النص المفهرس

صفحات 321-340

بِفَضْلِهَا. أخرجه أبو داود.
وعن عائشة: كُنْتُ أَتَوَضَّأُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ◌ِهِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ قَدْ
أَصَابَتْ مِنْهُ الهِرَّةُ قَبْلَ ذَلِكَ.
وعنها: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿ يَمُرُّ بِهِ الهِرُّ، فَيُصْغِي لَّهُ الإِناءَ،
فَيَشْرَبُ مِنْهُ، فَيَتَوَضَّأَ بِفَضْلِهِ. رواه البزار، والطبراني، ورجاله ثقات.
وحديث أبي هريرة، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((الهِرَّةُ لاَ تَقْطَعُ
الصَّلاَةَ؛ لأَنَّهَا مِنْ مَتَاعِ البَیْتِ)) أخرجه ابن ماجه.
وفي الباب: عن أنس بن مالك، قال: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ إِلَى
أَرْضِ بِالمَدِينَةِ، يُقَالُ لَهَا: بَطْحَانُ، فَقَالَ: ((يَا أَنَسَرُ! أُسْكُبْ لِي
وَضُوءًا)، فَسَكَبْتُ لَهُ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِنَّهِ حَاجَتَهُ، أَقْبَلَ إِلَى
الإِنَاءِ، وَقَدْ أَتَى هِرٍّ فَوَلَغَ فِي الإِنَاءِ، فَوَقَفَ لَهُ رَسُولُ اللهِوَّهِ وَقْفَةٌ حَتَّى
شَرِبَ الِهِرُّ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ، فَقَالَ: (يَا أَنَسُ! إنَّ الهِرَّ مِنْ مَتَاعِ البَيْتِ لَنْ
يُقَذِّرَ شَيْئاً، وَلَنْ يُنَجِّسَهُ)) رواه الطبراني.
وعن عبدالله بن أبي قتادة، عن أبيه، مرفوعاً: ((السُّنَّوْرُ مِنْ أَهْلِ
البَیْتِ) رواه أحمد، ورجاله ثقات.
وعن أبي هريرة: أَنَّ النَّبِيَّ - عليه السلام - كانَ يَأْتِي دَارَ قَوْمٍ مِنَ
الأَنْصَارِ، وَدُونَهُمْ دَارٌ (١) - قَالَ -: فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ
(١) في الأصل: ((بعض الأنصار، وترك دور بعضهم)).
٣٢١

اللهِ! [سُبْحَانَ اللهِ]! تَأْتِي دَارَ فُلاَنٍ (١)، وَلاَ تَأْتِي دَارَنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ:
(لأَنَّ فِي دَارِكُمْ كَلْباً»، قَالُوا: فَإِنَّ فِي دَارِهِمْ سِنَّوْراً. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّ:
((إِنَّ السَّنَّوْرَ سَبُعٌ)) رواه أحمد.
إذا عرفت هذا، فقوله: ((مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ)) معناه:
من الخدم والمماليك، فيشق الاحتراز عنها للضرورة، وكثرة
المداخلة، فیعفى سؤره.
وقيل: معناه: ممن يطوف للحاجة والمسألة، ففي مواساتها
مسألة الهر من الحاجة.
والواقع في بعض الروايات: ((أَوَالطََّّافَاتِ))، وفي بعضها:
- بالواو -، وقيل: ((أَوْ)) شكٌّ من الراوي، والظاهر: أنها تنويع من
النبي - عليه السلام - لذكر الصنفين من الذكور والإناث.
والجمهور على طهارة سؤر الهرة، وذهب قوم إلى كراهيته.
وعن ابن المسيب، وابن سيرين: يغسل من ولوغها مرة.
وعن طاوس: سبعاً، وشك القائل الأول لما مَرَّ من حديث أبي
هريرة(٢)، فإنه ليس من كلام النبي - عليه السلام - على ما مَرَّ، و- أيضاً -
متروك الظاهر؛ فإن ظاهره وجوب غسل الإناء من ولوغها مرة، ولا
يجب بالإجماع.
(١) في الأصل: ((دارهم)).
(٢) بياض في الأصل.
٣٢٢

وتمسك عطاء بما روى ليث بن أبي سليم، عن أبي صالح، عن
أبي: يغسل الإناء من الهرة كما يغسل من الكلب.
وأجيب: بأنه غير محفوظ، وهو خطأ من ليث بن أبي سليم،
وقد خالف فيه أصحاب أبي صالح.
ويؤخذ من قوله - عليه السلام -: ((السِّنَّوْرُ سَبُعٌ)) بطهارة سؤر
السباع، وعليه الجمهور، وذهب جمعٌ إلى أن سؤر سباع الدواب؛
كالأسد والذئب نجسة، وسباع الطير؛ كالبازي والصقر طاهرٌ، إلا أنه
يذم استعماله، وسؤر حيوان المأكول اللحم طاهر، وسؤر البغل
والحمار مشكوك، هذا مذهب أبي حنيفة، والله أعلم.
٣٢٣

(٩)
بب
النهي عن البول في الماء الراكد،
والاغتسال فيه
[٢٨ - باب
النَّهْىٍ عَنِ البَوْلِ فِي المَاءِ الرَّاكِدِ]
٦٨١ _ (٢٨١ / ٩٤) - وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْتَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ،
قَالاَ: أَخْبَرَنَاَ اللَّيْثُ حِ، وَحَدَّثْنَا قُتَنِيَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِيِ الزُّبَيْرِ،
عَنْ جَابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ: أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُبَالَ فِي المَاءِ الرَّاكِدِ.
٦٨٢ - (٢٨٢ / ٩٥) - وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ،
عَنْ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ِ﴿، قَالَ:
(لاَ يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ﴾.
٦٨٣ - (٢٨٢ / ٩٦) - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ
الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ بْنِ مُثَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبَّو
هُرَيْرَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لاَ تَبَّلْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لاَ يَجْرِى، ثُمَّ تَغْتَسِلُ
مِنْهُ)).
٣٢٥

أخرج فيه ثلاثة أحاديث:
الأول: حديث جابر: أن النبي - عليه السلام - نَهَى أَنْ يُمَالَ فِي
المَاءِ الزَّاكِدِ. أخرجه ابن ماجه.
الحديث الثاني: أخرج فيه حديث أبي هريرة، قال النبي ◌َّ:
(لاَ يَيُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ).
وفي رواية: ((لاَ تَبُّلْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لاَ يَجْرِي، ثُمَّ تَغْتَسِلُ
مِنْهُ)) أخرجه البخاري، والأربعة.
وفي رواية الترمذي، والنسائي: ((ثُمَّ يَتَوَضَّأَ مِنْهُ))، فذكر قوله:
(ثُمَّ تَغْتَسِلُ مِنْهُ)).
وقال الترمذي: وفي الباب: عن جابر بن عبدالله.
وأقول: حديثه أخرجه ابن ماجه من حديث ابن عمر، قال: قال
رسول الله ◌َله: ((لاَ يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِى المَاءِ النَّاقِعِ)».
إذا عرفت هذا، فالكلام ـــ هاهنا - في مواضع:
الأول: في شرح ألفاظه:
* قوله: (فِي المَاءِ الرَّاكِدِ) الراكد: هو الدائم الذي [لا] يجري -
على ما جاء مبيناً في سائر الروايات -. .
* وقوله: (لاَ يَجْرِي) بعد قوله: ((الدَّائِم)) قيل: للتأكيد؛ لأن
الدائم هو الذي لا يجري، وقيل: احتراز عن الذي يجري بعضُه،
ولا يجري بعضُه؛ كالبِرَك ونحوه؛ فإنه يصدق عليه: الدائم، ولا
٣٢٦

يصدق عليه : لا يجري.
وبالجملة: هذا النهي يختلف بحسب قلة الماء وكثرته، وبحسب
المذاهب - أيضاً-، والتحريم ملازم التنجيس والتنزيه.
والثاني: في حکمه:
والصحيح من مذهب الشافعي - رحمه الله -: أن فيما دون
القُلَّتين يحرُم البول فيه؛ لأنه يتنجس ويزيل طهارته؛ جمعاً بين هذه
الأحاديث، وبين قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((إِذَا بَلَغَ المَاءُ قُلَتَيْنِ،
لَمْ يَحْمِل خَبئاً)) أخرجه الأربعة من حديث ابن عمر، وأخرجه ابن
حبان، وابن خزيمة، والحاكم، وغيرهم، فلا يلتفت إلى ما روي عن
المدیني بأن هذا الحدیث ضعيف؛ فإن ذلك ما ثبت عنه.
وقال الحاكم في ((المستدرك)): حديث صحيح على شرط
الشیخین.
وقال البيهقي وغيره: إسناد صحيح.
حكم المسألة:
فقد حكى ابن المنذر فيها سبعة مذاهب:
أحدها: إن كان الماء قلتين فأكثر، لم ينجس، وإن كان دون
[قلتين]، نجس، وهذا مذهب ابن عمر، وسعيد بن جُبير، ومجاهد،
وجماعة، وبه قال الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد.
والثاني: أنه إذا بلغ أربعين قلة، لم ينجسه شيء، حكوه عن
عبدالله بن عمرو بن العاص، ومحمد بن المنكدر.
٣٢٧

والثالث: إن كان كثيراً، لم ينجسه شيء، روي ذلك عن
مسروق، وابن سیرین.
والرابع: إذا بلغ ذنوبين لم ينجس، روي عن ابن عباس في
رواية، وقال عكرمة: ذنوباً أو ذنوبین.
الخامس: إن كان أربعين دلواً، لم ينجس، روي ذلك عن أبي
هريرة.
والسادس: إذا كان كثيراً، بحيث لو حُرِّك جانبه، لم يحرك
الجانب الآخر، نجس، وإلا فلا، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه.
والسابع: لا ينجس كثير الماء ولا قليله إلا بالتغير، روي ذلك
عن ابن عباس، وابن المسيب، والحسن، وعطاء، وجمع، وبه قال
مالك، والأوزاعي، وسفيان الثوري، وداود، واختاره ابن المنذر،
وبعض أصحاب الشافعي.
وحاصل المذاهب: أن الكثرة والقلة لا تعتبر، وإنما يعتبر
التغير، وهو المذهب السابع.
أو تعتبر، ويكون غير مقدر بالظروف، وهو السادس.
أو مقدر، وهو ما في المذاهب.
وأوضحها، وأصحها: المذهب الأول؛ لما جاء من حديث
القلتين؛ فإن الشارع جعله حَدّاً يوجب الأخذ به، وما جاء في غيره من
التقديرات شيء قبله.
وما قيل: من أن قوله: ((لاَ يَحْمِل خبثاً))، ليس نصاً في عدم
٣٢٨

التنجيس، وجاء في رواية أبي داود: ((فَإِنَّهُ لاَ يَنْجُسُ))، وفي رواية ابن
ماجه: ((لَمْ يُنَجِّسِهُ شَيْء)» بدل قوله: (لَمْ يَحْمِل خَبَاً».
وفيه قطع شغب القوم بأنه إنما لا يحمل خبثاً؛ لقلته ونجاسته،
لا لکثرته وطهارته؛ فإن هذا صريح في أنه لا یتنجس.
وما قيل: بأن في إسناد حديث القلتين اضطراباً، فإن محمد ابن
جعفر بن الزبير يروي الحديث تارة عن عبدالله بن عمر بن الخطاب،
عن أبيه، وتارة عن عبيدالله بن عمر، عن أبيه، فليس شيء.
أولاً: اضطراب في ذلك، فإن عبدالله وأخاه عبيدالله سمعا هذا
الحديث من أبيهما، وهما ثقتان، ومحمد بن جعفر ومحمد بن عباد
فهما [ثقتان](١) وسمعا منه، فالحديث محفوظ بلا اضطراب كما قاله
الحاكم، والبيهقي، وغيرهما.
وقد سَلَّم الطحاوي محدِّث الحنفية، وإنما قال: قد جاءت رواية
(قُلَّتَيْن أَوْ ثَلاثًاً))، فحصل الإبهام، و- أيضاً -: قدر القلتين مجهول.
وأجيب: بأن رواية: ((أَوْ ثَلاَثاً)) غير معروفة، والصحيحة
المشهورة: ((قُلَتَيْنِ فَصَاعِداً)، وقد جاء: (أَرْبَعِينَ قُلَّةً))، و((أَرْبَعِينَ
غَرْباً))، وهما غير معروفات، وإنما الأول منقول عن عبدالله بن عمرو
ابن العاص، والثاني عن أبي هريرة - كما مَرَّ -، والمعروف المرفوع
هو: ((قُلْتَيْنِ بِقِلاَلِ هَجَرَ))، وهي معروفة عندهم، وقد جاء في حديث
(١) بياض في الأصل.
٣٢٩

الإسراء من صفة السدرة: ((فَإِذَا وَرَقُهَا مِثْلُ آذَانِ الفُيُولِ، وَإِذَا نَبَّقُهَا مِثْلُ
قِلاَلِ هَجَرَ))، والنبي - عليه السلام - لا يَحُدُّ لهم ولا يُمَثِّل إلا بما هو
معروف عندهم.
والحمل على الماء الجاري خلاف الأصل، أو هو مطلق،
والحمل مقيد بلا دليل، ويعضد حديث القلتين: حديث بئر بضاعة:
وَهِيَ تُلْقَىأَ فِيهَا لُحُومُ الكِلاَبِ وَالمَحَابِضُ، وَعِذَرُ النَّاسِ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ ◌َ﴿ِ: ((إِنَّ المَاءَ طَهُورٌ لاَ يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ))، وفي رواية: قيل:
يا رسول الله! أَنْتَوَضَّأُ مِنْ بِثْرِ بُضَاعَةَ، وَهِيَ بِثْرٌ يُطْرَعُ فِيهِ الخَيْضُ وَلَحْمُ
الكِلاَبِ وَالنَّتْنُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((المَاءُ طَهُورٌ لاَ يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ))
أخرجه الأربعة سوی ابن ماجه.
وقال الترمذي: وفي الباب: عن ابن عباس، وعائشة.
وأقول: حديث ابن عباس، مرفوعاً: ((المَاءَ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ))
رواه أبو يعلى، ورجاله ثقات.
وحديث عائشة، ترفعه بمثله. رواه البزار، وأبو يعلى،
والطبراني.
وعن ميمونة، مرفوعاً مثله. رواه الطبراني، ورجاله ثقات.
ووجه اعتضاد هذا الحديث بحديث القلتين: أن بئر بضاعة ليس
كثيراً جداً؛ بحيث لا يتحرك بحركة الجانب الآخر؛ فإن أبا داود - بعد
ما أخرج هذا الحديث - قال: وَسَمِعْتُ قُتَيْبَةَ بْنَ سَعِيدٍ قَالَ: سَأَلْتُ قَيِّمَ
بِثْرِ بُضَاعَةً عَنْ عُمْقِهَا، قَالَ: أَكْثَرُ مَا يَكُونُ فِيهَا المَاءُ إِلَى العَانَةِ، قُلْتُ:
٣٣٠

فَإِذَا نَقَصَ؟ قَالَ: دُونَ العَوْرَةِ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَدَّرْتُ أَنَا بِثْرَ بُضَاعَةً
بِرِدَائِي، مَدَدْتُهُ عَلَيْهَا، ثُمَّ ذَرَعْتُهُ، فَإِذَا عَرْضُهَا سِنَّهُ أَذْرُعٍ، وَسَأَلْتُ
الَّذِي فَتَحَ لِي بَابَ البُسْتَانِ، فَأَدْخَلَنِي إِلَيْهِ: هَلْ غُيِّرَ بِنَاؤُهَا عَمَّا كَانَتْ
عَلَيْهِ؟ قَالَ: لاَ، وَرَأَيْتُ فِيهَا مَاءً مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ .
هذا كلامه، فعلم منه: أنها ليست بكبيرة؛ كما حدد قوم الكبير،
ولا هو قليل جداً، كما ذكره القائل؛ لعدم اعتبار المقدار، وقد بين
النبي - عليه السلام - أنه لا ينجسه شيء، وقدر في حديث آخر
بالقلتین، فعلم أنه الحد.
ومراد أبي داود بأن فيها ماء متغيراً: التغير من طول المكث،
لا بالنجاسة.
وقول الواقدي: كان يُسقى منها الزرع والبساتين، وحَمْلُ ذلك
على أن ماءها جارية، غلط؛ إذ الواقدي ضعيفٌ في الرواية عند أهل
الحدیث فیما أسند، فکیف فیما أرسل، أو قال من نفسه؟! وإن صح،
فيحمل على أنه كان يسقى منها بالدلو والناضح؛ كما هو في سائر
الآبار.
وتمسك القائل بالتحديد بالكثير بحديث الكتاب؛ فإن النهي عن
البول في الماء الراكد مطلق من غير تحديد، يفهم منه أن الماء إذا كان
قلتين، يتنجس - أيضاً-؛ لحديث أبي سعيد الخدري: أن النبي - عليه
السلام - سُئِلَ عَنِ الحِيَاضِ الَّتِى بَيْنَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ تَرِدُهَا السَّبَاعُ
وَالكِلاَبُ وَالحُمُرُ، وَعَنِ الطَّهَارَةِ مِنْهَا، فَقَالَ: لَهَا مَا حَمَلَتْ فِي
٣٣١

بُطُونِهَا، وَلَنَا مَا غَبَرَ طَهُورٌ.
ولحديث جابر، قال: انْتُهَيْنَا إِلَى غَدِيرٍ، فَإِذَا فِيهِ حِيفَةُ حِمَارٍ،
قَالَ: فَكَفَفْنَا عَنْهُ حَتَّى انْتُهَى إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ، فَقَالَ: ((إِنَّ المَاءَ
لاَ يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ)). فَاسْتَقَيْنَا وَأَرْوَيْنَا وَحَمَلْنَا. أخرجهما ابن ماجه.
وأجيب عن الأول؛ بأن النهي للتنزيه، أو يحصل به الاستقذار،
إذ النجاسة [ ... ]، ولأنه يؤدي إلى كثرة البول، وينجس الماء، وبأنه
عام مخصوص بحديث القلتين.
وفي الباب بعد تسليم صحة الحديثين؛ إذ لا دلالة فيهما على
كثير الحياض، وكونهما بالحد الذي ذكره هذا القائل، فلا دلالة فيهما
له، [و]ربما يستدل بهما على أن القلتين فصاعداً لا ينجسه شيء - كما
مَرَّ في حديث بئر بضاعة -، واستدل القائل باعتبار التغير في المقدار
بحديث: ((المَاءَ طَهُورٌ لاَ يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ))، وقد مَرَّ صحته من أوجه.
وأجيب: بأن حديث القلتين خاص، وذلك عام، فالخاص
مقدم، و-أيضاً - ليس فيه اعتبار التغير.
وحديث أبي أمامة، مرفوعاً: ((إِنَّ المَاءَ لاَ يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ، إلاَّ مَا
غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ)) أخرجه ابن ماجه، ويلفظ: ((لاَ يُنَجِّسُ
المَاءَ شَيْءٌ، إِلاَّ مَا غَيَّرَ رِيحَهُ أَوْ طَعْمَهُ)) رواه الطبراني، والمعين عند
أهل الحديث منسوخ بذلك جميع [ ... ](١).
(١) بياض في الأصل.
٣٣٢

ويؤخذ من هذه الأحاديث: طهورية ماء البحر، والمسخن،
والمتنجس، ونحو ذلك، مع أنه أنه رحلٌ.
فماء البحر حديث أبي هريرة، قال: جاء رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ ◌ِّهِ،
فَقَالَ: إِنَّا نَرْكَبُ البَحْرَ، وَمَعَنَا القَلِيلُ مِنَ المَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ،
عَطِشْنَا، أَفَنَتَوَضَّأُ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّه: ((هُوَ الطَّهُورُ
مَاؤُهُ، الحِلُّ مَيْتَتُهُ)) أخرجه الأربعة.
وقال الترمذي: وفي الباب: عن جابر، والفِرَاسي.
وأقول: حديث جابر: أن النبي - عليه السلام - سُئِلَ عَنْ مَاءِ
البَحْرِ، فَقَالَ: ((هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الحِلُّ، مَيْتَتُهُ)) أخرجهما ابن ماجه.
ومرفوعاً عن عبدالله المدلجي، رواه الطبراني.
وعن بعض بني مدلج رواه أحمد، ورجاله ثقات.
وعن العراك رواه الطبراني، وإسناده حسن.
وبلفظ: ((مَاء البَحْرِ)) عن ابن عباس مرفوعاً رواه أحمد، ورجاله
ثقات.
وذهب إلى هذا الجمهورُ من أصحاب النبي - عليه السلام -،
ومَنْ بعدَهم، ولم يروا الكراهة بالتوضؤ والاغتسال بماء البحر.
ونقل الترمذي الكراهة عن عبدالله بن عمر، وعبدالله بن عمرو
ابن العاص.
وجاء في الماء المسخّن: أن سلمة بن الأكوع كان يجاء له
٣٣٣

بالماء، فيتوضأ. رواه الطبراني.
وجاء في الماء المسخن(١): حديث [عائشة]: أنها أسخنت ماء
في الشمس(٢)؛ ليتوضأ به، فقال لها النبي - عليه السلام -: ((لا تفعلي
يا عائشةُ؛ فإنه يورِثُ البياضَ)) رواه الطبراني، وفيه محمد بن مروان
المدني، وهو ضعيف.
وأصحاب المذاهب ذهبوا إلى عدم الكراهية؛ لأن المسخّن
شديدُ الحرارة؛ فإنه لا يحصل به الإسباغ، والمسخن [ ... ].
هذا ما يتعلق بالمياه.
وأما ما يتعلق من النهي في البول فيها، [ ... ] في ماء القلتين
وما فوقهما یکره البول فيه.
وقيل: يحرم؛ لأنه يؤدي إلى تنجسه بتغير صفة من صفاته.
وأما عند أبي حنيفة، فالمشهور من مذهبه: أنه يحرم فيما دون
عشر في عشر بذراع الكِرْباس، ويكره فيما وراءه.
وعند مالك: يكره في الجميع؛ لأنه لا ينجس إلا بالتغير في أحد
أو صافه.
وقيل: يفرق بين الصغير والكبير، والمشهور من أقواله: أنه
الذي يتغیر بالتغيير.
(١) في الأصل: ((المتنجس)).
(٢) في الأصل: ((من البحر)).
٣٣٤

وعند أحمد - في الصحيح عنه -: الفرق بين بول الآدمي
والنجاسات؛ فإن بول الآدمي وما في معناه ينجس الماء، وإن كان
كثيراً، اللهم إلا أن يكون كثيراً جداً؛ كالمصانع التي بطريق مكة.
وغيرُ البول من النجاسات يَعتبر فيه القلتين؛ لأنه أراد الجمعَ بين
الحديثين، فجعل حديث النهي عن البول في الماء الراكدِ مخصِّصاً
للحديث الوارد في القلتين، ويُلحق به ما في معناه، فينجس البولُ وما
في معناه الماءَ، وإن كان كثيراً، وسائر النجاسات تُنَجِّس ما دون
القلتين.
وأما الماء الجاري، فحكمه مخالف لحكم الراكد في المذاهب
جميعاً.
والصحيح في جميع المذاهب: أن التغوط كالبول في هذا
الحكم، بل أشد نهياً؛ لأنه أقبح فعلاً، وأكثر تأثيراً في تنجيس الماء،
وخروجه من حكم المائية، إلا ما يحكى عن داود الظاهري: أنه ذهب
إلى أن النهي مختص ببول الإنسان إذا بال في الماء، فأما إذا تغوط
فيه، أو بال في إناء، ثم صبه في الماء، أو بال بقرب الماء، فليس
بمنهي، وهذا الذي ذهب إليه خلافُ إجماع، وهو أقبحُ ما نُقُل عنه من
الجمود على الظاهر - على ما لا يخفى -.
وقال القرطبي: وذهب مَنْ أذهبه اللهُ عن فهم الشريعة، وأبقاه في
درجة العوامّ، وهو داودُ من المتقدمين، وابنُ حزم من المتأخرين،
القائلین إلى أن ذلك مقصور على البول فيه خاصة، فلو صبّ فیه بولاً ،
٣٣٥

أو عَذِرَةً، جاز الوضوء، ولم يضرَّ ذلك الماءَ، ولذلك لو بال خارجَ
الماء، فجرى إلى الماء، لم يضره عندهما، ولم يتناوله النهي، ومن
التزم هذه الفضائح، وجمد هذا الجمود، فحقيق أن لا يُعد من
العلماء، بل ولا في الوجود، ولقد أحسن القاضي أبو بكر حيث قال:
إن أهل الظاهر ليسوا من العلماء، ولا من الفقهاء، فلا يُعتد بخلافهم،
بل هم من جملة العوام، والحقُّ أنه لا يعتبر إلا خلافُ من له أهليةُ
النظر والاجتهاد.
وأما انغماس غير المستنجي في الماء لأجل الاستنجاء، فإن كان
قليلاً؛ بحيث ينجس بوقوع النجاسة فيه، فهو حرام، وإن كان كثيراً،
فمكروه، وإن كان راكداً.
وقيل: لا كراهة؛ كما في الماء الجاري، وحَدُّ القلةِ والكثرة في
المذاهب - على ما مَرَّ -.
وأما الاغتسال في الماء الراكد، فهو على التفصيل المذكور في
الأول في القِلَّة والكثرة، وحال النهي والنجاسة، وبقائه على الطهارة؛
لأن النجاسة الحكمية كالحقيقية في إزالة طهورية الماء على الصحيح
من المذاهب، فإذا زالت عن المغتسل نجاستُه الحكمية، فقد انتقلت
إلى الماء، فيعتبر حال الماء في القلة والكثرة حينئذ.
ثم لما كان تركُ البول في الماء، وإلقاءُ ما في معناه من النجاسة
فيه أهونَ من ترك الاغتسال فيه، أطبق القومُ إلى أن الماء الدائم، وإن
كان كثيراً؛ بحيث لا يتنجس بذلك، فالأولى التركُ؛ بخلاف الاغتسال
٣٣٦

فيه؛ فإنه إذا كان الماء كثيراً؛ بحيث لا تزول عنه الطهورية، فإنه يجوز
بلا كراهة.
وقيل: يكره؛ نظراً إلى ظاهر النهي، وبقول أبي هريرة في
الجواب: (يتنَاوَله تناؤُلاً)، فإن الأولى أن يأخذ منه شيئاً بالكوز
ونحوه، ويغتسل خارج الماء، كما أرسل إليه أبو هريرة؛ لأن محلَّ
البول والقذر الموضعُ الذي لا ينتفع الناس به كثيرَ انتفاع، ويكون في
موضع دمث، والماءُ أشدُّ الأشياء انتفاعاً به، وأقبلها للتغيير، وأولى
صيانةً عن المغيّرات، فالبولُ، وإلقاءُ القذر مع أنه لا ضرورة في ذلك
قط، أمرٌ من أمور السَّفَه وخفة العقل، وأما الاغتسال فيه، مع أنه لا
يؤثر فيه تأثيرَ الأول، ويكون لإزالة مانع القربة إذا كان مكروهاً،
فکراهةُ التبولِ أقوى.
والثالث: في قوله: (ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ)، الرواية بالرفع في
الروايتين؛ أي: ثم هو، أو أنت تغتسلُ منه، وجوَّز ابن مالك الجزمَ
عطفاً على النهي، والنصبَ على تقدير (أن)، وذكر النووي: أن
النصب یؤدي إلی أن المنھي هو الجمع بين البول والاغتسال، دون کل
واحد منهما.
والواقع: أن كلَّ واحد منهما منهيٍّ على انفراده - أيضاً -، على ما
دلت عليه الرواية الأولى والرابعة؛ إذ ليس في الأولى ذكرُ الاغتسال،
وفي الرابعة ذكرُ البول فيه، والحَقُّ: أنه غير وارد؛ لأن وهمَ كونٍ
المنهيِّ الجمعَ بينهما؛ نظراً إلى ظاهر العبارة، باقٍ في رواية الرفع -
٣٣٧

أيضاً -، وفي رواية الجزم أقوى، فالقولُ بتخصيص هذا الوهم برواية
النصب تَحَكَّم، بل الوجه أن يقال: لانتصبَ بإضمار (أن) بعد (ثم)؛
لأنها من الأشياء [ ... ]، وروايةُ الجزم - أيضاً - ضعيفة؛ لأن الظاهر
أن يقال: ثم ليغسلن؛ لأنه - إذ ذاك ــ عطفُ فعلٍ على فعل، لا عطفُ
جملة على جملة، والأصلُ مساواة الفعلين، فالعدول إلى: ((ثُمَّ
تَغْتَسِلُ)) دليل على أنه لم يرد العطف، بل أراد التنبيه، كما في قوله -
عليه الصلاة والسلام -: ((عَلَاَمَ (١) يَضْرِبُ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ ضَرَبَ
العَبْدِ (٢)، ثُمَّ يُضَاجِعُهَا؟!))، برفع (يُضَاجِعُهَا)؛ لأن المفهوم منه: أنه
إنما نهاه عن ضربها؛ لأنه يحتاج إلى مضاجعتها في ثاني الحال،
فيمتنع عليه لما أساء من معاشرتها، فيتعذر عليه المقصود، وتقدير
اللفظ: ثم هو يضاجعها، ويطؤها.
- أيضاً -: (ثم يغتسل منه) إيماءٌ إلى علة النهي؛ فإنه - عليه
الصلاة والسلام - لما نهى عن البول فيه، أرشد إلى أنه آلة التطهير،
والواجبُ على المسلم إزالةُ النجاسة الحكمية عنه؛ لأنه مانعٌ عن
العبادة، وما خلفت [ ... ]، فتنجيسُهُ الشيءَ الذي هو آلة تطهيره، مع
أن الواجب عليه استعمالُه للتطهير، غايةُ الجهل، ونهاية السَّفهِ؛ لأن
الواجب عليه صيانته عن النجس، لا أن يفعل ما ينجسِّه مع الامتناع
عنه، وعدم الضرورة، وهذا الإيماء ظاهر على رواية الرفع.
(١) في الأصل: ((لا)).
(٢) في الأصل: ((أمته)).
٣٣٨

ثم لما كان البول في الماء أشدَّ كراهة، وأقرب إلى السفه وأدعى
للنهي عن الاغتسال فيه، قدم الحديث المشتمل عليه على المشتمل
على الاغتسال، وقدم الرواية المشتملة على النهي المجرد عن ذكر
الاغتسال على المقارن به؛ لأن الثاني مقيّد، وإنما لم يقدم الحديث
المشتمل على الاغتسال بدون ذكر البول على المشتمل عليه، وإن كان
الظاهر يقضي ذلك؛ إيماءً إلى أن الاغتسال المذكور فيه ليس بقيد
للنهي عن البول، حتى لا يكون منهياً بدونه، بل إيماء إلى العلة - كما
أشرنا إليه -.
[ ٢٩ - باب
النَّهْىٍ عَنِ الإِغْتِسَالِ فِي المَاءِ الرَّاكِدِ ]
٦٨٤ - (٢٨٣ / ٩٧) - وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، وَأَبُو
الطَّاهِرِ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى جَمِيعاً، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ - قَالَ هَارُونُ:
حَذَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، - أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ:
أَنَّ أَبَا السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامٍ بْنِ زُهْرَةَ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ﴿: ((لاَ يَغْتَسِلُ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ)).
فَقَالَ: كَيْفَ يَفْعَلُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: يَتَنَاوَلُهُ تَنَاؤُلاً.
الحديث الثالث: حديثُ أبي هريرة، قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّتِ:
٣٣٩

((لاَ يَغْتَسِلُ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ)). فَقَالَ: كَيْفَ يَفْعَلُ يَا
أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: يَتَنَاوَلُهُ تَنَاؤُلاً. أخرجه النسائي، وابن ماجه.
وقد سلف [التعريف] برواته سوى أبي السائب، وهو مولى
هشام بن زهرة، والمشهور: أن اسمه كنيتُه، أنصاريٌّ، مدنيٌّ .
عن المغيرة بن شعبة، وأبي سعيد، وجمع.
وعنه: العلاء بن عبد الرحمن، وصيفي مولی أفلح، والزهري،
وخلق.
ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وأخرج له الستة إلا البخاري.
* ومعنى قوله: ((يَتَنَاوَلُهُ تَنَاؤُلاً)): أنه يأخذ منه شيئاً، ويغتسل
خارجه، وقد مَرَّ الكلام علیه .
٣٤٠