النص المفهرس

صفحات 61-80

(وَهَكَذَ)). فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: حَسْبُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا لَنَا وَلَكَ
يَا بْنَ الخَطَّابِ؟ قَالَ لَهُ عُمَرُ: إِنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُدْخِلَ النَّاسَ الجَنَّةَ
كُلَّهُمْ بِحَفْنَةٍ وَاحِدَةٍ، قَالَ النَّبِيُّ - عليه السلام -: ((صَدَقَ عُمَرُ)).
[وفي رواية]: ((إِنَّ اللهَ وَعَدَنِي أَنْ يُدْخِلَ الجَّةَ مِنْ أُمَّتِي أَرْبَعَ مِئَّةٍ
أَلَّفِ) رواه أحمد، والطبراني، ورجاله رجال الصحيح.
وحديث أبي بكر بن عمير عن أبيه، مرفوعاً: ((إِنَّ اللهَ وَعَدَنِي أَنْ
يُدْخِلَ مِنْ أُمَّتِي ثَلاثَ مِئَةٍ أَلْفِ الجَنَّةَ))، فَقَالَ عُمَيْرٌ: يَا نَبِيَّ اللهِ! زِدْنَا،
فَقَالَ عُمَرُ: حَسْبُكَ يَا عُمَيْرُ، فَقَالَ: مَا لَنَا وَلَكَ يَا بِنِ الخَطَّابِ؟ وَمَا
عَلَيْكَ أَنْ يُدْخِلَنَا اللهُ الجَنَّةَ؟ فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ اللّهَ إِنْ شَاءَ أَدْخَلَ النَّاسَ
الجَنَّةَ بِحَفْنَةٍ أَوْ بِحَثْيَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ بَّهِ: (صَدَقَ عُمَرُ)) رواه
الطبراني، ورجاله ثقات.
أَمْرُه واحدةً ربما يرشد إلى ذلك - أيضاً -، وأما المراد التحديد،
وكونهم هذا العدد، قد علمه النبي - عليه السلام - بالوحي، ثم طلب
الزيادة، فزاده الله تعالى كرامة له، ويؤيده حديث أبي بكر الصديق،
مرفوعاً: ((أُعْطِيتُ سَبْعِينَ أَلَّفاً يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وُجُوهُهُمْ
كَالقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَقُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبٍ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَاسْتَزَدْتُ رَبِّي،
فَزَادَتِي مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ سَبْعِينَ أَلَّفاً). قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَرَأَيْتُ أَنَّ ذَلِكَ آتٍ
عَلَى أَهْلِ القُرَى، وَمُصِيبٌ مِنْ حَافَاتِ الْبَوَادِي)) رواه أحمد، وأبو
یعلی، ورجاله ثقات.
وحديثُ عبد الرحمن بن أبي بكر، يرفعه: ((إِنَّ رَبِّي أَعْطَانِي
٦١

سَبْعِينَ أَلْفاً مِنْ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ))، فَقَالَ عُمَرُ: يَا
رَسُولَ اللهِ! فَهَلَأَّ اسْتَزَدْتَهُ؟ قَالَ: ((قَدِ اسْتَزَدْتُهُ، فَأَعْطَانِي مَعَ كُلِّ رَجُلٍ
سَبْعِينَ أَلَّفاً)). قَالَ عُمَرُ: فَهَلَّ اسْتَزَدْتَهُ؟ قَالَ: ((قَدِ اسْتَزَدْتُهُ، فَأَعْطَانِي
هَكَذَا)) [وَفَرَّجَ عَبْدُاللهِ بْنُ بَكْرٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَالَ عَبْدُاللهِ: وَبَسَطَ بَاعَيْهِ]،
وَحَثَا عَبْدُاللهِ، وَقَالَ هِشَامٌ: وَهَذَا مِنَ اللهِ لاَ يُدْرَى مَا عَدَدُهُ. رواه
أحمد، والبزار، والطبراني.
: وقوله: (وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلَّفاً) من باب تنزيل(١) تغاير الصفة
منزلة تغاير الذات؛ تنبيهاً على جلالة قدر المميز لقوله تعالى:
﴿وَمَلَبِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٨]، وذلك لأن المعية تقتضي
المغايرة للمذكور قبلها، كما أن البعضية تقتضي الاتحاد فيها، فلو
قيل: ومنهم سبعون ألفاً، لا يدل إلا على أن أولئك من جملة الأمة،
وتخصيصهم بالذكر لأجل هذه الفضيلة، ولما قيل: وصفهم أوما
بذلك إلى أنهم بتلك الفضيلة قد خرجوا من أن يكونوا من جملة باقي
الأمة، فكأنهم جماعة أخرى مضمومة إلى تلك الأمة، وهذا من أقوى
أنواع التنزيل المذكور، قال الشاعر:
فَإِنَّ الِمِسْكَ بَعْضُ دَمِ الغَزَالِ
فَإِنْ تَفُقِ الأَنَامَ وَأَنْتَ مِنْهُمْ
و- أيضاً -: فيه إيماء إلى أن سبب كون سواد هذه الأمة أعظمَ من
سواد سائر الأمم: وجودُ هؤلاء معهم، كما يقال: جاء الجَمُّ الغفير
(١) في الأصل: ((يريد)).
٦٢

ومعهم الأميرُ، وإن كان الأمير - أيضاً - من جملتهم، وواحداً منهم،
والذي يدل على أن أولئك من هذه الأمة: ما جاء مصرحاً في رواية
البخاري؛ حيث قال: ((هَذِهِ أُمَّتُكَ، وَيَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ هَؤُلاءِ سَبْعُونَ
أَلْفاً))، وسياق حديث الكتاب يدل عليه - أيضاً -، وسائر الأحاديث
تدل على ذلك - كما مرَّ ۔۔
الرابع: في صفة هؤلاء السبعين :
* قوله: (هُمُ الَّذِينَ لاَ يَسْتَرْقُونَ، وَلاَ يَتَطَّرُونَ، وَلاَ يَكْتَوُونَ)
قد تكلم الناس في هذا الحديث، وفي وجه الجمع بينه وبين الأحاديث
الدالة على اشتغال النبي - عليه السلام - بالتداوي، والأمرِ به، وعدم
ذِّ الرقى، وفي سبب حصول تلك الفضيلة لهم.
فقيل: النهي عن اعتقاد كونِ الأدوية نافعةً بطباعها؛ كما هو
مذهب الطبائعيين، وهو مثل النهي عن الأنواء - على ما مَرَّ -.
واشتغالُ النبي - عليه السلام - بالتداوي، والأمرُ به لا ينافي المذكور؛
لأن ذلك على اعتقاد كونِ الشفاء من الله تعالى، والتداوي سببٌ لها؛
كالأكل والشرب [في] الشبع والري، وهذا القول لا يكاد يتضح؛ لأن
النبي - عليه السلام - ما ذكر أن ذلك كفر، كما قال في النوء، بل أورد
أن ذلك أمرٌ زائد على ما هو حاصل لجميع المسلمين، حتى صار سبباً
لامتیاز هؤلاء عن غيرهم.
وما ذكر هذا القائل حاصلٌ لجمیع المؤمنین؛ إذ بدونه لا يحصل
الإيمان، فلا يحصل لهؤلاء مزية على الغير.
٦٣

وقيل: المراد: تركُ التداوي مع العلم بجوازه، وتفويض الأمر
إلى الله تعالى بالاعتقاد الصادق، منصرفاً عن كل شيء سواه، وهي
درجة رفيعة، ومرتبة عالية، وهذا اختيار الخطابي، وجمعٍ من
السلف، واختاره القاضي عياض، والنووي.
وقال الدراوردي: المراد: الذين لا يفعلون التداوي في الصحة،
فإنه يكره لمن ليست له علة أن يتخذ التمائم، ويستعمل الرقى، وأما
من یستعمل ذلك من مرض، فهو جائز.
ورُدَّ هذا القول؛ بأنه ــ على تقدير صحته - يختص بالتمائم، وفي
بعض الرقى، وأما في التعويذات، فلا يصح؛ إذ قد يجوز أن يتعوذ من
الشرور كلها قبل وقوعها، وكذا لا يصح في التطبب؛ فإنه يجوز
الاحتراز من الأدواء قبل وقوع المرض، بل مستحب.
وقيل: في الحديث بيان فضيلة ترك الرقى والكي دون غيره من
أنواع التداوي، ولا شك أنَّ من تركها، كان له فضيلة، وهو - أيضاً -
يُشكل بأمر النبي - عليه السلام - بالرقية، نعم، يتمشى ذلك في الكي؛
لنھیه عنه - علی ما سيجيء ۔.
وقيل: المراد: النهي من الرقية بغير لسان العرب؛ فإنه ربما
يكون لغزاً.
وقيل: ما كان منها على مذهب الجاهلية في العوذ الذي
يتعاطونها، ويزعمون أنها تدفع عنهم الأذى، ففي هذين الوجهين
النهي عن نوع من الرقية، ولفظ الحديث يتناول جميع أنواعه، ومع
٦٤

ذلك، فالغرض: بيان الفضيلة التي اختص بها هؤلاء القوم، وعدم
الاشتغال بالرقية التي يخاف فيها شيء، أو الإعراض عما كان [أهل]
الجاهلية يشتغلون، ولا يختص بهم، بل هو شأن الكل، ويجب على
الجمیع.
ومال القرطبي إلى ما قاله الخطابي، لكن فُهم من كلامه عدمُ
الفرق بين الثلاثة المذكورة في الحديث: الطيرة، والكي، والرقى،
وبين سائر أبواب الطب، وذكر أن بينها وبين غيرها فرقاً؛ فإن النبي
- عليه الصلاة والسلام - قد تطبب، وأحال على الطبيب، وأرشد إلى
الطب بقوله: ((يَا عِبَادَ اللهِ! تَدَاوَوْا))، فإن الذي أنزل الداء أنزل الدواء،
فلا يكون ترك ذلك مقصوداً في الحديث، بل المقصود: ترك الثلاثة
المذكورة فيه، وبيَّن أن ترك الطيرة لأجل أنه لا يخلو عن وجدان شيء
في النفس. وقال النبي - عليه السلام -: ((الطَّيَرَةُ شِرْكٌ - مَرَّتَيْنِ -، وَمَا
مِنَّا إِلاَّ، وَلَكِنَّ اللهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ))، وأما الكيُّ، فلأنه تعذيب بعذاب
الله، وقد نهى النبي - عليه السلام - [عنه] في قوله: ((لا تُعَذِّبُوا بِعَذَاب
الله)، ولهذا نهى أمته عن الكي، مع أنه باشر وكوى أنساً من الحِكَّة
يوم الخندق لما رقی.
وأما الرقى، فذكر أنه على ثلاثة أقسام:
قسم واجب الاجتناب: وهو ما كان من رقى الجاهلية، أو بما لا
يعرف.
وقسم مستحسن: وهو الرقى بأسماء الله تعالى، وبالمروي عن
٦٥

النبي - عليه السلام -؛ لأن ذلك غايةُ التوكل، ونهايةُ التفويض إلى الله
تعالی، وقد رقی النبي - عليه السلام -، واسترقى، ورقاه جبريل
وغيره، ورَقَته عائشة، وفعل ذلك الخَلَف والسلف، فلا يكون واحد
من هذين القسمين مقصوداً - أيضاً -؛ لأن الأول واجبُ الاجتناب على
جميع المسلمين، فلا تحصل به الفضيلة المذكورة، والثاني يلزم منه
أن لا يكون النبي - عليه السلام -، ولا أحد الخلفاء والصحابة في
السبعين ألفاً، مع أنهم أفضل مَنْ وافى القيامة، ولا يختارُ هذا عاقل.
فبقي القسم الثالث، وهو الرقى بأسماء الملائكة والنبيين
والصالحين، أو بالعرش والكرسي، والسماوات والجنة والنار، وما شاكل
ذلك مما يُعَظِّمُ، كما قد يفعله من يتعاطى الرقية، وهو المراد هاهنا، فإنه
يجوز فعلُه، ولكن تركه أولى؛ لما فيه نوع تشريك للغير مع الله تعالى في
التعظیم، کما نھی في الحلف بغير اسم الله تعالى كذلك.
هذا حاصل كلام القوم، والظاهر: أنه إخبار عن حال قوم فقراء
زاهدين في الدنيا، مشتغلين بأمور العقبى، لا يخطر ببالهم سوى القيام
على ما يُزلفهم إلى رضوان الله، والإعراض عما يُبعدهم منه، ويكون
اشتغالهم بأحوال الدنيوية من المآكل ما يسد جوعهم أدنى سَدّ، ومن
الملابس ما يستر عورتهم - أيضاً - كذلك، ولا ريب أن أكثر ما يقع من
الأمراض بحسب كثرة الاشتغال بالمطاعم والمشارب، والإصابة
بالعين - أيضاً - لا يكون في الشخص من الزي الحسن، واستقامة
الأحوال الدنيوية، ونعومة البدن، وحسن الشكل والرونق، ومن كان
٦٦

اشتغاله بتحسين حال بدنه ونفسه، وهو الذي - أيضاً - يتطير من
الأشياء، ويهمه معرفة الأمور التي يحصل منها شيء من ذلك، وأما
المعرض عن الدنيا، المقبل على الآخرة، القانع منها بأدنى كفاف،
فهو مصفرُّ الوجه، رَبُّ الحال، شعثُ الشعر، أغبرُ اللون، إذا نظر إليه
أهل الدنيا، لا يُؤْبَه له، وهو لا يلتفت إلى غير هؤلاء، وينظر إلى كل
خلق الله تعالى بعين الاستبصار والاعتبار، ويعلم أن الكل إنما خُلق
على ما ينبغي، فلا يحصل له الحاجة إلى الرقية والكي، ولا يتطير من
شيء قط .
فالمراد: بيان هؤلاء بأنهم قوم بهذه الصفة، من غير تعرض بأن
الذي تركوه مباح، أو أولى، أو غير ذلك، وهذا في معنى قوله: ((أَوَّلُ
النَّاسِ إِجَازَةً فُقَرَاءُ المُهَاجِرِينَ)) الحديث.
والحاصل: أن الغرض: بيان أن هؤلاء القوم هم الفقراء
المتوكلون الذين لا يبقى لهم في الظاهر والباطن التجاء واحتياج إلى
الغير قط .
فإنه لما خصَّ الثلاثة التي هي أكثر استعمال القوم بها، عمَّم بعد
ذلك بقوله: ((وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ»؛ ليندرج فيه الاشتغال بالأشياء
الأُخر غير المذكورة في حالة المرض، وفي حال الصحة، فيكون هذا
الحديث في معنى قوله: ((رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ)). والغرض: بأن إقبالهم
بالكلية إلى جَنَاب القدس؛ بحيث لا يلتفتون إلى من سواه، فقال:
(وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)، ولا يخفى حُسْنُ موقع لفظ الرب هاهنا، ففيه
٦٧

إيماء إلى أن توجههم إلى حضرة خالقهم ورازقهم، ومُنعمهم بأنواع
النعم الظاهرة والباطنة، المعدِّ لهم أقصى درجات النعيم، فلا التفات
لهم إلى غيره.
وأما التوكل، فقيل: محضُ التوجه إلى حضرة الأحدية؛ بحيث
لا يحلُّ قلبه خوف غير الله، وترك السعي في الرزق ثقةً بضمان الله
تعالى، وفضل طلب الرزق والاشتغال بذلك لا ينافي التوكل، بل
يحققه، إذ بدون ترتيب الأسباب اتكالٌ لا توكل، والاتكال مذموم.
والتوكل: الثقة بالله، والإيقان بأن قضاءه نافذ، واتباع بُسنة نبيه
في السعي فيما لا بد منه من المطعم والمشرب، والتحرز من العدو؛
كما فعل السلف من الأنبياء والأتقياء.
وقال القُشيري: التوكلُ محلُّه القلب، وأما الحركة بالظاهر، فلا
تنافي التوكل.
وقال سهل بن عبدالله التُّسْتَري: التوكلُ: الاسترسالُ مع الله على
ما يريد .
وقال أبو عثمان الحيريُّ: التوكلُ الاكتفاءُ بالله مع الاعتماد عليه.
وقال أبو إسماعيل الهروي: مِنْ أوفى السبل عند الحاجة؛ لأن
الله تعالى وَكَلَ الأمور إلى نفسه عن أن يكون له تصرف، يعني بذلك:
قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ ﴾ [آل عمران: ١٢٨] الآية.
واعترض بأن كل مقام من مقامات الولاية يتضمن لمحققه أن
استعماله له خير؛ كالتقوى مثلاً؛ فإنها تتضمن أن تجعل لصاحبها
٦٨

مخرجاً، ويرزقه من حيث لا يحتسب، ولا يوهنها هذا المعنى، فكذلك
في التوكل.
ويجاب بالفرق، وهو أن من توكل بتوفيق الله تعالى عليه لبقية
المقامات.
وقال بعض المحققين: السعيُ، ومزاولةُ الأسباب لا ينافي
التوكل، ولا ينسلخ عن صاحبه اسم المتوكل، ما لم تحصل له الطمأنينةُ
بتلك الأسباب، والالتفات إليها بالقلب، ويعلم أنها لا تجلب نفعاً،
ولا تدفع ضراً، بل السبب والمسبِّب فعلُ الله، والكل منه وبمشيئته،
ومتى وقع من التوكل ركون إلى تلك الأسباب، فقد انسلخ عنه ذلك
الاسم.
ثم المتوكلون على هذا التقدير قسمٌ واحدٌ، وأما عند من لم يقيد
بهذا القيد، فقسمان :
أحدهما: المذكور، والثاني: من لم يبلغ إلى تلك الدرجة، ويقع
له الالتفات إلى الأسباب، ويسر بوجود ما ينفع منها، وينزعج بحصول
ما يضر، لكن يدفع الركون عن نفسه بالطرق العلمية، والبراهين
القطعية، والأذواق الحالية، واللوامع الحالِيَّة، فلا يزال كذلك إلى أن
يبلغه الله إلى مقام المتمكنين، ويلحقه بالعارفين.
* وقوله: (مُتَمَاسِكُونَ آخِذٌ بَعْضُهُمْ بَعْضاً، لاَ يَدْخُلُ أَوَّلُهُمْ حَتَّى
يَدْخُلَ آخِرُهُمْ)؛ يعني: أن بعضهم آخذ بيد بعض، ولا يسابقه حتى
يكون دخولهم جميعاً.
٦٩

الخامس: في قوله: (أَيّكُمْ رَأَى الكَوْكَبَ الَّذِي انْقَضَّ؟) -
بالقاف والضاد المعجمة؛ أي: سقط، (قُلْتُ: أَنَا، ثُمَّ قُلْتُ: أَمَا إِنِّي
لَمْ أَكُنْ فِي صَلاَةٍ) إنما قال ذلك؛ لأن انقضاض الكوكب لم يكن في
أول الليل، في حال عدم اشتغال الناس بالنوم، وإنما يكون في وقت
نوم الناس، فإثبات الرؤية لنفسه يوهم اشتغاله بالعبادة؛ لأن إحياء
الليل إنما يكون لأجله، فأزال ذلك عن نفسه، وبيَّن يقظته.
وفيه إيماء إلى: أن الواجب عدم ادعاء الأمور المزكية للنفس،
بل الأحسن بيان السبب فيما يوهم التزكية .
* وقوله: (لاَ رُقْيَةَ إِلَّ مِنْ عَيْنٍ) يعني: من إصابة العين (أَوْ
حُمَةٍ)، الحديث أخرجه ابن ماجه من طريق بريدة، والترمذي من طريق
عمران بن حصين، ثم قال: وروى حصين عن الشعبي عن بريدة.
وسيجيء بيان ما قيل في إصابة العين ويقع الرقية فيها - إن شاء
الله تعالی -.
والحُمَةُ - بضم الحاء وتخفيف الميم -: العقرب، وقيل: حِدَّةُ
السَّمِّ وحرارته، وليس الغرض حصر الرقية فيهما، بل بيان أن أنفع ما
یکون من الرقية في هذین، فإن أكثر نفع الرقی إنما يكون في دفع ضرر
إصابة العين، ودفع ألم تأثير ذي الحمة .
وقال الخطابي: ومعنى ذلك: لا رقية أشفى وأولى من رقية
العين والحُمَة .
* وفي قوله: (قَدْ أَحْسَنَ مَنِ انْتُهَى إِلَى مَا سَمِعَ) تحسين لفعله،
٧٠

وأنه لما سمع من الشعبي ذلك، وعمل به، كان حسناً، ثم أشار إلى ما
هو أحسنُ من ذلك، فذكر سماعَه الحديث من ابن عباس، وفي هذا
ترتیب حسن؛ حیث استحسن أولاً فعله، ثم نبّه علی أن ذلك جائز،
والأولى التركُ والانخراطُ في سلك الصابرين الذين وَطَّنوا أنفسَهم في
الدنيا على الصبر عن طلب ملاذها، والقناعة على ما يكفيهم، وبيَّن أن
الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - لما سمعوا بأن جمعاً من هذه
الأمة على هذه الصفة يوم القيامة، خاضوا في الفحص عن شأنهم؛
ليقتفوا آثارهم، واستُطيروا شوقاً إلى معرفتهم، فبيَّن لهم النبي - عليه
السلام - صفتهم.
وفيه: إرشاد بأنه ينبغي أن یسعی المرء حتى يكون من جملتهم،
وترك الرقية وإن كان جائزاً، وفي استعمالها رخصةً.
والسادس: في قيام عكاشة:
* وعليه قوله: (فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ) هو بضم العين وتشديد
الكاف، قال ثعلب: وقد تخفف، وهو أبو محصن عكاشة بن محصن
بن ◌ُرثان بن قیس بن مُرّة بن بُکیر بن غنم بن دُودان بن أسد بن خزيمة
ابن مدركة الأسديُّ، حليفُ بني عبد شمس، وهو من أفاضل الصحابة
وخيارهم وشجعانهم، له ببدر المقام المشهور، والعلم المنشور،
وذلك أنه ضرب سيفه في الكفار حتى انقطع، فأعطاه رسول الله وَله
جِزْلَ حطبٍ، فأخذه فهزَّه، فعاد في يده سيفاً صارماً، فقاتل به حتى
فتح الله على المسلمين، فكان ذلك السيف يسمى: العون، ولم يزل
٧١

عنده يشهد به المشاهد مع رسول الله وَل* حتى قُتل في الردة وهو
عنده، قتله طُليحة الأسدي، وهو الذي قال له رسول الله صلحه: ((مِنّا
خَيْرُ فَارِس فِي العَرَبِ))، قَالُوا: وَمَنْ هُوَ يَا رَسُولَ اللّهِ؟ قَالَ: ((عُكّاشَةٌ
بْنُ مِحْصَنٍ».
ولقوة يقينه، وشدة حرصه على الخير، ورغبته فيما عند الله،
سبق الصحابة كلّهم بقوله: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: ((أَنْتَ
مِنْهُمْ))، ولما لم يكن عند القائم بعده من تلك الأحوال ما كان عند
عكاشة، قال له: ((سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ))، وأيضاً: لو لم يسد الباب أولاً،
لطلب كل شخص ذلك، ويطول الأمر فيه كذلك.
وقيل: ذلك الرجلُ سعدُ بن عبادة، أورده الخطيب، وغيره،
وقيل: منافق، والله أعلم.
السابع: في الجمع بين هذا، وبين حديث ابن عباس: ((عُرِضَتْ
عَلَيَّ الأُمَمُ)) الحديث إلى قوله: فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، فَقَالَ: أَنَا
مِنْهُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: (نَعَمْ))، فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَنَ
مِنْهُمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((نَعَم)) رواه البزار، والطبراني.
وحديث أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله وَله: ((يَدْخُلُ
الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفاً لاَ حِسَابَ عَلَيْهِمْ»، فَقَامَ عُكَّاشَةُ، فَقَالَ : يَا
رَسُولَ اللهِ! ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: قَالَ: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ
مِنْهُمْ)، وَسَكَتَ القَوْمُ، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَوْ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ!
ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْهُم، قَالَ: ((سَبَقَكَمْ بِهَا عُكَاشَةُ وَصَاحِبُهُ، أَمَّا إِنَّكُمْ
٧٢

لَوْ قُلْتُمْ، لَقُلْتُ، ولَوْ قُلْتُ، لَوَجَبَتْ)) رواه البزار.
ففي هذين الحديثين، تصريح بأن النبيَّ - عليه السلام - دعا
للقائم بعد عكاشة - أيضاً -.
وفي حديث أبي سعيد: أنه رَدَّ ذلك في القوم، لا في القائم بعد
عكاشة.
ووجه الجمع: أن في حديث ابن عباس: محمد بن موسى
الحرَّاني، وفيه مقال، وعلى تقدير وثوقه إذا عارض حديثُهُ حديثَ
الفحول المشتهرة الراوين لهذا الحديث؛ لأن الوجه تقديمُ حديثهم على
حديثه، وفي حديث أبي سعيد: عطية، وهو ضعيف، ومحمد بن
بکیر، وفيه جهالة.
وعلى تقدير تسليم الصحة، الوجهُ أن يقال: كان صدور هذا
الحديث من النبي - عليه السلام - مرتين: في إحداهما طلب عكاشة
الدعاءَ من النبي - عليه السلام - بأن يجعله الله منهم، وفي الآخر
السؤال بأنه منهم، ليعلم الإجابة، ولهذا جاء في بعض الروايات: ((ادْعُ
اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ))، وفي بعضها: ((أَنَا مِنْهُمْ؟))، فأجاب في
المرتين؛ الأول بالدعاء، وفي الثاني بيان أنه منهم، [و]في كل واحدة
من المرتين قام رجل بعد عكاشة، وطلب ما طلب عكاشة، فأجاب
لأحدهما، ورد الآخر، فإن صح بأن القائم سعدُ بن عبادة، فالإجابة
في حقه، والردُّ في حق الآخر؛ إما لأجل أنه منافق غيرُ مستحق، أو
لأجل أنه مؤمن، لكن طلب بعد طلب عكاشة وصاحبه، وإخلاصه قلَّ
٧٣

إذ ذاك، أو ذلك باعتبار الوقت اعتبار نفحات الله تعالى، وعليه:
سبقكما (الغلامُ الدَّوسي).
[٩٧ - باب
كَوْنِ هَذِهِ الأُمَّةِ نِصْفَ أَهْلِ الجَنَّةِ]
٥٥١ _ (٢٢١ / ٣٧٦) - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو
الأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِالهِ،
قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رَبُّعَ أَهْلِ
الجَنَّةِ؟)). قَالَ: فَكَبَّرْنَاَ. ثُمَّ قَالَ: ((أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ
الجَنَّةِ؟)). قَالَ: فَكَبَّرْنَاَ. ثُمَّ قَالَ: ((إِنِّي لِأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ
الجَنَّةِ، وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ، مَا المُسْلِمُونَ فِي الكُفَّارِ إِلَّ كَشَعْرَةٍ
بَيْضَاءَ فِي ثَوْرٍ أَسْوَدَ، أَوْ كَشَعْرَةٍ سَوْدَاءَ فِي ثَوْرٍ أَنْيَضَ).
٥٥٢ - (٢٢١ / ٣٧٧) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ
بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لِإِبْنِ المُثَنَّى - قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِاللهِ، قَالَ:
كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِعَه فِي قُبَّةٍ نَحْواً مِنْ أَرْبَعِينَ رَجُلاً، فَقَالَ: ((أَتَرْضَوْنَ
أَنْ تَكُونُوا رَبُعَ أَهْلِ الجَنَّةِ؟)). قَالَ: قُلْنَ: نَعَمْ، فَقَالَ: ((أَتَرْضَوْنَ أَنْ
تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ؟))، فَقُلْنَ: نَعَمْ، فَقَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي ◌ِّدِهِ!
إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَذَاكَ أَنَّ الجَنَّةَ لاَ يَدْخُلُهَا إِلَّ
:
٧٤

نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَمَا أَنتُمْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ إِلَّ كَالشَّعْرَةِ البَيْضَاءِ فِي جِلْدِ
الثَّوْرِ الأَسْوَدِ، أَوْ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَحْمَرِ».
٥٥٣ _ (٢٢١ / ٣٧٨) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ،
حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مَالِكٌ - وَهْوَ ابْنُ مِغْوَلٍ -، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ
عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِاللهِ، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ وَّةِ، فَأَسْنَدَ
ظَهْرَهُ إِلَى قُبَّةِ أَدَمِ، فَقَالَ: ((أَلَاَ لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّ نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، اللَّهُمَّ
هَلْ بَلَّغْتُ؟ اللَّهُمَّ اشْهَدْ، أَتْحِبُّونَ أَنَّكُمْ رُيُعُ أَهْلِ الجَنَّةِ؟)). فَقُلْنَا: نَعَمْ
يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: ((أَتْحِبُّونَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ؟))، قَالُوا:
نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: (إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الجَنَّةِ، مَا
أَنْتُمْ فِي سِوَاكُمْ مِنَ الأُمَمِ إِلَّ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي الثَّوْرِ الأَنْيَضِ، أَوْ
كَالشَّعْرَةِ البَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الأَسْوَدِ».
الحديث السادس: حديثُ عبدِالله بن مسعود، قَالَ: قَالَ لَنَا
رَسُولُ اللهِ وَ﴾: ((أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رَبُعَ أَهْلِ الجَنَّةِ؟)). قَالَ:
فَكَبَرْنَا، ثُمَّ قَالَ: (أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ». قَالَ:
فَكَبَّرْنَ. ثُمَّ قَالَ: ((إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَسَأُخْبِرُكُمْ
عَنْ ذَلِكَ، مَا المُسْلِمُونَ فِي الْكُفَّارِ إِلَّ كَشَعْرَةٍ بَيْضَاءَ فِي ثَوْرٍ أَسْوَدَ، أَوْ
كَشَعْرَةٍ سَوْدَاءَ فِي ثَوْرِ أَنْيَضَ)).
وفي رواية: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ لَّهَ فِي قُبَّةِ نَحْواً مِنْ أَرْبَعِينَ رَجُلاً،
فَقَالَ: «أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رَبُعَ أَهْلِ الجَنَّةِ؟». قَالَ: قُلْنَا: نَعَمْ، فَقَالَ:
٧٥

((أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ؟))، فَقُلْنَا: نَعَمْ، فَقَالَ: ((وَالَّذِي
نَفْسِي بِيَدِهِ! إِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَذَاكَ أَنَّ الجَنَّةَ لاَ
يَدْخُلُهَا إِلاَّ نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَمَا أَنْتُمْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ إِلَّ كَالشَّعْرَةِ البَيْضَاءِ
فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ، أَوْ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَحْمَرِ (١)».
وفي رواية: ((خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ وَِّ، فَأَسْنَدَ ظَهْرَهُ إِلَى قُبَةِ أَدَمِ،
فَقَالَ: ((أَلَاَ لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّ نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ اللَّهُمَّ
اشْهَدْ، أَتْحِبُّونَ أَنَّكُمْ رُبُعُ أَهْلِ الجَنَّةِ؟»، فَقُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ،
فَقَالَ: ((أَتْحِبُّونَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ؟))، قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ
اللهِ، قَالَ: ((إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الجَنَّةِ، مَا أَنْتُمْ فِي سِوَاكُمْ
مِنَ الأُمَمِ إِلَّ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي الثَّوْرِ الأَنْيَضِ، أَوْ كَالشَّعْرَةِ البَيْضَاءِ
فِي الثَّوْرِ الأَسْوَدِ))، أخرجه البخاري، والترمذي، وابن ماجه.
ثم قال الترمذي: وفي الباب: عن عمران بن حصين، وأبي سعيد.
وأقول: حديث أبي سعيد سيجيء، وحديث عمران بن حصين:
قال: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءُ
عَظِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ الَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ١ - ٢]، قَالَ:
أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ وَهُوَ فِي سَفَرٍ، فَقَالَ: (أَتَذْرُونَ أَبُ يَوْمٍ ذَلِكَ؟»،
فَقَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((ذَلِكَ يَوْمَ يَقُولُ اللهُ لِآدَمَ: ابْعَثْ بَعْثَ
النَّارِ، فَقَالَ: يَا رَبِّ! وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ إِلَى
(١) في الأصل: ((الأبيض)).
٧٦

النَّارِ، وَوَاحِدٌ إِلَى الجَنَّةِ»، قَالَ: فَأَنْشَأَ المُسْلِمُونَ بَيْكُونَ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (قَارِبُوا وَسَدِّدُوا، فَإِنَّهَا لَمْ تَكُنْ نُوَّةٌ قَطُّ إِلَّ كَانَ بَيْنَ
يَدَيْهَا جَاهِلِيَّةٌ - قَالَ : - فَيُؤْخَذُ العَدَدُ مِنْ الجَاهِلِيَّةِ، فَإِنْ تَمَّتْ، وَإِلاَّ،
كَمُلَتْ مِنْ الْمُنَافِقِينَ، وَمَا مَثَلُكُمْ وَالأُمَمِ إِلاَّ كَمَثَلِ الرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ
الدَّابَةِ، أَوْ كَالشَّامَةِ فِي جَنْبِ البَعِيرِ))، ثُمَّ قَالَ: ((إِنِّي لِأَرْجُو أَنْ تَكُونُواَ
رُبْعَ أَهْلِ الَنَِّ))، فَكَبَّرُوا، ثُمَّ قَالَ: ((إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ
الجَنَّةِ»، فَكَبَّرُوا، ثُمَّ قَالَ: ((إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الجَنَّةِ))،
فَكَبَّرُوا، قَالَ: لاَ أَذْرِي قَالَ: الثُّلُثَيْنِ، أَمْ لَ؟ .
وفي رواية نحو الأول أن قوله: ((وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ فِي النَّارِ،
وَوَاحِدٌ فِي الجَنَّةِ، فَسَ القَوْمُ حَتَّى مَا أَبَدَوْا بِضَاحِكَةٍ، فَلَمَّا رَأَى
رَسُولُ اللهِوَّهِ الَّذِي بِأَصْحَابِهِ، قَالَ: ((اعْمَلُوا وَأَبْشِرُوا، فَوَالَّذِي نَفْسُ
مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! إِنَّكُمْ لَمَعَ خَلِقَتَيْنِ مَا كَانَنَا مَعَ شَيْءٍ إِلاَّ كَّرَتَهُ(١): يَأْجُوجُ
وَمَأْجُوجُ، وَمَنْ مَاتَ مِنْ بَنِي [آدَمَ وَبَنِيآ إِبْلِيسَ)). [قَالَ: فَسُرِّيَ عَنْ
القَوْمِ](٢) بَعْضُ الَّذِي يَجِدُونَ، فَقَالَ: ((اعْمَلُوا وَأَبْشِرُوا، فَوَالَّذِي نَفْسُ
مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! مَا أَنْتُمْ فِي النَّاسِ إِلَّ كَالشَّامَةِ فِي جَنْبِ الْبَعِيرِ، أَوْ كَالرَّقْمَةِ
فِي ذِرَاعِ الدَّابَّةِ)) أخرجه الترمذي في (تفسير سورة الحج).
وروى البزار، والطبراني من حديث ابن عباس في تفسير هذه
الآية الكريمة، مرفوعاً نحو ذلك.
(١) في الأصل: ((كثرته).
(٢) بياض في الأصل.
٧٧

وعن ابن مسعود: قال لنا رسول الله وَّ: ((كَيْفَ أَنْتُمْ وَرُبُّعَ أَهْلِ
الجَنَّةِ، لَكُمْ رَبُعُهَا، وَلِسَائِرِ النَّاسِ ثَلاَثَةُ أَرْبَاعِهَا؟)) قَالُوا: اللّهُ وَرَسُولُهُ
أَعْلَمُ، قَالَ: ((فَكَيْفَ أَنْتُمْ وَثُلُثَهَا؟))، قَالُوا: فَذَاكَ أَكْثَرُّ، قَالَ: ((فَكَيْفَ
أنْتُمْ وَالشَّطْرَ؟))، قَالُوا: فَذَلِكَ أَكْثَرُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: «أَهْلُ الجَنَّةِ
يَوْمَ القِيَامَةِ عِشْرُونَ وَمِئَةٌ صَفٍّ، أَنْتُمْ مِنْهَا ثَمَانُونَ صَفّاً)) رواه أحمد،
والبزار، وأبو يعلى، والطبراني.
ورووا عن جابر، يرفعه بمعناه.
إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في مواضع :
الأول: في ترتيب الروايات:
قد عرفت - فيما مَرَّ -: أن الروايات المشتملة على معنى أقدمُها
في الذكر في دأب مسلم أقلّها زيادةً؛ فإنه يجعل الرواية المشتملة على
أصل المعنى أصلاً، ثم يورد الروايات الباقية على الترتيب، وأتم
الروايات المذكورة في الكتاب هذا الحديث، وحديثُ أبي سعيد هو
آخرُها ذكراً؛ فإن النبي - عليه السلام - لما بيَّن شدة الحال في يوم
القيامة، وذكر أن الله تعالى يأمر آدم بإخراج بعث النار من أولاده،
وذكر أن بعث النار من كل ألف تسعُ مئة وتسعة وتسعون، ورأى شدة
خوف أصحابه من ذلك، اشتغل بذكر ما يُذهب عنهم ذلك، فذكر نِعَمَ
الله تعالى الواقعةَ عليهم في الآخرة غاية، وفضله عليهم، وجعلهم
أكثرَ من كل أمة نجاةً؛ فإن مدخول الجنة من جميع الأمم لما كان
مساوياً لمدخول الجنة من هذه الأمة، كان الناجي من هذه الأمة أكثرَ
٧٨

من الناجي من كل أمة، إذا أُخذ على الانفراد، وهذه نعمة عظيمة،
ومنقبة جليلة.
جعلنا الله تعالى بفضله العميم، ولطفه الكريم من جملة الذين
حصل لهم النجاة السَّرْمد، والنعيم المُخلَّد.
والثاني: في الفائدة في ذكر النبي - عليه السلام - على ذلك
الترتيب .
حيث لم يقل أولاً: أما ترضون أن تكونوا شطر أهل الجنة؟
فقيل: ليكون أوقعَ في نفوسهم، وأمكنَ في قلوبهم؛ لأن الإعطاء مرة
بعد أخرى دليلُ الاعتناء به، والاهتمام بشأنه .
وقيل: کرر؛ ليكثروا في الشكر.
وأما ما جاء في الحديث من أن أهل الجنة مئة وعشرون صفاً:
ثمانون صفاً من هذه الأمة، والأربعون من سائر الأمم، فقد أخرجه
الترمذي، وابن ماجه من حديث بريدة - على ما مَرَّ -.
وروى الطبراني، مرفوعاً من حديث أبي موسى الأشعري، وابن
عباس، ومعاوية بن حَيدة: يكون الناجي من هذه الأمة ثلثي أهل
الجنة، ومن باقي الأمم الثلث، فقد ذكر النووي أن النبي - عليه السلام -
أخبرهم أولاً بحديث النصف، ثم تفضل الله تعالى بالزيادة، فأعلمهم
بها، ولهذا نظائر كثيرة، منها: بيان فضيلة صلاة الجماعة في حديث وفد
قيس - علی ما مَرَّ-، وغيرهما.
هذا كلامه، والذي يقتضيه النظر الصائب أن التدريج من الربع
٧٩

إلى الثلث، ومنه إلى النصف، ثم ذُكر الثلثان في حديث آخر من غير
سؤال عنهم، على نهج المراتب الأربعة المذكورة في : باب الشفاعة،
وهي شفاعة المؤمنين والملائكة والنبيين، ومحض رحمة الله [أرحم]
الراحمين من غير شفاعة أحد من خلقه.
، فقوله: (أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُيُعَ أَهْلِ الجَنَّةِ؟) إشارة إلى حالة
شفاعة المؤمنين لإخوانهم الذين في النار، وإخراجهم منها، وإدخالهم
الجنة بوساطة قبول الله تعالى شفاعتهم.
، وقوله: (أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ) إشارة إلى
شفاعة الملائكة لذلك.
وقوله: (إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الجَنَّةِ) إشارة على
شفاعته لهم، وشفقته عليهم حتى يبلغوا بوساطة شفاعته نصف أهل
الجنة .
وفي ذكر الرجاء في الثالثة حيث قال: ((إِنِّي لأَرْجُو))، ولم يقل
ذلك في الأولتين؛ نوعُ إيماء إلى ما ذكرنا.
ثم لما كان - هاهنا - مرتبة رابعة، ودرجة سنيّة، وهي رحمة الله
تعالى على عباده من غير وساطة أحد من خلقه، وأنه إنما ينالها قوم
ليس لهم عمل صالح قط سوى الإيمان، حتى إنه [لم] يظهر (١) منهم
في النار أثر الطاعة قَطّ، بل صاروا فحماً، ولا يخطر ببال أحد من
خلقه استحقاقهم الخروج منها، والدخول في الجنة، بيَّن تلك المرتبة
(١) في الأصل: ((ظهر)).
٨٠