النص المفهرس

صفحات 401-420

(٤)
كتاب الحيض
٤٠١

(٤)
كتاب الحَص
(١)
باب
بيان أحكام الحائض، وكيفية
المعاشرة معها، وبيان صفة اغتسالها
[١ -باب
مُبَاشَرَةِ الحَائِضِ فَوْقَ الإِزَارِ]
٧٠٥ _ (٢٩٣ / ١) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ
حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ -:
حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ،
قَالَتْ: كَانَ إِحْدَانَ إِذَا كَانَتْ حَائِضاً، أَمَرَهَا رَسُولُ اللهِ وَهِ، فَتَأْتَزِرُ
بِإِزَارٍ، ثُمَّ يُبَاشِرُهَا.
٧٠٦ - (٢٩٣ / ٢) - وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ
بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّح، وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ - وَاللَّفْظُ
لَهُ -: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ إِحْدَانَاَ إِذَا كَانَتْ حَائِضاً،
٤٠٣

أَمَرَهَا رَسُولُ اللهِ لَهِ أَنْ تَأْتَزِرَ فِي فَوْرِ خَيْضَتِهَا، ثُمَّ يُبَاشِرُهَا، قَالَتْ:
وَأَيّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِعَهِ يَمْلِكُ إِرْبَهُ؟.
أخرج - هاهنا - تسعة أحاديث:
الأول: حديث عائشة، قالت: كَانَ إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضاً،
أَمَرَهَا رَسُولُ اللهِوَ﴿ِ، فَتَأْتَزِرُ بِإِزَارٍ، ثُمَّ يُبَاشِرُهَا.
وفي رواية: كَانَ إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضاً، أَمَرَهَا رَسُولُ اللهِ وَلِ أَنْ
تَأْتَزِرَ فِي فَوْرِ خَيْضَتِهَا، ثُمَّ يُبَاشِرُهَا، قَالَتْ: وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ كَمَا كَانَ
رَسُولُ اللهِ وَلِ يَمْلِكُ إِرْبَهُ؟ أخرجه البخاري، والأربعة.
وقال الترمذي: وفي الباب: عن أم سلمة، وميمونة.
وأقول : حديث ميمونة سيجيء.
وحديث أم سلمة: كَانَ [رَسُولُ اللهِ وَهَا يَتَّقِي سَوْرَةَ الدَّمِ ثَلاثاً،
ثُمَّ يُبَاشِرُ بَعْدَ الثَّلاثِ. رواه الطبراني، وإسناده حَسنٌ.
وفي الباب: عن معاوية بن أبي سفيان: أنه يسأل أخته أمَّ حبيبة
زوجَ النبي - عليه السلام -: كَيْفَ كُنْتِ تَصْنَعِينَ مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّهُ فِي
الحَيْضَةِ؟ قَالَتْ: كَانَتْ إِحْدَانَ فِي فَوْرِهَا أَوَّلَ مَا تَحِيضُ، تَشُدُّ عَلَيْهَا إِزَاراً
إِلَى أَنّصَافٍ فَخِذَيْهَا، ثُمَّ تَضْطَجِعُ مَعَ رَسُولِ اللهِوَّرِ. أخرجه ابن ماجه.
وعَنْ عَاصِمٍ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ إِ لّهِ: مَا
يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنْ امْرَأَتِهِ وَهِيَ خَائِضٌ؟ قَالَ: ((مَا فَوْقَ الإِزَارِ)) رواه أبو
یعلی، ورجاله رجال الصحيح.
وعن ابن عباس: أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا لِي مِنِ امْرَأْتِي
٤٠٤

وَهِيَ خَائِضٌ؟ قَالَ: ((تَشُدُّ إِزَارَهَا، ثُمَّ شَأْنَكَ بِهَا)).
وعن عبادة: أَنّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ سُئِلَ: مَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنْ امْرَأَتِهِ
وَهِيَ خَائِضٌ؟ قَالَ: ((مَا فَوْقَ الإِزَارِ، وَمَا تَحْتِ الإِزَارِ فَهُوَ حَرَامٌ)»
رواهما الطبراني.
إذا عرفت هذا، فالكلام ـــ هاهنا - في مواضع:
الأول: في وجه المناسبة:
لما كان الحيض من جملة أسباب الغسل، والبحث عنه في هذا
الموضع لأجل كيفيّة التطهير عنه، وكان يدوم بالنسبة إلى سائر أسبابه؛
إذ الجنابة الحاصلة من غيره لا تدوم، فلا يتأخر صاحبه عن إزالته
باختياره؛ بخلاف الحيض = قدم ذكره على سائر أنواع الجنابة، وأورد
أولاً الأحاديث الدالة على كيفية المعاشرة مع الحائض؛ إيماء إلى جهة
التقديم؛ فإن السبب الموجب لذلك هو استمراره، واحتياج المخالط
من مخالطة من طرأ هو عليه، ثم لمّا ذكر، انتقل إلى بيان ما هو سببه
بالسّبب، ولیس منه، ثم إلی بیان سائر أسبابه.
ولما كان الاغتسال من جميع الأنواع متحداً، أَخَّر ذكره، وأومأ
إلى الجميع .
ثم لما كان الاجتناب من الحائض في الجاهلية وعند اليهود
شديداً جدّاً، قدم ذكر الحديث المشتمل على المباشرة التامة من جهة
الرجل، وهي مباشرة ما فوق الإزار، بقوله: (كَانَتْ إِحْدَانَاً) في بعض
٤٠٥

النسخ، وفي الرواية الثانية: (كَانَ) - بدون تاء -، فهو صحيح - أيضاً -
على ما ذكر سيبويه في ((كتابه)) في (باب: ما جرى من الأسماء التي
هي من الأفعال، وما أشبهها من الصفات مجرى الفعل)، قال: وقال
بعض العرب: قال امرأة، وقد ذکر غیرُہ ۔ أیضاً- مثل ذلك.
والثاني: في التعريف برواته سوى ما سلف.
(عبدُ الرحمن)، وهو ابن الأسود بن يزيد النخعي أبو [عمرو](١)
الکوفیُّ.
عن أبيه، وعائشة، وجماعة.
وعنه: عاصم بن كليب، والأعمش، ومالك بن مِغْوَل، وطائفة،
وكان أحد فقهاء التابعين، يقال: إنه أدرك عمر.
وَثَّقَهُ ابن معين، وجماعة، وأخرج له الستة.
توفي سنة ثمان أو تسع وتسعين - رحمه الله -.
الثالث: في لفظة المحيض :
والحيض: اجتماع الدم إلى ذلك المكان، وبه سمِّ الحوض
لاجتماع الماء فيه، يقال: حَاضَتِ المرأة، وتَخَيَّضَتْ حَيْضاً ومَحَاضاً:
إذا سال الدم منها في أوقات معلومة، فإذا سال في غيرها، قيل:
أُسْتُحِيضَتْ، فهي مُسْتَحاضَةٌ، ويقال: حاضت المرأة، وتَحَيَّضَتْ،
(١) بياض في الأصل.
٤٠٦

ودَرَسَتْ، وعَرَكَتْ، وطَمَثَتْ، وقيل: سُمِّي الحَيْضُ حَيْضاً من قولهم:
حَاضَتِ الشَّجَرَةُ: إذا خرج منها ماء أحمر، والحقُّ أن الأمر بالعكس،
فإنَّ حاضتِ الشجرةُ، من الحيض؛ تشبيهاً للماء الخارج بالحيض.
الرابع: فيما يتعلّق بالمعنى :
وفي الحديث: بيان جواز المباشرة فيما فوق الإزار؛ لأنه - عليه
الصلاة والسلام - إِنما كان يأمرُ بالإزار لأجل ذلك، وهو مذهب
الشافعيّ، ومالك، وأبي حنيفة، ومنقول عن جمع كثير من الصحابة
والتابعين.
وقال أحمد، وإسحاق، وداود، وبعض الشافعية والمالكية
والحنفية: يستمتع بها ما دون الفرج، وهو قول علي، وابن عباس،
وأبي طلحة، وجماعة، ويستدلون بقوله - عليه السلام -: ((اصْنَعُوا(١)
كُلَّ شَيْءٍ إِلَّ النِّكَاحَ)) - على ما سيجيء -.
ويجيبون عن أمره - عليه الصلاة والسلام - بالاتزار، ومباشرته
فوق الإزار؛ بأنه محمول على الاستحباب؛ كما أجاب القائلون بالأوّل
من حديث: ((اصْنَعُوا))؛ بأن المراد: جواز كل شيء بالحائض سوى
الوطء فيما فوق الإزار، وترك التقييد - هاهنا -؛ لمجيئه في سائر
الأحادیث؛ جمعاً بينهما.
وبالجملة: ربّما يؤخذ من قول عائشة - رضي الله عنها -: وَأَيُّكُمْ
(١) في الأصل زيادة: ((بالحائض)).
٤٠٧

يَمْلِكُ إِرْبَهُ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَمْلِكُ إِرْبَهُ؟: أنّ المحرّم هو الوطء؛
لأنه المراد بالإرب، وإيقاع هذا الكلام بعد ذكر المباشرة فوق الإزار،
إنما يحسن إذا حلَّ الاستمتاع بما دون الفرج، ولهذا ذهب بعض
المحققين إلى أن القول بعدم جواز المباشرة بما دون الإزار لأجل أنّ
المباشرة في الفرج [حرام] بالاتفاق بدون الإزار؛ [لأنه] مِنْ حماه،
ومن رتع حول الحمى، يوشك أن يقع فيه. حتى إنّ من وثق بضبط
نفسه عن الوطء؛ لقوة ورع، أو ضعف شهوة، جاز له المباشرة فيما
دون الإزار - أيضاً -.
وأمّا ما نقل عن عَبِيدة السَّلْماني؛ من أنه لا يجوز مباشرة
الحائض فيما فوق الإزار - أيضاً -، فضعيفٌ، مخالفٌ للأحاديث
الصحاح المشهورة، ومخالفٌ للإجماع على ما فعلَ الشيخ أبو حامد
الإسفراييني وغيره على الجواز، كما ثبت الإجماع على حرمة الجماع
في الفرج في حالة الحيض. نعم، لو قيل: التركُ أولى، لكان وجهاً.
ثم إن جامع رجل الحائضَ في فرجها، فإن كان عالماً بالحيض،
وبحرمة الجماع فيه، وكان مختاراً غير مكرَهٍ، فإن اعتقد حلّه:
قيل: يكفر، ويؤيده: حديث أبي هريرة، مرفوعاً: ((مَنْ أَتَى
خَائِضاً، أَوِ امْرَأَةٍ فِي دُبُرِهَا، أَوْ كَاهِناً، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدِه
أخرجه الترمذي، وابن ماجه.
وقيل: لا يكفر، وهو الصحيح، وفي الحديث ضعف، وعلى
٤٠٨

تقدير الصحّة، فمحمول على التغليظ، كما ذكره الترمذي وغيره.
وقيل: لا.
ولاشك في أنه يصير فاسقاً؛ لأن الجماع في هذه الحالة منهيٌّ
[عنه]، وهو كبيرة من الكبائر، وتجب عليه التوبة، فإن فقد شرطاً من
الثلاثة؛ من العلم بالحيض، أو بحرمة الجماع فيه، أو بكونه مختاراً،
يأثم - أيضاً -، ولكن دون إثم الأوّل.
فهل تجب الكفَّارة على الفاعل المستجمع بهذه الشرائط؟
فيه خلاف؛ ومذهب مالك، وأحد قولي الشافعيّ، وإحدى
الروايتين عند أحمد: أنه لا تجب عليه الكفَّارة، وهو مرويٌّ عن
عطاء، وابن أبي مليكة، والشعبيّ، والنخعيّ، ومكحول، والزهري،
وأبي الزناد، وربيعة، وحماد بن سليمان، وأيوب السختياني، وسفيان
الثوري، واللیث بن سعد، وجماعة.
وعند الشافعي في قولٍ، وعند أحمد في رواية: تجب الكفَّارة،
وهو مرويّ عن ابن عباس، والحسن البصري، وسعيد بن جبير،
وقتادة، والأوزاعي، وفيه حديث ابن عباس - على ما سيجيء - له
طرق، صحح الحاكم إسناده.
ثم اختلف في قدرها (١)، فقال الحسن، وسعيد: عتقُ رقبة؛ لما
جاء عن ابن عباس، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ◌َ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ!
(١) أي: الكفارة.
٤٠٩

أَصَبْتُ امْرَأَتِي وَهِيَ خَائِضٌ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ أَنْ يُعْتِقَ نَسَمَةً، وَقِيمَةُ
النَّسَمَةِ [یَوْمَئِذٍ](١) دِینَارٌ. رواه الطبراني، وفيه: عبد الرحمن بن یزید بن
تميم، وهو ضعيف.
ونقل عن الحسن: عتق رقبة، أو عشرون صاعاً لأربعين مسكيناً.
وقال الباقون: يجب عليه دينار في أول الحيض، ونصفه في
آخره، أو دينار في زمن الحيض، ونصفه عند انقطاعه قبل الاغتسال.
وعن قتادة: دینار إن کان واجداً، ونصفه إن لم یجد.
ومستمسَك الكل بما روي عن ابن عباس، مرفوعاً: ((مَنْ أَتَى امْرَأَتَهُ
وَهِيَ حَائِضٌ، فَلْيَتَصَدَّقْ بِدِينَارٍ، أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ)) أخرجه الأربعة.
وفي رواية الترمذي: ((إِذَا أَصَابَهَا أَوَّلَ الدَّم، والدَّمُ أَحْمَرُ،
فَدِينَارٌ، وَإِذَا أَصَابَهَا فِ انْقِطَاعِ الدَّم، والدَّمُ أَصْفَرُ، فَنِصْفُ دِينَارِ)).
ثم قال الترمذي: وقد روي هذا الحديث عن ابن عباس موقوفاً،
ومرفوعاً.
وقال أبو داود: ربما لم يرفعه شعبة، قال: وروى الأوزاعي عن
يزيد بن مالك، عن عبد الرحمن، عن النبي - عليه السلام -، قال:
أمره أن يتصدقَ بخمسين ديناراً، وهو منقطع.
وبالجملة: قد تكلم الناس على هذا الحديث، وحديث ابن
عباس، والأكثرُ على أنهما ضعيفان.
(١) بياض في الأصل.
٤١٠

الخامس: في قولها: (فِي فَوْرِ حَيْضَتِهَا) - بفتح الفاء وسكون
الواو -: غليان دم الحيض؛ من فارَتِ القِدْرُ: إذا غَلَتْ، والمراد: عند
معظم الحیض.
وقيل: المراد: أول المدة؛ لما روت أم حبيبة: كَانَتْ إِحْدَانَا فِي
فَوْرِهَا أَوَّلَ مَا تَحِيضُ، تَشُدُّ عَلَيْهَا إِزَاراً إِلَى أَنْصَافِ فَخِذَيْهَا، ثُمَّ
تَضْطَجِعُ مَعَه - عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلامُ -. أخرجه ابن ماجه بسند جيد.
وقيل: لا تخالف بين المعنيين؛ فقد تكون شدة غليانه في أول
أمره لبعض النسوة، ففسر ذلك به.
والسادس: من قولها: (وَأَّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ) المشهور من
الرواية: كسر الهمزة مع سكون الراء، وفسر[٥] بعضهم بالعضو الذي
يستمتع به، وهو الذّكر.
ورواه بعضهم بفتح الهمزة والراء، ومعناه: الحاجة، وذكر
الخطابي: أن الرواية بكسر الهمزة وسكون الراء خطأ، وإنما الرواية
بفتحهما، وذكره أبو جعفر النحاس - أيضاً -.
وقيل: الرواية الأولى - أيضاً - بمعنى الحاجة مثل الثانية، ذكره
عبد الغافر في ((مجمع الغرائب))، ولا شك في أن الأَرَبَ - بفتح الهمزة
والراء -: الحاجة.
وقد جاء في بعض كتب اللغة: أن الإِزْب - بكسر الهمزة وسكون
الراء - لغة فيها، فيكون المراد: حاجة النساء.
٤١١

وجعلُ الإِزْب - بكسر الهمزة وسكون الراء -، بمعنى: العضو،
وجعلُ الكلام كنايةً عن شهوة الفرج، الذي هو عضو من الأعضاء =
بعيدٌ.
ولما كان في هذه الرواية هذه الزيادة الدالة على أن المحرم هو
الوطء، وكذا قوله: ((فِي فَوْرِ حَيْضَتِهَا)) - أيضاً - زيادة ليست في
الأول، أخرها عنها.
وبالجملة: هاتان الروايتان تدلان على استمتاع النبي - عليه
الصلاة والسلام - بالحائض بما فوق الإزار، ولكن لا يدل على
استمرار فعله ذلك.
وحديثُ ميمونة لم يفهم منه الاستمرار؛ لأن (كان) داخلة على
فعله - عليه الصلاة والسلام -؛ كما كانت داخلة على الحيض في
الحديث الأول، و- أيضاً - جمعُ النساء ربما يؤكد ذلك فَضلَ تأكيد،
فلهذا أَخَّر هذا الحديث عنه، فلما ذكر المباشرة، انتقل إلى ذكر
الاضطجاع مع الحائض، فذكر حديث ميمونة، وحديث أم سلمة.
٧٠٧ _ (٢٩٤ / ٣) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ
عَبْدِ اللهِ، عَنِ الشَّيْيَانِيِّ، عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ، قَالَتْ: كَانَ
رَسُولُ اللهِوَ﴿ يُبَاشِرُ نِسَاءَهُ فَوْقَ الإِزَارِ وَهُنَّ خُيَّضٌ.
٤١٢

[ ٢ - باب
الإِضْطِجَاعِ مَعَ الحَائِضِ فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ ]
٧٠٨ _ (٢٩٥ / ٤) - حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ
مَخْرَمَةَ حِ، وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَثِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالاَ:
حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ
عَبَّاسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مَيْمُونَةَ زَوْجَ النَّبِِّ﴿ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَُّ
يَضْطَجِعُ مَعِي وَأَنَا خَائِضٌ، وَبَشِي وَبَيْنَهُ ثَوْبٌ.
الحديث الثاني: حديثُ ميمونة: كَانَ رَسُولُ اللهِوَّهِ يُبَاشِرُ نِسَاءَهُ
فَوْقَ الإِزَارِ وَهُنَّ حُيَّصٌ.
وفي رواية: كَانَ رَسُولُ اللهِوَلِ يَضْطَجِعُ مَعِي وَأَنَا حَائِضٌ، وَبَيْنِي
وَبَيْنَهُ ثَوْبٌ. أخرجه البخاري، وأبو داود، والنسائي.
وقد سلف التعريف برواته سوی عبدالله، وکریب، وميمونة.
أما (عَبْدُاللهِ)، فهو ابْنُ شَدَّادِ بنِ الهاد، واسمُ الهاد: أسامةُ بن
عمرو الليثيُّ، المدنيُّ، أبو الوليد، كانت أم عبدالله [تحت] حمزة بنت
عبد المطلب، وهي سلمى بنت عُمَيْس، فولدت له عمارة، فلما
استشهد [أيام] الحرة، تزوجت شداداً، فولدت له عبدالله.
روى عن أبيه، وعمر، وعلي، ومعاذ، وجماعة.
وعنه محمد بن كعب، ومنصور بن المعتمر، والحكم بن عتيبة،
وخلق.
٤١٣

وَثَّقَهُ النسائي وغيرُه، وأخرج له الستة، فَقِدَ هو وعبد الرحمن بن
أبي ليلى بالجماجم سنة اثنتين وثمانين.
وفي الأربعة عبدُالله بنُ شداد آخر، وهو أبو الحسن المدنيُّ
الأعرجُ.
وأما (كُرَيْبٌ)، فهو ابن أبي مسلم أبو رشدين المدنيُّ، أدرك
عثمان.
وروى عن ابن عباس، وعائشة، وأم هانئء، وجماعة.
وعنه ابناه: رشدين، ومحمد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن،
وآخرون.
وَثَّقَهُ ابن معين، والنسائي، وأخرج له الستة .
توفي سنة ثمان وتسعين .
وأما (مَيْمُونَةُ)، فهي بنتُ الحارث الهلاليةُ، أُّ المؤمنين،
تزوجها رسولُ الله ◌َّ ه سنة ست من الهجرة، وقيل: بعده، وكانت قبل
ذلك عند أبي رهم بن عبد العزى العامري، وقيل: عند حويطب بن
عبد العزى، وقيل: عند سبرة بن أبي رهم.
روي لها عن رسول الله وَله ستة وأربعون حديثاً، اتفقا على
سبعة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بخمسة، وأخرج لها الأربعة
-أيضاً -.
روى عنها: يزيد بن الأصم، وكريب، وإبراهيم بن عبدالله بن
معبد، وجماعة.
٤١٤

توفيت سنة إحدى وخمسين [بسرف]، وبنى بها النبيُّ - عليه
السلام - بسرف - أيضاً - سنة سبع بعد فراغه من قضاء العمرة - رضي
الله عنها -.
* وقوله: (أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ عَنْ أَبِيهِ) ذكر الدارقطني، والنسائي:
أن مخرمة بن بكير ما سمع من أبيه شيئاً.
وقال أحمد بن حنبل: لم يسمع مخرمة من أبيه شيئاً، وإنما
یروي من کتاب أبيه.
وقال يحيى بن معين، وابن أبي خيثمة: يقال: وقع إليه كتاب
أبيه.
وقال علي بن المديني: ولا أظن مخرمة سمع من أبيه إلا الشيء
اليسير، ولم أجد أحداً بالمدينة يخبر عن مخرمة أنه كان يقول في
شيء: سمعت أبي.
وقال موسى بن سلمة: قلت لمخرمة: ما حدثتَ به عن أبيك
سمعتَه منه؟ فحلف بالله لقد سمعتُ، وكان مخرمة رجلاً صالحاً.
و کذا قال معن بن عیسی : إن مخرمة سمع من أبيه.
وبالجملة: للقوم اختلاف في سماعه من أبيه، وعدم سماعه،
ویمکن أن يجمع بينهما : بأنه سمع من أبيه بعض الأحاديث، وروى من
کتابه البعض، کما یومئ إليه قول ابن المديني.
وكيفما كان، هذا الحديث صحيح؛ لأنه روي من غير طريق
٤١٥

مخرمة - أيضاً -.
٠
٧٠٩ - (٢٩٦ / ٥) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ
هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِيٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ زَيْتَبَ بِنْتَ أُمُّ سَلَمَةَ حَدَّثَهُ: أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ حَذََّتَهَا،
قَالَتْ: بَيْنَمَا أَنَا مُضْطَجِعَةٌ مَعَ رَسُولِ اللهِوَهُ فِي الحَمِيلَةِ، إِذْ حِضْتُ،
فَانْسَلَلْتُ، فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حَيْضَتِي، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَلِ:
(أَنْفُسْتِ؟))، قُلْتُ: نَعَمْ. فَدَعَانِي، فَاضْطَجَعْتُ مَعَهُ فِي الخَمِيلَةِ،
قَالَتْ: وَكَانَتْ هِيَ وَرَسُولُ اللهِ وَ﴿ يَغْتَسِلاَنِ فِي الإِنَاءِ الوَاحِدِ مِنَ
الجَنَابَةِ.
الحديث الثالث: حديثُ أمّ سلمة، قالت: بَيْنَمَا أَنَا مُضْطَجِعَةٌ مَعَ
رَسُولِ اللهِ وَ﴿ فِي الْخَمِيلَةِ، إِذْ حِضْتُ، فَانْسَلَلْتُ، فَأَخَذْتُ ثِيَابَ
حَيْضَتِي، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِوَِّ: ((أَنْفِسْتِ؟))، قُلْتُ: نَعَمْ. فَدَعَانِي،
فَاضْطَجَعْتُ مَعَهُ فِي الْخَمِيلَةِ، قَالَتْ: وَكَانَتْ [هِيَ](١) وَرَسُولُ اللهِ وَّل
يَغْتَسِلاَنِ فِي الإِنَاءِ الوَاحِدٍ مِنَ الجَنَابَةِ.
وفي رواية للبخاري: قالت: إنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ[كَانَ] يُقَبِّلُهَا وَهُوَ
صَائِمٌ. الحديث أخرجه البخاري، والنسائي وابن ماجه.
(١) بياض في الأصل.
٤١٦

والكلام في مواضع:
الأوّل: في التعريف برواته، وقد سلف سوى زينبَ وأمِّهَا.
أما (زينبُ)، فهي بنتُ أبي سلمةَ عبدِالله بن عبد الأسد بنِ هلالٍ
المخزوميةُ، ربيبةُ رسولِ الله بَّهِ، ولدت بأرض الحبشة، وكان
اسمها: بَرَّةَ، فسمّاهَا النبي ◌ِّ: زينب.
روت عن النبيّ ◌َّه، وعن أمّها، وعائشة، وزينب بنت جحش،
وجمع .
وعنها: أبو عبيدة بن عبدالله بن زمعة، وعروة، وحُمید بن نافع،
وخلق.
أخرج لها الستة.
توفيت سنة ثلاث وسبعين.
وأمّا (أمّها)، فهي أمّ سلمة هندٌ بنتُ أبي أميّة حذيفةَ، وقيل:
سهيلُ ابن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم المخزوميةُ، أمّ
المؤمنين، تزوّج بها النبيّ - عليه الصّلاة والسلام - في سنة أربع،
وكانت من أجمل النساء، وأملحهنَّ، وأعقلهنّ.
روي لها عن رسول الله ثلاث مئة وثمانية وسبعون حديثاً، اتفقا
م
على ثلاثة عشر حديثاً، ولمسلم مثلها، هاجرت الهجرتين.
روى عنها ابنها عمر، وسعيد بن المسيّب، وسليمان بن يسار،
وخلائق.
٤١٧

توفیت سنة اثنتين وستين - رضي الله عنها -.
الثاني: في الألفاظ:
* قوله: (الخَمِيلَةِ) المذكور في ((مسلم)): (الخَمِيلَةِ) كذلك،
وفي ((البخاري)): (في خَمِيصَةٍ) بدل (الخَمِيلَةِ).
والخَمِيصَةُ - بفتح الخاء المعجمة -: كِساءٌ مُرَبَّعٌ له عَلَمان،
وقيل: من خَزِّ ثخينٍ أسودَ وأحمرَ، له عَلَمان، وقيل: كساء أسودُ
مربّع، وإن لم يكن معلماً، فليس بخميصة.
والخَمِيلَةُ - بفتح الخاء المعجمة -: ثوب له خَمَلٌ، وهو الهُدْبُ
ونحوه مما يفصل من أي لون كان، وقيل: الخميل: الأسودُ من
الثياب.
وبالجملة: يمكن الجمع بين الروايتين، فإن ذلك الثوب يحتمل
أن يكون ثوباً معلماً مربعاً له خَمَل، والمراد - هاهنا -: الشيء الذي
يُلْتَحَف به، وقد جاء في رواية ابن ماجه: (كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ پۇ فِي
لِحَافِهِ) بدل (الخمیلة)، وهذا صریح فیما ذكرنا.
والانسلال: الذهاب خفية، وإنما ذهبت؛ خوفاً من وصول شيء
من دمها إليه، أو قَذِرَتْ نفسَها، ولم تَرْتَضِها لمضاجعته، أو خافت
نزولَ الوحي، فانسلت؛ لئلا تشغله حركتها، أو ظنت عدم جواز
مضاجعة الحائض.
وبالجملة: ذهابها في تلك الحالة حسَنٌ.
* وقولها: (فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حيضتي) وهي بكسر الحاء: حالة
٤١٨

الحيض؛ أي: أخذت الثياب المعدة له من الحيض، والرواية
المشهورة هنا: كسر الحاء، وقال القاضي عياض: ويحتمل فتح
الحاء: الثياب الذي ألبسها في حال حيضتي؛ فإن الخَيْضَةَ - بفتح
الحاء - هي: الحيض، وهذا لا يخالف قول عائشة: مَا كَانَ لِإِحْدَاناً
إِلَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ تَحِيضُ فِيهِ؛ لأن ذلك في بدء الإسلام عند شدة الحال
وقلته.
وحديثُ أمّ سلمة كان بعدَ فشوِّ الإسلام، واتساع الحال، واتخاذ
النساء ثياباً للحیض سوی ثیاب لباسهنّ. هذا كلامه.
وذكر القرطبي: أن الرواية فتح الحاء، والمراد به: الدم، وقد قيل:
بعض الناس يكسر الحاء؛ يعني: الهيئة والحالة، وكذا قاله الخطابي في
قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((إِنَّ خَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكٍ)) أن صوابه
كسر الحاء، وعَابَ على المحدثين الفتح، وعيبه مُعاب.
وأقول: لا يخفى أن الحمل على الحالة في هذا الحديث أولى،
وليست من الحمل على الدم؛ لأن المعنى: أخذت ثياب حالة
الحيض، وهي الثياب التي تلبسها الحائض في حالة صدور الحيض
لها إلى الانقطاع، وتسمية تلك الثياب: ثيابَ الدم، مَجاز، ولا يصار
إليه مع وجود الحقيقة، وصحّة إرادتها بلا ضرورة، فيكون القول بأن
المراد: الدّم، لا الحالة، ليس على ما ينبغي.
وأمّا حديث: ((إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ))، فسيجيء الكلام
٤١٩

عليه في موضعه - إن شاء الله تعالى -.
وقوله: (أَنَفِسْتِ) الرواية المشهورة: فتح النون وكسر الفاء،
بمعنى: حِضْتٍ، وروي بضم النون - أيضاً - بمعناه.
وقيل بالضمّ: النفاس، وهو الدمُ الذي في الولادة، وبالفتح:
الذي بمعنى الحيض، وقيل: بالوجهين في النفاس، وبالفتح في
الحيض لا غير، وإليه ذهب ابن الأثير.
وقد ترجم البخاري الباب الذي اشتمل على هذا الحديث بباب:
من سمَّى النفاسَ حيضاً، والظاهر: أنه من باب القلب؛ لأن النبيّ -
عليه الصلاة والسلام - سمَّى الحيضَ: نفاساً، وتمثَّل فيه الشارحون،
فقال بعضهم: الترجمة مأخوذة من جواب أم سلمة؛ لأنها لما قالت:
(نعم)، فقد سمت الدم الذي سَمّاه النبي - عليه السلام - نفاساً حيضاً،
[كما عند] ابن ماجه: قُلْتُ: وَجَدْتُ مَا تَجِدُ النِّسَاءُ مِنَ الحَيْضَةِ.
وقال بعضهم: غرض البخاري: إلحاق النفاس بالحيض في
منافاة الصّلاة، فلم يجد حديثاً على شرطه، فاستنبط من هذا الحديث
أن حُکمهما واحد، وبَوَّب علیه.
وقال المهلب: إنه - عليه السلام - لمّا سمَّى الحيض نفاساً،
لزمه، فبوب علیه.
وقال بعضهم: السبب في التسمية: خروج النفس، وهو الدم،
وهذا المعنى متحد في الحيض والنفاس، فیصح تسمیتّه به.
٤٢٠