدٌ)، وهو ابنُ عبدِ الرّحمنِ بنِ نوفلِ بنِ الأسودِ بنِ خويلدِ
بنِ أسدِ بنِ عبدِ العزَّى الأسديُّ، أبو الأسود المدنيُّ، يتيمُ عروةَ بنِ
الزبير، وكان جدُّه الأسودُ من مهاجرة الحبشة.
روى محمدٌ عن عليّ بن الحسين، وسليمان بن يسار، والقاسم
بن محمد، وخلائق.
وعنه شعبة، وحيوة بن شُريح، وابن إسحاق، وآخرون.
وَثَّقَهُ أبو حاتم، والنسائي، وأخرج له الستة.
قال الواقدي: مات في آخر سلطان بني أمية
٤٢٤

والثاني : فيما يتعلق بالمعنی :
لمّا ذكر جواز مباشرة الحائض فيما فوّق الإزار، وجواز
مضاجعتها، انتقل إلى بيان جواز أفعال، فذكر[حديث ترجيل] شعر
الرجل، وأورد الحديث المشتمل على ذكر الاعتكاف؛ لأن المعتكف
يكون في المسجد مع الطهارة، فإذا جاز ترجيل الحائض شعره في
هذه الحالة، علم أن يدها ليست بنجسة، فجواز ترجيله في غير تلك
الحالة أولى.
وعلم منه - أيضاً -: ترجيل الحائض شعر المعتكف، وأنه لا
يُبطل الاعتكاف، ولا خلاف في ذلك بين العلماء.
وتَرْكُ ابنِ عباس ظي ذلك على ما جاء في ((مصنف ابن أبي
شيبة)): أن ابن عباس دخل على ميمونة، فقالت: أَيْ بُنَيَّ! مَا لِي أَرَاكَ
شَعِثاً رَأْسُكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ مُرَجِّلَتِي أُنَّ عَمَّارٍ حَائِضٌ، فَقَالَتْ: أَيْ بُنَيَّ!
وَأَيْنَ الحَيْضَةُ مِنَ الْيَدِ؟ إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ لَيَضَعُ رَأْسَهُ فِي حِجْرٍ
إِحْدَاناً وَهِيَ حائِضٌ، محمول على الاستحباب، لا أنّه رأى عدم
الجواز.
* وقولها: (وَكَانَ لاَ يَدْخُلُ البَيْتَ إِلاَّ لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ) فيه نوع
اعتذار لإدناء النبي - عليه السلام - رأسَه إليها في معتكفه؛ يعني: أنه -
عليه الصلاة والسلام - لا يدخل البيت في زمان اعتكافه لیمکن ترجيل
رأسه في البيت؛ لأنه لا يدخل البيت إلا في حالة الإنسان فقط.
٤٢٥

وقولها: ([إِنْ كُنْتُ لأَدْخُلُ البَيْتَ لِلْحَاجَةِ]، وَالمَرِيضُ فِيهِ،
فَمَا أَسْأَلُ عَنْهُ إِلاَّ وَأَنَا مَارَّةٌ) أيضاً لبيان أنهم في حال الاعتكاف لا
يشتغلون بشيء آخر، وسيجيء لهذان زيادة بسط في (كتاب الاعتكاف)
- إن شاء الله تعالى -.
والمراد بالمجاور في قوله: وهو مجاور: المعتكف؛ لأنه
مجاور المسجد.
٧١٥ - (٢٩٨ / ١١) - وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ
أَبِي شَيْئَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ - قَالَ يَحْبَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ : - حَدَّثَنَ
أَبُّو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ
مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((نَاوِلِينِي الخُمْرَةَ
مِنَ المَسْجِدِ)). قَالَتْ: فَقُلْتُ: إِنِّي حَائِضٌ. فَقَالَ: ((إِنَّ حَيْضَتَكِ
لَيْسَتْ فِي بَدِكِ».
٧١٦ - (٢٩٨ / ١٢) - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَذَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ،
عَنْ حَجَّاجٍ، وَابْنِ أَبِ غَنِيَّةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ
مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَمَرَِّي رَسُولُ اللهِو ◌َهِ أَنْ أُنَاوِلَهُ الخُمْرَةَ مِنَ
المَسْجِدِ. فَقُلْتُ: إِنِّي خَائِضٌ، فَقَالَ: ((تَنَاوَلِهَا؛ فَإِنَّ الخَيْضَةَ لَيْسَتْ
فِي يَدِكِ».
٤٢٦

الحديث الخامس: حديثُها - أيضاً -: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَلِيهِ:
(نَاوِلِينِي الخُمْرَةَ مِنَ المَسْجِدِ)). قَالَتْ: فَقُلْتُ: إِنِّي خَائِضٌ. فَقَالَ:
((إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ)).
الحديث أخرجه الأربعة، وقال الترمذي: وفي الباب: عن ابن
عمر، وأبي هريرة.
وأقول: حديثُ أبي هريرة سيجيء.
وحديث ابن عمر: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ لِعَائِشَةَ: ((نَاوِلِينِ الخُمْرَةَ
مِنَ المَسْجِدِ)». فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَحْدَثْتُ، فَقَالَ: ((أَوَحَيْضَتُكِ فِي يَدِكِ؟))
رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.
وفي الباب: عن أنس: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ قَالَ لِعَائِشَةَ: ((نَوِلِينِي
الخُمْرَةَ»، فَقَالَتْ: إِنِّي حَائِضٌ. فَقَالَ: ((إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ))
رواه البزار، ورجاله ثقات.
وعن أبي بكرة: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ قَالَ لِخَادِمِهِ: ((نَاوِلِينِ الخُمْرَةَ مِنَ
المَسْجِدِ))، فَقَالَتْ: إِنِّي حَائِضٌ، فَقَالَ: ((نَاوِلِينِي)) رواه الطبراني،
ورجاله موثوقون.
إذا عرفت هذا، فالكلام - هاهنا - في مواضع:
الأول: في التعريف برواته سوى ما سلف.
(القاسم)، وهو ابنُ محمدٍ بن أبي بكر الصدّيق، أبو محمدٍ
المدنيُّ، الفقيهُ، أحدُ الأئمة الأعلام.
٤٢٧

عن عمته عائشة، وأبي هريرة، وابن عباس، وخلائق.
وعنه الشعبي مع تقدمه، والزهري، وابن أبي فديك، ونافع،
وآخرون.
وَثَّقَهُ القوم، وأخرج له الستة.
توفي سنة ست ومئة.
والثاني: فيما يتعلق بلفظه:
والرواية المشهورة في (حِيْضَتُكِ): كسر الحاء، على معنى الهيئة
والحالة على ما صححه الخطابي، وإن كان المشهور عند المحدّثين
الفتح بمعنى: الدم، وأنكر القاضي عياض قول الخطابي، وذهب إلى
أن الصواب الفتح؛ لأن معناه: أنَّ دم الحيض ليست في اليد، فلا
تكون اليد نجسة؛ بخلاف ما في حديث أم سلمة: (فَأَخَذْتُ ثِيَابَ
حِيْضَتِي)؛ فإن الصواب فيه الكسر، وقد مَرَّ كلام القرطبي فيه، وأنت
خبير بأنّ المضايقة فيه ليست على ما ينبغي؛ فإن معنى الحالة والدم
فيما نحن فيه متقارب، ولكلٍّ وجه - على ما لا يخفى -، وقد مَرَّ
الكلام عليه.
ثم الظاهر من كلام القوم: أن المعنى: أنّ الحيض ليس في
يدك، فلا يكون به فيها نجاسة، فلا يمنع أخذ الخُمْرَة، ويحتمل أن
يكون المراد: أن هذه الحالة التي وقعت لك ليست باختيارك، بل هي
شيء كتبه الله تعالى على بنات آدم، فلا يمنع من إدخال يدك في
المسجد، وأخذِ الخُمرة منه؛ كما ذكر في حديث آخر: أنه - عليه
٤٢٨

الصلاة والسلام - دخل على عائشة وهي تبكي حين حاضت بسرف
عامَ حجة الوداع، فقال: ((إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ»
الحديث، والمراد: تسليتها، وتسرية الهم عنها، وأن هذا الأمر ليس
باختيارها، وهذا المعنى مناسب قول الخطابي: إن الصحيح: كسر
الحاء.
وَالخُمْرةُ - بضم الخاء وسكون الميم -: السَّجادة، وقيل: في
الأصل: ما يوضع عليه الوجه من حصير ونسيج ونحوهما، سميت
بذلك؛ لأنها تُخَمِّر الوجهَ؛ أي: تغطيه، ثم سميت السجادة خمرة،
وإن كانت زائدة على ما يوضع عليها الوجه.
وقوله: بيانُ كونِ الخمرة في المسجد، والنبي - عليه الصلاة
والسلام - خارجه، أو جالس في موضع منه، والخمرة في موضع آخر
منه، فأمرها أن تعطيها، وهي لأجل حيضها تنكر إدخال يدها في
المسجد، وإخراج الخمرة منه، فقالت: إِنِّي حَائِضٌ، فأرشدها النبي -
عليه الصلاة [والسلام] - بأن إدخال يدها في المسجد، وإخراج شيء
منه جائز، ويدل عليه: حديث ميمونة على ما أخرجه النسائي، قالت:
كَانَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ يَضَعُ رَأْسَهُ فِي حِجْرِ إِحْدَانَاَ، فَيْلُو الْقُرْآنَ وَهِيَ
حَائِضٌ، وَتَقُومُ إِحْدَانَ بِالخُمْرَةِ إِلَى المَسْجِدِ، فَتَبْسُطُهَا وَهِيَ خَائِضٌ.
وظاهر كلام بعض القوم: أن قوله: (مِنَ المَسْجِدِ) معناه: أن
النبيّ - عليه السلام - قال لها ذلك حال كونه في المسجد، فيكون بياناً
لمحل صدور هذا القوّل منه - عليه الصلاة والسلام -، لا بياناً لمكان
٤٢٩

الخمرة، ويؤيده: رواية النسائي: بَيْنَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ فِي المَسْجِدِ، إِذْ
قَالَ: ((يَا عَائِشَةُ! نَاوِلِي الثَّوْبَ))، فَقَالَتْ: إِنِّي لاَ أُصَلِّي، فَقَالَ: ((إِنَّهُ
لَيْسَ فِي يَدِكِ)»، فَنَاوَلَتْهُ، ومع هذا، فليس فيه بمعنى كون الخمرة في
المسجد .
والثالث: ما يتعلق بالمعنى :
ثم المشهور من المذاهب: عدمُ جواز دخول الحائض المسجد،
لقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((لاَ أُحِلُّ المَسْجِدَ لِخَائِضٍ)) أخرجه أبو
داود، وغيره.
وعن ابن مسلمة: إنّ الدخول جائز، وعنه: إن دخول الجنب
جائز دون دخول الحائض؛ لأنه لا يؤمن خروج شيء منها، يؤمن
صيانة المسجد عنه؛ بخلاف الجنب.
وأمّا إدخال الحائض يدَها في المسجد، وإخراج شيء منه،
فجائز بلا خلاف؛ لأنه ليس بدخول، بل إدخال عضوٍ مأمونٍ من
حصول التنجيس منه؛ لأنه ليس في يدها شيء من الجنابة، ولا فيها
شيء يلوث المسجد.
وقيل: المراد من المسجد: البيت، وهو الموضع الذي يصلَّى
فيه.
ويحكى: أن امرأة غَسَّالَةً وقفت على جماعة، منهم: ابن معين،
وخلف بن سالم، فسألت: هل يجوز للحائض غسلُ الموتى؟ فلم
يجبها أحدٌ منهم، فأقبل أبو ثور، فقالوا لها: عليك بهذا الرجل،
٤٣٠

فسألته، فقال: يجوز لها ذلك، فقيل له: من أين قلت؟ قال: من
حديث عائشة: ((إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ))، فإذا جاز غسلُ رأس
الحيّ، فالميّت أولى، هكذا وقعت الحكاية في الكتب، والأحسن في
استشهاد أبي ثور أن يقول: من حديث عائشة: كُنْتُ أَغْسِلُ رَأْسَ
رَسُولِ اللهِ وَّهِ وَأَنَا خَائِضٌ؛ لأن قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((إِنَّ
حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ)) ليس في غسل الرأس، بل في تناول الخمرة،
فلا يناسب قول أبي ثور: وإذا جاز غسل رأس الحي، فالميّت أولى،
بل المناسب هذا الذي قلنا، فتدبّر.
٧١٧ - (٢٩٩/ ١٣) - وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كَامِلٍ، وَمُحَمَّدُ
ابْنُ حَاتِمٍ كُلُّهُمْ، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ - قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا يَحْبَى -،
عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَيْنَمَا
رَسُولُ اللهِ وَ﴿ِ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ: ((يَا عَائِشَةُ! نَاوِلِينِي الثَّوْبَ)).
فَقَالَتْ: إِنِّي حَائِضٌ. فَقَالَ: ((إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ))، فَنَاوَلَنَّهُ.
الحديث السّادس: حديثُ أبي هريرة: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ وَِّ فِي
المَسْجِدِ، فَقَالَ: ((يَا عَائِشَةُ! نَاوِلِينِي الثَّوْبَ)). فَقَالَتْ: إِنِّي خَائِضٌ.
فَقَالَ: ((إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ))، فَنَاوَلَتْهُ، [وقد مَرّ](١) معناه.
(١) بياض في الأصل.
٤٣١

٧١٨ - (٣٠٠/ ١٤) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكرِ بنُ أبي شيبةَ وزُهيرُ بنُ حَرْبٍ
قَالا: حدثنا وكيع عن مِسْعَر وسُفيانَ، عن المقْدَامِ بنِ شُريح، عن أبيه،
عن عائشةَ قَالتْ: كُنْتُ أَشْرَبُ وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ أُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ ◌َهُ، فَضَعُ
فَاهُ عَلَى مَوْضِعٍ فِيَّ، فَيَشْرَبُ، وَأَتَعَزَّقُ العَرْقَ وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ أَنَاوِلُهُ
النَّبِيَّ ◌َ، فَضَعُ فَهُ عَلَى مَوْضِعٍ فِيَّ فَيَشْرَبُ.
الحديث السّابع: حديثُ عائشة: كُنْتُ أَشْرَبُ وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ
أَنَا ◌ِلُهُ النَّبِيِّ ◌َهِ، فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعٍ فِيَّ، فَيَشْرَبُ، وَأَتَعَرَّقُ العَرْقَ
وَأَنَا خَائِضٌ، ثُمَّ أُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ ◌َهُ، فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعٍ فِيَّ،
فَيَشْرَبُ.
أخرجه الأربعة سوى الترمذي، وفي الثلاثة زيادة: كُنْتُ أَتَعَرَّقُ
العَظْمَ وَأَنَا حَائِضٌ، فَيَأْخُذُهُ(١) النَّبِيُّ ◌َّهِ، فَيَضَعُ فَمَهُ حَيْثُ كَانَ فَمِي.
الحديث أخرجه الأربعة إلا الترمذي.
لما ذكر طهارة يد الحائض، وأن الحيضة ليست في يدها، انتقل
إلى ذكر طهارة ريقها - أيضاً -؛ فإن وضع النبي - عليه الصلاة والسلام
- فمَه على موضع فمها في الشرب والأكل يدلُّ على طهارة ريق
الحائض.
والتعرُّق - بالعين المهملة -: أخذ اللحم من العظم بالسن،
يقال: عَرَقْتُ العَظْمَ، وتَعَرَّقَهُ، وأعْرَقْتُهُ: إذا أخذتَ عنه اللحمَ
(١) في الأصل: ((فأعطيه)).
٤٣٢

بأسنانك، والعَرْقُ - بسكون الراء -: هو العظم الذي فيه بقية من لحم،
وجمعه ◌ِرَاقٌ.
وقدم ذكر الشرب على ذكر الأكل؛ لأن اختلاط الريق فيه أكثر،
وفي رواية بالعكس؛ لأن المقصود حاصل، قدّم أو أخر.
٧١٩ - (٣٠١ / ١٥) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى، أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَكِّيُّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أُمُّهِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا قَالَتْ:
كَانَ رَسُولُ اللهِوَهِ يَتَّكِىُفِي حِجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ، فَيَقْرَأُ القُرْآنَ.
الحديث الثامن: حديثُها: كَانَ رَسُولُ اللهِوَلِ يَتَّكِئُ فِي حِجْرِي وَأَنَا
خَائِضٌ، فَيَقْرَأُ القُرْآنَ. أخرجه البخاري، والأربعة سوى الترمذي،
والكلام عليه في مواضع:
الأول: في التعريف برواته سوى ما سلف: منصور، وأمّه .
أمّا (منصورٌ)، وهو ابنُ عبدِ الرحمن بنِ طلحة بنِ الحارث بنِ
طلحة بن أبي طلحةَ، العبدريُّ الحَجَبِيُّ، المكيُّ.
عن مسافع بن شيبة، وأبي معبد مولى ابن عباس، وسعيد بن
جبير، وجماعة.
وعنه ابن جريج، والسفيانان، وآخرون.
أثنى عليه ابن عيينة، وأحمد، وأخرج له الستة إلا الترمذي.
وقال أبو حاتم: صالح الحديث.
٤٣٣

قيل : توفي سنة سبع وثلاثين ومئة.
وأمّا (أمّه)، فهي صفية بنت شيبة - الحاجب - بن عثمانَ بنِ أبي
طلحةَ عبدالله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي،
العبدریةُ.
يقال: لها رواية، وحديثها عن النبيّ - عليه الصلاة والسلام - في
الأربعة سوى الترمذي.
روت عن عائشة، وأمّ حبيبة، وأسماء بنت أبي بكر، وجماعة.
وعنها: ابن أختها عبد الحميد بن جبير، ومسافع بن عبدالله،
ومصعب بن شيبة، وخلق.
ذكرها ابن حبان في ((الثقات))، وأخرج لها الستة - رضي الله عنها -.
الثاني: في اللفظ :
والرواية في (حِجْرِي) - بفتح الحاء -، [و]يروى بكسرها أيضاً،
ووقع للعبدري: (في حجرَتِي) - بتاء فوقانية قبل الياء -، وهو وهم،
ويروى: (وَأَنَا خَائِضةٌ) - بزيادة التاء -، والأصح: (خَائِضٌ) بدونها.
وقد يؤخذ من هذا: جواز مسّ الحائض المصحف بغلافه؛ لأن
ثياب الحائض بمنزلة الغلاف، والشارع بمنزلة المصحف؛ لأنه في
جوفه، وهو حامله، وهو أفضلُ مَنْ حفظ القرآن وحمله، ولهذه
المناسبة أورد البخاري أثرَ أبي وائلٍ بأنه كان يُرْسِلُ خَادِمَهُ وَهْيَ خَائِضٌ
إِلَى أَبِي رَزِينٍ، فَتَأْتِهِ بِالمُصْحَفِ، فَتُمْسِكُهُ بِعِلاَقَتِهِ، مع هذا الحديث.
والثالث: فيما يتعلق بالمعنى:
٤٣٤

وقد اختلف العلماء في مس الجنب والحائض القرآن، فالمشهور
من المذاهب: منعُه؛ لقوله تعالى: ﴿لَّا يَمَسُهُ: إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]،
ولقوله - عليه السلام -: ((لا يَمَسُّ القُرْآنَ إِلا طَاهِرٌ))، وهو حديث جيّد،
رواه عمرو بن حزم مرفوعاً، ورواه عبدالله بن عمرو مرفوعاً - على ما في
الطبراني-، ورجاله ثقات.
وعن حكيم بن حزام: لَمَّا بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ نَّهِ إِلَى الْيَمَنِ، قَالَ:
((لا تَمَسَّ القُرْآنَ إِلا وَأَنْتَ طَاهِرٌ)).
وعن عثمان بن أبي العاص: أن النبي ◌َّ﴿ قال له: ((قَدْ أَمَرْتُكَ
عَلَى أَصْحَابِكَ، وَأَنْتَ أَصْغَرُهُمْ، وَلا تَمَسَّ القُرْآنَ إِلا وَأَنْتَ طَاهِرٌ))
رواهما الطبراني.
ولأن عائشة [كانت] تقرأ القرآن وهي حائض، ويمسك لها
المصحف، ولا تمسكه مي.
وذهب الحَكَم بنُ عتيبة، وعطاء، وسعيد بن جبير، وحماد بن
أبي سليمان، والحسن، ومجاهد، وطاوس إلى جوازه، وهو مذهب
الظاهريّة.
قال ابن حزم: قراءة القرآن، والسجود، ومسّ المصحف، وذكرُ
الله تعالی جائزٌ؛ كلُّ ذلك بوضوء، وبلا وضوء، وللجنب، والحائض،
وهو قول ربيعة، وسعيد بن المسيّب، وابن جبير، وابن عباس، وداود،
وجميع أصحابنا، والآثارُ التي احتج بها مَنْ لم يجوز للجنب والحائض
لا يصحُّ منها شيء؛ لأنها إمّا مرسلة، وإمّا ضعيفة الإسناد، وإمّا عن
ضعيف.
٤٣٥

والصّحيح: حديثُ ابن عباس: أن رسول الله وَّهِ أرسل إلى هرقلَ
كتاباً فيه قوله تعالى: ﴿يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾ [آل عمران: ٦٤] الآية،
وقد اتفق أنهم يمسّونه، والمراد بالمطهّر في الآية: الملائكة، على ما
ذهب إليه جمعٌ من أهل التفسير، فلا حجة فيها إذن.
ورد؛ بأن التخصيص خلاف الأصل، والآثار تقوي معنى
العموم، وهو أنه لا يمسّه إلا الطاهر، والقول: إن الأخبار مراسيل، لا
يضرنا؛ إذ مراسيل الصحابة مقبولة - على ما تحقق في موضعه -، على
أن أكثرها مساند، وأمّا أنها من الضعاف غير المسندة، ومن مجهول أو
ضعيف، فممنوع؛ فإن حديث عمرو بن حزم صححه ابن حبان،
والحاكم، وغيرهما.
وحديث ابن عمر، مرفوعاً: ((لا يَمَسِ القُرْآنَ إِلاَّ طَاهِرٌ)) صَخَّحَه
الدار قطني .
وحدیث حكيم بن حزام، وسعد بن أبي وقاص، وسلمان، وغير
ذلك قد روي بأسانيد لا مقال فيها.
وأمّا قصّة هرقل، فليس الغرضُ فيها إرسال الآية لأجل القراءة،
بل الغرض: الإبلاغ والإنذار، ولا شك في جواز ذلك إذا كان فيه
مصلحة مثل ذلك، والنزاع ليس في هذا.
٠
وأمّا قراءة القرآن للحائض والجنب، فالمشهورُ المنعُ كما في
اللمس، وهو الصحيح من المذاهب، وروي عن جمع كثير من
الصّحابة والتابعين.
٤٣٦

وقال البغوي: وهو قول أكثر العلماء ومن بعدهم.
وعن مالك: جواز القراءة القليلة للحائض؛ لطول عذرها،
وعدم تمكنها من إزالته، وعنه: الإباحة مطلقاً، وكذلك مذهب
الظاهريّة: الجواز مطلقاً؛ كما في المسّ، وروي عن ابن عباس.
وقال إبراهيم النخعي: لا بأس أن يقرأ الجنب والحائض الآية
ونحوها.
وأجاز عكرمة للجنب أن يقرأ، وليس له أن يتم سورة كاملة.
قال الأوزاعيّ: لا يقرأ إلا آية الركوب، وآية النزول.
وقال ابن حزم: وقد جاءت أحاديث في نھي الجنب، ومن لیس
على طُهر من أن يقرآ القرآن، ولا يصح منها شيء.
وليس على ما ظن، فإن حديث عبدالله بن رواحة: نَهَى
رَسُولُ اللهِّهِ أَنْ يَقْرَأَ أَحَدُنَا الْقُرْآنَ وَهُوَ جُنُبٌ، صحيحٌ على ما صرح
به ابن عبد البرّ وغیره.
وحديث علي، مرفوعاً: ((وَلَمْ يَكُنْ يَحْجُبُهُ عَنْ الْقُرْآنِ شَيْءٌ لَيْسَ
الجَنَابَةَ)) أخرجه الأربعة، وصحّحه الترمذي، وغيرُه.
وحديث عائشة، مرفوعاً: ((لاَ يَقْرَأُ الجُنُبُ وَلاَ الحَائِضُ شَيْئاً مِنَ
القُرْآنِ)) صححه الحاكم.
وحديث ابن عمر مثلُه، مرفوعاً، صححه الدارقطني، والبيهقي،
وأخرجه الترمذي، وابن ماجه، وغيرهما، وفي الباب أحاديثُ كثيرةٌ
صحیحة على ما في الكتب، فتدبّر.
٤٣٧

٧٢٠ - (٣٠٢ / ١٦) - وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ
الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ:
أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتِ المَرْأَةُ فِيهِمْ، لَمْ يُؤَاكِلُوهَا، وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ
فِي البُيُوتِ، فَسَأَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ لَهَ النَّبِيَّ ◌َهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى:
﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَى فَأَعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِى الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]
إِلَى آخِرِ الآيَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِ: ((اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّ النِّكَاحَ)).
فَبَلَغَ ذَلِكَ اليَهُودَ، فَقَالُوا: مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَ شَيْئاً إِلاَّ
خَالَفَنَا فِيهِ؟! فَجَاءَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وَعَبَّدُ بْنُ بِشْرٍ، فَقَالاَ: يَا رَسُولَ
اللهِ! إِنَّ اليَهُودَ تَقُولُ كَذَا وَكَذَا، فَلاَ نُجَامِعُهُنَّ؟ فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ وَهـ
حَتَّى ظَتَنَّا أَنْ قَدْ وَجَدَ عَلَيْهِمَا، فَخَرَجَا، فَاسْتَقْبَلَهُمَا هَدِيَّةٌ مِنْ لَبَنٍ إِلَى
النَّبِيِّ وَ﴿ِ، فَأَرْسَلَ فِي آثَارِهِمَا، فَسَقَاهُمَا، فَعَرَفَا أَنْ لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِمَا.
الحديث التاسع: حديثُ أنس: أَنَّ اليَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتِ
المَرْأَةٌ فِيهِمْ، لَمْ يُؤَاكِلُوهَا، وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ، فَسَأَلَ
أَصْحَابُ النَّبِيِّ وَّهِ النَّبِيَّ ◌َهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ
اَلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَّى فَأَعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِى الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] إِلَى آخِرِ الآيَةِ،
فَقَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلاَّ النِّكَاحَ)). فَبَلَغَ ذَلِكَ الْيَّهُودَ،
فَقَالُوا: مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَاَ شَيْئاً إِلاَّ خَالَفَنَا فِيهِ؟! فَجَاءَ
أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ الْيَهُودَ تَقُولُ
٤٣٨
1

كَذَا وَكَذَا، فَلاَ نُجَامِعُهُنَّ؟ فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ وَلَهِ حَتَّى ظَنَنَّا أَنْ قَدْ
وَجَدَ عَلَيْهِمَا، فَخَرَجَا، فَاسْتَقْبَلَهُمَا هَدِيَّةٌ مِنْ لَبَنٍ إِلَى النَّبِيِّ ◌ِ،
فَأَرْسَلَ فِي آثَارِهِمَا، فَسَقَاهُمَا، فَعَرَفَا أَنْ لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِمَا. أخرجه
الأربعة.
وفي ((الترمذي)) من حديث عبدالله بن سعد، قال: سَأَلْتُ النَّبِي ◌َلّـ
عَنْ مُوَاكَلَةِ الخَائِضِ، فَقَالَ: ((وَاكِلْهَا)).
ثم قال الترمذي: وفي الباب: عن عائشة، وأنس.
وأقول: حديثُ عائشة قد مَرَّ، وحديث أنس هو هذا.
إذا عرفت هذا، فالكلام في حديث أنس - على ما في الباب -:
أنّ هذا السؤال كان من أصحاب النبي - عليه السلام -، فقال
الواحدي: السائل أبو الدحداح، ووجهُ الجمع: ما مَرَّ من أنّ سؤال
السائل يعد بمنزلة سؤالهم؛ إذ الأصل أنه [ ... ]، وهو مهم لهم -
أيضاً -.
وقد مَزَّ أن قوله: ((اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلَّ النُّكَاحَ)) يتناول التمتع
فيما دون الفرج، لكن المحققين ألحقوا ما بين السرّة إلى الركبة إليه؛
لأنه من حِماه، ومن حام حول الحمى، يوشك أن يقع فيه، وقد قام
الإجماع على جواز مؤاکلتها، ومضاجعتها، إلا ما حکی ابن جرير عن
عَبِيدة السَّلْماني من عدم الجواز، وهو ضعيف جدّاً - على ما مرّ -.
وأمَّا تغيرُ وجه النبيّ - عليه السلام -، فلأجل أن أُسيداً وعبَّاداً لما
نقلا كلام اليهود من أنهم يقولون: ((هَذَا الرَّجُلُ))؛ يعني: النبي - عليه
٤٣٩

الصلاة والسلام - ((لاَ يَدَعُ مِنْ أَمْرِنَاَ شَيْئاً إِلاَّ خَالَفَنَا فِيهِ؟!))، ثم قالا:
((فَلاَ نُجَامِعُهُنَّ؟))، علم النبيُّ - عليه الصلاة والسلام - أَنّ مرادهما
طلبُ إباحة المجامعة في حالة الحيض مخالفةً لليهود؛ لأنهم لما لم
يجامعوهن في هذه الحالة، لم يؤاكلوهن، وقد أحلَّ النبيُّ المؤاكلة،
وطلبا إحلال المجامعة، تغيّر وجهُ النبيّ - عليه الصلاة والسلام -
لذلك؛ لأنهما ما فهما النهيَ الصريحَ الدالّ عليه الاستثناء، وهو قوله:
(إلاَّ النِّكَاحَ) الواقع موقع بيان الاعتزال المذكور في الآية، ﴿ وَيَسْتَلُونَكَ
عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَّى فَاعْتَزِلُواْ النِسَآءَ فِى الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢](١) أن الحامل
على مشروعية الأحكام أمرُ الله تعالى ونهيُه، لا موافقةُ أحد، ولا
مخالفته.
ثم لمَّا خرجًا من عنده، وتركاه على تلك الحالة، خاف عليهما
أن يحزنا، وأن يتكدَّر حالُهما، فاستدرك ذلك، وأزال عنهما ما
أصابهما، ثمَّ أرسل إليهما لبَناً، فسقاهما رحمة ورأفة منه على مقتضى
خلقه الكريم؛ كما قال الله تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة:
١٢٨]، والله أعلم بالصّواب.
(١) بياض في الأصل محل الآية.
٤٤٠