النص المفهرس
صفحات 441-460
وَتُرْسَلُ الأَمَانَّةُ وَالرَّحِمُ، فَتَقُومَانِ جَنَبَتَي الصِّرَاطِ يَمِيناً وَشِمَالاً، فَيَمُؤُّ أَلُكُمْ كَالَبَرْقٍ)). قَالَ: قُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي! أُّ شَيْءٍ كَمَرِّ البَرْقِ؟ قَالَ: (أَلَمْ تَرَوْا إِلَى البَرْقِ كَيْفَ يَمُزُّ وَيَرْجِعُ فِي طَرْقَةٍ عَيْنٍ؟ ثُمَّ كَمَرٌ الرِّيحِ، ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيْرِ، وَشَدِّ الرِّجَالِ تَجْرِي بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ، وَنَبِئُّكُمْ قَائِمٌ عَلَى الصِّرَاطِ، يَقُولُ: رَبِّ! سَلِّمْ سَلِّمْ، حَتَّى تَعْجِزَ أَعْمَالُ العِبَادِ، حَتَّى يَجِيءَ الرَّجُلُ فَلاَ يَسْتَطِيعُ السَّيْرَ إِلَّ زَحْفاً - قَالَ : - وَفِي حَافَتَيِ الصِّرَاطِ كَلاَلِيبُ مُعَلَّقَةٌ مَأْمُورَةٌ بِأَخْذِ مَنْ أُمِرَتْ بِهِ، فَمَخْدُوشٌ نَجٍ، وَمَكْدُوسٌ فِي النَّارِ)). وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ! إِنَّ قَعْرَ جَهَنَّمَ لَسَبْعُونَ خَرِيفاً. الحديث الثامن، والحديث التاسع: حديثُ أبي هريرة، وحديثُ حذيفة، قَالاَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((يَجْمَعُ اللهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - النَّاسَ، فَيَقُومُ المُؤْمِنُونَ حَتَّى تُزْلَفَ لَهُمُ الجَنَّةُ، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: يَا أَبَانَا! اسْتَفْتِحْ لَنَا الجَنَّةَ. فَيَقُولُ: وَهَلْ أَخْرَجَكُمْ مِنَ الجَنَّةِ إِلَّ خَطِيئَةُ أَبِيِكُمْ آدَمَ؟ لَسْتُ بِصَاحِبٍ ذَلِكَ، اذْهَبُوا إِلَى ابْنِي إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللهِ - قَالَ : - فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: لَسْتُ بِصَاحِبٍ ذَلِكَ، إِنَّمَا كُنْتُ خَلِيلاً مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ، اعْمِدُوا إِلَى مُوسَى الَّذِي كَلَّمَهُ اللهُ تَكْلِيماً. فَيَأْتُونَ مُوسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ بِصَاحِبٍ ذَلِكَ، اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى كَلِمَةِ اللهِ وَرُوحِهِ، فَيَقُولُ عِيسَى: لَسْتُ بِصَاحِبٍ ذَلِكَ، فَيَأْتُونَ مُحَمَّداً وََّه فَيَقُومُ فَيُؤْذَنُ لَهُ، وَتُرْسَلُ الأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ، فَتَقُومَانِ جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ يَمِيناً ٤٤١ وَشِمَالاً، فَيَمُرُّ أَوَّلُكُمْ كَالْبَرْقِ)). قَالَ: قُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي! أيُّ شَيْءٍ كَمَرُّ البَرْقِ؟ قَالَ: ((أَلَمْ تَرَوْا إِلَى البَرْقِ كَيْفَ يَمُرُّ وَيَرْجِعُ فِي طَرْفَةٍ عَيْنٍ؟ ثُمَّ كَمَرُّ الرِّيحِ، ثُمَّ كَمَرِّ الظَيْرِ، وَشَدُ الرِّجَالِ تَجْرِي بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ، وَتَبِيُّكُمْ قَائِمٌ عَلَى الصَّرَاطِ يَقُولُ: رَبِّ! سَلِّمْ سَلِّمْ، حَتَّى تَعْجِزَ أَعْمَالُ العِبَادِ، حَتَّى يَجِيءَ الرَّجُلُ فَلاَ يَسْتَطِيعُ السَّيْرَ إِلَّ زَحْفاً - قَالَ : - وَفِي حَافَتَيِ الصِّرَاطِ كَلاَلِيبُ مُعَلَّقَةٌ مَأْمُورَةٌ بِأَخْذِ مَنْ أُمِرَتْ بِهِ، فَمَخْدُوشٌ نَاجٍ، وَمَكْدُوسٌ فِي النَّارِ». وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ! إِنَّ قَعْرَ جَهَنَّمَ لَسَبْعُونَ خَرِيفاً. وهذا الحديث من أفراد مسلم. إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في مواضع: الأول: في التعريف برواته سوى ما سلف. (مُحَمَّدٌ)، وهو أبو جعفر مُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفِ بْنِ خَلِيفَةَ الْبَجَلِيُّ، الکوفیُّ. عن عمرو بن عبيد، وأبي بكر بن عيَّاش، وأبي معاوية، وجماعة. وعنه الدارمي، وأبو زرعة، وخلق. وأخرج له مسلم، والأربعة سوى النسائي. قال أبو زرعة: لا بأس به. والثاني: قول الخليل - عليه السلام -: (مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ) الروايةُ ٤٤٢ بتكريره، قيل: الصوابُ: الفتحُ فيهما، كذا ادعى أبو الخطاب بنُ دِحية، مثل: شَذَرَ مَذَرَ، وشَغَرَ بَغَرَ، ونحوها. وقال أبو اليمن: الصواب: الضمُّ فيهما؛ لأن تقديره: من وراءِ ذلك، أو من وراءِ شيءٍ آخرَ. وفي ((الصحاح)): الوراء بمعنى: خَلْف، وبمعنى قُدَّام، وهي من الأضداد، وعن الأخفش: يقال: لقيتُه من وراءُ، فيرفعه على الغاية إذا كان غير مضاف؛ لقولك: من قبلُ ومن بعدُ، وأنشد: إِذَا أَنَا لَمْ أُومَنْ عَلَيْكَ وَلَمْ يَكُنْ لِقَاؤكَ إِلاّ مِنْ وَرَاءُ وَرَاءُ بضمِّهما. فالأول؛ لما مَرَّ من الرفع على الغاية، وأما الثانية، فيحمل أن تكون كالأولى على تقدير حذف (من)؛ لدلالة الأول عليه، ويحتمل أن يكون تأكيداً لفظياً للأولى، وأن يكون بدلاً منها، أو عطف بيان، كما قالوا في قولهم: يا نَصْرُ نَصْرٌ نَصْراً وقولهم - وذاك أوسع -: نصبت بالفعل المقدر، وهو تأخر. والوراء - أيضاً -: ولد الولد. وقال القرطبي: الصحيح المدُّ والفتح في الهمزتين، كأنه مبني؛ لتضمنه الحرف، كما قالت العرب: هو جاري بَيْتَ بَيْتَ؛ أي: بيته إلى بيتي، وكان التقدير في الحديث: من وراء إلى وراء، ونحو: ٤٤٣ خمسةَ عشرَ، وسائر الأعداد المركبة، ومنه قولهم: هي همزةٌ بَيْنَ بَيْنَ، وآتيكَ صَباحَ مَساءَ، ويَوْمَ يَوْمَ. ثم قال: وقد وجدت في أصل شيخي أبي الصبر أيوب بن محمدٍ الفهري: ((مِنْ وَرَاءَ مِنْ وَرَاءَ) بتكرير (مِنْ)، وفتح الهمزتين مقيداً تقييداً حسناً، ووجهُه: أن (وَرَاءَ) قُطعت عن الإضافة، ولم يقصد قصد مضاف بعينه، وصارت كأنها اسمُ علم، وهي مرتبة على ما قاله الجوهري، مستدلاً على أنهم يقولون في التصغير: وُرِيَّة، فاجتمع فيها التعريف والتأنيث، فمنع الصرف. وقال الفراء: تقول العرب: فلان يكلمني مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ - بالنصب على الظرف -، ومن وراءَ وراءٍ بجعل الأولى ظرفاً، والثانية غاية، ومن وراءٍ وراءٍ بجعلهما غايتين، ومن وراءٍ وراءَ يضيف الأولى إلى الثانية، ويمنع الثانية من الجر، ومن وراءَ وراءَ على البناء. وحكى ثعلب عن بعض الناس قالوا: من وراءٍ وراءٍ بالتنوين فيهما. ونقل النووي عن صاحب ((التحرير)): أن المعنى؛ أي: بعيد من تلك المنزلة بمرتبتين؛ لأن المكارم التي أعطيتُها كانت بواسطة سفارة جبريل - عليه السلام -، وقد حصل لموسى - عليه السلام - سماعُ الكلام بغير واسطة، وحصل لمحمد - عليه الصلاة والسلام - الكلامُ والرؤية، [فقال إبراهيم: أنا](١) وراء موسى الذي هو وراء محمد (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ٧١). ٤٤٤ - عليهما الصلاة والسلام -. هذا كلامه. ولا يخفى أنه لا تعلق له بالخلة، وبنى على رؤية النبي - عليه السلام - ربه في المعراج، وعدم رؤية غيره من الأنبياء، وقد عرفت ما فيه . والظاهر: أن المراد: أي: إنما كنت خليلاً من بُعْد، وفي الغَيْبَة، لا في القرب والمشافهة، قاله تواضعاً منه، واعترافاً ببعيد درجته عن حضرة الكبرياء؛ إذ أكثر ما تستعمل هذه اللفظة مكررة بهذا المعنى. قال في ((الأساس)): وقيل للمخبّل: قاوم الزبرقان، فقال: إنه أندى مني صوتاً، وأكثر مني ريقاً، وإني لا أقوم له في المواجهة، ولكن دعوني أهاديه الشعر من وراء وراء؛ أي: في غيبته، ومن بُعد. والغرض: بيان أن كمال الخُلَّة إنما يصح لمن يصح له في ذلك اليوم المقام المحمود الذي يحمده فيه الأولون والآخرون، وذلك لم يصلح ولا يصلح إلا لمحمد ێ﴾. ويحتمل أن يكون إيماء إلى أنه إنما صار خليله بالصبر والحلم في الأمور، لا بالجسارة والإقدام على الأمور بغير إذن، ويكون تلميحاً إلى قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْخَقَ يَعْقُوبَ﴾ ، وإلى قوله: ﴿إِنَّ إِبْرَهِيَمَ لَحَلِيمٌ أَوَّةٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧١ - ٧٥] على ما يحكى: أنه إنما اتخذه الله خليلاً في ذلك الوقت لسبب تلك القضية. والثالث: في قوله: (قَالَ: قُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي) القائلُ أبو هريرة؛ بدليل قوله في آخر الحديث: (وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ!). ٤٤٥ * وقوله: (قَالَ: أَلَمْ تَرَوْا) هو النبي - عليه الصلاة والسلام -، والظاهر أن من قوله: (قَالَ: قُلْتُ) إلى آخر الحديث رواية أبي هريرة معنى قول النبي - عليه السلام -؛ لأن قوله: (وَنَبِيُّكُمْ قَائِمٌ عَلَى الصِّرَاطِ)، وقوله: (وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِه!) ظاهر إلى أنه نقل بالمعنى، فيكون اتفاق رواية حذيفة مع أبي هريرة إلى قوله: (قَالَ: قُلْتُ)، والباقي لأبي هريرة، وإنما أورد مسلم - رحمه الله - كذلك؛ محافظة على السماع. وأما إرسال الأمانة والرحم، وقيامهما على جنبي الصراط، فللإيماء إلى عِظَم حقهما، وأن من أدى الأمانة، ووصل الرحم في الدنيا، يكون من أهل السلامة في العبور على الصراط، ومن أخلَّ بهما، أو بواحد منهما، فإنه يسقط عن جانبٍ من جانبي الصراط إلى النار. ثم قيل: ذلك تمثيل، وقيل: يصوران بصورة يريدها الله تعالى، على ما قيل: من [أن] المعاني تصور صوراً في الآخرة. * وقوله: (وَشَدِّ الرِّجَالِ) الرواية المشهورة بالجيم؛ جمع رَجُل، ووقع في رواية ابن ماهان بالحاء المهملة؛ كأنه سُميت الراحلة بالرحل، ثم جمع، يريد: کجري الرواحل، وفيه بُعد. الرابع: في قوله: (تَجْرِي بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ) يعني: سرعةُ مرورهم على الصراط بقدر أعمالهم، ألا تراه كيف قال: (حَتَّى تَعْجِزَ أَعْمَالُ العِبَادِ)، وهذا كله من فضل الله تعالى، وإظهاره ذلك لعباده، فالكلُّ ٤٤٦ برحمته، لا إله غيره. وروي: (تَجْرِي بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ) - بزيادة الباء -. قال القاضي عياض: لا معنى لدخول الباء فيها . وأقول: يحتمل أن يكون بمعنى (مع)، وفيه إيماءٌ إلى أن الجري ليس بسبب الأعمال، بل بقدرة الله تعالى. والرواية المشهورة في قوله: (وَمَكْدُوسٌ) - بالدال ـ على ما مَرَّ، وفي بعض الأصول في هذا الموضع: (مُكَرْدَسٌ) - بالراء ثم الدال -، وهو قريب إلى معنى الأول، يقال كَرْدَسَ الرجل خيله: إذا جمعها كراديس؛ أي: قطعاً كباراً، ويحتمل أن يكون من الكردسة، وهو الوثاق، يقال: كُردس الرجل: جمعت يداه ورجلاه. الخامس في قوله: (إِنَّ قَعْرَ جَهَنَّمَ سَبْعِينَ خَرِيفاً) هكذا الرواية في معظم الأصول: (سَبْعِينَ) - بالياء -، واختلف في توجيهه، فقيل: على لغة من يحذف المضاف، ويُبقي المضاف إليه على إعرابه الأول، كما قيل في قوله: ﴿وَاَللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ﴾ [الأنفال: ٦٧]، والتقدير: لمدة سبعين خريفاً، كما أن التقدير في الآية: والله يريد عَرَض الآخرة. وقيل: (قَعْرَ) مصدر، و(سَبْعِينَ) ظرف زمان، و(في) مقدَّرَة، والتقدير: إن بلوغ قعر جهنم لكائن في سبعين خريفاً. والصحیحُ الرفعُ كما جاء في بعض الروايات، وتفسيره ما جاء في حديث آخر: ((إِنَّ الصَّخْرَةَ العَظِيمَةَ لَتُلْقَى مِنْ شَفِيرِ جَهَنَّمَ، فَتَهْوِي فِيهَا سَبْعِينَ عَاماً)، ثم المراد بالسبعين؛ إما التحديد؛ كما هو الظاهر ٤٤٧ من التقييد بالعام والخريف، وإما التكثير، إذ كثيراً ما يستعمل، ويراد التكثير لا التحديد؛ كما قيل في قوله تعالى: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَّةً فَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] الآية، وفي قول علي تظلهُ: سَبْعِينَ أَلْفاً عَاقِدِي النَّوَاصِي لأُصْبِحَنَّ العَاصِ وَابْنَ العَاصِ والمرادُ من الخريف: السنة، وإنما عبَّر عنها به؛ لأن الخريف من بين الفصول أشبهُ بالموت من غيره؛ فإنه زمان ذُبول النبات، وسقوط الأوراق، وانتهاء أجلِ كل نبات وفاكهة، والواقعُ في قعر النار هالكٌ لا خلاصَ له، كما أن الورق الساقط في الخريف كذلك، فناسبَ في ذكر ذلك التعبير عنها. [٨٧ - باب فِي قَوْلِ النَّبِيِّ ◌َّ: (أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ يَشْفَعُ فِي الجَنَّةِ، وَأَنَا أَكْثَرُ الأَنْبِيَاءِ تَبَّعاً)] ٥٠٤ _ (١٩٦ / ٣٣٠) - حَدَّثَنَا قُتَيْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: قَالَ قُتِيَةُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ المُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: (أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ يَشْفَعُ فِي الجَنَّةِ، وَأَنَا أَكْثَرُ الأَنْبِيَاءِ تَبَعاً». ٥٠٥ _ (١٩٦ / ٣٣١) - وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ العَلاَءِ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُخْتَارِ بْنِ فُلْقُلٍ، عَنْ أَنَسٍ ٤٤٨ ابْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((أَنَا أَكْثَرُ الأَنْبِيَاءِ تَبَعاً يَوْمَ القِيَامَةِ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الجَنَّةِ». ٥٠٦ _ (١٩٦ / ٣٣٢) - وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنِ المُخْتَارِ بْنِ فَلْفُلِ، قَالَ: قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: قَالَ: التَّبِيُّ ◌َّهِ: ((أَنَا أَوَّلُ شَفِيعِ فِي الَنَّةِ، لَمْ يُصَدَّقْ نَبِيٍّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ مَا صُدِّقْتُ، وَإِنَّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيّاً مَا يُصَدَّقُهُ مِنْ أُمَتِهِ إِلَّ رَجُلٌ وَاحِدٌ». ٥٠٧ _ (١٩٧ / ٣٣٣) - وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاتِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالاَ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ القَاسِمِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ المُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((آتِي بَابَ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَأَسْتَفْتِحُ، فَيَقُولُ الخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ، فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ، لاَ أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ)). الحديث العاشر: حديثُ أنسِ: ((أَنَا أَكْثَرُ الأَنْبِيَاءِ تَبَعاً يَوْمَ القِيَامَةِ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الجَنَّةِ». وفي رواية: ((أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ يَشْفَعُ فِي الجَنَّةِ، وَأَنَا أَكْثَرُّ الأَنْبِيَاءِ تَبَعاً)). وفي رواية: ((أَنَا أَوَّلُ شَفِيعِ فِي الجَنَّةِ، لَمْ يُصَدَّقْ نَبِيٍّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ مَا صُدِّقْتُ، وَإِنَّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيّاً مَا يُصَدِّقُهُ مِنْ أَمَّتِهِ إِلَّ رَجُلٌ وَاحِدٌ». ٤٤٩ وفي رواية: ((آتِي بَابَ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَأَسْتَفْتِحُ، فَيَقُولُ الخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ، فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ، لاَ أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ)). وهذا الحديث من أفراد مسلم. وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّع)). وفي رواية: (أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ، فَأُكْسَى العُلَّةَ مِنْ حُلَلِ الجَنَّةِ، ثُمَّ أَقُومُ عَنْ يَمِينِ العَرْشِ، فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ الخَلاَئِ يَقُومُ ذَلِكَ المَقَامَ غَيْرِي)) أخرجه أبو داود، والترمذي. وعن أُبيِّ بن كعب، عن النبيِّ - عليه السلام -، قال: ((إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ، كُنْتُ إِمَامَ النَّبِيِّينَ، وَخَطِيبَهُمْ، وَصَاحِبَ شَفَاعَتِهِمْ)). وعن أبي سعيد الخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: ((أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلاَ فَخْرَ، وَبِيَدِي لِوَاءُ الحَمْدِ وَلاَ فَخْرَ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ يَوْمَئِذٍ آدَمَ فَمَنْ سِوَاهُ إِلاَّ تَحْتَ لِوَائِي، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ وَلاَ فَخْرَ)). وعن أنسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ خُرُوجَاَ إِذَا بُعِثُوا، وَأَنَا قَائِدُهُمْ إِذَا وَفَدُوا، وَأَنَا مُبَشِّرُهُمْ إِذَا أَبِسُوا، وَلِوَاءُ الحَمْدِ يَوْمَئِذٍ بِيَدِي، وَأَنَا أَكْرَمُ وَلَدِ آدَمَ عَلَى رَبِّي، وَلاَ فَخْرَ)). وعن ابن عباس: أن رسول الله وَ﴿ قال: ((أَنَاَ حَبِيبُ اللهِ وَلاَ فَخْرَ، وَأَنَا حَامِلُ لِوَاءِ الحَمْدِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلاَ فَخْرَ، وَأَنَا أَكْرَمُ الأَوَّلِينَ ٤٥٠ وَالآخِرِينَ وَلاَ فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يُحَرِّكُ حلَقَ الجَنَّةِ [وَلاَ فَخْرَ]، فَقْتَحُ اللهُ لِي، فَيُدْخِلُنِهَا وَمَعِي فُقَرَاءُ المُؤْمِنِينَ، وَلاَ فَخْرَ)). أخرج الكلَّ الترمذي. والمعنى ظاهر، وهو بيان فضله يظهر على الخلق، وبيان ما خصه الله تعالى من هذه الأنواع من الفضائل، وقد مَرَّ ذكر بعضها، وسيجيء بعضها في (كتاب الفضائل) - إن شاء الله تعالى -. * وقوله: (أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ يَشْفَعُ فِي الجَنَّةِ) يعني: في دخول الجنة قبل الناس، ويدل عليه قوله: ((وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الجَنَّةِ»، وقول الخازن: (بِكَ أُمِرْتُ، لاَ أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ))، وهذه إحدى شفاعاته. * وقوله: (أَنَا أَوَّلُ شَفِيعِ فِي الجَنَّةِ) يمكن حملُه على هذا - أيضاً-، وعلى الشفاعة في رفع الدرجات، وهو أوجه. وقد سلف التعريفُ برواته سوى (معاوية)، وهو أبو الحسن معاويةُ ابنُ هشام القَصَّارُ، الكوفيُّ. عن حمزة الزيات، وعلي بن صالح، وهشام بن سعد، وجماعة. وعنه أحمد، وإسحاق، ومحمود بن غيلان، وخلق. وَثَّقَهُ أبو داود، وأخرج له الستة إلا البخاري. وقال ابن معين: صالح، وليس بذاك. وقال يعقوب بن شيبة: كان من أعلمهم بحديث شريك هو وإسحاق الأزرق. ٤٥١ وقال ابن حبان: مات سنة أربع وخمسين ومئتين . ٥٠٨ _ (١٩٨ / ٣٣٤) - حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، أَخْبَرَنَاَ عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: (ِكُلِّ نَبِيِّ دَعْوَةٌ يَدْعُوهَا، فَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِىَِّ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ». ٥٠٩ _ (١٩٨ / ٣٣٥) - وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَذَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: ((لِكُلِّ نَبِيِّ دَعْوَةٌ، وَأَرَدْتُ - إِنْ شَاءَ اللهُ - أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةٌ لِأُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ). ٥١٠ - (١٩٨ / ٣٣٦) - حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ أَسِيدِ بْنِ جَارِيَةً الثَّقَفِيُّ مِثْلَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ. ٥١١ _ (١٩٨ / ٣٣٧) - وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ عَمْرَو بْنَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ ٤٥٢ أَسِيدِ بْنِ جَارِيَةَ النَّقَفِيَّ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَّ هُرَيْرَةَ قَالَ لِكَعْبِ الأَحْبَارِ: إِنَّ نَبِيَّ اللهِ﴿ قَالَ: ((لِكُلِّ نَبِيِّ دَعْوَةٌ يَدْعُوهَا، فَأَنَا أُرِيدُ - إِنْ شَاءَ اللهُ - أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ»، فَقَالَ كَعْبٌ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: نَعَمْ. ٥١٢ - (١٩٩ / ٣٣٨) - حَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً، وَأَبُو كُرَئِبٍ - وَاللَفْظُ لأَبِي كُرَيْبٍ -، قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّه: ((لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيِّ دَعْوَتَهُ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ، فَهِيَ نَئِلَةٌ - إِنْ شَاءَ اللهُ - مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَتِي لاَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً). ٥١٣ - (١٩٩ / ٣٣٩) - حَدَّثَنَا قُتَنْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ - وَهُوَ ابْنُ القَعْقَاعِ -، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لِكُلِّ نَبِيِّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ يَدْعُو بِهَا، فَيُسْتَجَابُ لَهُ، فَيُؤْتَاهَا، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَّتِي شَفَاعَةٌ لِأُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ» . ٥١٤ - (١٩٩ / ٣٤٠) - حَدَّثَنَا عُبَيْدُاللهِ بْنُ مُعَاذِ العَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدٍ - وَهُوَ ابْنُ زِبَادٍ -، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((لِكُلِّ نَبِيِّ دَعْوَةٌ دَهَا بِهَا فِي أُنَّتِهِ، ٤٥٣ فَاسْتُجِيبَ لَهُ، وَإِنِّي أُرِيدُ - إِنْ شَاءَ اللهُ - أَنْ أُؤَخِّرَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ)). الحديث الحادي عشر: حديثُ أبي هريرة: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَل قَالَ: ((لِكُلِّ نَبِيِّ دَعْوَةٌ يَدْعُوهَا، فَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبَِّ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ». وفي رواية: ((لِكُلِّ نَبِيِّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيِّ دَعْوَتَهُ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةٌ لِأُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ، فَهِيَ نَئِلَةٌ - إِنْ شَاءَ اللهُ - مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَتِي لاَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئً». وفي رواية: (لِكُلِّ نَبِيِّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ يَدْعُو بِهَا، فَيُسْتَجَابُ لَهُ، فَيُؤْتَاهَا، وَإِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ» وفي رواية: (لِكُلِّ نَبِيِّ دَعْوَةٌ دَعَا بِهَا فِي أُمَّتِهِ، فَاسْتُجِيبَ لَهُ، وَإِنِّي أُرِيدُ - إِنْ شَاءَ اللهُ - أَنْ أُؤَخِّرَ دَعْوَّتِي شَفَاعَةٌ لِأُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ»، أخرجه البخاري، والترمذي، وابن ماجه. إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في مواضع : الأول: في التعريف برواته سوى ما سلف. (عَمْرُو)، وهو ابْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ جَارِيَةَ الثَّقَفِيُّ، المدنيُّ، حليفُ بني زهرةَ. عن عمرو بن عمرو، وأبي موسى، وجماعة. ٤٥٤ وعنه ابن أخيه عبد الملك بن عبدالله بن أبي سفيان، وعبدالله بن عبد الرحمن، وخلق. ذكره ابن حبان في الثقات، وأخرج له الشيخان، والنسائي. (مُحَمَّدٌ) في الإسناد الآخر، فهو أبو الحارث مُحَمَّدُ بْنُ زِیَادٍ القرشيُّ، الجمحيُّ، مولى عثمان بن مظعون. عن عائشة، وابن عمر، وابن الزبير، وغيرهم. وعنه إبراهيم بن طهمان، والحمادان، وخلائق. وَثَّقَهُ أحمد، وابن معين، والنسائي، وأخرج له الستة. وفي الكتب الخمسة محمدُ بن زياد، ثلاثة، وليس في مسلم سواه . والثاني: فيما يتعلق بالمعنى : ثم المفهوم من الروايات: أن الله تعالى عيَّن لكل نبي دعوة واحدة، يدعو لأجل أمته، وتستجاب تلك الدعوة بالجزم، وأما باقي الدعوات، فالإجابةُ على الطمع والرجاء، لا بالجزم واليقين، وأن جميع الأنبياء قد تعجَّلوا في تلك الدعوة، ودعوها في الدنيا، وأن نبينا بَّ أخبأ دعوته لأجل شفاعة أمته يوم القيامة، وهذا منه غايةٌ رحمته على أمته، ونهاية شفقته علیھم. وفيه: دقة علمه - عليه السلام - بغوامض الأمور؛ حيث لم يعجل بدعوته كما فعل غيره، بل أَخَّرَهَا إلى يوم القيامة؛ [حيث] يحتاج إليه الخلق أجمعون. ٤٥٥ وقيل: المراد: أن لكل نبي دعوةً لنفسه يدعوها، وقد دعا سائر الأنبياء في الدنيا، وأنه أخبأ [دعوته] لشفاعة أمته يوم القيامة، إلا أن الروايات المشتملة على ذكر الأمة؛ مثل قوله: ((دَعَا بِهَا فِي أُمَّتِهِ»، و((دَعَاهَا لِأُمَّتِهِ)) تأبى هذا المعنى. ويحتمل أن يراد: أن لكل نبي(١) دعوة وشفاعة لأمته يوم القيامة، وأن جميعهم لمَّا رأوا هولَ الموقف، قد تعجَّلوا في طلب الخلاص لأنفسهم، وقال كل واحد منهم: ((نَفْسِي نَفْسِي))، ((وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي(٢) شَفَاعَةٌ لِأُمَّتِي))، وقلت: (أُمَّتِي أُمَّتِي))، فيكون المعنى: أن لكل واحد منهم أن يطلب أمته، ويخلُّصهم من العذاب، وقد أعطى الله ذلك لجميعهم، ولكن ما طلبوا ذلك، وطلبوا أنفسهم، وأنا طلبت أمتي، ففيه زيادة قوة نبينا - عليه الصلاة والسلام - على كل الأنبياء؛ حيث طلب كلٌّ منهم خلاصَ نفسه في ذلك اليوم، وهو ما التفتَ إلى ذلك، بل طلب خلاصَ أمته، وعلى هذا قوله: ((دَعَا بِهَا فِي أُمَّته، فَاسْتُجِيبَ لَهُ)) على ما في رواية محمد بن زياد عن أبي هريرة، يحتاج إلى تأويل؛ لأن ظاهره: أن كل نبي قد دعا بتلك الدعوة المستجابة، وحصل له الإجابة، وهو ينافي أن يكون كل نبي ترك ذلك، واختار نفسه، فقيل: هو ماضٍ بمعنى المستقبل؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَنَادَىّ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٤] الآية، ويدل عليه: رواية أبي زرعة، عن أبي هريرة: ((يَدْعُو بِهَا، (١) في الأصل: ((أمة)). (٢) في الأصل زيادة: ((وأخرتها)). ٤٥٦ فَيُسْتَجَابُ لَهُ))، وقيل: (إن) مقدَّرة، والتقدير: إن دعاها، وهو بعيد. والثالث: في ذكر المشيئة: ولما كان طلب الشفاعة لأمته في الآخرة، وهو أمر مُغَيَّب في زمان الإخبار، وإن كان قد علم النبي - عليه السلام - ذلك على سبيل الجزم واليقين، ذكر المشيئة تبركاً وامتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ إِنِّيِ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدَّا جَ إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤] الآية، وتعليماً لأمته بأنه - مع جلالة قدره، وإحاطة علمه بوقوع ذلك - لا يخبر عنه إلا بهذا الطريق، فالواجب عليهم أن يقولوا في الأمور المستقبلية - أيضاً - كذلك، بل آكد؛ لأن المستقبل بالنسبة إليهم مظنون . ٥١٥ _ (٢٠٠ / ٣٤١) - حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ المِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ ابْنُ المُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَانَ - وَاللَّفْظُ لْأَبِيٍ غَسَّانَ -، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ - يَعْنُونَ: ابْنَ هِشَامٍ -، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِيٍ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَّ نَبِيَّ اللهِ﴿ قَالَ: ((لِكُلِّ نَبِيِّ دَعْوَةٌ دَعَاهَا لِأُمَّتِهِ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ». ٥١٦ - (٢٠٠ / ٣٤٢) - وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي خَلَفٍ، قَالاَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا الإِسْنَادِح. ٥١٧ _ (٢٠٠ / ٣٤٣) - وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ح، ٤٥٧ وَحَدَّثَنِهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدِ الجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ جَمِيعاً، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثٍ وَكِيعٍ قَالَ: قَالَ: (أُعْطِيَ)). وَفِي حَدِيثٍ أَبِيٍ أُسَامَةَ: عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴾. ٥١٨ _ (٢٠١ / ٣٤٤) - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا المُعْتَمِرُ عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ نَبِيَّ اللّهِ﴿ قَالَ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثٍ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ. الحديث الثاني عشر: حديثُ أنس: أَنَّ نَبِيَّ اللهِ وَلِ قَالَ: ((لِكُلِّ نَبِيِّ دَعْوَةٌ دَعَاهَا لِأُمَّتِهِ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ»، أخرجه البخاري، وأبو داود. والكلام عليه في مواضع: الأول: في التعريف برواته سوى ما سلف. (مُحَمَّدٌ)، وهو أبو عبدالله محمد بن أحمد بن أبي خلف محمد السلميُّ، مولاهم، البغداديُّ. عن ابن عيينة، وأبي خالد الأحمر، وإسحاق الأزرق، وجماعة. وعنه مسلم، وأبو داود، وأخرجا له، والدارمي، وطائفة. قال أبو حاتم: صدوق ثقة. قيل : توفي سنة ست وثلاثين ومئتين. و(مُحَمَّدٌ)، وهو أبو عبدالله محمد بن عبد الأعلى الصنعانيُّ، القيسيُّ، البصريُّ. ٤٥٨ عن ابن زريع، وابن عُيينة، وعبد الرزاق، وجماعة. وعنه مسلم، والأربعة سوى أبي داود، وقد أخرجوا له، وطائفة غيرهم. وَثَّقَهُ أبو حاتم، وأبو زرعة. توفي بالبصرة سنة خمس وأربعين ومئتين. الثاني: في الإسناد: * قوله: (حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ المِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارِ حَذَّثَانا» ربما اعترض بأن قوله: (حَذَّثَانا) زائد؛ لأن بدونه یستقیم، وأجيب بأن في ذكره نكتة، وهي أن المقرر في القاعدة: أن من سمع وحده، يستحب أن يقول: حدثني، ومع غيره: حدثنا، ومسلم لما سمع من ابن غسان وحده، قال: (حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ)، ولما سمع من ابن المثنى، وابن بشار مع جماعة، قال: (حَدَّثَانا)، وهذا من غاية احتياطه، ونهاية إتقانه، وإنما يغلط فيه من لا معرفة له بدقائق الإسناد. وكذا قوله: (غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثٍ وَكِيعِ قَالَ: قَالَ: أُعْطِيَ، وفي حديثِ أبي أُسامةَ عنِ النَّبيِّ عليه السلام) معناه: أن في إسناده عن قتادة: أنه قال أنس: قال رسول الله وَله: (أعطي لكل نبي دعوة)، وأن أبا أسامة قال: (إنَّ أنساً قال: عنِ النَّبيِّ عليه السلام لِكُلِّ نَبِيِّ دَعْوَةٌ)، فيكون التفاوت بين رواية وكيع، ورواية هشام زيادة لفظة: (أَعْطِيَ)، وبين روايته ورواية أبي أسامة قوله: (عَنِ النَّبِيِّ - عليه السلام -) بدل ٤٥٩ قوله: (أَنَّ نَبِيَّ اللهِ(١) - عليه الصلاة والسلام - قال)، فتدبر. * وقوله: قال: (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى) هذه مبالغة أخرى، والفرق بينها وبين التي قبلها: أن الروايات فيها: (عن قتادة، عن أنس)، وفي هذه: (عن المعتمر، عن أبيه، عن أنس). والثالث: في معناه: وهو ظاهر فيما مَرَّ. ٥١٩ - (٢٠١ / ٣٤٥) - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثْنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَتِي أَبَّو الزُّبَيْرِ: أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: عَنِ النَّبِّلَ﴿ ((لِكُلِّ نَبِيِّ دَعْوَةٌ قَدْ دَعَا بِهَا فِي أُمَّتِهِ، وَخَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةٌ لِأُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ)). الحديث الثالث عشر: حديثُ جابرٍ بن عبدالله: عن النبي - عليه السلام -: (لِكُلِّ نَبِيِّ دَعْوَةٌ قَدْ دَعَا بِهَا فِي أُمَّتِهِ، وَخَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ)). وهذا الحديث من أفراد مسلم، وقد مَرَّ معناه. (١) في الأصل: ((أن النبي)). ٤٦٠