النص المفهرس
صفحات 81-100
إجمالاً في الحديث الآخر، وذكر أنهم ثمانون من مئة وعشرين؛ بمعنى: نسبتهم بالنظر إلى غيرهم من الأمم في الجنة، نسبة الثلثين الذين أخرجهم الله تعالى بكمال رحمته من النار، وإنما لم يذكر مسلم ذلك الحديث؛ لأنه في صدد بيان أن العمل يدخل في الإيمان، وقد عرفت أن المذهب عند أهل الحديث: أن الأعمال من جملة الإيمان. ولما كان في المراتب الثلاث قومٌ لهم أعمال سوى الإقرار والتصديق، ذكر حصول خلاصهم في هذا الباب. ولما لم يكن للفريق الرابع سوى الإيمان المجرد، وليس لهم من الأعمال سوى التصديق والإقرار، وخلاصهم من الجحيم بمحض الرأفة والرحمة من الرب الكريم، طوى ذكره هاهنا، مع أن في ذكر الشطر بدل النصف، ربما یکون إیماء إلی ذلك ۔ علی ما مَرَّ في حديث المعراج -: أن الشطر يطلق على البعض مطلقاً بدون تخصيصه بالنصف. على أن الأحاديث المذكورة ليست على شرط مسلم، بل في الکل ضعف؛ فإن حدیث بريدة الآتي مرسلاً، وهو أصح، وحديث سويد بن عبد العزيز، وهو ضعيف جداً، وفي حديث ابن عباس: خالد بن شريك الدمشقي، وفي حديث معاوية بن حيدة: حماد بن عيسى الجهني، وهما ضعيفان، وفي حديث ابن مسعود هذا على حديث الكتاب: الحارث بن حصيرة، وهذا أيضاً ضعيف، فتدبر. والثالث: في التشبه: * قوله: (مَا المُسْلِمُونَ فِي الكفّارِ) وفي بعض الروايات: (وَمَا ٨١ أَنْتُمْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ)، وفي بعضها: (مَا أَنْتُمْ فِي سِوَاكُمْ مِنَ الأُمَمِ)، وفي بعضها: (إِنَّ مَثَلَكُمْ فِي الأُمَمِ)، وفي بعضها: (مَا أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ فِي النَّاس)، وهذه الروايات بظواهرها يحتمل أن يكون المراد بالقليل المشبه بالشعرة: أهلُ الإسلام من هذه الأمة مطلقاً، أو المراد: الصحابة كلهم، أو الذين آمنوا من الناس وقتَ صدور هذا الحديث؛ لقوله: (يَوْمَئِذٍ)، والمراد بالكثير المشبه بالجِلْد: المقابل لكل صنف من المذكور أولاً . والظاهر: أن تخصيص الأول بالصحابة، أو بالمؤمنين وقت ذكر هذا الحديث، غيرُ موجّه؛ لأنه في صدره بيان كون هذه الأمة نصف أهل الجنة، وهو إنما هم يكون المراد جميع المسلمين من هذه الأمة، ولهذا مال إلى هذا المعنى جمعٌ، والحق أن المراد: أهل الإسلام من جميع الملل، وأنهم بالنسبة إلى أهل الضلال قليلة، ويدل على ذلك قوله: (مَا المُسْلِمُونَ)، وقوله: (أَنَّ الجَنَّةَ لاَ يَدْخُلُهَا إِلَّ نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ). * وأما قوله: (يَوْمَئِذٍ)، فالمراد: يوم القيامة، لا يوم إيراد هذا الحدیث. وقول الراوي: (كُنَّا [َمَعَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ فِي قُبَّةٍ] نَحْواً مِنْ أَرْبَعِينَ رَجُلاً)، فلبيان أن سماعه هذا الحديث بحضور جماعة، وأنه ليس مما سمع وحده حتی شك فيه. وفي هذا تسلية لهم بأن حال جميع الأمم من قديم الزمان - أيضاً - كذلك، وأن تماديهم في الطغيان، واشتغالهم بمواجب الخذلان أمرٌ ٨٢ مستقر فيهم، حاصل في أكثرهم، وقلة أهل الحق بالنظر إلى أهل الضلال أمرٌ مقدر في جميع الأوقات، لا أنه مختصٌّ بهذه الأمة، بل المهتدون من هذه الأمة أكثر من كل أمة. وفيه [ ... ](١) لمادحهم من أن الناجي من كل ألف واحد. فالحاصل: أن المراد بقوله: (مِنْكُمْ): كل من يكون على إيمانهم؛ يعني: الإيمان الذي أمر به؛ سواء كان من هذه، أو من غيرها، كما أن المراد بيأجوج ومأجوج: كل من يكون على كفرهم، ولهذا جاء في حديث عمران بن حصين: ((وَمَنْ مَاتَ مِنْ بَنِي آدَمَ وَيَنِي إِنْلِيسَ)) عطفاً على يأجوج ومأجوج، والمعنى: أن نسبة أهل الجنة إلى أهل النار نسبة الواحد إلى الألف، ثم ذكر أن نسبة الناجي من هذه الأمة إلى الناجي من غيرها نسبة النصف. * وأما قوله: (أَوْ كَشَعْرَةٍ سَوْدَاءَ) قيل: شك من الراوي، ويحتمل أن يكون إيماء من النبي - عليه السلام - بأن المقصود بيان قلتهم بالنظر إلى أهل الضلال، لا بيان مشابهتهم للشعرة البيضاء، فالمعنى: التشبيه بأيهما كان، فهو صواب، ولهذا جاء في بعض: ((أَوْ كَالرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الحِمَارِ))، أو (كَالشَّامَةِ فِي جَنْبِ البَعِيرِ))، ونظيره قوله تعالى: ﴿أَوْكَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ ﴾ [البقرة: ١٩] الآية. * وقوله: (فَأَسْنَدَ ظَهْرَهُ إِلَى قُبَّةِ أَدَمٍ)(١) [وُقْنَةُ] من حَجَر، وخَيْمَة (١) بياض في الأصل. ٨٣ من شَجَر، وَمِظَلَّة من شَعَر، وبِجَاد من وَبَر، وخِباء من صوف. * قوله: (اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ اللَّهُمَّ اشْهَدْ)؛ يعني: أن التبليغ واجب عليَّ، وقد بلغتُ، فاشهد لي به، والظاهر: أن الإشهاد على تبليغ أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة؛ لأن جُلَّ غرض الأنبياء بيان طريق النجاة، وتعليم ما يحصل بالقيام به الدخولُ في الجنة. وقيل: راجع إلى الجميع المذكور في الحديث من أوله إلى آخره، يعني: أن هذه البشارة وسببها قد بلغت؛ أما في تبليغ البشارة، فلأجل أن يحصل لهم قوةُ الرجاء والإقدام التام، ومن تبليغ السبب أن تحصل لهم معرفة أن طمع المغفرة بدون الإسلام طمع فارغ ورجاء كاذب. [٩٨ - باب قَوْلِهِ: «يَقُولُ اللهُ لَآدَمَ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِئَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ))] ٥٥٤ - (٢٢٢ / ٣٧٩) - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ العَبْسِيُّ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِيٍ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((يَقُولُ اللهُ وَكَ: يَا آدَمُ! فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالخَيْرُ فِي يَدَيْكَ - قَالَ : - يَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، قَالَ: وَمَا بَعْثُ (١) في الأصل: ((وهو مسند ظهره إلى قبة آدم)). ٨٤ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِثَّةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ. قَالَ: فَذَاكَ حِينَ بَشِيبُ الصَّغِيرُ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتٍ حَمْلٍ حَمْلَهَا، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى، وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ)). قَالَ: فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! أَيْنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ؟ فَقَالَ: «أَبْشِرُوا، فَإِنَّ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفاً، وَمِنْكُمْ رَجُلٌ)). قَالَ: ثُمَّ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! إِنِّي لأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا رَبُعَ أَهْلِ الجَنَّةِ». فَحَمِدْنَاَ اللهَ، وَكَبَّْنَاَ. ثُمَّ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! إِنِّي لَأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلٍ الجَنَّةِ». فَحَمِدْنَاَ اللهَ، وَكَبَّرْنَاَ. ثُمَّ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَلِهِ! إِنِّي لِأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الجَنَّةِ، إِنَّ مَثَلَكُمْ فِي الْأُمَمِ كَمَثَلِ الشَّعْرَةِ البَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ، أَوْ كَالرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الحِمَارِ». ٥٥٥ _ (٢٢٢ / ٣٨٠) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ حِ، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ كِلاَهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُمَا قَالاَ: ((مَا أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ فِي النَّاسِ إِلَّ كَالشَّعْرَةِ البَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الأَسْوَدِ، أَوْ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي الثَّوْرِ الأَنْيَضِ». وَلَمْ يَذْكُرَا: (أَوْ كَالرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الحِمَارِ». الحديث السادس: حديثُ أبي سعيد، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِِّ: (يَقُولُ اللهُ رَىَ: يَا آدَمُ! فَيَقُولُ: لَبَيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالخَيْرُ فِي يَدَيْكَ - قَالَ : - يَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلَّفٍ تِسْعَ مِئَّةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ. قَالَ: فَذَاكَ حِينَ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، وَتَضَعُ ٨٥ كُلُّ ذَاتٍ حَمْلِ حَمْلَهَا، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى، وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ)). قَالَ: فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! أَنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ؟ فَقَالَ: ((أَبْشِرُوا، فَإِنَّ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفاً، وَمِنْكُمْ رَجُلٌ)). قَالَ: ثُمَّ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! إِنِّي لَأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الجَنَِّ». فَحَمِدْنَا اللهَ، وَكَبَّرْنَاَ، ثُمَّ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! إِنِّي لِأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ»، فَحَمِدْنَاَ اللهَ، وَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! إِنِّي لِأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الجَنَّةِ، إِنَّ مَثَلَكُمْ فِي الأُمَمِ كَمَثَلِ الشَّعْرَةِ البَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ، أَوْ كَالرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الحِمَارِ))، أخرجه البخاري في مواضع من (أحاديث الأنبياء)، و(الفتن)، و(التوحيد)، و(الرقاق). إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في مواضع : الأول: في خطاب آدم عليه السلام: وإنما خص آدم بهذا الخطاب؛ لأنه أب الجميع، ولأن الله تعالى قد جمع له ثَمَّ بنيه بين يديه، وهم الأَسْوِدَة التي رآها النبي - عليه الصلاة والسلام - ليلة الإسراء. ومعنى (أَخْرِجْ): ميِّز بعضهم عن بعض، وذلك في المحشر؛ حيث يجتمع الناس ويختلطون. وقيل: معنى (أَخْرِجْ): أُحْضُر إخراجهم، وكأنهم يعرضون عليه بأشخاصهم، كما قد عرض عليه تسميتهم. ٨٦ و(ما) في قوله: (وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟) وضعت موضع (كَمْ)، ولهذا أجيب بالعدد . الثاني : في يأجوج ومأجوج: * قوله: (فَإِنَّ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفٌ، وَمِنْكُمْ رَجُلٌ) هكذا الرواية في الأصول برفع (ألف)، و(رجل)، والمعنى على ضمير الشأن، والتقدير: فإنه، وفي هذا الإضمار نوع محاجة وتمكين أنه كانتا منصوبتين، وكتبتا كذلك على خط المحدِّثين. ويأجوج ومأجوج قرئ مهموزاً، وغير مهموز، والصحيح: أنهما اسمان أعجمیان؛ بدليل منع الصرف. وفي ((الصحاح)): عن الأخفش من همز يأجوج ومأجوج، يجعل الألف من الأصل، يقول: يأجوج مفعول، ومأجوج مفعول، كأنه من أجيج النار، وهو شدة صوتها. وعن وهب منبه، ومقاتل بن سليمان: هم من ولد یافٹ بن نوح. وقال الضحاك: هم من الترك. وفي ((الكشاف)): وقيل: يأجوج من الترك، ومأجوج من الجبل والديلم. وقيل: يأجوج ومأجوج من آدم غير حواء، وذلك أن آدم احتلم، فامتزجت نطفته بالتراب، فخلق الله تعالى منها يأجوج ومأجوج. والثالث: في التشبيه : ، قوله: ((أَوْ كَالرَّقْمَةِ)» - بفتح الراء وإسكان القاف -. ٨٧ قال في ((الصحاح)): والرقمتان: هَنَتان في قوائم الشاة، متقابلتان كالظُّفْرين، ورقمتا الحمار والفرس: الأثران بباطن أعضادهما. وفي ((الأساس)): للحمار رقمتان في يديه نقطتان سوداوان کالدرهمین. :وقوله: (إِنِّي لأَطْمَعُ (١) [أن تكونوا شطر أهل الجنة): هذه الطماعية قد حققت له بقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَ﴾ [الضحى: ٥] وبقوله: ((إنا سنرضيك في أمتك))، كما تقدم، لكن علق هذا البشري على الطمع أدباً مع الحضرة الإلهية، ووقوفاً مع أحكام العبودية](٢). (١) بياض في الأصل قدر لوحة كاملة، وفيه نهاية كتاب الإيمان، وبداية کتاب الطهارة. (٢) ما بين معكوفتين من ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٤٧٢)، وذلك تتميم المقصود المؤلف، بسبب الخرم المشار إليه. ٨٨ (٣) ◌َ الطَّهَرة ، ٨٩ (٣) ◌َرُ الطَّهَارة (١) م خرُوجِ الخَطَايَا مَعَ مَاءِ الوُضُوءِ] ٦٠٠ - (٢٤٣ / ٣١) - حَدَّثَنَا سُوَيدُ بنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بنِ أَنَسٍ ح، وحَدَّثَنَا أبو الطَّاهرِ واللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرِنَاَ عبدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ، عَنْ مَالكِ بنِ أَنَسٍ، عَنْ سُهَيلِ بنِ أبي صَالحِ، عَنْ أبيهِ، عَنْ أبي هُريرةَ: أنَّ رسولَ اللهِوَهِ قالَ: ((إِذَا تَوضَّأَ العَبْدُ المُسْلِمُ أو المُؤْمِنُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ، خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْها بِعَيْنَهِ مَعَ المَاءِ، أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ المَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيهِ خَرَجَ مِنْ يَدَبِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ المَاءِ، أَوْ مَعَ آخِرٍ قَطْرِ المَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلاَهُ مَعَ المَاءِ، أَوْ مَعَ آخِرٍ قَطْرِ المَاءِ حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيَّاً مِنَ الذُّنُوبِ)). [الحدیث الأول: * قوله: (العبد المسلم أو المؤمن): فهو شك من الراوي، ٩١ وقيل](١) بالترادف، فإنهما يستعملان - أيضاً - مترادفين، وإن خص الإسلام بالظاهر، والإيمان في الأصل، وذكر العبد للإيماء إلى الإقدام على التوضُّؤ لأجل العبودية؛ لأن امتثال ما أمره مولاه، و- أيضاً -: هو وسيلة في العبادة الكاملة التي هي الصلاة، فالقائم على الوضوء لا يكون إلا [من] عبد مقبل على عبادة مولاه. الثاني : في المعنى : فالمذكور في هذا الحديث: الأعضاء الثلاثة المغسولة، وليس فيه ذكر الرأس، ولا ذكر المضمضة والاستنشاق، وليس في رواية الترمذي غسلُ الرجلين - أيضاً -. وفي حديث عمرو بن عَبَسة - على ما سيجيء - الجميعُ مذكورة؛ حيث قال: ((فَيُمَضْمِضُ، وَيَسْتَنْشِقُ، فَيَنْتَثِّرُ إِلَّ خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ))، وفيه: ((مَعَ المَاءِ))، ثم ذكر غسل الوجه واليدين، ثم قال: ((ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ إِلَّ خَرَّتْ خَطَايَا رَأْسَهُ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ مَعَ المَاءِ»، وإنما ترك - هاهنا - إيماءً إلى أن ذكر الأكثر بمنزلة ذكر الكل؛ إذ يعلم منه أن المراد: الوضوء الكامل، وهو لا يكون إلا بمسح الرأس. و- أيضاً -: لمَّا كانت إزالة النجاسة العينية بإسالة الماء الذي هو الغسل، لا بالإصابة التي هي بالمسح، ناسب في ذكر إزالة النجاسة (١) ما بين معكوفتين إضافة لا بد منها بسبب الخرم المشار إليه آنفاً، وهي مناسبة لسياق المؤلف، وانظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٣٣). ٩٢ الباطنية التي هي الآثام ذكر الغسل دون المسح، و- أيضاً -: الفم والأنف من جملة الوجه، فخروج الخطايا من الوجه يشمل الخروج من الفم والأنف، فهما مندرجان تحت ذكر الوجه، ولهذا لما ذكر المضمضة والاستنشاق في حديث عمرو بن عبسة، ذكر تأثيرهما في خروج خطيئة الوجه - أيضاً -، ثم ذكر خروجها من الوجه بغسل الوجه . وجاء في بعض الأحاديث؛ كحديث الصنابحي وغيره: ذكرُ الكل، وفي بعضها: الاكتفاءُ على الأعضاء المغسولة. وذكر القرطبي: أن بعض أصحابنا يستدلون بما جاء من حديث الصنابحي: ((فَإِذَا مَسَحَ بِرَأْسِهِ، خَرَجَتْ الخَطَايَا مِنْ رَأْسِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أُذُنَّهِ) على صحة [قول] مالك: (الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ)، ولم يرد بذلك أن الأذنين جزءٌ من الرأس؛ بدليل أنه لم يختلف عنه أنهما يمسحان بماء جديد، وأن من تركهما حتى صلَّى، لم يكن عليه إعادة، وإنما أراد مالك بقوله: (الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ): [أنهما يمسحان كما يمسح الرأس](١)، لا أنهما يغسلان كما يغسل الوجه؛ تحرزاً مما يُحكى عن ابن شهاب: أنه قال: ما أقبلَ منهما على الوجه هو من الوجه، فيغسل معه، وما يلي الرأس هو من الرأس. هذا كلامه، ولا دلالة في الحديث على ما ذكره؛ فإن المراد: (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٤٩٤). ٩٣ خروج الخطايا من موضع متصل بالرأس، وهو طرفه. كما ذكر الظفر في الرَّجل، وأشفار العين في الوجه. وأما أن الأذنين تمسحان بماء الرأس، أو بماء جديد، فلا دلالة في هذا الحديث على ذلك - على ما لا يخفى -. وبالجملة: المراد: أن الوضوء كما يكون مطهِّراً للظاهر من النجاسة الحكمية المانعة للصلاة، كذلك يطهر الباطن بإزالة [النجاسة المعنوية]، والمراد بها: الصغائر، واجتناب الكبائر شرط؛ كما مَرَّ في حديث الركعتين: ((مَا لَمْ تُغْشَ الكَبَائِرُ)) . وخروج الخطايا من الجسد تمثيلٌ وتشبيه، والمراد: محوها، وعدم المؤاخذة بها، أو المراد: شؤم الذنوب ورانها التي تقع على القلوب. والثالث: في قوله: (أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ المَاءِ) شك من الراوي، وقيل: تنبيه من النبي - عليه السلام - نظراً إلى البداية والنهاية، فإن الابتداء بالماء والنهاية بآخر قطر الماء، نظراً إلى لفظ الكل، وذكر الفعل في الأوليين. ثم الواقع في رواية الكتاب في عدة من الأصول المعتمدة: (خَرَجَ) في الأوليين، و(خَرَجَتْ) في الثالث، وإنما أنث في الثالثة؛ نظراً إلى المضاف إليه، وهي الخطيئة؛ كقوله: كَمَا شَرِقَتْ صَدرُ القَنَاةِ مِنَ الدَّم ٩٤ وذكر محل الخروج في الأوليين؛ حيث قال: (مِنْ وَجْهِهِ)، و(مِنْ يَدَيْهِ)، ولم يذكر في الثالثة؛ لأنها آخر الأعضاء ذكراً وغسلاً، فكأنه أومأ إلى خروج جميع الخطايا، وكأن خطايا وجهه ويديه انتقلت إلى محل رجليه، واجتمع الجميع هنا، ثم بغسل رجليه خرجت الخطايا كلها جملة واحدة، وتأنيث الفعل ربما يرشد إلى ذلك - أيضاً -. * وفي قوله: (حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيّاً مِنَ الذُّنُوبِ) إشعار بأن صاحبه كان مغموراً منغمساً في الخطايا ملوثاً فيها، وبسبب الوضوء يحصل له النقاء فيها، فخروج الخطايا مجاز عن غفرانها وعدم المؤاخذة وخروج صاحبها منها مجاز عن خروجه عن عهدتها بإزالتها، فالاستدلال به على نجاسة الماء المستعمل ضعيف جداً، إذا لا نجاسة في الأعضاء ظاهراً حتى يصير الماء به نجساً. ٦٠١ - (٢٤٥ / ٣٣) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ رِبْعِيِّ القَيْسِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامِ المَخْزُومِيُّ، عَنْ عَبْدِ الوَاحِدِ - وَهُوَ ابْنُ زِیَادٍ -، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ، عَنْ حُمْرَانَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنٍ عَقَّنَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ﴾: ((مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ». الحديث الثاني: حديثُ عثمانَ بنِ عفانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِِّ: ((مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ، حَتَّى تَخْرُجَ ٩٥ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ)) أخرجه البخاري. وعنه: أَنَّهُ دَعَا بِمَاءٍ، فَتَوَضَّأَ وَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثلاثاً، وَذِرَاعَيْهِ ثَلاَثاً، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَظَهْرٍ قَدَمَيْهِ، ثُمَّ ضَحِكَ، [فَقَالَ لأَصْحَابِهِ: أَلاَ تَسْأَلُونِي عَمَّا أَضْحَكَنِي؟] فَقَالُوا: مِمَّ ضَحِكْتَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِوَ﴿ِ تَوَضَّأَ كَمَا تَوَضَّأْتُ، ثُمَّ ضَحِكَ، فَقَالَ: ((أَلَا تَسْأَلُونِي مَا أَضْحَكَنِي؟))، فَقَالُوا: مَا أَضْحَكَكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: ((إِنَّ العَبْدَ إِذَا دَعَا بِوَضُوءٍ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ، حَطَّ اللهُ عَنْهُ كُلَّ خَطِيئَةٍ أَصَابَهَا بِوَجْهِهِ، فَإِذَا غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ، كَانَ كَذَلِكَ، وَإِذَا طَهَّرَ قَدَمَيْهِ، كَانَ كَذَلِكَ)) رواه أحمد، وأبو يعلى، ورجاله ثقات. وعن ثعلبة بن عباد، عن أبيه، قال: مَا أَدْرَاكُمْ حَدَّثَنِيهِ رَسُولُ اللهِ إِلهـ أَزْوَاجاً وَأَفْرَاداً، قَالَ: ((مَا مِنْ عَبْدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ الوُضُوءَ، فَيَغْسِلُ وَجْهَهُ حَتَّى يَسِيلَ المَاءُ عَلَى ذَقَنِهِ، ثُمَّ يَغْسِلُ ذِرَاعَيْهِ حَتَّى يَسِيلَ المَاءُ عَلَى مِرْفَقَيْهِ، وَيَغْسِلُ رِجْلَيْهِ حَتَّى يَسِيلَ المَاءُ مِنْ قِبَلِ كَعْبَيْهِ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنٍ، إِلاَّ غُفِرَ لَهُ مَا سَلَفَ مِنْ ذَنْبِهِ) . وعن أبي لبابة بنِ عبدِ المنذر، قال: سألتُ رسولَ الله وَلّ عن الطّهور، فقال: ((ما مِنْ مُسْلِمٍ يُمَضْمِضُ فَاهُ، إلاَّ غَفَرَ اللهُ لَهُ كُلَّ خَطِيئَةٍ أَصَابَها بِلِسَانِهِ ذلكَ اليومَ، ولا يَغْسِلُ يَدَيهِ، إلا غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ذلكَ اليومَ، ولا يَمْسَحُ بِرَأْسِهِ إلاَّ كَانَ كَيومَ ولدَتْه أمُّهُ» رواه الطبراني. ٩٦ إذا عرفت هذا، فالكلام - هاهنا - في موضعین : الأول: في التعريف برواته سوى ما سلف، وهم: محمد، وشیخه، وعبد الواحد، وشیخه، وابن المنكدر. وأما (مُحَمَّدٌ)، فهو ابْنُ مَعْمَرِ بْنِ رِبْعِيٍّ بنِ القيس أبو عبدالله البصريُّ، المعروف بالبحرانيِّ. عن أبي أسامة، ومحمد بن بكر، وأبي بكر الحنفي، وجماعة. وعنه الستة فأخرجوا له، وغيرهم. وَثَّقَهُ النسائي وغيرُه. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال البزار: كان من خيار عباد الله، وليس في الستة محمد بن معمر سواه. وأما (شيخه)، فهو أَبُو هِشَامِ المغيرةُ بن سلمة القرشيُّ، المَخْزُومِيُّ. عن أبان بن يزيد، والقاسم بن الفضل، وسليمان بن المغيرة، وخلائق. وعنه ابن راهويه، وابن المديني، وبُندار، والكُوسج، وآخرون. وَثَّقَهُ القوم، وأثنوا عليه، وأخرج له الخمسة إلا الترمذي، وأخرج له البخاري تعليقاً. توفي سنة ثمانين. ٩٧ وأما (عَبْدُ الوَاحِدِ)، فَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ العبديُّ مولاهم، البصريُّ، أحدُ الأعلام. عن عاصم الأحول، والأعمش، وعمارة بن القعقاع، وجماعة. وعنه ابن مهدي، ويونس المؤدب، ومعلى بن أسد، وآخرون. وَثَقَهُ أبو حاتم وغيرهُ، أخرج له الستة. قال النسائي : ليس به بأس. وعن ابن معين: أنه كان يغمزه بقلة المعرفة في الحديث. توفي سنة ست وسبعين ومئة. وأما (شيخه)، فهو أبو سهل عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ - بفتح الحاء وكسر الكاف - بن عباد بن حنيف، الأنصاريُّ المدنيُّ. عن أبي أمامة، وسعيد بن المسيب، وعامر بن سعد، وجماعة. وعنه الثوري، وابن مُسهر، وابن نمير، وآخرون. وَثَّقَهُ أحمد، وابن معين، وأخرج له الخمسة، [و]البخاري تعليقاً. وقال ابن المديني: له نحو عشرين حديثاً. وأما (ابن المنكدر)، فهو محمد بن المنكدر بن عبدالله، القرشيُّ المدنيُّ، أحدُ الأعلام. عن أبيه، وعائشة، وأبي هريرة، وخلائق. وعنه ابن أسلم، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والزهري، وآخرون. ٩٨ وَثَقَهُ أحمد، وابن معين، وغيرهما، وأخرج له الستة. قال ابن المديني : له نحو مئتي حديث. وقال ابن عيينة: كان من معادن الصدق، يجتمع إليه الصالحون، وثناء الناس علیہ کثیر، توفي سنة ثلاثین ومئة - رحمه الله -. والثاني: في الترتيب: ثم لما كان هذا الحدیث حیث ذکر فیه الإحسان، وقد عرفت أن إحسان الوضوء الإتيانُ بجميع ما يجب ويسنُ ويُستحب فيه، أخَّره مسلم عن حديث أبي هريرة، وجاء فيه - أيضاً - خروجُ الخطايا من جميع جسده، وهو يتناول الأعضاء الثلاثة المذكورة في الحديث الأول، وغيرها من الفم والأنف والرأس، فالنقاء التام، والخروجُ الكليُّ إنما يكون بإحسان الوضوء، فمن أراد أن يطهر جميع جسده من الأدناس، فعليه بالوضوء الكامل. والمراد من الأظفار: أظفار الرِّجْل؛ تشبيهاً للخطايا بالأجسام النجسة؛ فإن غسلها وإزالتها إذا كانت في المواضع الأعالي تنتقل بإصابة الماء إليها إلى الأسافل، ثم تخرج من الأسافل. وقيل: أظفار اليدين والرجلين؛ فإن الخطايا التي تكون في النصف الأعلى من البدن تخرج من تحت أظفار اليدين، والتي في النصف الأسفل من تحت أظافر الرجلين. وبالجملة: المراد: بيان ذهاب الخطايا جميعاً، وخروجها من تحت الأظفار سببها أو [ ... ]. ٩٩ وفيه: إيماء - أيضاً - إلى أن الباطن أيضاً يطهُر بالوضوء الكامل؛ حيث قال هاهنا: ((تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ»، وفي الحديث الأول: ((مَعَ المَاءِ». ثم لا شك أن خروج الماء من ظاهر الأعضاء مبني إلى أن الإتيان بواجبات الوضوء يطهِّرِ الأدناسَ الحكمية، الشرعية والإثمية الحقيقية من ظاهر الأعضاء، والإتيان بجميع واجباته وسننه وآدابه يطهر الباطن - أيضاً -. * ٠ ١٠٠