النص المفهرس

صفحات 381-400

الأكثر، وبالمهملة، والمعنيان متقاربان، وقرئ بهما في قوله تعالى:
﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ [يوسف: ٣٠]، يقال: شَعَفَ الحُبُّ فؤادَه - بالعين
المهملة -؛ أي: علاه، وغلب عليه، وكل شيء علا شيئاً، فقد شعفه،
ويقال: شغفها حُبَّاً - بالمعجمة -: إذا أصابَ به شَغَافها، وهو غشاء
القلب وغلافه، قال:
يَعْلَمُ اللهُ أَنَّ حُبَّكِ مِنِّي
فِي سَوَادِ الفُؤَادِ وَسْطَ الشَّغافِ
وبالجملة: في قوله: (قَدْ شَغَفَنِي رَأْيٌ مِنْ رَأْيِ الخَوَارِجِ) إيماءٌ
إلى تمكن مذهبهم في قلبه، واستقراره في نفسه، وأنه يطلب تحقيقه،
ومعرفة صحته من بطلانه.
وفيه: رمز إلى غاية إشمامه شأن هذا الحدیث؛ حيث صار ذلك
سببَ هدايته في الدنيا، وخلوصه من العذاب في العقبى.
* وقوله: (نَخْرُجَ عَلَى النَّاسِ)؛ أي: نُظْهر المذهب، وندعو
الناس إليه، وهو - أيضاً - تصريح بما تضمنه قوله: (قَدْ شَغَفَنِي) من
الإيماء، والغرض من ذكر ذلك: بيان جلالة قدر هذا الحديث، وعظم
شأنه، ولعمري! إنه جلیل القدر، عظيم الشأن، حیث دلَّ على معنی هو
أقصى المطالب، وأقوى المآرب.
وفيه: بيان فضل النبي - عليه السلام - على سائر الأنبياء، وغاية
عنايته ورحمته على أمته له .
والثالث: في قوله: (فَإِنَّهُ مَقَامُ مُحَمَّدٍع ◌َ﴿ِ المَحْمُودُ الَّذِي
يُخْرِجُ اللهُ بِهِ مَنْ يُخْرِجُ) من النار.
٣٨١

وعن آدمَ بنِ عليٍّ، قال: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: إِنَّ النَّاسَ يَصِيرُونَ
يَوْمَ القِيَامَةِ جُثاً، كُلُّ أُمَّةٍ تَنْبَعُ نَبِيَّهَا، يَقُولُونَ: يَا فُلاَنُ! اشْفَعْ، حَتَّى تَنْتُهِيَ
الشَّفَاعَةُ إِلَى النَّبِيِّ وَّهِ، فَذَلِكَ يَوْمَ يَبْعَثُهُ اللهُ المَقَامَ المَحْمُودَ. أخرجه
البخاري.
وأخرج - أيضاً - عن حمزة بن عبدالله، عن أبيه عبدالله بن عمر،
مرفوعاً إلى النبي - عليه السلام -، وعن أبي هريرة: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ◌ِّل
عَنْ المَقَامِ المَحْمُودِ، فَقَالَ: ((هُوَ الشَّفَاعَةِ)) أخرجه الترمذي.
وعنه، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا
مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. قَالَ: ((هُوَ المَقَامُ الَّذِي أَشْفَعُ فِيهِ لِأُمَّتِي)) رواه
أحمد، وإسناده حسن.
وعن كعب بن مالك، عن النبي - عليه السلام -، قال: ((يُبْعَثُ
النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي عَلَى تَلِّ، وَيَكْسُونِي رَبِّي وَّ حُلَّةً
خَضِرَاءَ، ثُمَّ يُؤْذَنُ لِي، فَأَقُولُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ أَقُولَ، فَذَلِكَ المَقَامُ
المَحْمُودُ)) رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.
وعن ابن عبّاس في قوله: قال: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا
◌َّحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، قال: يُجْلِسُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ جِبْرِيلَ، وَيُشَفَّعُ
لِأُمَّتِهِ ، فَذَلِكَ المَقَامُ المَحْمُودُ. رواه الطبراني.
وعن حُذيفة وذكر المحشر، وكون الناس فيه سكوت، لا تَكَلَّمُ
نفس إلا بإذنه، فينادي محمداً فيقول: ((لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالخَيْرُ فِي
يَدَيْكَ)) إلى آخر كلامه، قال: ((فَذَلِكَ المَقَامُ المَحْمُودُ)).
٣٨٢

وعن عبدالله بن سلام، قال: إذا كانَ يومُ القيامة، جيء بنبيكم،
فأُقعد بينَ يدي الله علی کرسیه(١).
وبالجملة: يُعلم من هذه الأحاديث وغيرها: أنّ مقامه المحمود هو
كونُ آدم ومن ذُكِرَ تحت لوائه يوم القيامة، من أوّل عَرَصاتها، إلی
دخولهم الجنة، وإخراج من يخرج من النار، فأوّلُ مقاماته: إجابته
المنادي، وتحميدُه ربّه، وثناؤه عليه بما ألهمه من محامده، ثم الشفاعةُ
من إراحة العرض، وكذا المحشر، وهذا مقامٌ حَمِدَهُ فيه الأوّلون
والآخرون، ثم شفاعتُه لمن لا حساب عليه من أمّته، ثم لمن يخرج من
النار حتى لا يبقى فيها مَنْ في قلبه مثقال ذرة من إيمان، ولا يبقى فيها إلا
المخلَّدون، وهذا آخر عرصات القيامة، مقامات المحشر، فهو في
جميعها له المقام المحمود، وبيده لواء الحمد.
وحديث الترمذي عن أبي هريرة: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ نَ ◌ّهِ عَنْ المَقَامِ
المَحْمُودِ، فَقَالَ: ((هُوَ الشَّفَاعَة)) - على ما مَرَّ -، ولا شك أنه - عليه
السلام - أومأ بهذه العبارة الملخصة إلى جميع ما يكون له في ذلك؛
فإن في جميع مواطن ذلك اليوم الشفاعة التي يعتد بها له، وهو
المتعيّن لها - على ما سيجيء في بعضها مفصلاً في أواخر الكتاب -.
والرابع: في قوله: (فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمْ عِيدَانُ السَّمَاسِمِ) الرواية
المشهورة الموجودة في أكثر الأصول: (السَّمَاسِمِ) بالسّينين المهملتين،
الأولى مفتوحة، والثانية مكسورة، وميمين، وهي جمع سِمْسِم، وهو
(١) قال الحافظ الذهبى فى ((العلو)) (ص: ٧٥): هذا موقوف، ولا يثبت إسناده.
٣٨٣

الحَبُّ المعروف، ووجه الشبه: الدقة والسواد؛ لأن عيدان السمسم إذا
ألقيت(١) في الشمس ليؤخذ حَبُّها، تصير سوداء كأنها محرقة، - وأيضاً -:
عيدانُهُ مجوَّفة ضعيفة في الغاية، فشبّه بها.
وقيل: صوابه: الساسم - بحذف الميم الأولى وفتح السين -،
وهو خشب أسود.
وقيل: الأبنوس، وغير ذلك، والوجهُ ما قدمنا.
ثم الموجود في أكثر النسخ: (كَأَنَّهُمْ) على أن الضمير للقوم،
وفي بعضها: (كَأَنَّهَا)، والضمير للصور، ويحتمل أن يكون للقوم لما
جاء في ضمير الرجال [ ... ]، وفي الرجوع إلى الضمير إيماءٌ إلى
أنهم صاروا صوراً لا حياة فيها، حتى لا يبقى لهم ما [ ... ](٢) أن
يرجع إليهم ضمير العقلاء، وهو مبالغة في فنائهم، وتأثير النار فيهم.
ثمّ لما ذكر دخولهم في نهر الجنة، وحصول الحياة فيهم سبب
ذلك، أورد ضمير العقلاء، فقال: (كَأَنَّهُمُ القَرَاطِيسُ)، وشبههم
بالقراطيس في الصفاء والبياض والرقة، وأنه قد زال عنهم ما كانوا فيه من
الضعف والسواد والاختلال.
ثم في هذا التشبيه - أيضاً - إيماءٌ إلى أن صحائف أعمالهم كانت
سوداً، ثم صارت بفضل الله تعالى بيضاً، و- أيضاً -: إشعار إلى بياض
وجوههم؛ لأنه لم يبق منهم إلا داراتُ الوجوه، وكانت سوداً، فصارت
(١) في الأصل: ((ألقي)).
(٢) بياض في الاصل مقدار كلمتين.
٣٨٤

[بيضاً] بسبب الدخول في هذا النهر ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ أَبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةٍ
اُللَّهِ هُمْ فِهَا خَالِدُونَ ﴾ [آل عمران: ١٠٧].
والخامس: في قوله: (فَلاَ وَاللهِ مَا خَرَجَ مِنَّا غَيْرُ رَجُلٍ وَاحِدٍ)؛
يعني: قد تركنا ما كان في عزمنا من الخروج على الناس، ودعائهم إلى
مذهب الخوارج؛ لَمَا سمعنا من هذا الحديث من جابر، فما خرج منا،
وما عزم على ذلك العزم إلا رجلٌ واحد، وأَمَّا ما في رجال العصابة،
فقد تركوا ذلك، ودخلوا في الاعتقاد الصحيح، وجزموا على وقوع
الشفاعة في الآخرة، وكونها سبباً لإخراج المذنبين من النار.
ولما كان في تأثير هذا الحديث في هؤلاء القوم، وفي أنّ جميعهم
أذعنوا له، وتركوا ما هم عليه، أو بعضهم مثل أكثرهم أو أقلهم تردُّد،
أشار الراوي، وهو حجاج بن الشاعر شيخُ مسلم إلى ذلك، فقال: (أَوْ
كَمَا قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ)، وهو شيخه، يعني: قال مثل ما قلتُ من تركِ
جميعِهم أو بعضهم هذا المذهب، شكَّ الحجاج في كيفية سماعه من
أبي نعيم شيخِه، فنبّه على ذلك، وهذا وأمثاله من غاية رعاية الرواة لما
سمعوا، حتى احتاطوا بمثل هذا في غير الحديث، فما ظنك فيه؟
٤٩٤ - (١٩٢ / ٣٢١) - حَدَّثَنَا هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ الأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا
حَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ، وَثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ
رَسُولَ اللهِ ﴿ قَالَ: ((يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ أَرْبَعَةٌ، فَيُعْرَضُونَ عَلَى اللهِ،
٣٨٥

فَيَلْتَفِتُ أَحَدُهُمْ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ! إِذْ أَخْرَجْتَنِي مِنْهَا، فَلاَ تُعِدْنِي
فِيهَا، فَيُنْجِيهِ اللهُ مِنْهَا)).
الحديث الثالث: حديثُ أنس: أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((يَخْرُجُ
مِنَ النَّارِ أَرْبَعَةٌ، فَيُعْرَضُونَ عَلَى اللهِ، فَيَلْتَفِتُ أَحَدُهُمْ، فَيَقُولُ: أَيْ
رَبِّ! إِذْ أَخْرَجْتَنِي مِنْهَا، فَلاَ تُعِدْنِي فِيهَا، فَيُنْجِيهِ اللهُ مِنْهَا)). وهذا من
أفراد مسلم.
قال: ((إِنَّ رَجُلَيْنِ مِمَّنْ دَخَلا النَّارَ يَشْتَدُّ صِيَاحُهُمَا، فيقُولُ اللهُ يَتْ:
أَخْرِ جُوهُمَا، فَقَالَ لَهُمَا: لأَيِّ شَيْءٍ [اشْتَدَّا صِيَاحُكُمَا؟ فَيَقُولَاَنِ: فَعَلْنَا
ذَلِكَ لِتَرْحَمَنَا، فيقُولُ: إِنَّ رَحْمَتِي لَكُمَا أَنْ تَنْطَلِقَا، فَتُلْقِيَا أَنْفُسَكُمَا حَيْثُ
كُنْتُمَا مِنَ النَّارِ، فَيَنْطَلِقَانِ، فَيُلْقِي أَحَدُهُمَا نَفْسَهُ، فَيَجْعَلُهَا [اللهُ عَلَيْهِ
بَرْداً وَسَلَاماً، وَيَقُومُ الآخَرُ، فَلا يُلْقِي نَفْسَهُ، فَيَقُولُ لَهُ الرَّبُّ: مَا مَنْعَكَ
أَنْ تُلْقِيَ نَفْسَكَ كَمَا أَلْقَى صَاحِبُكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّ! إِنِّي لأَرْجُو أَنْ
لا تُعِيدَنِي فِيهَا بَعْدَ مَا أَخْرَجْتَنِي، فَيَقُولُ لَهُ الرَّبُّ: لَكَ رَجَاؤُكَ،
فَيَدْخُلانِ جَمِيعاً الجَنَّةَ بِرَحْمَةِ اللهِ» أخرجه الترمذي.
ولا تنافيَ بين الحديثين؛ فإن الأربعة يعرضون على الله، ويبقى
الاثنان يشتد صياحهما، فينطلقان، فيعرضان عليه، ويبقى الواحد،
فيطلب فيعرض، ويدخل الجنة الكل بفضله ورحمته تعالى.
وفي الحديث: بيان[ ... ](١)، والاعتذار الحسن معه أن الكل
(١) بياض في الأصل مقدار كلمتين.
٣٨٦

من الله، وبفضله يخرج من النار أربعة.
٤٩٥ - (١٩٣ / ٣٢٢) - حَدَّثَنَا أَبَو كَامِلِ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنِ
الجَحْدَرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ الغُبَرِيُّ - وَاللَّفْظُ لأَبِي كَامِل-، قَالاَ: حَدَّثَنَا
أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّى :
(يَجْمَعُ اللهُ النَّاسَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَهْتَقُّونَ لِذَلِكَ - وَقَالَ ابْنُ عُبَيْدٍ: فَيُلْهَمُونَ
لِذَلِكَ -، فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا عَلَى رَبَِّ حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَاَ هَذَا،
- قَالَ : - فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ آدَمُ أَبُو الخَلْقِ، خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ،
وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ المَلائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ
حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا، فَقُولُ: لَسْتُ هُنَكُمْ - فَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي
أَصَابَ، فَيَسْتَحْيِي رَبَّهُ مِنْهَا ، وَلَكِنِ اثْتُوا نُوحاً أَوَّلَ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللهُ،
- قَالَ : - فَيَأْتُونَ نُوحاً، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَكُمْ، - فَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي
أَصَابَ، فَيَسْتَحْيِي رَبَّهُ مِنْهَا-، وَلَكِنِ اتَُّوا إِنْرَاهِيمَ الَّذِي النَّخَذَهُ اللهُ خَلِيلاً،
فَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَقُولُ: لَسْتُ هُنَكُمْ، - وَيَذْكُرُ خَطِيَتَهُ الَّتِي أَصَابَ،
فَيَسْتَحْيِي رَبَّهُ مِنْهَا -، وَلَكِنِ ائْتُوا مُوسَى الَّذِي كَلَّمَهُ اللهُ، وَأَعْطَاهُ التَّوْرَاةَ،
- قَالَ : - فَأْتُونَ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَقُولُ: لَسْتُ هُنَكُمْ - وَيَذْكُرُ
خَطِيَهُ الَّتِي أَصَابَ، فَسْتَحْيِي رَبَهُ مِنْهَا -، وَلَكِنِ اثْتُوا عِيسَى رُوحَ اللهِ
وَكَلِمَتَهُ، فَيَأْتُونَ عِيسَى رُوحَ اللّهِ وَكَلِمَتَهُ، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَلَكِنِ
اثْتُوا مُحَمَّداً فَهِ عَبْدَاً قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ». قَالَ: قَالَ
٣٨٧

رَسُولُ اللهِ﴿ِ: ((فَيَأْتُونِي، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِي، فَيُؤْذَنُ لِي، فَإِذَا أَنَا رَأَيُهُ،
وَقَعْتُ سَاجِداً، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ، فَيَّقَالُ: يَا مُحَمَّدًا ارْفَعْ رَأْسَكَ، قُلْ
تُشْمَعْ، سَلْ تُعْطَه، اشْفَعْ تُفَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِتَحْمِيدٍ
يُعَلِّمُنِهِ رَبِّي، ثُمَّ أَشْفَعُ، فَعُدُّ لِي حَدّاً، فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ، وَأُدْخِلُهُمُ
الجَنََّ، ثُمَّ أَعُودُ فَقَعُ سَاجِداً، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يُقَالُ:
ارْفَعْ رَأْسَكَ مَا مُحَمَّدُ، قُلْ تُسْمَعْ، سَلْ تُعْطَه، اشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ
رَأْسِي، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدّاً، فَأُخْرِجُهُمْ
مِنَ النَّارِ، وَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّ. قَالَ: فَلاَ أَدْرِي فِي الثَّالِثَةِ أَوْ فِي الرَّابِعَةِ قَالَ:
-((فَأَقُولُ: يَا رَبِّ! مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّ مَنْ حَبَسَهُ القُرْآنُ - أَيْ: وَجَبَ عَلَيْهِ
الخُلُودُ )) . - قَالَ ابْنُ عُبَيْدٍ فِي رِوَابِهِ: قَالَ قَتَادَةُ: أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الخُلُودُ.
٤٩٦ - (١٩٢ / ٣٢٣) - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ
بَشَّارٍ، قَالاَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((يَجْتَمِعُ المُؤْمِنُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَهْتَمُونَ
بِذَلِكَ، أَوْ تُلْهَمُونَ ذَلِكَ)). بِمِثْلِ حَدِيثٍ أَبِي عَوَانَةَ، وَقَالَ فِي الحَدِيثِ:
((ثُمَّآتِيهِ الرَّابِعَةَ - أَوْ أَعُودُ الرَّابِعَةَ - فَأَقُولُ: يَا رَبِّ! مَا بَقِيَ إِلَّ مَنْ حَسَهُ
القُرْآنُ).
٤٩٧ - (١٩٢ / ٣٢٤) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ
ابْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَذَّثَنِي أَبِيٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ
نَبِيَّ اللهِ ﴿ قَالَ: ((يَجْمَعُ اللهُ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُلْهَمُونَ لِذَلِكَ))
٣٨٨

بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا، وَذَكَرَ فِي الرَّابِعَةِ: ((فَأَقُولُ: يَا رَبِّ! مَا بَقِيَ فِي النَّارِ
إِلَّ مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ؛ أَنْ: وَجَبَ عَلَيْهِ الخُلُودُ».
٤٩٨ _ (١٩٢ / ٣٢٥) - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالِ الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا
يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَذَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، وَهِشَامٌ صَاحِبُ
الدَّسْتَوَائِيِّ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِن ◌َِّحِ.
الحديث الرابع: حديثُ أنسٍ - أيضاً -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ:
(يَجْمَعُ اللهُ النَّاسَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَهْتَقُّونَ لِذَلِكَ - وَقَالَ ابْنُ عُبَيْدٍ: فَيَلْهَمُونَ
◌ِذَلِكَ -، فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا عَلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَاتِنَا هَذَا
- قَالَ : - فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَقُولُونَ: أَنْتَ آدَمُ أَبُو الخَلْقِ، خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ
فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ المَلاَئِكَةَ، فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى
يُرِيحَنَا مِنْ مَكَاِنَا هَذَا، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَكُمْ - فَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ،
فَيَسْتَحْيِي رَبَّهُ مِنْهَا -، وَلَكِنِ ائْتُوا نُوحاً أَوَّلَ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللهُ - قَالَ : -
فَيَأْتُونَ نُوحاً، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، - فَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ،
فَيَسْتَحْيِ رَبَّهُ مِنْهَا -، وَلَكِنِ اثْتُوا إِنْرَاهِيمَ، الَّذِي اتَّخَذَهُ اللهُ خَلِيلاً، فَيَأْتُونَ
إِبْرَاهِيمَ، فَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، - وَيَذْكُرُ خَطِئْتَهُ الَّتِي أَصَابَ، فَيَسْتَحْيِي
رَبَّهُ مِنْهَا -، وَلَكِنِ اتُّوا مُوسَى الَّذِي كَلَّمَهُ اللهُ، وَأَعْطَاهُ التَّوْرَاةَ، قَالَ:
فَأْتُونَ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -، فَقُولُ: لَسْتُ هُنَكُمْ، - وَيَذْكُرُ خَطِئْتَهُ الَّتِي
أَصَابَ، فَيَسْتَحْيِي رَبَّهُ مِنْهَا -، وَلَكِنِ اثْتُوا عِيسَى رُوحَ اللهِ وَكَلِمَتَهُ، فَيَأْتُونَ
عِيسَى رُوحَ اللهِ وَكَلِمَتَّهُ، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَلَكِنِ اتْتُوا مُحَمَّدَاً ◌َّهِ عَبْداً
٣٨٩

قَدْ غَفَرَ الله له مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ)). قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِّهِ:
(فَأْتُونِي، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي، فَيُؤْذَنُ لِي، فَإِذَا أَنَا رَأَيْتُهُ، وَقَعْتُ سَاجِداً،
فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ، فَيَّقَالُ: يَا مُحَمَّدُ! ارْفَعْ رَأْسَكَ، قُلْ تُسْمَعْ، سَلْ
تُعْطَةْ، اشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَحْمَدُ رَبٍِّ بِتَحْمِيدِ يُعَلِّمُنِهِ رَبِيِ، ثُمَّ
أَشْفَعُ، فَحُدُّ لِي حَدّاً، فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ، وَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ فَقَعُ
سَاجِداً، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّيُقَالُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ يَا مُحَمَّدُ،
قُلْ تُسْمَعْ، سَلْ تُعْطَة، اشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِتَحْمِيدٍ
يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّلِي حَدّاً، فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ، وَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ».
قَالَ: فَلاَ أَدْرِي فِي الثَّالِثَةِ أَوْ فِي الرَّابِعَةِ قَالَ: ((فَأَقُولُ: يَا رَبِّ! مَا بَقِيَ فِي
النَّارِ إِلَّ مَنْ حَبَسَهُ القُرْآنُ؛ أَيْ: وَجَبَ عَلَيْهِ الخُلُودُ)) . - قَالَ ابْنُ عُبَيْدٍ فِي
رِوَايَتِهِ: قَالَ قَتَادَةُ: أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الخُلُودُ).
وفي رواية يقول هذا القول بلا شك، أخرجه البخاري، وابن ماجه.
إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في مواضع :
الأوّل: في طلب الشفاعة:
قوله: (فَيَهْتَمُّونَ لِذَلِكَ) هكذا المشهور من الرواية؛ من
الاهتمام، والمعنى: يعتنون لذلك؛ أي: للجمع؛ يعني: لما جمعهم الله
تعالى في الموقف، ورأوا ما فيه من الشدائد والمشاق، واهتموا لأجل رفع
ذلك عنهم، والتخفيف عليهم، على ما سيصرح في قوله: ((حَتَّى يُرِيحَنَا
مِنْ مَكَانِنَا هَذَا)).
وما ذكر النووي أن المعنى: يعتنون لسؤال الشفاعة توجيهُ ما يؤول
٣٩٠

إليه المعنى، لا تفسيرٌ لقوله: (لِذَلِكَ) - على ما لا يخفى -.
وفي بعض الروايات: (فَيُلْهَمُونَ لِذَلِكَ)؛ يعني: أن الله تعالى
ألهمهم ذلك الطلب، فلأجل ذلك الإلهام أتوا آدم - عليه السلام -.
وإتيانهُم إلى الأنبياء، وطلبُ الشفاعة منهم لأجل أنهم دُعاة الله
تعالى للخلق إلى الحق، وهم الذين أتوا الأنبياء في هذا المقام هم دون
الكفار؛ لما ثبت عندهم أن إيمانهم ينفعهم في الآخرة، وكانوا في
الدنيا مُتَبعين لهم، وقد سمعوا ما وُعِدوا من الفوز في الآخرة.
وذهابُهم أوّلاً إلى آدم عليه السلام؛ لِمَا تقرّر عندهم من أنه أبو
الخلق جميعاً، ومتصف بصفات لا يشاركه [فيها] غيره من أولاده،
على ما سيصرح في قوله: ((خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ،
وَأَمَرَ المَلائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ)) .
وأمّا أمرُ آدم - عليه السلام - لهم بالذهاب إلى نوح، وأمرُ نوحٍ
وغيرِه من الأنبياء لهم بالذهاب إلى مَنْ بعدهم على ذلك التدريج، دون
أَنْ أَمَرَ آدم لهم بالذهاب إلى نبيّنا - عليه السلام -، قيل: لأجل أن كل
واحد منهم يعلم أن هذا المقام ليس له، بل لغيره، ولكن لا يعلم
بالتعيين، فأحاله إلى غيره حتى وصل إلى صاحبه، فبادر بالشفاعة.
وقيل: يعلمون ذلك، ولكن أحالوا على سبيل التدريج؛ ليتعلم
جميع أهل الموقف أن صاحب هذا المقام هو محمد بَّ ر دون غيره من
الأنبياء، ولو أحال آدم - عليه السلام - أولاً إليه، لما علم أن غيره من
الأنبياء ليس له هذا المقام، ولا يعلم اختصاص النبيِّ - عليه السلام - بهذه
الفضيلة .
٣٩١

وقد قيل - أيضاً -: في إلهام الله تعالى لهم في المجيء إلى آدم
- عليه السلام - حيث لم يلهمهم إلى نبيّتا - عليه السلام - لذلك، ولما
كان الغرض الإيماء إلى أن صاحب هذا المقام هو نبيّنا - عليه السلام -،
أحال كلُّ نبيّ الآخرَ إلى آخر، لا على سبيل الترتيب الذي لا [ ... ]
بينهما أحد من الأنبياء، بل على سبيل التدريج الكلي؛ فإن آدم - عليه
السلام - ما أحال الأمر إلى شيث وإدريس، بل إلى نوح، وهو إلى
إبراهيم دون مَنْ بعده، وإبراهيم إلى موسى دون إسماعيل وإسحاق أو
يعقوب أو غيرهم، وموسى إلى عيسى دون غيره من الأنبياء الذين كانوا
في البين، ويعلم من ذلك - أيضاً -: مراتب الأنبياء المذكورين، وأنهم
أفضل من الذین لم يُذكروا.
والثاني: من جواب الأنبياء:
* قوله: (فَقُولُ: لَسْتُ هُنَكُمْ فَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ) إلى
آخره.
اعلم أن مسألة الأنبياء قبل البعثة وبعدها مما يتكلم الناس عليها
كثيراً.
فقال الجمهور: لا يمتنع أن يصدر منهم كبيرة قبل البعثة؛ إذ
لا دلالة للمعجزة عليه، ولا حكم للعقل.
وقال أكثر المعتزلة: تمتنع [عليهم](١) الكبيرة، وإن تاب عنها؛ لأنه
يوجب النفرة، وهي تمنع عن اتباعه، فتفوت مصلحة البعثة.
(١) بياض في الأصل.
٣٩٢

ومنهم من منع عما يُنفِّر؛ كعقِّ الأمهات، والفُجور، والصغائر
الخسیسة دون غيرها.
وقال الروافض: لا يجوز عليهم صغيرة ولا كبيرة.
وأما بعد البعثة، فأجمع أهلُ الشرائع على عصمتهم عن تعمد
الكذب فيما دلت المعجزة على صدقهم فيه؛ کدعوى الرسالة،
وما يبلغونه من الله تعالی.
وفي جواز صدوره عنهم على سبيل السهو والنسيان خلاف؛
فمنعه الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، وكثيرٌ من الأئمة؛ لدلالة
المعجزة على صدقهم، وجوّزه القاضي أبو بكر الباقلاني ذاهباً إلى
دخوله في التصديق المقصود بالمعجزة.
وأمّا سائر الذنوب، فهي؛ إما كفر، أو غيرها.
أما الكفر، فأجمعت [الأمة] على عصمتهم منه، غير أن الأزارقة
من الخوارج جوّزوا عليهم الذنب، وكل ذنب عندهم كفر، وجوزت
الشيعة إظهاره تقية [عند خوف الهلاك]، وذلك يفضي إلى إخفاء
الدعوة.
وأما غير الكفر؛ إِمَّا كبائر، أو صغائر، وكل منهما إِمَّا عمداً أو
سهواً.
أما الكبائر عمداً، فمنعه الجمهور إلا الحشوية، والأكثرُ على
امتناعه سمعاً.
وقالت المعتزلة - بناء على أصولهم -: عقلاً.
٣٩٣

وأمّا سهواً، فَجَوَّزَهُ الأكثرون.
وذهب الأستاذ أبو المظفر الإسفراييني ومَنْ تبعه إلى : أنه لا يجوز
عليهم، وتأوّلوا أحاديث السهو وغيرها بما سنذكره في موضعه.
وأما الصغائر عمداً، فَجَوَّزَهُ الجمهور إلا الجُبَّائي، وأَمَّا سهواً،
فجائز عند الجمهور، إلا الصغائر الخسيسة؛ كسرقة حبّة، أو لقمة.
وقال الروافض: لا يجوز عليهم صغيرة قَطّ .
وقال الجاحظ(١): تجوز الصغائر سهواً بشرط أن ينبهوا عليه
فينتهوا عنه، وذهب [إليه] كثير من المتأخرين [من المعتزلة] (٢).
هذا نبذٌ من كلام القوم في هذا المقام، ولكل واحد من الفرق
حجج ومناقضات يطول ذكرها.
وبالجملة: الحقُّ عصمتُهم من الكبائر والصغائر عمداً، وإن صدر
عنهم الكبائر سهواً، فلا بد من التنبيه عليها قصداً؛ إِمَّا في الوقت، كما
ذهب إليه جمهور المحققین، أو قبل وفاتهم، کما ذهب إليه جمع،
ليسنُّوا حكم ذلك، ويبينوا ذلك قبل انخرام مدتهم، وليصحّ تبليغهم
ما أُنزل إليهم.
وما تمسّك به المخالف ممّا یکون منقولاً بالآحاد وجبَ ردُّه؛ لأن
نسبة الخطأ إلى الرواة أهونُ من نسبة المعاصي إلى الأنبياء، وما ثبت
(١) في الأصل: ((الحافظ)).
(٢) انظر: ((المواقف)) للإيجي (٣/ ٤٢٥ -٤٢٧)، وعنه نقل المصنف هذه النُّذ.
٣٩٤

تواتراً، فما له محملٌ، حمل عليه، وصرف عن ظاهره؛ لدلائل
العصمة، وما لم يوجد له مَخْلص، حمل على أنه قبل البعثة، أو من قَبيل
ترك الأَوْلى، أو صغائر صدرت عنهم سهواً، ولا ينافي ذلك تسميتهم
الصادر عنهم ذنباً، والاستغفار عنه، ولا الاعتراف بكونه ظلماً منهم؛ إذ
ذلك لعظمته عندهم، أو قصدوا به هضمَ أنفسهم.
ولا يهولنَّك إن نسب قومٌ هذا المذهب إلى الخوارج والمعتزلة،
وطوائف من المبتدعة؛ إذ منزعُهم فيه منزعٌ آخر من التكفير بالصغائر،
والحكم بالخروج من الإيمان، ونحو ذلك، ونحن نتبرأ إلى الله تعالى
من هذه المذاهب الفاسدة، بل المذهب: أن مرتبة النبوة أجلُّ من أن
يُنسب إلى الظالم بها شيءٌ من هذه الأمور، وانظر إلى الخطايا المذكورة
هنا؛ من أكل آدم - عليه السلام - من الشجرة ناسياً، [و]من دعوة نوح
- عليه السلام - على قوم كفار، ومدافعة إبراهيم - عليه السلام - الكفارَ
بقولٍ فيه تعريض، وقتل موسى - عليه السلام - الكافرَ الذي لم يؤمر
بقتله، إنها ليست في حق غيرهم بذنوب، لكنهم أشفقوا منها؛ لكونها
صادرةً من غير أمر الله تعالى، ولذلك قالوا ما قالوا، وطلبوا المغفرة،
وسموها ظلماً، وإنما عُدِّدت عليهم، وعوتبوا عليها؛ نظراً إلى
مناصبهم؛ إذ قد يؤاحذ الوزير بما يثاب عليه السائس، ولقد أحسن
الجُنيد حيث قال: حسناتُ الأبرار سيئاتُ المقرّبين. فهم وإن كانوا قد
شهدت النصوص بوقوع أشیاء منھم، فهنا نوعُ عَتْبٍ علیه، فلا يحل
ذلك لمناصبهم، ولا قدح به في دينهم، بل قد تلاقاهم، واجتباهم،
٣٩٥

وهداهم، ومدحهم، وزگاهم، واختارهم، واصطفاهم - صلوات
الله علیهم أجمعین إلی یوم الدّین -.
و- أيضاً -: مراتب الأنبياء فوق مراتب غيرهم، فهم يحترزون
عن أدنى شيء أشدّ من احتراز غيرهم من أعلاه، و- أيضاً -: أفعالهم
وأقوالهم يجب التأسِّي بها، فيكون ذلك تحريضاً للناس على التحرز
عن المنهيات، وإكثار الاستغفار عند صدور شيء منها، ولو بالسهو
والنسيان.
وفي ذكرهم خطيئاتهم في هذا المقام إيماءٌ إلى أن مقام الشفاعة
مقامٌ عظيم، لا ينبغي أن يُقدم عليه إلا من لا يَصدر عنه شيءٌ من
ذلك.
وفيه أعلى دليل على فضيلة القائم به - عليه أفضل الصلوات
وأكمل التحيات -.
وعدمُ إقدام عيسى - عليه السلام - على ذلك، مع أنه ليس له
خطيئة، إيماءٌ إلى [أنَّ] صدور الخطايا التي ذكرت ليس سبباً لعدم
الإقدام، بل لكل مخلوق من الأنبياء وغيره مقامٌ معلوم يقوم عليه، فلا
يمكنه التجاوز عنه، ﴿وَمَا مِنَّآَ إِلَّا لَهُ, مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]، والمقام
المحمود الذي يقوم عليه القائم بالشفاعة هو مقام نبيّنا - عليه الصلاة
والسلام -.
اللهمَّ ارزقنا شفاعته يوم الدين، واجعلنا من الفائزين بشفاعته
يا أرحم الراحمين .
٣٩٦

والثالث: في قوله: (وَلَكِنِ اثْتُوا نُوحاً أَوَّلَ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللهُ)، وفي
رواية: ((أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى الأَرْضِ)) ربما يعترض بإدريس - عليه
السلام-؛ فإنه قبل نوح؛ لأنه جدُّ أبيه- على ما ذكره النيسابوري -.
يجاب: بأنه نبيٌّ لا رسول، ويقال مثلُه في شيث - أيضاً -، وبأنه
إلياس المبعوث في بني إسرائيل مع يوشع بن نون - على ما جاء في
بعض الروايات -.
والحقُّ أن نوحاً - عليه السلام - أرسل إلى الناس جميعاً في زمان
كثرة الخلق، وكانت دعوته ألف سنة، ووقوع الطوفان بدعائه
آية عظيمة.
وقدَّمنا لك: أن الغرض - هاهنا -: إحالةُ كل واحد منهم الأمرَ إلى
من [هو] أعظمُ مرتبةً؛ ليعلم عِظَمَ مرتبة صاحب هذا المقام، ولا يضير
في ذلك رسالة شيث وإدريس؛ لأنهما وإن كانا رسولين قبل نوح
- عليهم السلام -، ولكن رسالة نوح أعظمُ من رسالتهما؛ نظراً إلى عظم
المبعوث إليهم، وكثرتهم، وعدم اختصاصه بقوم دون قوم، والغرض
- كما قلنا ــ: الإيماءُ إلى أن هذا الأمر لا يقدر على الإقدام عليه إلا نبيٌّ
مرسلٌ، كثيرُ الأتباع، يكون له شأن معهم، ولا شك في كون نوح أوّلَ
الرسل بهذا المعنى، فتدبر.
ويؤيّده: ما سيجيء في حديث أبي بكر الصديق: أن آدم - عليه
السلام - يقول لأهل المحشر: ((قَالَ: لَقَدْ لَقِيتُ مِثْلَ الَّذِي لَقِيتُمُ،
انْطَلِقُوا إِلَى أَبِيكُمْ بَعْدَ أَبِيِّكُمْ، إِلَى نُوحٍ))، [وقوله تعالى]: ﴿إِنَّاللهَ
٣٩٧

اصْطَفَ ءَدَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَلَمِينَ ﴾ [آل عمران: ٣٣]،
وفي هذا بيان أنّ نوحاً - عليه السلام - أبٌّ؛ لأن الخلق بعده من ذريته،
وهو المصطفى المذكور بعد آدم في هذه الآية الكبرى على شأن ليس
لغيره، وفي آدم - عليه السلام - هذه الآيةُ في هذا المقام نوعُ بيان
بسبب اختصاص طلب الشفاعة من نوح وإبراهيم وموسى وعيسى
- عليهم السلام - دون غيرهم.
والرابع: في قوله: (اتَّخَذَهُ اللهُ خَلِيلاً) هو مجاز عن اصطفائه
واختصاصه بكرامة نسبة كرامة الخليل عند خليله، والخليل: المُخَالُّ،
وهو الذي يُخالَّكَ؛ أي: يوافقك في خِلالك وأمورك، أو يُسايرك في
طريقك، من الخلِّ، وهو الطريق في الرّمل، أو يسد خَلَلَك كما
يسدُّ خَلَلَه، أو يُداخلك خِلالَ منازلك وحجبك، والخُلَّة - بالضم -:
الصداقة، وبالفتح: الفقر والحاجة، وبالكسر: واحدة خلل السيوف،
وهي بطائن أغشيتها، والخلل: الفرجة بين الشيئين.
وقال ابن الأنباري: معنى الخليل: المحبّ الكامل في المحبّة،
والخليلان: المحبّان الّذان ليس في حبّهما نقص ولا خَلَلٌ، فتسميته
خليلاً منه، فإنه صدق في محبة الله تعالى، وأخلص فيها حتى آثر محبته
على كل محبوباته، فبذل ماله للضيفان، وولدَه للقُربان، وجسده
للنيران.
وقال الواحدي: هذا القول هو الاختيار هاهنا؛ لأن الله تعالى
خليلُ إبراهيم، وإبراهيم خليل الله تعالى، ولا يجوز أن يقال: هو من
٣٩٨

الخَلّة التي هي الحاجة؛ لأنه لا يجوز من جانب الله تعالى.
وقيل: من الخَلَّة التي بمعنى الفقر والحاجة؛ لأنه افتقر إلى الله
في حوائجه، واعتمد عليه في فاقته، حتى لم يلتفت إلى غيره؛ بحيث
آلت حاله إلى أن قال له جبريل وهو في الهواء حین رمي في المنجنيق:
ألك حاجة؟ فقال: أمّا إليك، فلا.
ويجاب عما ذكره الواحدي؛ بأن المراد: بيانُ ذلك من جانب
إبراهيم - عليه السلام -؛ للعلم بأن المذكور في جانب الله تعالى على
سبيل المجاز؛ لاستحالة حمل جميع تلك المعاني عليه حقيقة.
وقيل: من الخَلَل بين الشيئين، وذلك لِمَا يُخالل قلبه من معرفة
الله تعالى، ومحبته ومراقبته، حتى كأنه مزجت أجزاء قلبه بذلك، وقد
أشار بعضهم إلى هذا المعنى، فقال:
وَلِذَا سُمِّيَ الخَلِيلُ خَلِيلاً
قَدْ تَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي
ولقد جمع هذه المعاني، وأحسنَ من قال في تعريف الخلة: إنها
صفاء المودة التي توجب الاختصاص بتخلل الأسرار، والغنى عن
الأغيار.
والخامس: في قوله: (عَبْداً قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ
وَمَا تَأَخَّرَ).
قيل: ما قبل النبوّة وما بعدها.
وقيل: جميع ما فرط منه.
٣٩٩

وقيل: ما تقدّم من حديث مارية، وما تأخر من حديث زينب.
وقيل: المراد: ذنوب أمّته.
وقيل: ما وقع منه - عليه السلام - عن سهو.
وقيل: ما تقدم لأبيك آدم، وما تأخر من ذنوب أمتك.
وقيل: المراد: أنه مغفور غير مؤاخذ بذلك لو كان.
وقيل : هو تنزيهٌ له عن الذنوب.
والسادس: في شفاعة نبيّنا عليه السلام:
* قوله: (فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي، فَيُؤْذَنُ لِي)؛ أي: في الشفاعة، ثم
الظاهر من الأحاديث: أن جميع الأمم طلبوا الشفاعة من الأنبياء مبتدئين(١)
من آدم - عليه السلام - في الخلاص من الموقف، وقد جاء مصرّحاً في
قوله: ((يَجْمَعُ الهُ يَوْمَ القِيَامَةِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَيُسْمِعُهُمُ
الدَّاعِي، وَيَنْفُذُّهُمُ البَصَرُ، وَتَنْنُو الشَّمْسُ، فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الغَمِّ وَالكَرْبِ
مَا لاَ يُطِقُونَ، وَمَا لاَ يَحْتَمِلُونَ) .
ثم المعلومُ من شفاعة نبيّنا - عليه السلام -: استخلاصُ أمّته من
النار، وإخراجهم منها بعد دخولهم فيها بدفعات.
وفي رواية أبي حازم عن أبي هريرة، وأبي مالك عن حذيفة: أن
الشفاعة في الجواز عن الصّراط؛ حيث قال: ((فَيَأْتُونَ مُحَمَّداً، فَيَقُومُ
فَيُؤْذَنُ لَهُ، وَتُرْسَلُ الأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ، فَتَقُومَانِ جَنَبَتَي الصِّرَاطِ يَمِيناً
(١) في الأصل: ((مبتدياً).
٤٠٠