النص المفهرس
صفحات 341-360
وفيه نوع بُعد؛ إذ ليس فعله سخرية وضحكاً، [ .... ]؛ لأنه ما فعل ذلك على فعل السخرية، بل لمَّا حصل له النجاة من النار، حَمِدَ [الله] على ذلك، ثم لما نسي العذاب، وجمع عقله، ورأى شيئاً أحسنَ مما فيه، اشتهته نفسه، ومالت إليه، فطلبه من ربه لما رأى من فضله عليه بإخراجه من النار، ومَطْمَحُه في ذلك الوقت هو مطلوبُه لا غير، فعاهد على عدم طلب شيء آخر غيره، فلما وصل إلى مطلوبه، حصل له مثلُ ما حصل أوّلاً، وطلب الأعلى منه، وهلمّ جرّاً، ومثلُ هذا لا يسمى سخريةً وضحكاً، بل يسمى بالنظر إلى حاله وطلبه: الترقي، وبالنظر إلى نقض العهد ونسيانه: قلة العزم، ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ,عَزْمَا﴾ [طه: ١١٥]. والحاصل: أن المشاكلة قد تكون بالنظر إلى اللفظ، كما في قوله: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمُّ سَخِرَ اَللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]، و﴿مُسْتَهْزِءُونَ ) اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤ - ١٥]، وقد يكون بالنظر بالفعل، ولكن بشرط أن يقصد الفاعل ذلك المعنى الذي تقع به المشاكلة، كما في قوله: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨] في مقابلة صبغ النصارى أولادهم في ماء أصفر، وادعائهم أن ذلك مطهّر لهم. وأمّا وقوع المشاكلة بالنظر إلى فعل ليس للفاعل قصد ما وقع فيه المشاكلة من فعله، بل قصده آخر غيره، فلا. وقيل: معناه: لا تسخر بي، يعني: إني أعلم أنه لا يوجد منك السخرية؛ لأنك ربّ العالمين، ومنزّه عن صفات المخلوقين، وقولك ٣٤١ حق، وأمرك صدق، وما أعطيتني من جزيل العطاء حق، لكن أتعجَّبُ أن فعلتَ لي هذا وأنا غيرُ مستأهِلٍ له، فالهمزة في (أَتَسْخَرُ بِي) همزةٌ نفي، كذا نقله القاضي عن أبي بكر الصوفي، وهذا وجه حسن لو دلَّ هذا الكلام عليه؛ إذ لا شك في أنّ همزة الاستفهام تستعمل في الإنكار بمعنى: لا يكون، وإنما الكلام في دلالة هذه العبارة على ذلك المعنى؛ إذ الظاهرُ من حال الشخص، والمتبادَرُ من كلامه إلى الذهن: أنه لما سمع إعطاء الدنيا ومثلها معها له، ظن أنه سخرية به(١)؛ لأن أقصى غرضه: دخول الجنة، وأن يكون له فيها موضع جلوس، فالجوابُ وقع - في زعمه - مطابقاً للسؤال، فحمله على السخرية، كما سأل قوم موسى عن إحياء الميت، فقال لهم موسى - عليه السلام -: اذبحوا بقرة، واضربوه ببعضها، فلمّا ظنّوا أن الجواب غيرُ مطابق لسؤالهم، قالوا: ﴿أَنَتَّخِذُنَاهُزُوًا﴾ [البقرة: ٦٧]. و- أيضاً -: هذا الشخص لمّا خُيل إليه أن الجنة ملأى، وقد أخذ الناسُ منازلَهم، تحقق عنده أن لا يبقى له في الجنّة موضع، وإن حصل له الدخول فيها، یکون دخيلاً في منزل شخص آخر، حاصلاً في زاوية في زوايا منزله، فلما سمع ذلك الوعد العظيم، ظن ذلك. فالأقربُ ما قيل: إن الرجل لما سمع هذا الوعد، ورأى ما لم يخطر بباله، خرج من نفسه، ولم يقدر على ضبطها، فصدر عنه هذا الكلام، وهو غير ضابط لأحواله، وجرى ذلك على لسانه دهشاً (١) في الأصل: ((سخر به معه)). ٣٤٢ وفرحاً، غيرَ معتقد ذلك في حق بارئه، وظن أنه على عادته في الدنيا في مخاطبة أمثاله من المخلوقين؛ كما قال النبي - عليه السلام - في الرجل الآخر الذي وجد راحلته، وقد أشرف على الهلاك من العطش والجوع: ((اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي، وَأَنَا رَبُّك)) أنه أخطأ، ولم يقدر أن يضبط نفسه من الفرح. والرابع: في ضحك النبي - عليه السلام - له حتى بدت نواجذه. قيل: المراد: الأنياب، وقيل: الضواحك، وقيل: الأضراس، ولا وجه أن يراد: الضحك البالغ من غير نظر إلى بدوِّ النواجذ وعدم بدوِّها؛ إذ يستعمل ذلك فيه. قال في ((الأساس)): يقال: أبدى ناجذه: إذا بالغ في ضحكه وغضبه. والمعنى: رأيت رسول الله مَله ضحك حتى بالغ في ضحكه، والغرض: بيان غاية سرور رسول الله ◌َي بذلك؛ حيث عفا الله تعالى عن رجل من أهل الإيمان، ولم ينظر إلى تقصيراته في الطاعة، وتفريطاته في العبادة. وفيه: بيان نهاية هِمَّةِ النبي - عليه السلام - على اختلاص أهل الإيمان من عذاب النار، وأن الضحك في مقامه حسنٌ وزَيْنٌ، كما أنه في غير أوانه قبحُ وشَيْن، وإن كان صدوره عن صدر الدنيا له في المقام مناسبة؛ لبيان رضا الله تعالى عن عبده؛ لما علمت أن الضحك الوارد في صفة الله تعالى هو الرضا، وقد حصل منه تعالى، وعلامته الأمرُ بدخول الجنة، وإعطاؤه عشرة أمثال الدنيا، فوافق النبي - عليه السلام - ٣٤٣ في ذلك، وأظهر علامة السرور، وهو الضحك؛ ليكون تأسياً بالله تعالى في الرضا عن ذلك العبد، ولهذا ضحك الراوي موافقةً على ما ورد في رواية ابن مسعود، وقال: أَلاَ تَسْأَلُونِّي مِمَّ أَضْحَكُ؟ فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ؟ قَالَ: هَكَذَا ضَحِكَ رَسُولُ اللهِهِ، فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((مِنْ ضِحْكِ رَبِّ العَالَمِينَ». الخامس: في تعليم الأماني: قوله: (فَيَّقَالُ لَهُ: أَتَذْكُرُ الزَّمَانَ الَّذِي كُنْتَ فِيهِ؟) قيل: المراد: زمان الفراغة في الدنيا؛ حيث كان مشغولاً بالملاذُ والمناهي، فارغاً عن العبادة، والمعنى: أنه يقال له: تَمَنَّ فارغاً من كل شائبة، كما كنت فارغاً في ذلك الزمان، ويخطر ببالك الأماني الكثيرة، والغرض، الأمر بكثرة التمني، وبيان أن جميع ما يتمنى يحصل له، وأضعافه. وقيل: المراد: العفو؛ حيث عرض عليه ذنوبه. وقيل له: أتعرف ذنب كذا وكذا؟ ثم غفر له بعد أن أقرّ بذنوبه، ورأى هلاكه، وإنما يفعل به ذلك، لأن إخراجه من الوهم بتلك الطريقة أقوى؛ إذ لو غفر له دفعة، لربما خطر بباله أنه يؤاخذ بعد ذلك بخطيئاته، فإذا عرض عليه ذلك، وغفر له، حصل له الفراغ الكلي، وعلم أنه وصل إلى النعيم السرمدي. والغرض: بيان طلب الإقرار منه بالذنوب، والعفو له، ثم الأمر بالتمنّي، فعلى هذا ففي الرواية اختصار، ويدل عليه الحديث الآخر؛ ٣٤٤ حيث قال: ((فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ صِغَارُ ذُنُوبِهِ، فَيَقَالُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا)) إلى آخر الرواية، وإنما عرض عليه صغار الذنوب دون كبارها، قيل: لأن الصغار لما كانت معفوّة بالصّلاة والصوم والحج وغير ذلك - على ما تقرر -، فالعفو في هذا المقام إعطاء الحسنة بدل كل صغيرة، وأمّا الكبار، فكأن عفوها عدم المؤاخذة بها، لا إعطاء الحسنة بدلها . وفيه - أيضاً -: إيماء إلى أنّ الصغائر تعفى، لا الكبائر، فيجب الاجتناب عنها . وقيل: إنما لم يعرض الكبار؛ لأنه عُذّب لأجلها في النار، وهو آخر أهل الجنة خروجاً من النار، فبقي له الصغار، فيعفو ويعطي بدل كل سيئة حسنة، تكرّماً وتفضّلاً. السادس: بيان سعة رحمة الله عليه : * قوله: (فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا) الظاهر: أن الغرض : بيان كثرة لطف الله تعالى، وسعة فضله، ولذلك ذکر الرسول - عليه السلام - ذلك في كل مقام بعبارة أخرى، فقال: ((فاذْهَبْ [فَادْخُلِ الجَنَّةَ]؛ فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا، وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا))، وقال في موضع: ((وَلَكَ مَا تَمَنَّيْتَ وَعَشَرَةُ أَضْعَافِ الدُّنْيَا))، وقال في آخر: ((فَيُقَالُ لَهُ: أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ مُلْكِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا؟ فَيَقُولُ: رَضِيِتُ رَبِّ، فَيَقُولُ: لَكَ ذَلِكَ، وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ. فَقَالَ فِ الخَامِسَةِ: رَضِيتُ رَبِّ، فَيَقُولُ: هَذَا]؛ أي: مثل مُلكِ خمسةٍ [من] ملوك الأرض ((لَكَ، وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ، وَلَكَ مَا اشْتَهَتْ ٣٤٥ نَفْسُكَ، وَلَذَّتْ عَيْنُكَ))، وليس الغرض: التحديد إلى ما سبق إلى بعض الأذهان، فيحتمل الجمع بين الروايات بأن الله تعالى قد أعطاه أوّلاً مثل الدنيا، ثم زاد عليها عشرة أضعافه، ثم أعطاه مثل ما تمنى وعشرة أمثاله، فإن المراد: بملكِ خمسةِ ملوك الأرض: ملكُ تمام؛ لأن في العادة أن كل ملك تملك بعض الملك، وغير ذلك من وجوه التكلفات، بل الغرض: التكثير، وبيان سعة رحمة الله على عباده. وأنت خبير بأنّ هذا لا يحتاج إلى هذه التعسفات، فالوجه الإعراضُ عنه صفحاً، والإقبال على ما أَصَّلناه لك وجهاً. ويؤيد ذلك: ما جاء في حديث ابن مسعود بعد ذكر ضحك ربّ العالمين: ((فَيَقُولُ الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - لَهُ: الحَقْ بِالنَّاسِ، قَالَ: فَيَنْطَلِقُ يَرْمُلُ فِي الجَنَّةِ، حَتَّى إِذَا دَنَا مِنَ النَّاسِ، رُفِعَ لَهُ قَصْرٌ مِنْ دُرَّةٍ، فَيَخِرُّ سَاجِداً، فَيَقَالَ لَهُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ، مَا لَكَ؟ فَقُولُ: رَأَيْتُ رَبِّي، أَوْ تَرَاءَى لِي رَبِّي، فَيُقَالُ لَهُ: إِنَّمَا هُوَ مَنْزِلٌ مِنْ مَنَازِلِكَ، قَالَ: ثُمَّ يَلْقَى رَجُلاً، فَيَتَهَيَّأُ لِلِسُّجُودِ لَهُ، فَيُقَالَ لَهُ: مَهْ، مَا لَكَ؟ فَيَقُولُ: رَأَيْتُ أَنَّكَ مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ، فَيَقُولُ: إِنَّمَا أَنَا خَازِنٌ مِنْ خُزَّانِكَ، عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِكَ، تَحْتَ يَدِي [أَلْفُ قَهْرَمَانٍ](١) عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ، قَالَ: فَيَنْطَلِقُ أَمَامَهُ حَتَّى يَفْتَحَ لَهُ القَصْرَ))، قَالَ: ((وَهُوَ فِي دُرَّةٍ، مُجَوَّفَةٍ [سَقَائِفُهَا] (٢)، وَأَبْوَابُهَا، (١) بياض في الأصل. (٢) بياض في الأصل. ٣٤٦ وَأَغْلَاقُهَا، وَمَفَاتِيحُهَا [مِنْهَا](١) تَسْتَقْبِلُهُ جَوْهَرَةٌ خَضْرَاءُ مُبَطَّنَّةٌ بِحَمْرَاءَ، كُلُّ جَوْهَرَةٍ تُفْضِي إِلَى جَوْهَرَةٍ عَلَى غَيْرِ لَوْنِ الأُخْرَى، فِي كُلِّ جَوْهَرَةٍ سُرُرٌ وَأَزْوَاجٌ، وَوَصَائِفُ، أَدْنَاهُنَّ حَوْرَاءُ عَيْنَاءُ عَلَيْهَا سَبْعُونَ حُلَّةً، يُرَى مُخُّ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ حُلَلِهَا، [كَبِدُهَا مِرْآَتُهُ، وَكَبِدُهُ مِرْآَتُهَا]، إِذَا أَعْرَضَ عَنْهَا إِعْرَاضَةً، ازْدَادَتْ فِي عَيْنِهِ سَبْعِينَ ضِعْفاً عَمَّا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، وَإِذَا أَعْرَضَتْ عَنْهُ إِعْرَاضَةً، ازْدَادَ فِي عَيْنِهَا سَبْعِينَ ضِعْفاً عَمَّا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَيَّقُولُ لَهَا: [وَاللهِ!] لَقَدِ ازْدَدْتِ فِي عَيْنِي سَبْعِينَ ضِعْفاً، وَتَقُولُ لَهُ: وَأَنْتَ [وَاللهِ!] لَقَدِ ازْدَدْتَ فِي عَيْنِي سَبْعِينَ ضِعْفاً، فَيُقَالُ لَهُ: أَشْرِفْ، قَالَ: فَيُشْرِفُ، فَقَالُ لَهُ: مُلْكُكَ مَسِيرَةُ مِئَةٍ عَامٍ يَنْفُذُهُ بَصَرُهُ» رواه الطبراني، ورجاله ثقات. السابع: في قوله: (لأَنَّهُ يَرَى مَا لاَ صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ): الرواية في الأصول: (عَلَيْهِ) بتذكير الضمير في الأولتين، وأمّا في الثالثة، ففي أكثرها: (عَلَيْهَا) بتأنيث الضمير، وفي بعضها: (عَلَيْهِ) كما في الأولتين، والظاهر: أن الضمير يرجع إلى (مَا) [في] قوله: (مَا لاَ صَبْرَ لَهُ)، وهو عبارة عن الشجرة المرفوعة، فبالنظر إلى اللفظ يُذكَّر الضمير الراجع إليه، وبالنظر إلى المعنى يؤنث. بقي فائدةُ اختصاصِ الثالثة بذلك، قيل: لأن الشجرة الثالثة عند باب الجنة، والأدنى إليه الدخول في أول مراتب المقصود، وهو (١) بياض في الأصل. ٣٤٧ دخول الجنة، فكان النظر إلى المعنى لأجل الدلالة على أن هذه الشجرة أقربُ إلى المقصود من الأوليين. وقيل: الضمير يرجع إلى (ما) بمعنى: الجنة؛ لأن الشجرة لما كانت عند بابها، فالنظرُ إليها نظرٌ إلى الجنة، فبطلب الأدنى إليها يحصل الدنوّ إلى الجنة، فتكون (ما) في الأولتين عبارة عن الشجرة، وفي الثالثة عن الجنّة، فذكر بالتأنيث إيماءٌ إلى فضلها وقربها، وهذا أقرب، على أنّ الأظهر ما في بعض الأصول من تذكير الضمير في الثالثة كما في الأولتين. وبالجملة: قول النووي عن النعمة أخذُ بالحاصل، وإلا، فالمذكور هو الشجر. والثامن: في قوله: (مَا يَصْرِينِي) - بفتح الراء وسكون الصاد المهملة و کسر الراء-؛ من الصَّرْي - بفتح الصاد وسكون الراء -، وهو القطعُ والمنع . قال في ((الصحاح)): يقال: صَرِيَ بَوْلَه صَرْياً: إذا قطعه، وصَرَى الله عنه شره: إذا دفعه، وصَرَیتُ الماء: إذا جمعته وحبسته، واختصمنا إلى الحاكم، فصَرَى ما بيننا؛ أي: فصل. وفي ((الأساس)): يقال: صَرَاك الله: منعك وحفظك. وبالجملة: أصل الصَّرْي: القطع، ويستعمل في المنع، والجمع، والحفظ، لمناسبة القطع؛ إذ في الثلاث الأُوَل قطعُ التعرض، وفي الرابعة قطعُ الخصومة، ويستعمل في الحتم - أيضاً -، ومنه حديث ٣٤٨ الإسراء في فرض الصلاة: ((عَلِمْتُ أَنَّهَا أَمْرُ اللهِ صِرَّى))؛ أي: حتم واجب. وفي حديث أبي سمعان الأسدي حين وجد ناقته، وقد ضلَّت: عِلِمَ ربِّيٍ أنَّها مِنِّي صِرَّى؛ أي: عزيمة قاطعة، ويمين لازمة. وقال في ((القاموس)): صَراهُ يَصْرِيه: قَطَعَهُ، ودَفَعَهُ، ومَنَعَهُ، وحَفِظَهُ، وكَفَاهُ، ووقاهُ، وتَقَدَّمَ، وتَأَخَّرَ، وعَلاَ، وسَفَلَ، ضِدٌّ. وقيل: الصِّرَى مشتقة من أَصْرَرْت على الشيء: إذا لزمته. والرواية في جميع نسخ مسلم: (مَا يَصْرِينِي مِنْكَ)، وأنكره إبراهيم الحربي، وقال: الصّواب ما في سائر الأصول: (مَا يَصْرِيك مِنِّي)، وليس الأمر على ما توهَّم الحربي، بل كلاهما صحيح؛ إذ الانقطاع کما یکون من جانب السائل، یکون من جانب المسؤول عنه، نعم، رواية سائر الأصول أدلُّ على المراد؛ إذ الغرضُ: بيان قطع سؤال السائل؛ بإعطائه ما يقطع سؤاله، وأقرب إلى الأدب؛ إذ إضافة القطع إلى الشخص أنسبُ من إضافته إلى الله تعالى. ولكن في رواية الكتاب لطيفة ليست في تلك الرواية؛ إذ المقامُ مقامُ بيان فضل الله تعالى على ذلك الرجل، وإعطائه له جميع مُناه، وغاية متمناه، ففي رواية الكتاب إيماءٌ إلى شدة الاعتناء بشأنه؛ فإن مقصود المتكلم إذا كان بيان شدّة عنايته لتحصيل مرام السائل، وجعل طلبه كأنه متعلق به، وهو يريد قطعه بما يقتضي مطلوب السائل، یضاف الأمر إلی نفسه، ویومئ أن ذلك ثابت في ذمته، وهو یرید ٣٤٩ تفريغها بكفاية المرام، وإعطاء الطلبة بالتمام، كما قيل في الألفاظ الواردة في النصوص الدالة على الوجوب على الله تعالى، مع أنه لا يجب عليه شيء، والكل منه فضل: إن ذلك لأجل هذا الإيماء، وليس هذا الإيماء في الرواية الأخرى - على ما لا يخفى .. ٤٨٢ - (١٨٨ / ٣١١) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، حَذَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَّشٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُذْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﴿ قَالَ: ((إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً: رَجُلٌ صَرَفَ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ قِبَلَ الجَنَّةِ، وَمَثَّلَ لَهُ شَجَرَةً ذَاتَ ظِلٍّ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ! قَدِّمْنِي إِلَى هَذِهِ الشَّجَرَةِ أَكُونُ فِي ظِلِّهَا)). وَسَاقَ الحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثٍ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَمْ يُذْكُرْ: ((فَقُولُ: يا بْنَ آدَمَ! مَا يَصْرِيِنِي مِنْكَ)). إِلَى آخِرِ الحَدِيثِ، وَزَادَ فِيهِ: ((وَيُذَكِّرُهُ اللهُ سَلْ كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا انْقَطَعَتْ بِهِ الأَمَانِيُّ، قَالَ اللهُ: هُوَ لَكَ، وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ - قَالَ : - ثُمَّ يَدْخُلُ بَيْتَهُ، فَتَدْخُلُ عَلَيْهِ زَوْجَتَاهُ مِنَ الحُورِ العِينِ، فَتَقُولَانِ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَاكَ لَنَا، وَأَحْيَانَ لَكَ - قَالَ : - فَيَقُولُ: مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُعْطِيتُ)). الحديث الثامن: حديثُ أبي سعيد الخدري: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلول قَالَ: ((إِنَّ أَذْنَى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةَ: رَجُلٌ صَرَفَ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ قِبَلَ الجَنَّةِ، وَمَثَّلَ لَهُ شَجَرَةَ ذَاتَ ظِلِّ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ! قَدِّمْنِي إِلَى هَذِهِ ٣٥٠ الشَّجَرَةِ أَكُونُ فِي ظِلِّهَا)). وَسَاقَ الحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَمْ يُذْكُرْ: (فَيَقُولُ: يا بْنَ آدَمَ! مَا يَصْرِيِنِي مِنْكَ)). إِلَى آخِرِ الحَدِيثِ، وَزَادَ فِيهِ: ((وَيُذَكِّرُهُ اللهُ سَلْ كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا انْقَطَعَتْ بِهِ الأَمَانِيُّ، قَالَ اللهُ: هُوَ لَكَ، وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ - قَالَ : - ثُمَّ يَدْخُلُ بَيْتَهُ، فَتَدْخُلُ عَلَيْهِ زَوْجَتَاهُ مِنَ الُورِ العِينِ، فَتَقُولَانِ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَاكَ لَنَا، وَأَحْيَانَاَ لَكَ - قَالَ : - فَيَقُولُ: مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِثْلَ مَا أَعْطِيتُ))، وهذا من أفراد مسلم. وعن أبي سعيد الخدري، مرفوعاً: ((أَدْنَى أَهْلِ الجَنَّةِ الَّذِي لَهُ ثَمَانُونَ أَلْفَ خَادِمٍ، وَاثْتَتَانٍ وَسَبْعُونَ زَوْجَةٌ، وَتُنْصَبُ لَهُ قُبُهُ(١) مِنْ لُؤْلُقٍ وَزَبَرْجَدٍ وَيَاقُوتٍ، كَمَا بَيْنَ الجَابِيَةِ إِلَى صَنْعَاءَ)) . وعن ابن عمر، يرفعه: ((إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الجَنَّة مَنْزِلَةً: لَمَنْ يُنْظَرُ إِلَى جَنَّتِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَخَدَمِهِ وَسُرَرِهِ مَسِيرَةً أَلْفِ سَنَةٍ، وَأَكْرَمُهُمْ عَلَى اللهِ: مَنْ يَنْظُرُ إِلَى وَجْهِهِ غَدْوَةً وَعَشِيَّةً، ثُمَّ قَرَأَ رَسُول الله بَّهِ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَيِذٍ نَاضِرَةً ) إِلَى رَبِهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، أخرجه الترمذي. إذا عرفت هذا، فالكلام - هاهنا - في مواضع: الأول: في التعريف برواته سوى ما سلف: يحيى، وشيخه، والنعمان. أمّا (يَحْيَى)، فهو ابْنُ أَبِي بُكَيْرِ، نَسْر، أو بِشْر، وقيل: بشير العبديُّ، القيسيُّ، الكوفيُّ قاضي کَرمانَ. (١) في الأصل: ((وبیت له فیه)). ٣٥١ عن شعبة، وإسرائيل، وزائدة، وجماعة. وعنه حفيده عبدالله بن محمد بن يحيى، ويعقوب الدَّورقي، وابن المثنى، وخلائق. وَثَّقَهُ ابن معين وغيرُه، وأخرج له الستة. وقال أبو حاتم: محله الصدق. قيل : توفي سنة ثمان ومئتين. وأما (شيخه)، فهو أبو المنذر زهير بن محمد المروزيُّ. عن زيد بن أسلم، ومحمد بن المنكدر، وعبد الرحمن بن القاسم، وخلق. وعنه عبد الرحمن بن مهدي، والوليد بن مسلم، وأبو عامر العَقَدي، وجماعة. أخرج له الستة، وعن أحمد: أنه ثقة، وعن ابن معين: أنه لا بأس به . وقال النسائي في موضع: ضعيف، وفي موضع: ليس به بأس، وفي بعض الروايات: ليس بالقوي. وقال البخاري: كأن الذي روى عنه أهل الشام زهير آخر. وأما (النعمان)، فهو أبو سلمة النعمانُ بنُ أبي عياش الزرقي الأنصاريُّ. عن خولة، وجابر، وابن عمر، وجماعة. ٣٥٢ وعنه سُمَيٍّ، وأبو حازم، وابن عجلان، وطائفة. وَثَّقَهُ ابن معين وغيرُه، وأخرج له الستة، وأبوه من جلَّة الأنصار وفرسانهم. والثاني: فيما يتعلق بمعناه، وقد سبق في الحديث قبله. والثالث: في قوله: (الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَاكَ لَنَا) قيل: المراد من الإحياء: الخلق، والمعنى: الحمد لله الذي خلقك لأجلنا، وخلقنا لأجلك، وقيل: المراد حقيقته، والمعنيان متقاربان، والتفاوت بينهما أنّ في الأوّل إيماء إلى [أن] ذلك مقدر من بدء الخلق، فإنه خلق لأجلهما، وهما لأجله، فتكون الحُور قبل المبعث، والحكم بدخول الجنّة متعينة للأشخاص لهن، وليس في المعنى الثاني ذلك. والرواية في (زوجتاه) - بالتاء -، على أنه تثنية زوجة، والزوج والزوجة يقال في المرأة - أيضاً -؛ كما يقال الأوّل في الرجل، وربما يقال في بعض الاستعمال الفاشي في المرأة فقط، فالأوّل في الرجل .[ .. . ] و(تَقُولاَنٍ) - بالتاء المثناة الفوقانية - هي الرواية. ٤٨٣ - (١٨٩ / ٣١٢) - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو الأَشْعَنِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، وَابْنِ أَبْجَرَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ رِوَايَةً إِنْ شَاءَ اللهُح. ٣٥٣ ٤٨٤ - وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مُطَرِّفُ بْنُ طَرِيفٍ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ سَعِيدٍ: سَمِعَا الشَّعْبِيَّ يُخْبِرُ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: سَمِعْتُهُ عَلَى المِنْبَرِ يَرْفَعُهُ إِلَى رَسُولِ اللهِصَلِ. ٤٨٥ - قَالَ: وَحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ الحَكَمِ - وَاللَّفْظُ لَهُ -، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ، حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ، وَابْنُ أَبْجَرَ: سَمِعَا الشَّعْبِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ المُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ عَلَى المِنْبَرِ، قَالَ سُفْيَانُ: رَفَعَهُ أَحَدُهُمَا - أُرَاهُ ابْنَ أَنْجَرَ -، قَالَ: ((سَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ: مَا أَدْنَى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: هُوَ رَجُلٌ يَجِيءُ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، فَيُقَالُ لَهُ: ادْخُلِ الجَنَّةَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ! كَيْفَ وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُمْ، وَأَخَذُوا أَخَذَاتِهِمْ؟ فَيَقَالُ لَهُ: أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ مُلْكِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا؟ فَقُولُ: رَضِيِتُ رَبِّ، فَيَقُولُ: لَكَ ذَلِكَ، وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ. فَقَالَ فِي الخَامِسَةِ: رَضِيتُ رَبِّ، فَقُولُ: هَذَا لَكَ، وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ، وَلَكَ مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ، وَلَذَّتْ عَيْنُكَ، فَيَقُولُ: رَضِيِتُ رَبِّ، قَالَ: رَبِّ! فَأَعْلاَهُمْ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ أَرَدْتُ غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي، وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا، فَلَمْ تَرَ عَيْنٌّ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبٍ بَشَرٍ))، قَالَ: وَمِصْدَاتُهُ فِي كِتَابِ اللهِ دَل : فَلَ تَعْلَمُ نَفْسُ مَّآ أَخْفِىَ لَهُم مِّنِ قُرَّةٍ أَعْيُنِ﴾ [السجدة: ١٧] الآيَةَ. ٤٨٦ - (١٨٩ / ٣١٣) - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُاللهِ ٣٥٤ الأَشْجَعِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبْجَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَقُولُ عَلَى المِنْبَرِ: إِنَّ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَأَلَ الله ◌َّ عَنْ أَخَسِّ أَهْلِ الجَنَّةِ مِنْهَا حَظّاً. وَسَاقَ الحَدِيثَ بِنَحْوِهِ. الحديث التاسع: حديثُ الشعبي قَالَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةً رِوَايَةَ - إِنْ شَاءَ اللهُ - ح. وفي رواية: قال الشعبي: سَمِعْتُهُ(١) عَلَى المِنْبَرِ يَرْفَعُهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ل﴾. وفي رواية يَقُولُ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ عَلَى المِنْبَرِ، قَالَ سُفْيَانُ: رَفَعَهُ أَحَدُهُمَا - أُرَاهُ ابْنَ أَبْجَرَ -، قَالَ: ((سَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ: مَا أَدْنَى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: هُوَ رَجُلٌ يَجِيءُ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، فَيُقَالُ لَهُ: ادْخُلِ الجَنَّةَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبُّ! كَيْفَ وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُمْ، وَأَخَذُوا أَخَذَّاتِهِمْ؟ فَيُقَالُ لَهُ: أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ مُلْكِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا؟ فَيَقُولُ: رَضِيِتُ يا رَبِّ، فَيَقُولُ: لَكَ ذَلِكَ، وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ. فَقَالَ فِي الخَامِسَةِ: رَضِيتُ رَبِّ، فَيَقُولُ: هَذَا لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ، وَلَكَ مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ، وَلَذَّتْ عَيْنُكَ، فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ. قَالَ: رَبِّ! فَأَعْلَاَهُمْ مَنْزِلَةٌ؟ قَالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ أَرَدْتُ غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي، وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا، فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنُ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبٍ بَشَرٍ))، (١) في الأصل: ((سمعت المغيرة)). ٣٥٥ قَالَ: وَمِصْدَاقُهُ فِي كِتَابِ اللهِ: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُ مِنْ قُرَةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] الآيَةَ. وفي رواية - صلوات الله وسلامه عليه -: ((سَأَلَ اللّهَ عَنْ أَخَسِّ أَهْلِ الجَنَّةِ مِنْهَا حَظّاً)). وَسَاقَ الحَدِيثَ، أخرجه الترمذي. إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في مواضع : الأول: التعريف برواته سوى ما سلف. (مُطَرِّفٌ)، وهو أبو بكر مطرفُ بنُ طريفٍ المازنيُّ، الكوفيُّ. عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، والشعبي، والحكم، وجماعة. وعنه السفیانان، وابن فضل، وخلق. وَثَّقَهُ القوم، وأثنوا عليه، وأخرج له الستة. توفي سنة ثلاث وأربعين ومئة. وَ(ابْنُ أَبْجَرَ)، وهو عبد الملك بن سعيد بن حبان بْنِ أَبْجَرَ الهمذانيُّ، الكوفيُّ. عن أبي الطفيل، وإياد بن لقيط، وعكرمة، وجماعة. وعنه ابنه عبد الرحمن، وزهير بن معاوية، وأبو أسامة، وخلق. وَثَّقَهُ ابن معين وغيرُه، وأخرج له مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. قال ابن المديني: له نحو أربعين حديثاً. قال زهير بن معاوية: قال ابْنُ أَبْجَرَ: إذا أكلت الجراد نيئاً، أكلك ٣٥٦ ولم تأكله، وإذا أكلته مطبوخاً، لم تأكله ولم يأكلك، وإذا أكلته مشوياً، أكلته ولم يأكلك. الثاني: في الإسناد: * قوله: (سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ رِوَايَةً - إِنْ شَاءَ اللهُ -) ظاهر هذا الكلام: أن سفيان بن عيينة شك في أن الشعبي وَقَفه على المغيرة، أو رفعه إلى رسول الله بَّر، وكذلك قدَّم مسلم - رحمه الله - هذه الرواية؛ لأنها بين الرفع والوقف، ثم أورد رواية الرفع مصرحاً، ثم الذي يرفعه أحد شيخي سفيان، وهما: مُطَرِّف، وابن أَبْجَرَ، ويرفعه الآخر، ثم لمّا ذكر الحديث، أورد رواية ابن أَبْجَرَ عن الشعبي موقوفاً على مغيرة بلا شك، فالشكُّ في الرفع، وغيره في الرواية الأولى، ولذلك ذكر المشيئة احتياطاً، ولا شك أن ذلك غيرُ قادح؛ لما مَرَّ من [أن] الحديث الذي رفعه بعض الرواةدون بعض، فالحكم للرفع. ولمّا أخرج الترمذي هذا الحديث، قال: وروى بعضهم هذا الحديث عن الشعبي، عن المغيرة، ولم يرفعه، والمرفوع أصح. الثالث : فيما يتعلق بالمعنی : * قوله: (مَا أَدْنَى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً؟) لما كان السؤال عن منازل أهل الجنة من الأدنى والأعلى، أورد لفظة (مَا) دون (من)؛ إيماءً إلى أن المراد: بيان معرفة تفاوت المنازل؛ إذ بحسب ذلك التفاوت يحصل التفاوت في النازلين - أيضاً -، فجعل ذلك أصلاً، ولو قيل: (مَنْ) لكان الأصل السؤال عن النازلين، ويقرب عرض السؤال عن ٣٥٧ المنازل وبيان التفاوت فيها، ويحتمل أن يكون السؤال(١). * وقوله: (أَخَذَاتِهِمْ) - بالفتحتین -. : وقوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ أَرَدْتُ) - بالرفع -، وكذا (غَرَسْتُ) بَدَلٌ مِنْ (أَرَدْتُ)، والأصل: أردتُ غرسَ كرامتهم، وإنما قيل: (غَرَسْتُ)؛ إيماء إلى وقوع المراد، وأن غرسَ كرامتهم بعد إرادته قد وقع ورضي، وإنما ذكر الإرادة، وإن كان الفعل لا يتخلف عنها، فلو قيل: غرستُ كرامتهم، لكفى؛ إيماءً إلى أنهم في الأزل - قبل خلق الجنة ورفع منازلها - مقدّرون لذلك النعيم، فالحاصل: أن الواقع أقوى وأدل على المقصود من أن يقال: الذين غرست كرامتهم، وكذا من أردت غرس كرامتهم، وكذا من أردت فغرست، لما في الفاء معنى التعقيب، ولا شك أن الفعل لا يتأخر عن إرادته تعالى. وذكرُ الغرس يومى إلى الثبات والاستقرار، ويناسب الجنة؛ إذ يستعمل ذلك في الأشجار، وغرس الكرامة مجاز عن استقرار التعظيم وثبات التكريم، وذلك بأن يدخل في الجنّة أوّل مرة، من غير توقف ولا سؤال، ولا دخول في النار لأجل مجازاة بعض الأعمال. وقيل: التقدير: غرست دَارَ كرامتهم، والأوّلُ أوجه؛ إذ لا شك أن الغرس مَجازٌ هاهنا، والمراد: بيان أنهم محكومون بالإنعام العام، والإكرام التام، بحيث لا يشاركهم فيه أحد، وأن ذلك مقدر في الأزل (١) بياض في الأصل. ٣٥٨ حين لا يكون غرس، وإيقاع الفعل، وهو الغرسُ على الكرامة التي لا تغرس تحقّق هذا المعنى، وتبين أنّ في الكلام استعارة بالكناية؛ حيث شبّه الكرامة بالكرم ونحوه، واستعارة تخييلية، حيث أثبت شيئاً من لوازم المشبه به، وهو الغرس، فلو قدرت مضافاً، لأخرجت الكلام عن هذا الشيء، ولا يبقى فيه هذه اللطافة. وقد مَرَّ أن اليد، والإصبع، ونحوهما من الأشياء الواردة في النصوص المضافة إلى الله تعالى، فمذهبُ أكثرِ أهل السلف: الإيمانُ بها، وتفويض العلم إلى عالم الغيب والشهادة، بعدَ الجزم بأنه تعالى منزّهٌ عن صفات المخلوقین، ليس بجسم، ولا جسمانيّ، ولا شبيه له ولا نظير، وأكثر الخَلَف يؤوِّلونها بما يليق بالموضع، ويوجد في استعمال العرب؛ فإن اليد - مثلاً - تطلق في استعمالاتهم على القدرة، والنعمة، والملك، ونحوها، فیؤوّلُ الواردُ في هذا الحدیث ونحوه على ما يليق به. وبالجملة: تركُ تقدير المضاف - هاهنا - أَدفعُ بصدر من يُلحد في صفات الله تعالى، ويذهب [إلى] التجسيم؛ إذ لا شك أن الكرامة لیست مما يُغرس حتی یذهب وَهْمُه الخبیٹ إلی تصور غارس وید. * وقوله: (وَمِصْدَاتُهُ) الظاهر أنّ القائل هو المغيرة بن شعبة، ولمّا كان في الحديث نوع غرابة؛ إذ هو إخبار عن أمور المعاد، أكد ذلك بقوله: ((وَمِصْدَاقُهُ فِي كِتَابِ اللهِ». * وقوله: (عَنْ أَخَسِّ أَهْلِ الجَنَّةِ مِنْهَا حَظّاً) الرواية بالخاء المعجمة والسين، بمعنى: أَدْوَنِ أهل الجنة، كما في الرواية الأولى: (أَدْنَى أَهْل ٣٥٩ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً)، ووقع في رواية أبي العبّاس الدَّلاَبِي(١): (أحسن) - بالحاء المهملة وآخرہ نون - وهو تصحیف. ٤٨٧ - (١٩٠ / ٣١٤) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرِ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ أَبِي ذَرُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ﴿: (إِنِّي لأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ الجَنَّةِ دُخُولاً الجَنَّةَ، وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجاً مِنْهَا: رَجُلٌ يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُقَالُ: اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ، وَارْفَعُوا عَنْهُ كِبَارَهَا، فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ صِغَارُ ذُنُوبِهِ، فَيُقَالُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا، وَعَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْكِرَ، وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنْ كِبَارِ ذُنُوبِهِ أَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ، فَيَقَالُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ مَكَانَ كُلِّ سَيّةٍ حَسَنَةً، فَقُولُ: رَبِّ! قَدْ عَمِلْتُ أَشْيَاءَ لاَ أَرَاهَا هَاهُنَ)). فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِدُهُ. ٤٨٨ - (١٩٠ / ٣١٥) - وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرِ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ حٍ، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حٍ، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ كِلاَهُمَا، عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الإِسْنَادِ. (١) وهو المعروف بالعذري. ٣٦٠