النص المفهرس

صفحات 1-20

،،،
◌َة التََّة
موسوعة
فضل المنعم
في سَرْج
تَأْلِیفُ
اُلْقَاضِ شَمْسِ الدِّيْنِ الَرَوِيٍّ
إِ عَبْدِ اللهِ مُحَدِ بْنِ عَطَاءِ اللَّهِ بِنِ مُحَمٍَّ الْهَرَوِيِّ الْحَنَّفِيِّ ثُمَّالشَّافِعِيِّ
المولود بهراة سنة ٧٦٧ هـ والمتوفى بالقدس سنة ٨٢٩ هـ
رحمه الله تعالى
تَحْقِيْقَ وَدِرَاسَة
من المحققينَ
مختصّةٍ مِنَ
بإِشِرَافٍ
نُورُ الدُظُالتَّ
اَجَلَّدُ الخَامِسُ
لِلْبُحُوثِ وَالدِّرَاسَاتِ
قطّرْ
دَارُ التَّوَاخِرِ®

◌َة التََّوَيَّة
فونيـ
١١
13
13
لِلْبُحُوثِ وَالدِرَاسَاتِ
قطرْ
دَارُ التَّوْاذّ®

١٧،٠
◌َِِّّ النَّبَوَيَّة
١
،،٧،٥،٧،١٧
فَضْلِ الْمُعْرُ
فِي سَزج
(٥)
لِلْبُحُوثِ وَالدِّرَاسَاتِ
قطر
دَارُالتوازد®
: ٢٠٠

تُؤَشَّوْعَةٌ
ـَة التَّوَيَّة
١٧،٠
,
١
جَمِيعُ الْحُقُوقِ مَخْفُوظَة
اُلْطَبْعَةُ الْأُولَى
١٤٣٣ هـ-٢٠١٢ م
ردمك: ٧ - ٤٣ _٤١٨ - ٩٩٣٣ _٩٧٨ :ISBN
9789933459437
لِلْبُحُوثِ وَالدِّرَاسَاتِ
قطر - الدوحة
فاكس: ٠٠٩٧٤٤٤٤٤١٨٧٠
Email : arraqeem@gmail.com
دَارُ التَّوْالار®
سورية - لبنان - الكويت
مُؤسَسَة دَارِ النَّوَادِر م.ف- سُورِيةٍ *شَرِكَّة دَار الثَّوَادِر ◌َلْنَانِيَّة ش.م.م- لُبْنَان *شركة دار النَّوَادِ الكُوْتِيَّةِ ذ.م.م.الكُتُ
سورية - دمشق - ص . ب : ٣٤٣٠٦ - هاتف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١)
لبنان - بيروت - ص. ب: ٥١٨٠/١٤ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١)
الكويت - الصالحية - برج السحاب - ص. ب: ٤٣١٦ حولي - الرمز البريدي: ٣٢٠٤٦
هاتف: ٢٢٢٧٣٧٢٥ - فاكس: ٢٢٢٧٣٧٢٦ (٠٠٩٦٥)
www. daralnawader .com
info@daralnawader .com
تُودُ الدُّ نْ ظَالِبْ النِالعَام وَالرِيِ الشَّيْدِي
أسَّسَهَا سَنّة: ١٤٢٦هـ -٢٠٠٦°م
◌َ لِلْبُحُوثِ وَالدِّرَاسَاتِ
قطرْ
دَارُ التَّوْلاَدِ®

تابع
(٢)
كتابة الأسماء
(٥٦)
باب
بيان أن من مات على الكفر
فهو في النار، لا تناله الشفاعة،
ولا تنفعه القرابة
٥٢١ _ (٢٠٣ / ٣٤٧) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، حَدَّثَنَا
عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَجُلاً قَالَ:
يَا رَسُولَ اللهِ! أَيْنَ أَبِي؟ قَالَ: ((فِي النَّارِ)). فَلَمَّا قَفَّى، دَعَاهُ فَقَالَ: ((إِنَّ
أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ)).
أخرج - هاهنا - ثلاثة عشر حديثاً:
الأول: حديثُ أنس: أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَيْنَ أَبِي؟
قَالَ: ((فِي النَّارِ». فَلَمَّا قَفَّى، دَعَاهُ فَقَالَ: ((إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ».
وهذا الحديث أخرجه أبو داود، والستة.
إذا عرفت [هذا]، فاعلم أن مسلماً - رحمه الله - لمَّا أورد الأحاديثَ
الدالةَ على اختصاص نبينا - عليه الصلاة والسلام - بأنواع الشفاعة التي
لا يقدر عليها غيرُه من الخلق، وقبول الله تعالى شفاعته، وإخراجه من
٥

النار جمعاً كثيراً بعد دخولهم فيها، أراد أن يشير إلى أن كل ذلك في شأن
من مات على الإيمان، وأن النافع في الآخرة هو الوصلةُ الدينيةُ الحسبيةُ،
لا القرابةُ الدنيويةُ النَّسَبیةُ.
ولما كان اتصال الأب من الكل أقوى جهات القرابات، بدأ بذكر
الحديث المشتمل عليه، فذكر: أن رجلاً سأل النبي - عليه السلام -
عن حال أبيه، وقد مات على الكفر، فأجابه - عليه السلام -، وقال:
(إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ))، فعُلم من ذلك حالُ أبِ السائل، وحالُ أبٍ
الرسول - عليه السلام -.
وفيه: نوع تسلية للسائل - أيضاً - بالاشتراك في المصيبة، وذلك
لمَّا حفظ الحرمة؛ حیث لم يسأل عن حال أبيه کما سأله رجل آخر،
وقال: فَأَيْنَ أَبُوكَ؟ فقال النبي - عليه السلام - له: ((حَيْثُمَا مَرَرْتَ بِقَبْرِ
كَافِرٍ، فَبَشِّرْهُ بِالنَّارِ))، فكان الرجل يفعل ذلك، فشقَّ عليه حتى قال:
(لَقَدْ كَلَّفَنِي رَسُولُ اللهِ لَ تَعَباً (١)) أخرجه النسائي.
وبالجملة: في حديث الكتاب إيماءٌ إلى أن المفيد هو العمل،
ولا ينفع للأب عملُ الابن إذا مات الأب على الكفر؛ فإن أفضلَ
المخلوقات لما لم ينفع كمالُه لأبيه، فما الظن بغيره؟
وفيه: إشعار بأن من مات في زمن الفترة على اعتقاد أهلها من
عبادة الأصنام وغيره، كان من أهل النيران، ولا يكون معذوراً بعدم
وجود الرسول، واندراس معالم الوحي؛ لأن دعوة إبراهيم وسائر الأنبياء
(١) في الأصل: ((شططاً)).
٦

- عليه وعليهم السلام - قد بلغ الكل، ويجب عليهم الدخول في الدين،
والانقياد للدعوة.
* وفي قوله: (فَلَمَّا قَفَّى)؛ أي: ولَّى قفاه منصرفاً، إشعارٌ بأن
النبي - عليه السلام - ما أجابه أولاً بقوله: (فِي النَّارِ) يعني: أن أبا
السائل في النار، فلما ولى منصرفاً، دعاه، وقال له ما قال.
وفي تأخير هذه الزيادة إيماء إلى أن تركَ أمثالٍ هذه الأسئلة
مستحبٌّ؛ لأنه في الحقيقة موجب للحزن، والاشتغال بما لا يعني؛
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١].
وقد أورد السهيلي في ((الروض الأنف)): أن الله تعالى أحيا أبوي
النبي - عليه السلام - حتى آمنا به (١).
وفيه كلام طويل لا يهمنا شأنه، وقد مَرَّ شيء منه في (الجنائز)،
والله أعلم.
[٩١ - باب
فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اَلْأَقْرَبِنَ﴾]
٥٢٢ - (٢٠٤ / ٣٤٨) - حَدَّثَنَا قُتَنْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ
حَرْبٍ، قَالاَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ
طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ
(١) ولا يصحُّ هذا عند أهل التحقيق من المحدثين وغيرهم.
٧

اُلْأَقْرِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، دَهَا رَسُولُ اللهِعَهْ قُرَيْشاً، فَاجْتَمَعُوا، فَعَمَّ
وَخَصَّ، فَقَالَ: ((يَا بَتِي كَعْبٍ بْنِ لُؤَيٍّ! أَنَِّذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا يَنِي
مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ! أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا يَتِي عَبْدٍ شَمْسٍ! أَنْقِذُوا
أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا يَنِي عَبْدِ مَنَفٍ! أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا يَنِي
هَاشِمٍ! أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، مَا يَنِي عَبْدِ المُطَلِبِ! أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ
النَّارِ، يَا فَاطِمَةُ: أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ، فَإِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ
شَيْئاً، غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِماً سَأَبُهَا بِبَلَاَلِهَا)).
٥٢٣ _ (٢٠٤ / ٣٤٩) - وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ القَوَارِيرِيُّ:
حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَحَدِيثُ جَرِيرٍ
أَثَمُ وَأَشْبَعُ.
الحديث الثاني: حديثُ أبي هريرة: لَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ وَأَنْذِرْ
عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، دَعَا رَسُولُ اللهِ وَلّهِ قُرَيْشاً، فَاجْتَمَعُوا،
فَعَمَّ وَخَصَّ، فَقَالَ: ((يَا بَنِي كَعْبٍ بْنِ لُؤَيِّ! أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ،
ء
يَا يَنِي مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ! أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا يَنِي عَبْدِ شَمْسٍ! أَنْقِذَوا
أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا يَنِي عَبْدِ مَنَافٍ! أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا يَنِي
هَاشِمٍ! أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا يَتِي عَبْدِ المُطَلِبِ! أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ
الَّارِ، يَا فَاطِمَةُ! أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ، فَإِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئً،
غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِماً سَأَبُلَّهَا بِبَلَاَلِهَا)) أخرجه البخاري، والأربعة سوى أبي
داود.
٨

إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في مواضع :
الأول: في التعريف برواته سوى ما سلف.
(معاوية)، وهو أبو عمرو معاوية بن عمرو بن المهلب بن عمرو
ابن شبيب الأزديُّ، الكوفيُّ.
عن المسعودي، وإسرائيل، وفضيل بن مرزوق، وجماعة.
وعنه الذهلي، وعبد بن حُميد، والبخاري، وخلائق.
وَثَّقَهُ أحمد، وأخرج له الستة.
توفي سنة أربع عشرة ومئتين.
والثاني: في الجمع بين الأحاديث:
والحاصل: أن قوله تعالى: ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾ [الشعراء: ٢١٤]
الآية، لما نزلت، دعا رسول الله وَ ل﴿ أقاربه من قريش، ونصحهم، ودعاهم
إلى الإيمان، وهذا القدر هو المتفق بين الأحاديث، وأما الاختلاف فيها،
ففي مكان النبي - عليه السلام - في حال دعوتهم.
ففي بعضها: أنه صعد الصفا.
وفي بعضها: ((إِلَى رَضْمَةٍ مِنْ جَبَلٍ))؛ أي: صخرة عظيمة، ((فَعَلاَ
أَعْلاَهَا حَجَراً» .
وفي بعضها: ظنّ مكان الدعوة، وفي كيفية الدعوة، ونداء البطون
-علی ما توضح عنه روايات الكتاب -.
فالأظهر: أنه لما نزلت هذه الآية، دعا رسول الله وَل قومه مرات:
٩

مرة في المسجد الحرام، ومرة في الصفا، ومرة في موضع آخر،
وتلفظ في كل مرة بنوع على ما هو الرواية، إذ الأصل: أن مثال الحمل
على تعدد الصُّدُور، لا على عدم ضبط الرواة ونقلهم الحديث بالمعنى
- على ما مَرَّ -.
الثالث: في قوله: نداء البطون (دَعَا رَسُولُ اللهِ وَ﴿ قُرَيْشا)
الجمهورُ على أن قريشاً هو النضر بن كنانةَ بنِ جديمة بن مدركةً بن
إلياسَ بنِ مضرَ بنِ نزارِ بنِ معدٍّ بنِ عدنان، فمن كان من ولده، فقرشيّ،
وإلا، فلا.
وقيل: فهر بن مالك بن النضر، قاله مصعب الزبيري، وابن
الکلمي، وغيرهما.
وقيل : إلیاس.
وقيل: مضر.
وبدأ رسول الله و * بذكر بني كعب بن لؤي؛ لأن ما فوق بني
کعب بن لؤي ما يكون حاضراً في مكة.
وقيل: لأن ما فوقهم كانوا على الإسلام، وعلى ملة إبراهيم.
وقيل: لأن قريشاً أقاربه وعشيرته، وأقربُهم هو كعب، ومن بعدهم
من الشِّعب، فدعا قريشاً، ثم بدأ بذكر الأقربين على الترتيب.
وقيل: لأن قريشاً هو فهر، وأول شعبة تشعب منه هو كعب بن
لؤي بن غالب بن فهر .
وقيل غير ذلك.
١٠

وبالجملة: لما بدأ من بني كعب بن لؤي، ذكر بعدهم بني مرة
ابن كعب على الترتيب، ثم ذكر بني عبد شمس، والترتيب يقتضي أن
يذكر بني عبد مناف، ثم بني عبد شمس؛ لأن عبد مناف مقدم على
عبد شمس.
فقيل: إيماء إلى أن القصد ذكرُ البطون، لا رعاية ترتيب الشعوب.
وقيل: نظراً إلى كثرة مَنْ حضره من بني عبد شمس، وقلة من
حضر من بني عبد مناف قدم ذكرهم، وهذا لا يكاد يتضح؛ لأن بني
عبد شمس إنما ينفرد عن بني هاشم، وبني نوفل، وغيرهما من أولاد
عبد مناف، لا عن بني عبد مناف، فكل من كان من بني عبد شمس،
فهو من بني عبد مناف، بدون عکس.
وقيل: إيماء إلى صدور الشر عنهم في الجاهلية والإسلام، فإنهم
لم يزالوا معادين(١) بني هاشم من أول أمرهم إلى آخره، فأومأ بذكرهم
قبل بني عبد مناف؛ لأنهم أَباعدُ من بني هاشم فعلاً وسيرة، وإن كانوا
أقارب نسباً، وصورة، فكأنهم بالنظر إلى فعلهم ليسوا من عبد مناف،
ولا كانوا من إخوة بني هاشم، وهذا أقرب.
وبالجملة: الغرض: ذكرُ بعض البطون، لا ذكر الجميع، ووقوع
((بني)) قبل ذكر بني عبد مناف لا ينافي ذلك، ولهذا وقع في بعض
الروايات ذكرُ بني عبد مناف فقط، وفي بعضها: بني عبد المطلب دون
غيره.
(١) في الأصل: ((يزل معادون)).
١١

وفي هذه الرواية بدأ من الأعلى، ثم نزل إلى فاطمة بنته - عليه
السلام -.
وفي حديث آخر بدأ منها، ثم ترقَّى(١) إلى بني عبد المطلب.
وفي الكل إشعارٌ بأن المطلوب إنذارُهم، لا بيان ترتيب بطونهم.
: وقوله: (يَا فَاطِمَةُ!) في بعض الأصول: بالهاء، وفي أكثرها:
(يَا فَاطِمُ) على الترخيم.
الرابع: في اتصال النفع الدنيوي إليهم:
فإنه لما أنذرهم، وذكر أنه لا ينفعهم في الآخرة إن لم يموتوا
على الإيمان، ذكر أنه يقدر على ما في يده من اتصال النفع إليهم لأجل
القرابة ووجوب الصلة.
والسين في (سَأَبُلَّهَا) إِمَّا للاستقبال، والإيماء إلى أنه كما يفعل
بهم من الإحسان الدينية بالدعوة إلى الإسلام، والدنيوية من الإحسان
إليهم في الماضي، يفعل بهم ذلك في المستقبل - أيضاً -.
وإِمَّا للتأكيد بأنه يفعل ذلك البتة، من غير ملاحظة الزمان، كما
قيل: في قوله تعالى: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ﴾ [آل عمران: ١٨١] الآية.
* وقوله: (بِبَلَاَلِهَا) روي بكسر الباء الثانية، وهي المشهورة،
ويروى بالفتح أيضاً، والبِلاَلُ - بكسر الباء -: كل ما يُبَلُّ به الحلق من
الماء واللبن، ويقال: بَلَّ من مرضه: إذا برئ منه، وكثيراً ما يتمثل به
(١) في الأصل: ((يدعي)).
١٢

سيبويه بقول الشاعر :
نَجَا وَبِهِ الدَّاءُ الَّذِي هُوَ قَاتِلُهُ
إِذَا بَلَّ مِنْ دَاءٍ بِهِ ظَنَّ أَنَّهُ
ومن المجاز: (بُوا أَرْحَامَكُمْ)؛ بمعنى: صِلُوهًا، كما يقال: نَدٌ
رَحِمَكَ، وذلك لأن الرطوبة لما كانت سببَ اتصال الأشياء بعضِها
ببعض، كما أن الييس سبب التفرق(١)، وفي الرطوبة - أيضاً - معنى
النضارة، وكلما كان الشيء أكثر طراوة، كان أحسنَ منظراً، كما أن في
اليبس أضداد ذلك، و- أيضاً -: الفيضان والسَّيَلان والتقطر، وكل
ما فيه معنى الحصول من شيء والوصول إلى آخر إنما يكون من
لوازمها، كما أن نقائضها من لوازم اليبس، [عبَّرَ] عن صلة الرحم،
وتأكد الودّ، ووصول النفع إلى الغير، والوصف بالجود والكرم
بالرطوبة، ومن أضدادها باليبوسة، يقال: بَلَّ رَحِمَه، ونَضَحَ وُدَّهُ،
وأفاض على غيره، وكفُّه فياض.
وقيل: شُبهت قطيعةُ الرحم بالحرارة، ووصلُها بإطفاء الحرارة
ببرودة.
وفي اختيار لفظة البِلَّة دون غيرها إيماءٌ - أيضاً - إلى أن صلة
الرحم برؤها من المرض، كما أن القطع مرضها.
وفيه - أيضاً -: أن في الصلة الراحة؛ إذ هي سبب الذكر الجميل
في الدنيا، والأجر الجزيل في العقبى، فمن وصل رحمه، فقد فاز.
(١) في الأصل: ((التوثق)).
١٣

وقد يستعمل البَلاَلُ بمعنى: الفوز والنفع، ومنه المثل: اِضْرِبُوا
0
فِي الأَرضِ أَمْيالاً، تَجِدُوا بَلالاً .
وأضاف البلال إلى الرحم، إيماءً إلى أنها في الأصل خلقت
للوصل، فمن قطعها فقد غير الفطرة، والأمر ما قرنَ الله صلتها بتوحيده،
قال: ﴿وَأَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ، شَيْئًا وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا﴾ [النساء: ٣٦]،
وقال ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ اُلَّذِى تَسَلَءَ لُونَ بِهِ، وَاَلْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١].
وعن الحسن: إذا سألك بالله فأعطه، وإذا سألك بالرحم فأعطه،
وللرحم حجنة عند العرش.
وقال الهروي: البِلاَلُ جمع بَلَلٍ، كجمال جمع جَمَل، وما ذكرنا
أولاً أشھُر.
٥٢٤ - (٢٠٥ / ٣٥٠) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِاللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا
وَكِيعٌ، وَيُونُسُ ابْنُ بُكَيْرٍ، قَالاَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ
عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِنَ ﴾ [الشعراء: ٢١٤]،
قَامَ رَسُولُ اللهِوَلِ عَلَى الصَّفَا، فَقَالَ: ((يَا فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍا ◌َا صَفِيَّةُ
بِنْتَ عَبْدِ المُطَّلِبِ! يَا بَنِي عَبْدِ المُطَلِبِ! لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً،
سَلُونِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتُمْ)).
الحديث الثالث: حديثُ عائشة: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيَرَتَكَ
اَلْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، قَامَ رَسُولُ اللهِ وَ ﴿ عَلَى الصَّفَا، فَقَالَ:
١٤

(يَا فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ! يَا صَفِيَّةُ بِنْتَ عَبْدِ المُطَّلِبِ! يَا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ!
لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً، سَلُونِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتُمْ))، أخرجه الترمذي.
وفي الباب: عن علي، وابن عباس.
وأقول: حديث ابن عباس - هاهنا - من حديث علي في (كتاب
البر والصلة)، وفي الباب: من حديث قبيصة، وزهير - على ما يجيء
هاهنا -.
وأخرج الترمذي من حديث أبي موسى الأشعري: لَمَّا نَزَلَ:
﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، وَضَعَ رَسُولُ اللهِ وَ أُصْبُعَيْهِ
فِي أُذُنَّهِ، فَرَفَعَ مِنْ صَوْتِهِ، فَقَالَ: ((يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ! يَا صَبَاحَاهُ!)).
وعن الزبير بن العوام، قال: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ
اُلْأَقْرَينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، صَاحَ رَسُولُ اللهِ وَه عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ: يَا آَلَ
عَبْدِ مَنَفٍ! إِنِي نَذِيرٌ، فَجَاءَتْهُ قُرَيْشٌ، فَحَذَّرَهُمْ وَأَنَّذَرَهُمْ، فَقَالُوا: تَزْعُمُ
أَنَّكَ نَبِيُّ يُوحَى إِلَيْكَ، وَأَنَّ سُلَيْمَانَ سُخِّرَ لَهُ الرِّيحُ وَالجِبَالُ، وَأَنَّ
مُوسَى سُخِّرَ لَهُ البَحْرُ، وَأَنَّ عِيسَى كَانَ يُحْيِيِ المَوْتَى؟ فَادْعُ اللهَ أَنْ يُسَيِّرَ
عَنَّا هَذِهِ الجِبَالَ، وَيُفَجِّرَ لَنَا الأَرْضَ أَنْهَاراً، فَنَتَّخِذَهَا مَحَارِثَ فَتَزْرَعَ
وَتَأْكُلَ، وَإِلَا، فَادْعُ لَنَ اللهَ أَنْ يُحْيِيَ لَنَا مَوْتَنَا، فَنُكَلِمَهُمْ وَيُكُلِّمُونَ،
وَإِلَا، فَادْعُ اللهَ أَنْ يُصَيَِّ هَذِهِ الصَّخْرَةَ الَّتِي تَحْتَكَ ذَهَباً، فَتَنْحَتَ مِنْهَا،
وَيُغْنِيْنَا عَنْ رِحْلَةِ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ؛ فَإِنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّكَ كَهَيْئَتِهِمْ، فَبَيْنَمَا نَحْنُ
حَوْلَهُ، إِذْ نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ، فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ، قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ!
لَقَدْ أَعْطَانِي مَا سَأَلْتُمْ، وَلَوْ شِئْتُ لَكَانَ، وَلَكِنَّهُ خَيََّنِي بَيْنَ أَنْ تَدْخُلُوا مِنْ
١٥

بَابِ الرَّحْمَةِ، فَيُؤْمِنُ مُؤْمِنُكُمْ، وَبَيْنَ أَنْ يَكِلَكُمْ إِلَى مَا اخْتَرْتُمْ
لأَنْفُسِكُمْ، فَتَضِلّوا عَنْ بَابِ الرَّحْمَةِ، وَلا يُؤْمِنُ مُؤْمِنُكُمْ، اخْتَرْتُ بَابَ
الرَّحْمَةِ، فَيُؤْمِنُ مُؤْمِنُكُمْ، وَأَخْبَرَتِي: إِنْ أَعْطَاكُمْ ذَلِكَ، ثُمَّ كَفَرْتُمْ: أَنََّ
مُعَذِّبُكُمْ عَذَاباً لا يُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ العَالَمِينَ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَمَا مَنَعَنَآ أَنْ تُرْسِلَ
يَلْأَيَتِ إِلَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩]، حَتَّى قَرَأَ ثَلاثَ آيَاتٍ،
وَنَزَلَتْ: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانَا سُيِّرَتْ بِهِ آلْجِبَالُ أَوْ قُطِعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِ الْمَوْنَى﴾
[الرعد: ٣١] الآية. رواه البزار، ولا بأس بإسناده.
وعن أبي أمامة، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَينَ﴾
[الشعراء: ٢١٤]، جَمَعَ رَسُولُ اللهِنَّهِ بِنِي هَاشِم، فَأَجْلَسَهُمْ عَلَى البَابِ،
وَجَمَعَ نِسَاءَهُ وَأَهْلَهُ، فَأَجْلَسَهُمْ فِي البَيْتِ، ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ:
(يَا بني هَاشِمٍ! اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، وَاسْعَوْا فِي فَكَاكِ رِقَابِكُمْ،
وَافْتَكُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللهِ، فَإِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئً»، ثُمَّ أَقْبَلَ
عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، فَقَالَ: ((يَا عَائِشَةُ بنتَ أَبِي بَكْرٍ، وَيَا حَفْصَةُ بنتَ عُمَرَ،
وَيَا أُمَّ سَلَمَةَ، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، وَيَا أُمَّ الزُّبَيْرِ عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ وَ!
اشْتَرُوا أَنفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، وَاسْعَوْا فِي فَكَاكِ رِقَابِكُمْ، فَإِنِّي لا أَطْلُبُ
لَكُمْ مِنَ اللّهِ شَيْئاً، وَلا أُغْنِي))، فَبَكَتْ عَائِشَةُ، وَقَالَتْ: يَا حِبِّي! وَهَلْ
يَكُونُ ذَلِكَ يَوْمَ لا تُغْنِي عَنَّا شَيْئاً؟ قَالَ: ((نَعَمْ، فِي ثَلاثِ مَوَاطِنَ: يَقُولُ
اللهُّ: ﴿ وَتَضَعُ الْمَوَزِنَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ اَلْقِيَمَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] الآيَتَيْنِ، فَعِنْدَ
ذَلِكَ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً، وَعِنْدَ النُّورِ، مَنْ شَاءَ اللهُ أَنَمَّ لَهُ نُورَهُ،
وَمَنْ شَاءَ أَكَبَّهُ فِي الظُّلُمَاتِ، يَغُُّهُ فِيهَا، فَلا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً،
١٦

وَلا أُغْنِي لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً، وَعِنْدَ الصِّرَاطِ مَنْ شَاءَ اللهُ سَلَّمَهُ وَأَجَازَهُ،
وَمَنْ شَاءَ لِيُكِبَّهُ فِي النَّارِ))، قَالَتْ عَائِشَةُ: أَيْ حِبِّي! قَدْ عَلِمْنَا المَوَازِينَ
هِيَ الكِفْتَانِ، فَيُوضَعُ فِي هَذِهِ الشَّيْءُ فَيَرْجَحُ أَحَدُهُمَا، وَيَخِفُّ
الأُخْرَى، وَقَدْ عَلِمْنَا مَا النُّورُ، وَمَا الظُّلْمَةُ، فَمَا الصِّرَاطُ؟ فَقَالَ:
((طَرِيقٌ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، يَجُوزُ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَهُوَ مِثْلُ حَدِّ المُوسَى،
وَالمَلائِكَةُ صَافِّينَ يَمِيناً وَشِمَالاَ يَخْطِفُوهُمْ بِالكَلالِيبِ مِثْلٍ شَوْكٍ
السَّعْدَانِ، وَهُمْ يَقُولُونَ: رَبّ! سَلِّمْ سَلَّمْ، وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ، فَمَنْ شَاءَ اللهُ
سَلَّمَهُ، وَمَنْ شَاءَ اللهُ لِيُكِبَّهُ فِيهَا)) رواه الطبراني.
إذا عرفت هذا، فالكلام - هاهنا - في مواضع:
الأول: في الجمع بين الأحاديث: فإن الأحاديث الصحاح الواردة
في هذه الآية دالةٌ على أنها نزلت بمكة، وجمع النبي - عليه السلام -
قريشاً، وأنذرهم، وهذا الحديث يدل على أنها نزلت بالمدينة؛ حيث
جمع النبي - عليه السلام - أهله: عائشة، وحفصة، وأم سلمة ... (١)
أزواجه في بيته في المدينة، فالوجه: أنها نزلت مرتين، أو نزلت بمكة،
وأنذر النبيُّ - عليه السلام - قريشاً فيها، ثم أنذر بني هاشم وأهله
بالحديث، وقرأ عليهم هذه [الآية] فحسبت قراءته نزولاً، على أن في
سند هذا الحديث علي بن يزيد الصدائي، وهو متروك.
الثاني: في التعريف براوية حديث الكتاب سوى ما سلف.
(١) بياض في الأصل.
١٧

(يُونُسُ)، وهو أبو بكر يُونُسُ بْنُ بُكَيْرِ بنِ واصلِ الشيبانيُّ،
الحافظُ.
عن الأعمش، وکَھْمس، وجماعة.
وعنه ابن أبي شيبة، وعباد، وأبو كريب، وخلائق.
أخرج له مسلم، والأربعة إلا الترمذي، وأخرج له البخاري تعليقاً.
قال ابن معين : صدوق.
وقال العجلي: كان على مظالم جعفر بن برمك، ضعَّفَهُ بعض
الناس.
وقال أبو داود: ليس بحجة، يأخذ كلام ابن إسحاق، فيوصله
بالأحاديث.
وقال النسائي: ليس بالقوي.
وبالجملة: لأجل ذلك ضم مسلم و کیعاً إليه.
توفي سنة تسع وتسعين ومئة.
الثالث: فيما يتعلق بالمعنى :
(فإني لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً)؛ يعني : لا أقدر على دفع مكروه
عنكم، فلا تتكلوا على قرابتي، بل عليكم الدخولُ في الإيمان،
والإقبالُ على العمل الصالح.
وفي إلقاء هذا الكلام إلی قوم کان أکثرُهم منکرین لنبوته، معادين
له في الظاهر والباطن إشعارٌ بأن عدم دخولهم في متابعته، وقيامهم
١٨

على معاداته، وإصرارهم على الإنكار، سببٌ لزوال النعمة التي مَنَّ الله
تعالى عليهم، وبعد زوال تلك النعمة ينزل عليهم الهوان، ولا يقدر هو
على دفعه، ولا تنفع القرابة، بل يجب إمضاء أمر الله تعالى، ولا بد
من وصول ذلك إليهم، وقد أذاقهم الله تعالى ذلك بالسنين، والقتل
یوم بدر .
وفيه إيماء - أيضاً - إلى: أنهم في ذلك الوقت يحتاجون إليه،
ويتضرعون، ويطلبون منه الدفع، ويستشفعون إليه بالرحم والقرابة،
ولكن في وقت لا ينفعهم ذلك، وأن إيصال النفع إليهم، وصلة
رحمهم إنما هو في إخباره ذلك لهم، ودعوته إياهم إلى الإيمان الذي
هو أصل جميع الحسنات، وأقوى كل الصلات.
ثم أورد المثل زيادةً في التفهيم، وإيضاحاً للمقصود، وذكر أنه لو
أخبرهم عن توجه ونزول محنة عليهم في الدنيا، وكانوا يصدقونه في
ذلك؛ لأنه ما لاح منه كذبٌ قَطَّ، فينبغي أن يصدِّقوه فيما (١) أخبر عن
نزول العذاب بهم في العاجل، واستمرار العقاب عليهم في الآجل، بل
يجب أن يكون تصديقهم له، واهتمامهم في الكشف عن حال هذا أكثرَ
وأقوى من تصديقهم له فيما [يخبر] عن مجيء عدو؛ لأن هذا منقطع
قليل الضرر، وذلك دائم مستمر الأثر، ولذلك نكَّر العذاب؛ إيماءً إلى
أنه شيء لا يحيط به الوصف؛ لعظمته وكثرته، ووصفه بقوله:
(شديد)، وفي تنكير (شيء) في قوله: (لاَّ أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً) بعد
(١) في الأصل: ((فلما)).
١٩

قوله: (أَنْقِذُوا أَنفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ) إيماءٌ إلى أنه لا يقدر على شفاعتهم
وإخراجهم من النار إن لم يدخلوا في الإيمان، وماتوا على ما كانوا عليه
من الكفر، ولا يقدر - أيضاً - إلى دفع مكروهٍ يريد الله تعالى بهم في
الدنيا، فهذا تعمیم بعد تخصیص.
وفيه من الإنذار القوي ما لا يخفى.
٥٢٥ _ (٢٠٤ / ٣٥١) - وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ
وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَتِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَتِي ابْنُ المُسَيَّبِ،
وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ الِ حِينَ
أُنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرِينَ ﴾ [الشعراء: ٢١٤]: (يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ!
اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللهِ، لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللّهِ شَيْئاً، يَا يَتِي عَبْدِ المُطَّلِبِ!
لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ الّهِ شَيْئاً، يَا عَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ! لاَ أُغْنِي عَنْكَ
مِنَ اللهِ شَيْئاً، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ! لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللّهِ شَيْئاً، يَا فَاطِمَةُ
بِنْتَ رَسُولِ اللهِ سَلِيْنِي بِمَا شِئْتِ، لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللّهِ شَيئاً».
٥٢٦ - (٢٠٦ / ٣٥٢) - وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ
عَمْرٍو، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، حَدَّثْنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ ذَكْوَانَ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِِّ نَحْوَ هَذَا.
الحديث الرابع: حديثُ أبي هريرة، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ حِينَ
٢٠