النص المفهرس
صفحات 361-380
الحديث العاشر: حديثُ أبي ذرّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َتْ: (إِّي لأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ الجَنَّةِ دُخُولاً الجَنَّةَ، وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجاً مِنْهَا: رَجُلٌ يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُقَالُ: اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ، وَارْفَعُوا عَنْهُ كِبَارَهَا، فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ صِغَارُ ذُنُوبِهِ، فَيُقَالُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا، وَعَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْكِرَ، وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنْ كِبَارِ ذُنُوبِهِ أَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ، فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ مَكَانَ كُلِّ سَيَّةٍ حَسَنَةً، فَيَقُولُ: رَبِّ! قَدْ عَمِلْتُ أَشْيَاءَ لاَ أَرَاهَا هَا هُنَا)). فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِوَِّ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِدُهُ. أخرجه الترمذي، وقد مَرَّ الكلام عليه في الحديث السابع، فلا نعيده. ٤٨٩ - (١٩١ / ٣١٦) - حَدَّثَنِي عُبَيْدُاللهِ بْنُ سَعِيدٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ كِلاَهُمَا، عَنْ رَوْحٍ، قَالَ عُبَيْدُاللهِ: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ الْقَيْسِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْج، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ: أنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ ابْنَ عَبْدِ اللهِ يُسْأَلُ عَنِ الوُرُودِ، فَقَالَ: نَجِيءُ نَحْنُ بَوْمَ القِيَامَةِ عَنْ كَذَا وَكَذَا، انْظُرْ أَيْ ذَلِكَ فَوْقَ النَّاسِ - قَالَ : - نَتُدْعَى الأُمَمُ بِأَوْثَانِهَا، وَمَا كَانَتْ تَعْبُدُ الأَوَّلُ فَالأَوَّلُ، ثُمَّ يَأْتِنَا رَبَِّا بَعْدَ ذَلِكَ، فَيَقُولُ: مَنْ تَنْظُرُونَ؟ فَيَقُولُونَ: نَنْظُرُ رَبَّنَا، فَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: حَتَّى نَنْظُرَ إِلَيْكَ، فَيَتَجَلَّى لَهُمْ يَضْحَكُ - قَالَ : - فَتْطَلِقُ بِهِمْ، وَيَتَّبِعُونَهُ، وَيُعْطَى كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ - مُنَافِقٍ أَوْ مُؤْمِنٍ - نُوراً، ثُمَّ يَبِعُونَهُ، وَعَلَى ٣٦١ جِسْرِ جَهَنَّمَ كَلاَلِيِبُ وَحَسٌَ تَأْخُذُ مَنْ شَاءَ اللهُ، ثُمَّ يَطْفَأُ نُورُ المُنَافِقِينَ، ثُمَّ يَنْجُو المُؤْمِنُونَ، فَتَنْجُو أَوَّلُ زُمْرَةٍ وُجُوهُهُمْ كَالقَمَرِ لَيْلَةَ البَذْرِ، سَبْعُونَ أَلْفاً لاَ يُحَاسَبُونَ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ كَأَضْوَإِ نَجْمٍ فِي السَّمَاءِ، ثُمَّ كَذَلِكَ، ثُمَّ تَحِلُّ الشَّفَاعَةُ، وَيَشْفَعُونَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً، فَيُجْعَلُونَ بِفِنَاءِ الجَنَّةِ، وَيَجْعَلُ أَهْلُ الجَنَّةِ يَرُشُّونَ عَلَيْهِمُ المَاءَ حَتَّى يَتْبُتُوا نِبَاتَ الشَّيْءٍ فِي السَّيْلِ، وَيَذْهَبُ حُرَاقُهُ، ثُمَّ يَسْأَلُ حَتَّى تُجْعَلَ لَهُ الدُّنْيَا وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهَا مَعَهَا . الحديث الحادي عشر: حديثُ جابر يُسْأَلُ عَنِ الوُرُودِ، فَقَالَ: نَجِيءُ نَحْنُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَنْ كَذَا وَكَذَا، انْظُرْ أَيْ ذَلِكَ فَوْقَ النَّاسِ - قَالَ : - فَتُدْعَى الأُمَمُ بِأَوْثَانِهَا وَمَا كَانَتْ تَعْبُدُ الأَوَّلُ فَالأَوَّلُ، ثُمَّ يَأْتِينَا رَبَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَيَقُولُ: مَنْ تَنْظُرُونَ؟ فَيَقُولُونَ: نَنْظُرُ رَبَّنَا، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: حَتَّى نَنْظُرَ إِلَيْكَ، فَيَجَلَّى لَهُمْ يَضْحَكُ - قَالَ : - فَيَنْطَلِقُ بِهِمْ، وَيَتَّبِعُونَةٌ، وَيُعْطَى كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ - مُنَافِقٍ أَوْ مُؤْمِنٍ - نُوراً، ثُمَّ يَتَّبِعُونَهُ، وَعَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ كَلَاَلِبُ وَحَسَكٌ تَأْخُذُ مَنْ شَاءَ اللهُ، ثُمَّ يَطْفَأُ نُورُ المُنَافِقِينَ، ثُمَّ يَنْجُو المُؤْمِنُونَ، فَتَنْجُو أَوَّلُ زُمْرَةٍ وُجُوهُهُمْ كَالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، سَبْعُونَ أَلّفاً لاَ يُحَاسَبُونَ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ كَأَضْوَءِ نَجْمٍ فِي السَّمَاءِ، ثُمَّ كَذَلِكَ، ثُمَّ تَحِلُّ الشَّفَاعَةُ، وَيَشْفَعُونَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الخَيْرِ مَا يَزِنُ ٣٦٢ شَعِيرَةً، فَيُجْعَلُونَ بِفِنَاءِ الجَنَّةِ، وَيَجْعَلُ أَهْلُ الجَنَّةِ يَرْشُّونَ عَلَيْهِمُ المَاءَ حَتَّى يَنْبُتُوا نَبَاتَ الشَّيْءِ فِي السَّيْلِ، وَيَذْهَبُ حُرَاقُهُ، ثُمَّ يَسْأَلُ حَتَّى تُجْعَلَ لَهُ الدُّنْيَا وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهَا مَعَهَا . وهذا الحديث من أفراد مسلم. إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في مواضع : الأوّل: في التعريف برواته سوى ما سلف. (رَوْحٌ)، وهو أبو محمد رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ بنِ العلاء بنِ حسانَ الْقَيْسِيُّ، البصريُّ، أحدُ الحفاظ والرؤساء. عن حسينِ المعلِّم، وابن عون، وهشام بن حسان، وجماعة. وعنه أحمد، وإسحاق، وعبد بن حُميد، وخلائق. أخرج له الستة. وقال ابن المديني: نظرت لروح بن عبادة في أكثر من مئة ألف حدیث، کتبت منها عشرة آلاف حدیث. وقال أيضاً: من المحدّثين قومٌ لم يزالوا في الحديث، فطلبوا ثم صنفوا، ثم حدّثوا، منهم روح بن عبادة. وقال ابن معين: صدوق. قلت يظلم فيه القواريري، فلا حجة. وقال الخطيب: قدم روحٌ بغداد، وحدّث بها مدة، ثم رجع إلى البصرة، فمات بها سنة خمس وثمانين، وكان كثير الحديث، صنف الكتب في السنن والأحكام، وجمع التفسير، وكان ثقة. ٣٦٣ والثاني: في ألفاظه: اعلم أن الرواية في جميع أصول ((صحيح مسلم)): (نَجِيءُ نَحْنُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَنْ كَذَا وَكَذَا، انْظُرْ أَيْ ذَلِكَ فَوْقَ النَّاس)، وذكر النووي أن المتقدمين والمتأخرين اتفقوا على تصحيفه، وقال الحافظ عبد الحق في كتابه ((الجمع بين الصحيحين)): هذا تخليط من أحد الناسخين، وقال القاضي عياض: هذه صورة الحديث في جميع النسخ، وفيه تغيير وتصحيف، قال: وصوابه: (نَجِيء يَوْمِ القِيَامَة عَلَى كَوْم)، وهذا رواه أهل الحديث، وفي كتاب أبي خيثمة من طريق كعب بن مالك: (يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى تَلِّ، وَأُمَّتِي عَلَى تَلِّ)، وذكره الطبري في ((التفسير)) من حديث ابن عمر: (فِيَرْقَى هو؛ يعني: محمداً - عليه السلام - وأمتُه على كَومٍ فوقَ النَّاسِ)، وذكر من حديث كعب بن مالك: (يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَأَكُون أَنَا وَأُمَّتِي عَلَى تَلِّ)، ثمَّ قال القاضي: فهذا كله يبين ما تغير من الحديث، كأنه أظلمَ هذا الحرفُ على الراوي، أو مُحي له، فعبّر عنه بكذا وكذا، وفسّره بقوله: (أَيْ: ذَلِكَ فَوْق النَّاس)، وَكَتَبَ عَلَيْهِ: (أُنْظُرْ)، فجمع النقلة الكلَّ على أنه من متن الحدیث کما ترى. و- أيضاً -: هذا الحديث ليس من شرط مسلم؛ لأنه موقوف على جابر، وإنما ذكره؛ لأنه روي مسنداً من غير هذا الطريق، وذكره ابن أبي خيثمة عن ابن جريج، يرفعه. هذا كلام القاضي وغيره. والظاهر: أنه لا حاجة إلى الحكم بالتصحيف [ ... ] مع ٣٦٤ الاستغناء، وكيف يصححون هذا الكلام بتلك الأحاديث، ولا مناسبة بينها وبين ما في الكتاب في اللفظ؛ فإنه لو كان التغيير في كلمة، یمکن أن یقال: إنها تصحیف، وذلك ۔ أیضاً ۔ إنما یکون إذا وردت رواية أخرى في هذا الحديث بعينه، وتكون الكلمة الواقعة في هذه الرواية لا معنى لها، أو يكون معناها منافياً للغرض، وجميعُ الأسباب مفقودة هاهنا، فأيُّ داع لهم إلى الحكم بالتصحيف؟ إذ الظاهرُ من رواية الكتاب: أنّ جابراً لمَّا سئل عن الورود، كان غرض السائل السؤالَ عن أحوال الموقف، لا عن الورود فقط، بدأ جابر ﴿ بأوّل الأحوال، وقال: (نَجِيءُ نحن) وأكد مجيئهم بعد ما كان معلوماً من النون في (نَجِيءُ) بقوله: (نَحْنُ) زيادةً في البيان، و- أيضاً - جاء لغرض بأن المراد بيان مرتبة هذه الأمة في الموقف. والمراد من الناس: سائر الأمم، والمعنى: نجيء نحن عن كذا وكذا، وأشار إلى جبل وتل في موضع السؤال؛ ليكون ذلك أوضحَ للسائل، وأشد تبياناً عنده، ثم أكد ذلك بقوله: (انْظُرْ أَيْ ذَلِكَ فَوْقَ النَّاس)، ولا شك أن السائل إذا سأل شخصاً عن حال الموقف، فأجابه بأنا نجيء عن كذا وكذا، وأشار إلى جبل من الجبال، وتل من التلول، وبيَّن موقف سائر الناس في أسفل، ثم قال له: انظر أي المواقف فوق الناس، يكون فيه بيان بأنهم يقفون في موضع أسفل منهم، فيكون قوله: (كَذَا وَكَذَا) إشارة إلى تلال وجبال، و(ذَلِكَ) إشارة إلى ما أشار إليه بكذا وكذا. وفيه بيانُ مراتب هذه الأمّة - أيضاً -؛ فإن موضع موقف بعضهم ٣٦٥ فوق موقف بعض، وموقف الجميع من حيث إنهم هذه الأمّة فوق موقف جميع الناس. فالحاصل: أنّ جابراً أجاب السّائل ببيان مراتب الوقوف، وذكر أنّ هذه الأمة تجيء عن كذا وكذا، وأشار إلى مواضع مرتفعة، ثم بيَّن أنها فوق موقف جميع الناس، ثم انتقل إلى بيان ما جرى على الأمم بعد الوقوف في تلك المواقف، فلا تكون هذه الرواية مخالفة لما روي [من] الأحاديث، بل هي بمعناها، وإنما الاختلاف في اللفظ. على أن هذه الرواية أقوى وآكدُ - على ما ذكرنا -، فلا يحكم على مثل هذا بالتصحيف، ولا يصار إلى أن لفظ هذه الرواية معني بالاستدلال برواية أخرى، ومن ذهب إلی ذلك، كان كمن رام تصحيح الروايات الواقعة في ((البخاري))، ولا شك في خطئه. نعم، لو قيل: في هذه الرواية حذف شيء اختصاراً، والأصل: نجيء نحن عن كذا وكذا، ويقف، لكان شيئاً، وهو لا يوجب القدح؛ إذ كثير من الروايات فيه أمثال هذه التقديرات، على أنّ في الكلام ما يدل على ذلك - أيضاً -. وأمّا الاعتراض بأنه موقوف على جابر، وليس من شرط مسلم إيرادُ مثله، فضعيف؛ لأن هذا الحديث مرفوع من طرق عن جابر(١) - على ما سيجيء بعضها في حديث الشفاعة -، وبعضها من طرق أُخر (١) في الأصل: ((من طريق جابر)). ٣٦٦ - على ما مَرَّ-، وهذه الرواية إنما ذكرت متابعةً، لا أنها من الأصول، ومثله في ((الصحیحین)) كثير. والثالث: فيما جاء في الورود: عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيَّ عَنْ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَإِن ◌ِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]، فَحَدَّثَنِي: أَنَّ عَبْدَاللهِ بْنَ مَسْعُودٍ حَدَّثَهُمْ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: (يَرِدُ النَّاسُ النَّارَ، ثُمَّ يَصْدُرُونَ مِنْهَا بِأَعْمَالِهِمْ، فَأَؤَلُهُمْ كَلَمْحِ البَرْقِ، ثُمَّ كَالرِّيحِ، ثُمَّ كَحُضْرِ الفَرَسِ، ثُمَّ كَالرَّاكِبِ فِي رَحْلِهِ، ثُمَّ كَشَدُ الرَّجُلِ، ثُمَّ كَمَشِْهِ)) أخرجه الترمذي، وحسّنه، وقال: وقد روي عن السدي، ولم یرفعه. وعَنْ أَبِ سُمَيَّةَ، قَالَ: اخْتَلَفْنَا [ِهَاهُنَا] فِي الْوُرُودِ، فَقَالَ بَعْضُنَا: لاَ يُدْخُلُهَا مُؤْمِنٌ، وَقَالَ بَعْضُنَا: يَدْخُلُونَهَا جَمِيعاً، ثُمَّ يُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا. فَلَقِيتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّا اخْتَلَفْنَا [هَاهُنَا] فِي الوُرُودِ، فَقَالَ: يَرِدُونَهَا جَمِيعاً. [وَقَالَ سُلَيْمَانُ مَرَّةً: يَدْخُلُونَهَا جَمِيعاً]. فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّا اخْتَلَفْنَا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُنَا: لاَ يَدْخُلُهَا مُؤْمِنٌ، وَقَالَ بَعْضُنَا: يَدْخُلُونَهَا جَمِيعاً، فَأَهْوَى بِأُصْبُعَيْهِ إِلَى أُذُنَّهِ، وَقَالَ: صُمَّتَا إِنْ لَمْ أَكُنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((الوُرُودُ الدُّخُولُ، لاَ يَبْقَى بَرٍّ وَلاَ فَاجِرٌ إِلاَّ دَخَلَهَا، فَتَكُونُ عَلَى المُؤْمِنِ بَرْداً وَسَلَاَماً كَمَا كَانَتْ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، حَتَّى إِنَّ لِلنَّارِ - أَوْ قَالَ: إِنَّ لِجَهَنَّمَ - ضَجِيجاً مِنْ بَرْدِهِمْ، ثُمَّ يُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا، وَيَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا چِثِيّا)) رواه أحمد، ورجاله ثقات. ٣٦٧ والرابع: فيما يتعلق بالمعنى : * قوله: (فَيَتَجَلَّى لَهُمْ يَضْحَكُ) قد مَرَّ أن المراد من التجلي: الظهور، ومن الضحك: الرضا، فالمعنى: يظهر لهم راضياً عنهم. وقيل: معنی یظھر : يُمین ويُدي لهم ما أخفى لهم من فضله ورحمته. * وقوله: (وَيُعْطَى كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ - مُنَافِقٍ أَوْ مُؤْمِنٍ - نُوراً) ظاهر في أنّ للمنافقين نوراً في الأوّل، وإنما أعطاهم؛ نظراً إلى إيمانهم الظاهر، ثم لمَّا لم يكن إيمانهم مفيداً، أنه ذهب عنهم النور، وبقوا في الصراط على الجسر العظيم، ثم وقعوا (١) في قَعْر جهنم. * وقوله: (ثُمَّ كَذَلِكَ) إشارة إلى قوله: (كَأَضْوَءِ نَجْمٍ))؛ يعني: أن وجوه الزمرة الأولى كالقمر ليلة البدر، ووجوه الزمرة الثانية كأضوء نجم في السماء، فيكون التفاوت بين سائر الزمر من سوى الأولى في تقدّم الدخول وتأخره، لا في زيادة النور وقلَّته. وقيل: إشارة إلى النور، والمعنى: ثم الذين يلونهم وجوهُهم متفاوتة في النور تفاوتَ نور النجم المضيء بالنسبة إلى البدر، والأوّلُ أظهر. وأما قوله: (فَيُجْعَلُونَ بِفِنَاءِ الجَنَّةِ) لا ينافي هذا قوله فيما سبق: (فَبُِّّوا عَلَى أَنْهَارِ الجَنَّةِ)؛ إذ كثيراً ما يستعمل الفِناء في الفضاء خلال البيوت، وفيها الأنهار والأشجار، على أن النهر بالنسبة إلى الجنة، وإن كان في وسطها، من الفناء - أيضاً -. (١) في الأصل: ((وقفوا)). ٣٦٨ * وقوله: (حَتَّى يَتْبُتُوا نَبَّاتَ الشَّيْءِ فِي السَّيْل) هكذا الرواية في أكثر النسخ، وفي بعضها: (نَبَّاتَ الدِّمْن) - بكسر الدال وسكون الميم -، وهي السِّرْقينُ، والدِّمْنَة: البقعةُ التي سوَّدها أهلها، وبالت فيه وبَعَرت مواشيهم، والمعنى: ينبتون نبات الدمن في سرعة الإنبات، وحسنٍ المنظر، وطراوة الظاهر، مع قبح الباطن وقَذَره، ومنه: ((خَضْراءُ الدِّمَنِ)) مَثَلٌ لما يكون ظاهره حسناً وفي أصله سيءٌ، وفي هذا التشبيه إيماء إلى أنهم وإن كانوا استحقوا العذاب لأجل قبائح أعمالهم، ولكن لما أدركهم فضلُ الله تعالى ورحمته، زال ذلك عنهم، وبدّلت سيئاتهم حسنات. ولما كان الظاهر من قوله: (نَبَّاتَ الدِّمْن فِي السَّيْل) بسرعة إنبات اللحم، وتسوية الأعضاء، وعوده إلى الاعتدال، أشار إلى رونق حال الباطن، وأن الحرارة التي أصابت بواطنهم زالت عنها، فقال: (وَيَذْهَبُ حُرَاقُهُ)، فهو بضم الحاء المهملة وتخفيف الراء؛ أي: حراق أثر النار منها، والضمير فيه راجع إلى (مَنْ) في قوله: (حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّ الله)، وإنما وخَّد هاهنا، وفي قوله: (وَكَانَ فِي قَلْبِهِ)، وفي قوله: (ثُمَّ يَسْأَلُ)، وجُمع في قوله: (فَيُجْعَلُونَ)، و(عَلَيْهِمُ)، و(يَتْبُتُوا)؛ ذهاباً إلى لفظ (مَنْ) ومعناه، والاختصاص: التنبيه على التفاوت، وقد تقرر في موضعه: أن الجنس يعبّر عنه بالواحد؛ لأنه متحد في الأفراد، والتعبير بالجمع إنما هو لملاحظة الأفراد، والمقصود الأعظم في هذا المقام: بيان أن سبب خلاص المخرَجين من النار كونُ شيء من الإيمان في قلوبهم، وبيان أن النعيم الواصل إليهم ٣٦٩ أزال تأثير النار عنهم، وأنهم بعد ذلك يَسألون، ويُعْطَون ما يريدون وزيادة، فيكون المقصود هي الأمور الثلاثة: كون الإيمان في القلب الذي هو السبب [في] إزالة الحراقة، وإعطاء المتمني مع الزيادة، فوحد الضمير فيها، وجعلهم في فناء الجنّة، ورش الماء عليهم، وبيان سرعة الإنبات [ ... ] الغرض، [ ... ] المقصود، فجمع الضمير فيها، فتأمّل، والله أعلم بالصواب. ٣٧٠ (٥٥) إثبات الشفاعة ٤٩٠ - (١٩١ / ٣١٧) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو: سَمِعَ جَابِراً يَقُولُ: سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ ◌َجل بِأُذُنِهِ يَقُولُ: ((إِنَّ اللهَ يُخْرِجُ نَاساً مِنَ النَّارِ، فَيُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ». ٤٩١ _ (١٩١ / ٣١٨) - حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ: أَسَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِاللهِ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ الهِنَّهِ: ((إِنَّ اللهَ يُخْرِجُ قَوْماً مِنَ النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ))؟ قَالَ: نَعَمْ. ٤٩٢ - (١٩١ / ٣١٩) - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ سُلَيْمِ العَنْبَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ الفَقِيرُ، حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِن ◌َّهِ: ((إِنَّ قَوْماً يُخْرَجُونَ مِنَ النَّارِ يَخْتَرِقُونَ فِيهَا إِلَّ دَارَاتِ وُجُوهِهِمْ حَتَّى يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ». أخرج فيه أربعةَ عشرَ حديثاً: الأوّل: حديث جابر: سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ - عليه السلام - بِأُذُنِهِ يَقُولُ: ((إِنَّ الله يُخْرِجُ نَاساً مِنَ النَّارِ، فَيُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ». ٣٧١ وفي رواية قَالَ: حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ : أَسَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ بَّهِ: ((إِنَّ اللهَ يُخْرِجُ قَوْماً مِنَ النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ)»؟ قَالَ: نَعَمْ. وفي رواية: ((إِنَّ قَوْماً يُخْرَجُونَ مِنَ النَّارِ يَخْتَرِقُونَ فِيهَا إِلاَّ دَارَاتِ وُجُوهِهِمْ حَتَّى يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ)). أخرجه البخاري. وفي رواية: ((يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ كَأَنَّهُمُ الثَّعَارِيرُ)»، قُلْتُ: مَا الثَّعَارِيرُ؟ قَالَ: ((الضَّغَابِيسُ)). وعن عِمْرانَ بن حُصَيْنِ: أن النبيَّ - عليه السلام - قال: ((يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَتِي، فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، فَيُسَمَّوْنَ الجَهَنَّمِيِّينَ)) أخرجه البخاري، والأربعة سوى النسائي. وعن أنس: أن رسول الله وَله [قال]: ((يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ قَوْمٌ بَعْدَ مَا مَسَّهُمْ مِنْهَا سَفْعٌ، فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، فَيُسَمِّيهِمْ أَهْلُ الجَنَّةِ: الجَهَنَّمِيِّينَ)) أخرجه البخاري. وعن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله وَ له: ((شَفَاعَتِي لأَهْلِ الكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي)) أخرجه أبو داود، والترمذي. ثم قال الترمذي: وفي الباب: عن جابر، ثم أخرج حديث جابر من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، عنه: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي)). قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: فَقَالَ لِي جَابِرٌ: يَا مُحَمَّدُ! مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الكَبَائِرِ، فَمَا لَهُ وَلِلشَّفَاعَةِ؟ وأخرجه ابن ماجه - أيضاً -. ٣٧٢ وعن عَوْن بن مالك، قال: قال رسول الله وَله : ((أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي، فَخَيَّرَنِي بَيْنَ أَنْ يَدْخُلَ نِصْفُ أُمَّتِي الجَنَّةَ، وَبَيْنَ الشَّفَاعَةِ، فَاخْتَرْتُ الشَّفَاعَةَ، وَهِيَ لِمَنْ مَاتَ لاَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً». وأخرجه ابن ماجه بلفظ: قالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((أَتَدْرُونَ مَا خَيَّرَنِي رَبِّيَ اللَّيْلَةَ؟)). قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((فَإِنَّهُ خَيَّرَنِي بَيْنَ أَنْ يَدْخُلَ نِصْفُ أُمَّتِ الجَنَّةَ، وَبَيْنَ الشَّفَاعَةِ، فَاخْتَرْتُ الشَّفَاعَةَ))، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ! ادْعُ اللهَأَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ أَهْلِهَا. قَالَ: ((هِيَ لِكُلِّ مُسْلِمٍ)). وعن أبي موسى الأشعري، قال: قالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((خُيِّرْتُ بَيْنَ الشَّفَاعَةِ، وَبَيْنَ أَنْ يَدْخُلَ نِصْفُ أُمَّتِي الجَنَّةَ، فَاخْتَرْتُ الشَّفَاعَةَ؛ لأَنَّهَا أَعَمُّ وَأَكْفَى، أَتْرَوْنَهَا لِلْمُتَّقِينَ؟ لاَ، وَلَكِنَّهَا لِلْمُذْنِبِينَ الخَطَّائِينَ الْمُتَلَوّثِينَ)). عن عبدالله بن أبي الجَدْعَاء، قال: سمعتُ رسولَ الله ◌ِوَ لَ ه يقول: (َيَدْخُلَنَّ الجَنَّةَ بِشَفَاعَةِ رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَكْثَرُ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! سِوَاكَ؟ قَالَ: ((سِوَايَ)) أخرجه الترمذي، وابن ماجه. وعن أبي سعيد، مرفوعاً: ((إِنَّ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَشْفَعُ لِلْفِتَامِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْفَعُ لِلْقَبِيلَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْفَعُ لِلْعُصْبَةِ، [وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْفَعُ لِلرَّجُلِ]، حَتَّى يَدْخُلُوا الجَنَّةَ)) أخرجه الترمذي. وعن عثمانَ بن عفّانَ، قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (يَشْفَعُ يَوْمَ القِيَامَةِ ثَلاثَةٌ: الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ العُلَمَاءُ، ثُمَّ الشُّهَدَاءُ)) أخرجه ابن ماجه. إذا عرفت هذا، فالكلام - هاهنا - في مواضع : ٣٧٣ الأوّل: في بيان المناسبة: لما أورد الأحاديث الدالة على رؤية المؤمنين ربّهم في الآخرة، وكان بعضُ الأحاديث المشتملة على بعض الرؤية مشتملةً على ذكر الشفاعة - أيضاً -، أورد الأحاديث الدالة على ذكر الشفاعة بدون ذكر الرؤية بعدَها، لأجل تلك المناسبة، ولأجل الإيماء إلى نفع الإيمان؛ فإنه إذا وجد، وإن کان معه معاصي، فإن صاحبه یحصل له الخلاص آخراً، ولأجل بيان كمال نفع الرسول - عليه السلام - لأمته، حيث هداهم في الدنيا إلى الإيمان، ونَجَّاهم في الآخرة من عذاب النيران. والثاني: في بيان الشفاعة : اعلم أن أصل الشفاعة مما اجتمعت عليه الأمّةُ، وإنما اختلفوا في الشفاعة لأصحاب الكبائر في إدخالهم الجنة أوّلاً، أو بعد الدخول في النار. فذهب أهلُ الحق في الوقوع، ويدل عليه النصوصُ الظاهرة الكثيرة المذكورةُ في الكتاب العزيز، وفي الأحاديث النبويّة - على ما مَرَّ -، وسيجيء بعضها - أيضاً -. وقالت طوائف من المعتزلة وغيرهم: إنما هي للخلاص من الموقف، ولسرعة الحساب، ولزيادة الثواب، لا لدَرْء العقاب، وتمسّكوا بنصوص، أقواها قوله تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ يَوْمَا لَّا تَجْرِى نَفْسُ عَن نَّفْسِ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَعَةٌ﴾ [البقرة: ١٢٣]، وهو عام في عدم قبول الشفاعة لأصحاب الكبائر، ويندرج فيه النبي وغيره. ٣٧٤ وأجيب بعدم العموم، فإن الكلام مع قوم مخصوصين، وهم بنو إسرائيل، فلا يلزم منه أن لا تنفع لغيرهم، و- أيضاً -: في يوم مخصوص، فيجوز أن يقع في غيره، و- أيضاً -: أنتم قائلون بوقوع شيء منها، وهو الاستخلاص من شدة هَوْل الموقف، ومن المناقشة في المحاسبة، ومن حصول رفع الدرجة، فلا يبقى على عمومه، وإذا خصّص شيء، جاز تخصيصه بعده بأمثال هذه الأخبار. ثم اعلم أن للمفهوم من أحاديث الشفاعة أنها على خمسة أقسام: أوّلها: الإراحة من هول الموقف، وهي مختصّة بسيّدنا - عليه الصلاة والسلام - على ما سيجيء. والثانية: في إدخال قوم الجنةَ دون حساب، وهذه - أيضاً - وردت اختصاصه بنبيِّنَا - عليه السلام -، وسيأتي بيانه. والثالثة: شفاعة قوم استوجبوا النار، فيشفع فيهم نبيُنا - عليه السلام -، ومن شاء الله أن يشفع، وسيجيء ذكرها في الكتاب. والرابعة: في إخراج قوم، وإدخالهم الجنةَ بشفاعة نبيّنا - عليه السلام -، وسائر الأنبياء عليهم السلام، وشفاعة الملائكة والمؤمنين، وقد مَرَّ . والخامسة: في رفع الدرجات. والمعتزلة ومن يضاهيهم من أهل البدع لا ينكرون الأولى والثانية والخامسة، وينكرون الباقيتين اللَّتين هما من المقاصد العظمى، والنعم الأسنى. ٣٧٥ وتمامُ الكلام في علم الكلام. لما كان المقصود إثباتَ شفاعة نبيّا - عليه السلام -، وكانت شفاعته في زيادة الثواب مما لا نزاع فيه، وإنما المتنازع الشفاعةُ لدرء العقاب، بدأ مسلم - رحمه الله - بالحديث المشتمل على خروج ناس من النار، ودخولهم الجنة؛ إذ هو المخالف لقواعد المخالفين المنكرين للشفاعة؛ لأنهم يقولون: من يدخل النار، لا يخرج منها، فأورد ذلك رداً لقولهم، وإبطالاً له، وتوطئة للأحاديث الواردة في الشفاعة. ثم ذكر الرواية المصرّحة بأن الخروج من النار لأجل الشفاعة. ثمّ المشتملة على بيان خروجهم منها، ودخولهم الجنّة . ثم الحديث المشتمل على بيان المقام المختصِّ بنبينا - عليه السلام -. ثم المشتمل على النبيين من الشفاعة، وعدم إقدامهم عليها، وإقدام النبي - عليه السلام - عليها، وإخراجه جمعاً من النار بدفعات، وإدخالهم الجنّة، حتى إنه لم يبق فيها إلا من حبسه القرآن؛ أي: وجب عليهم الخلودُ، ويخرج منها من قال: لا إله إلا الله. ثم المشتمل على اختباء النبي - عليه السلام - شفاعته في الدنيا لأجل ذلك اليوم، ودعائه في الدنيا لأجل أمّته، وبكائه عليهم، ووعد الله تعالى له بقبول شفاعته فيهم، وذلك أقوى دليل على غاية شفقته ورحمته على أمّته بَّله، وعلى أزواجه وذريته. ٣٧٦ والثالث: في قوله: (سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ - عليه السلام - بِأُذُنِهِ) إنما أكد السماع بقوله: (بِأُذُنِهِ) إيماءً إلى أن حديث الشفاعة حديث عظيم ينبغي أن يهتم به السامع؛ إذ هو ملاك الأمر في الدار الآخرة، ولذلك كان الرواة يذكرون هذا الحديث في مواضع [من] رواياتهم، مثل ما مَرَّ، ومثل قوله: (وَيْحَكُمْ! أَتْرَوْنَ الشَّيْخَ - يعني: جابراً - يَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَ﴿)، وغير ذلك - على ما سيجيء في الروايات -، وينبهون على مواضع السماع، وكل ذلك للإيماء إلى عظم شأن هذا الحديث، وجلالة قدره، ورمز إلى غاية طلب القوم تحقيقه وتبيينه - رزقنا الله تعالى وإخواننا المسلمين شفاعةً رسوله وَله ـ. والعجبُ أن قوماً من أهل الإسلام يزعمون أنه يُكره أن يسأل الله تعالى أن يرزقه شفاعة النبي - عليه السلام - زعماً منهم بأن الشفاعة لا تكون إلاّ للمذنبين، فمن سأل الشفاعة، كان معترفاً بالذنب، منخرطاً تحت المذنبين، ولا يفطنون [إلى] بطلان المقدمتين اللتين بنوا عليهما كلامهم؛ إذ لا نسلم اختصاص الشفاعة بالمذنب، بل قد تكون لزيادة الدرجات، ورفع المراتب، على ما هو مصرّح في الأحاديث، ولو سلم الاختصاص، لا نسلم أن الاعترافَ بالذنب، والانخراطَ في سلك المذنبين أمرٌ مكروه، كيف وكُلُّ عاقل ينبغي أن يكون معترفاً بالتقصير، طالباً للتلاقي، راغباً في كل ما يُزْلفه إلى رضوان الله تعالى، مقراً بذنوبه، محتاجاً إلى العفو، غيرَ مغرور بعلمه، مشفقاً من أن يكون من الهالكين، وعلى ذلك جرت سنة السلف والخلف الصّالح - رضوان الله عليهم أجمعين-، وهو الموافق للقوانين، وعليه الاعتماد. ٣٧٧ والرابع: التعريف برواته سوى ما سلف. (قَيْسٌ)، وهو ابْنُ سُلَيْمِ التميميُّ، العنبريُّ، الكوفيُّ. عن علقمةَ بن وائلِ بنِ حُجْرِ، والضحاكِ، وجماعة. وعنه ابنُ المبارك، وعُبيدالله بن موسى، وخلق. وَثَّقَهُ أبو حاتم وغيرُه، وأخرج له مسلم، والنسائي. و(شيخه)، وهو أبو عثمان يزيدُ بنُ صُهيبِ الفقيرُ. عن ابن عمر، وأبي سعيد، وجماعة. ۔ وعنه سَيَّار، والمسعودي، ومِسْعَر، وخلق. وَثَّقَهُ ابن معين وغيرُه، وأخرج له الستة إلا الترمذيّ. وقال أبو حاتم: صدوق. وقيل: كان يشكو فَقار ظهره، فقيل له: الفقير. ٤٩٣ - (١٩١ / ٣٢٠) - وَحَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَاَ الفَضْلُ ابْنُ دُكَيْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ - يَعْنِي: مُحَمَّدَ ابْنَ أَبِي أَّوبَ -، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ الفَقِيرُ، قَالَ: كُنْتُ قَدْ شَغَفَنِي رَأْيٌّ مِنْ رَأْيِ الخَوَارِجِ، فَخَرَجْنَا فِي عِصَابَةٍ ذَوِي عَدَدٍ نُرِيدُ أَنْ نَحَُّ، ثُمَّ نَخْرُجَ عَلَى النَّاسِ - قَالَ : - فَمَرَرْنَا عَلَى المَدِينَةِ، فَإِذَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِاللهِ يُحَدِّثُ القَوْمَ - جَالِسٌ إِلَى سَارِيَةٍ - عَنْ رَسُولِ اللهِنَّهِ، قَالَ: فَإِذَا هُوَ قَدْ ذَكَرَ الجَهَنَّمِيِّينَ - قَالَ : - فَقُلْتُ لَهُ: يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ! مَا هَذَا الَّذِي تُحَدِّثُونَ، وَاللهُ ٣٧٨ يَقُولُ: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]، وَ﴿كُلَّمَآ أَرَادُوَاْأَنْ يَخْرُجُوْ مِنْهَا مِنْ غَمٍ أُعِيدُواْ فِيهَا﴾ [الحج: ٢٢]، فَمَا هَذَا الَّذِي تَقُولُونَ؟ قَالَ: فَقَالَ: أَتَقْرَأُ القُرْآنَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَهَلْ سَمِعْتَ بِمَقَامٍ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - يَعْنِي: الَّذِي يَبْعَتُهُ اللهُ فِيهِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّهُ مَقَامُ مُحَمَّدٍ نَّهِ المَحْمُودُ الَّذِي يُخْرِجُ اللهُ بِهِ مَنْ يُخْرِجُ، - قَالَ : - ثُمَّ نَعَتَ وَضْعَ الصِّرَاطِ، وَمَرَّ النَّاسِ عَلَيْهِ - قَالَ : - وَأَخَافُ أَنْ لاَ أَكُونَ أَحْفَظُ ذَاكَ - قَالَ : - غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ زَعَمَ أَنَّ قَوْماً يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ بَعْدَ أَنْ يَكُونُوا فِيهَا - قَالَ : - يَعْنِي: فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمْ عِيدَانُ السَّمَاسِمِ. قَالَ: فَيَدْخُلُونَ نَهْراً مِنْ أَنْهَارِ الجَنَّةِ، فَيَغْتَسِلُونَ فِيهِ، فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمُ القَرَاطِيسُ، فَرَجَعْنَا قُلْنَا: وَيْحَكُمْ! أَثْرَوْنَ الشَّيْخَ يَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللهِوَ﴿؟! فَرَجَعْنَا، فَلاَ - وَاللهِ - مَا خَرَجَ مِنَّا غَيْرُ رَجُلٍ وَاحِدٍ، أَوْ كَمَا قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ. الحديث الثاني: حديثُ يزيد الفقير قال: ((كُنْتُ قَدْ شَغَفَنِي رَأْيٌّ مِنْ رَأْيِ الخَوَارِجِ، فَخَرَجْنَا فِي عِصَابَةٍ ذَوِي عَدَدِ نُرِيدُ أَنْ نَحُجَّ، ثُمَّ نَخْرُجَ عَلَى النَّاس - قَالَ : - فَمَرَرْنَا عَلَى المَدِينَةِ، فَإِذَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ يُحَدِّثُ القَوْمَ - جَالِسٌ إِلَى سَارِيَةٍ - عَنْ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، قَالَ: فَإِذَا هُوَ قَدْ ذَكَرَ الجَهَنَّمِيِّينَ - قَالَ : - فَقُلْتُ لَهُ: يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ! مَا هَذَا الَّذِي تُحَدِّثُونَ، وَاللهُ يَقُولُ: ﴿إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]، وَ﴿كُلَّمَا أَرَادُ وْأَنْ يَخْرُجُوْ مِنْهَا مِنْ غَّ أُعِيدُواْ فِيهَا﴾ [الحج: ٢٢]، فَمَا هَذَا ٣٧٩ الَّذِي تَقُولُونَ؟ قَالَ: فَقَالَ: أَتَقْرَأُ القُرْآنَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَهَلْ سَمِعْتَ بِمَقَامٍ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - يَعْنِي: الَّذِي يَبْعَتُهُ اللهُ فِيهِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّهُ مَقَامُ مُحَمَّدٍ ◌َّهِ المَحْمُودُ الَّذِي يُخْرِجُ اللهُ بِهِ مَنْ يُخْرِجُ - قَالَ : - ثُمَّ نَعَتَ وَضْعَ الصِّرَاطِ، وَمَرَّ النَّاسِ عَلَيْهِ - قَالَ : - وَأَخَافُ أَنْ لاَ أَكُونَ أَحْفَظُ ذَاكَ - قَالَ : - غَيْرَ أَنّهُ قَدْ زَعَمَ أَنَّ قَوْماً يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ بَعْدَ أَنْ يَكُونُوا فِيهَا - قَالَ : - يَعْنِي: فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمْ عِيدَانُ السَّمَاسِمِ. قَالَ: فَيَدْخُلُونَ نَهْراً مِنْ أَنْهَارِ الجَنَّة، فَيَغْتَسِلُونَ فِيه، فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمُ القَرَاطِيسُ، فَرَجَعْنَاً قُلْنَا: وَيْحَكُمْ! أَتْرَوْنَ الشَّيْخَ يَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَلِ؟! فَرَجَعْنَا، فَلاَ - وَاللهِ - مَا خَرَجَ مِنَّا غَيْرُ رَجُلٍ وَاحِدٍ، أَوْ كَمَا قَالَ أَبُو نُعَيْمِ. هذا الحديث من أفراد مسلم. إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في مواضع : الأوّل: في التعريف برواته سوى ما سلف. و(محمدٌ): هو أبو عاصم محمدُ بنُ أيوبَ، وقيل: ابن أيوب الثقفيُّ الكوفيُّ. عن الشعبي، وقيس بن مسلم، وجماعة. وعنه وکیع، وخَلاَّد، وخلف. وَثَقَهُ أحمد، وابن معين، وأخرج له مسلم. وقال أبو حاتم: صالح. والثاني: في قوله: (قد شغفني رأي) يروى بالغين المعجمة، وهي ٣٨٠