النص المفهرس

صفحات 261-280

هُرَيْرَةَ: ((أَنَّ اللهَ قَالَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ: وَمِثْلُهُ مَعَهُ». قَالَ أَبُو سَعِيدٍ:
((وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ مَعَهُ)) يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا حَفِظْتُ إِلاَّ قَوْلَهُ:
((ذَلِكَ لَكَ، وَمِثْلُهُ مَعَهُ)). قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَشْهَدُ أَنِّي حَفِظْتُ مِنْ
رَسُولِ اللهِ وَ﴿ قَوْلَهُ: ((ذَلِكَ لَكَ، وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ)). قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ:
وَذَلِكَ الرَّجُلُ آخِرُ أَهْلِ الجَنَّةِ دُخُولاً الجَنَّةَ.
وفي رواية: ((إِنَّ أَدْنَى مَقْعَدٍ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ أَنْ يَقُولَ لَهُ: تَمَنَّ.
فَيَتَمَّنَّى وَيَتَمَّنَّى، فَيَقُولُ لَهُ: هَلْ تَمَنَّْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَقُولُ لَهُ: فَإِنَّ
لَكَ مَا تَمَنَّيْتَ، وَمِثْلَهُ مَعَهُ)) أخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه،
وأبو داود، والترمذي بعضه.
إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في مواضع:
الأول: في باب السائلين :
* قوله: (أَنَّ نَاساً قَالُوا لِرَسُولِ اللهِ وَهِ: يَا رَسُولَ اللهِ! هَلْ نَرَى
رَبََّا يَوْمَ القِيَامَةِ؟)، وفي ((البخاري)) في هذا الحديث: (أَنَّ النَّاسَ
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ!، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ؟)، فالناس معرّف في
رواية البخاري، والنداء مقدم على السؤال، وفي الكتاب مُنَكَّر،
والنداء مؤخّر، والمعنیان متقاربان.
وفي رواية البخاري إيماءٌ إلى أن السؤال إنما يكون من جمع
كثير، حتى كأنهم الناس على الحقيقة، أو الكاملون منهم المعهودون،
حيث تبادر الذهن إليهم عند الإطلاق.
وفيه: إشعار بعظم هذا السؤال، وأن هذا الأمر ينبغي أن يُعتنى
٢٦١

بشأنه، ويُسأل من كافة الناس في الحقيقة.
وفي رواية الكتاب إيماءٌ إلى أن الصحابة الذين كانوا مصاحبين
للنبي ◌ّ في أكثر الأوقات، قد سمعوا ذلك من النبي - عليه السلام-،
وعرفوه، وإنما سأله ناسٌ قريبو العهد بالصحبة، أو يكون التكثير
للتعظیم.
والثاني: في قوله: (هَلْ تُضَارُّونَ) يروى بضم التاء، والراء
مشددة ومخففة: هل تلحقون غيركم الضَّيْرَ؛ أي: الضرر، أو هل
يلحقكم ذلك في رؤية القمر ليلة البدر، كما يقع ذلك في رؤيته ليلة
الأول من الشهر لأجل الزحام والمخالفة.
وبفتح التاء والراء كذلك بمعناها، والمشهور: ضم التاء مع
تشديد الراء، وأصله: تَضارَرُونَ، أُسكنت الراء الأولى، وأدغمت في
الثانية، وهو يحتمل أن يكون مبنياً للمجهول، وأن يكون مبنياً للفاعل؛
لأن الراء قبل الإدغام يحتمل أن تكون مفتوحة، وأن تكون مكسورة،
وكله من الضرِّ - المشدد -، وأما المخفف، فهو من ضَارَهُ يَضِيرُهُ
ويَضُورُهُ ضَيْراً، فإذا بُنِي لِمَا لم يُسم فاعلَه، قيل فيه: يضار - مخففاً-،
و
وأما فتح التاء، فهي مبنية للفاعل، بمعنی: تتضارون، حذفت إحدى
التاءين استثقالاً.
ويروى: (تَضَامُّونَ) - بفتح التاء والميم مشددة -، أصله:
تَتَضاقُون؛ أي: تجتمعون لرؤيته، وبضمها والميم مخففة، وأصله:
تُضْيَمُون على وزن: تُفْعَلون، ألقيت فتحة الياء على الضاد، وقلبت
٢٦٢

الياء ألفاً؛ لسكونها وانفتاح ما قبلها، فصار: تُضامون، والمعنى:
لا يلحقكم ضَيم، وهو المشقة.
وحاصل الروايات: التنبيه على أنهم كما لا يشكّون في رؤية
القمر ليلة البدر، ولا يلحقهم مشقةٌ في رؤيته، ولا يقع منهم اختلاف
فيه، كذلك يرون ربهم تعالى يوم القيامة في غاية الوضوح بلا ريب،
ولا شك(١) ولا اختلاف.
وإنما قدَّم ذكر القمر على الشمس، مع أن الشمس في الظهور
أقوى من القمر؛ إيماءً إلى ما مَرَّ من أن العبادة هي سبب دخول الجنة،
وبعد الدخول يحصل هذا المرام، ولَمَّا كانت عبادة الليل أقوى وأقربَ
إلى القبول، قدم كوكبه في الشَّبَه، وإلى مثل هذا أومأ في حديث
جرير: ((إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ، لاَ تُضَامُّونَ فِي
رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لاَ تُغْلَبُوا عَلَى صَلاَةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ
غُرُوبِهَا، فَافْعَلُوا))؛ حيث أردف ذلك بذكر الصلاة، وتقديم ذكر
القمر؛ لأجل الإيماء إلى أن زمان كونه كوكبه، وهو الليل، أَدْخَلُ في
العبادة من النهار، والمراد من النهار - هاهنا -: من طلوع الشمس إلى
غروبها، فإن الشبه وقع بظهور الشمس، فأكثر الصلوات المفروضات
تكون بالليل - أيضاً -. ويحتمل أنه أخَّر ذكر الشمس؛ لأن تزيين
الشيطان لها أكثر من تزيينه القمر، ولهذا أكثر من عندها، فَحَسُنَ تقديم
(١) في الأصل: ((ولا ريب)).
٢٦٣

القمر؛ لأن الغواية الموجبة للحرمان عند الرؤية تشبيه أقل، وهذا
- أيضاً - وجه تقديم الشمس على القمر، ((فَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ
الشَّمْسَ)).
والثالث: في الرواية:
* قوله: (فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ) هذا تشبيه للرؤية، وبحالة الرائي
والمرئي، والمعنى: إنكم تستوون في رؤية الله تعالى من غير مضارة
ولا مزاحمة، كما تستوون في رؤية الشمس والقمر عياناً.
وقد تأولت المعتزلة الرؤية في هذه الأحاديث بالعلم، وقالوا:
معناها: أنهم يعلمون الله عياناً، وهذا باطل لفظاً ومعنى.
أما لفظاً، فلأن الرؤية بمعنى العلم، تعدَّى إلى مفعولين، وقد
عُدِّي - هاهنا - إلى واحد، ولا يمكن أن يقال: إنها بمعنى: عرفت؛
لأن العرب لا يستعملونها بمعنى علمت، ويستعملون علمت بمعنى:
عرفت .
وأما معنّى: فلأن التشبيه بالشمس والقمر: أنها تصح بالمعاينة،
لا بالعلم؛ لأن الكفار يعلمونه - أيضاً - في الآخرة بالضرورة، فتخصيصُ
المؤمنين بالذكر، وتخصيص دخول الجنة، وسؤال الله تعالى عنهم؛
لعطاء إنعام آخر سوى ما أنعم، كلها ينافي تأويلهم، ولا شك في
فساده، وإنما اضطرَّتْهم إلى ذلك قواعدُهم الفاسدة.
والرابع: في قوله: (يَجْمَعُ اللهُ النَّاسَ): لمَّا ذكر النبيُّ - عليه
٢٦٤

السلام - [سؤالهم] وجوابهم، وبيَّن لهم أنهم يرون ربهم بلا ريب
ولا استتارة، انتقل إلى ذكر حال الناس يوم القيامة؛ ليستعدوا
لاستحقاق رؤية ربهم، ويحصل لهم علمٌ على حال القيامة، فيعرفوا
منه أن الرؤية مخصوصة بالمؤمنين، لا تحصل لغيرهم قط، ويكون
ذلك تسلية لهم وقوة رجاء فيه، ومُعيناً على التوجه إلى العبادة،
وطلب مرضاة الله تعالى، وتسهيلاً لِمَا يجري عليهم في الدنيا،
وإرشاداً إلى أن الشدائد الدنيوية كَلاَ شدائد بالنسبة إلى الشدائد التي
في الآخرة؛ لأن هذه تنقضي وتزول، وتلك تبقى وتدوم.
اللهمَّ بحقِّ كمالِ ذاتك، وجمالِ صفاتك لا تفضَحْنا يومَ
مُجازاتك، واهْدِنا إلى الثبات على مرضاتِك يا قديمَ الإحسان.
والخامس: في اتباع كل عابد معبوده، ويتبع من يعبد الطواغيت
الطواغيت؛ الظاهر: أن المراد بالطاغوت، كلُّ ما عُبد دونَ الله تعالى،
على ما قاله المحققون، وروي عن ابن عباس، ومقاتل، والكلبي: أن
الطاغوت: الشيطان، وهو - أيضاً - بمعنى الأول؛ لأن كل ما عُبد من
دون الله إنما يُعبد بسبب الشيطان؛ لأنه لمَّا كان الآمر، والمزين (١)
لهم، فکأنهم يعبدونه.
وقيل: الطاغوت: الأصنام، وهو - أيضاً - قريب إلى ذلك.
وبالجملة: الأحسن أن يقال: إن ذكر الطواغيت بعد ذكر الشمس
(١) في الأصل: ((والمترتب)).
٢٦٥

والقمر تعميم(١) بعد التخصيص، ويندرج فيه جميعُ ما يُعبد من دون
الله تعالی.
* وقوله: (وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ) قيل: المراد: أمته - عليه السلام -،
وطَوَى ذكر المؤمنين من سائر الأمم؛ لأن الغرض: بيان الحال لأمته؛
ليحصل لهم الانزجار عن المعاصي، والرغبة عن(٢) الطاغوت،
ويؤيده: حديث أبي موسى الأشعري، مرفوعاً: ((يُحشر الناسُ يومَ
القيامة، فينادي منادٍ: أليس عدلاً مني أَنْ أُولي كلَّ قوم ما كانوا
يعبدُون؟ ثم تُرفعُ لهم آلهتُهم، فيتَّبِعُونَهَا، حتَّى لا يبقى أحدٌ إلا
المؤمنون، فيقال لهم: ما بِكُم؟ قالوا: ما نرى إلهَنا الذي كُنَّا نَعْبُد،
قال: فيتجلَّى لهم - تبارك وتعالى -)) رواه الطبراني.
ويحتمل أن يكون المراد بالأمة: متَبعي الرسل من أيِّ أمة كانت،
فإن كل مَنْ كان على التوحيد، والتزام ما وجب عليه من الأوامر
والنواهي، فهو من أمة الحق، وكل من كان على خلافه، فهو من فرقة
الضلالة، ويدل عليه قوله: ((مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئاً، فَلْيَتَّبِعْهُ))، ولما كان
المؤمنون المتبعون للرسل يعبدون الله تعالى، فلا يتبعون في ذلك
اليوم شيئاً، ويبقون في مكاناتهم، وهذا أوجَه، ويدل عليه - أيضاً -
الحديث الآتي بعد هذا؛ حيث قال: ((إِلَّ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ مِنْ بَرٍّ
وَفَاجِرٍ، وغُبَّرِ أهلِ الكتاب)).
(١) في الأصل: ((يفهم)).
(٢) في الأصل: ((إلى)).
٢٦٦

وأما بقاء المنافقين معهم، فلأجل أنهم [كانوا] في الدنيا
مخلوطين بهم، منخرطين في سلكهم، مظهرين الإيمان بألسنتهم،
فيفعل بهم ذلك - أيضاً - يوم الجزاء؛ مكافأة لفعلهم؛ حيث لم يؤمروا
بابتغاء شيء آخر، وبقوا - أيضاً - في مكانهم مع المؤمنين، فيقوى
رجاؤهم بأنهم فازوا، وصاروا من أهل الإيمان الكامل، وعلَّقوا
رجاءهم بالنجاة الأبد، والروح السرمد، ﴿فَضُرِّبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِئُهُ فِهِ
الرَّحْمَةُ وَظَهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣]، و﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَّكَّهُمْ فِى
ظُلُمَتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧] يحلُّ بهم ما لا يرجونه، وينزل عليهم
ما لا يتوقعونه، بل يرون خلافه، من حصول البأس، ويرون المكروه
بعد رؤية محامل السرور أشدُّ تأثيراً، وأقوى تقطيعاً، ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ
مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧] نعوذ بالله وبكرمه من ذلك، ونسأله
رضاه ورحمته.
السادس: في إتيان الله تعالى في قوله: (فَيَأْتِهِمُ اللهُ تَعَالَى فِي
صُورِهِ) إتيانُ الله تعالى، وإطلاقُ الصورة عليه تعالى من جملة
المتشابهات، وقد كَلَّت أفهامُ القوم فيها، والسلامة: التوقّفُ في ذلك،
والإيمان به، وعدم الخوض في تأويله، مع العلم بأن هذه الظواهر
الواردة في الكتاب والسنة، الموهمةَ التجسيمَ والتشبيه، مستحيلٌ حملها
على ظاهرها؛ لما يعارضها من ظواهر أُخَر؛ كما هو دأب السلف،
﴿وَاُلَّسِخُونَ فِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ، كُلُّ مِنْ عِندِ رَبِنَا﴾ [آل عمران: ٧].
وبعض القوم لما خاضوا في التأويل، قالوا: الإتيان عبارة عن
٢٦٧

رؤيتهم له؛ لأن في العادة أن من غاب، لا يمكن رؤيته إلا بالإتيان.
وقيل: المراد: إتيان بعض الملائكة، وهو أشبهُ، وأشدُّ طباقاً
بالصورة.
وقيل: المراد من الصورة: الصفة، والمعنى: يريهم الله تعالى
شيئاً فيه صفات الحدوث، وسمات المخلوق، ويقال لهم: ((أَنَا رَبُّكُمْ))؛
امتحاناً، وهذا آخر امتحان المؤمنين - على ما قيل -.
ولكن القول بأن المراد: إتيان الملائكة بصورة من صورهم أشدُّ
طباقاً؛ لما جاء في الرواية الأخرى: ((أَتَاهُمْ رَبُّ العَالَمِينَ فِي أَدْنَی
صُورَةٍ))، فإن معناه - والله أعلم -: أقرب صورة إلى صور المخلوقات،
ولذلك استعاذوا منه إلى الله تعالى.
وبالجملة: المعنى: أن هذه الصورة لمَّا خاطبتهم بأنها ربهم،
وقد رأوا عليها سمات الحدوث، استعاذوا منها إلى الله تعالى،
وقالوا: ((نحنُ لا نَبَّرَحُ مِنْ مَكَانِنا هذا حتَّى يجيءَ ربُّنَا))؛ أي: أمره
وخطابه، ((فإذا جاء ذلك، نَحْنُ نعرِفُه))، وإنما عرفوه بعد ذلك أنه
ربهم؛ لِمَا علموا في الدنيا من أنه لا يشبه شيئاً، وهو منزه عن صفات
المخلوقين، فإذا رأوه كذلك، علموا أنه ربهم.
والحاصل: أن في يوم الجمع ما اتبع كلُّ عابد معبودَه، وبقي
المؤمنون في مكانهم غير تابعين لشيء؛ لأنهم ما عبدوا إلا الله تعالى،
وبقي المنافقون مختلطين بالصادقين، والمراؤون متلبسين
بالمخلصين، امتحنهم الله تعالى بإرسال صورة، أو إظهار صفة، فلما
٢٦٨

وفَّقهم إلى الجواب، وثبت أقدامَهم، تجلّى لهم على الصفة التي
يعرفونه، فيقرون بأنه ربهم، ويتبعون أمره.
وظاهر هذا الكلام: أن الاستعاذة من الواقفين في مكانهم
جميعاً؛ من المؤمنين والمنافقين؛ لأن امتياز المنافقين منهم إنما يكون
بعد ذلك، وأما في الحقيقة الاستعاذة من المؤمنين الخلّص خاصة،
والمنافقون وإن كانوا معهم، لكن ينبغي أن تكون الحيرة قد دهمتهم،
والدهشة قد أفحمتهم، حتى بقوا جامدين في مكاناتهم.
والظاهر من حديث أبي سعيد؛ حيث قال: ((حَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ لَيَكَادُ
أَنْ يَتْقَلِبَ)): أن المؤمنين الذين هَمُّوا بالانقلاب، هم الذين لم يكن لهم
رسوخ العلماء، ولا ثبوت العارفين، ولا يكون اعتقادهم عن بصيرة،
وكمالِ علم ونظر، وإنما يكون بالتقليد، فعلم من ذلك أن الثبات على
اليقين في ذلك الموطن العظيم لا يكون إلا للخلّص من المؤمنين.
ثم الواقع في حديث أبي سعيد - على ما سيجيء -: أنهم يُمتحنون
بعد السؤال الأول الذي سُئِلوا عند رؤية الصورة بالسجود، فمن كان
يعبد الله تعالى بالإخلاص، يَقدِرُ على السجود، ومن لم یکن کذلك،
لا يقدر عليه، بل كلما أراد أن يسجد، خَرَّ على قفاه، ثم يرفع المؤمنون
الخلص رؤوسهم من السجود، ویرون ربهم.
وبالجملة: الروايات متوافقة على أن الاستعاذة من المؤمنين
الخلَّص، والاحتمال الذي ذكره الخطابي: أن الاستعاذة من المنافقين
٢٦٩

خاصةً، بعيدٌ جداً، اللهمَّ إلا أن يكون مراده: أنهم إذا قيل لهم: ((فَمَا
تَنْتَظِرُونَ؟ تَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ» على ما جاء في رواية أبي سعيد،
فحينئذ استعاذوا من اتباع غير الله تعالى، زعماً منهم بأن تستُّرهم
بالمؤمنين، وإخفاءهم الكفر يفيدهم هنا، كما كان يفيدهم في الدنيا،
وهذا لجهلهم بالله وصفاته، فهذه الاستعاذة غير الاستعاذة المذكورة
في هذا الحديث؛ لأنها مذكورة - أيضاً - من حديث أبي سعيد،
فيحتمل أن يكون المراد من الاستعاذة الأولى: استعاذتهم خاصة؛
لأنهم لمَّا كانوا مختصين من بين القوم الواقفين بالموقف بهذا
الخطاب، احتمل أن تختص الاستعاذة بهم.
وأما هذه الاستعاذة المذكورة في هذا الحديث المصرحة في
حديث أبي سعيد، فلا معنى للحمل على استعاذتهم قطعاً، فضلاً عن
الحمل على اختصاصهم.
والسابع: في الصراط:
* قوله: (وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ) فیه تصريح بإثبات
الصراط، وفي رواية أخرى: (ثُمَّ يُضْرَبُ الجِسْرُ عَلَى جَهَنَّمَ))، وفي
رواية البخاري: ((يُؤْتَى بِالجَسْرِ، فَيُجْعَلُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ)).
وبالجملة: الروايات متفقة على وجوده، وأنه على متن جهنم،
يمر عليه الناس، أدقُّ من الشعر، وأَحَدُّ من السيف، فالمؤمنون يمرون
عليه بفضل الله تعالى على حسب منازلهم، على ما قال: ((فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ،
وَمَخْدُوشٌ))، وعبورهم - أيضاً - بحسب ذلك، على ما جاء: ((فَيَمُرُّ
٢٧٠

المُؤْمِنُونَ كَطَرْفِ العَيْنِ(١)، وَكَالبَرْقٍ، وَكَالرِّيحِ، وَكَالطَّيْرِ، وَكَأَجَاوِيدِ
الخَيْلِ وَالرِّكَابِ)) - جعلنا الله تعالى وإخواننا من الناجين المسلمين،
المارین علیها بأسهل ما يمكن، بفضله وكرمه -.
والآخرون يسقطون في جهنم كما جاء: ((وَمَكْلُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّم)).
وأنكر الصراطَ أكثرُ المعتزلة، وتردد فيه الجُبَّائي نفياً وإثباتاً،
وقالوا: لا يمكن العبور عليه على الوصف الذي وصف، وإن أمكن،
ففيه تعذيب المؤمنين، ولا عذاب عليهم يوم القيامة.
والجواب: أن القادر المختار يتمكن من العبور عليه ويُسَهِّلُه
علیھم - کما مر -.
والأصل فيه وفي أمثاله الإمكانُ العقلي، وهو حاصل - هاهنا -؛
إذ لا يلزمه من فرضه محال، وإخبار الصادق بوجوده، وقد أخبر
المغيرة بن شعبة، قال: قال رسول الله وَله: ((شِعَارُ المُؤْمِنِ عَلَى
الصِّرَاطِ : رَبِّ سَلُّمْ سَلِّمْ)).
وعن أنس، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ أَنْ يَشْفَعَ لِي يَوْمَ القِيَامَةِ،
فَقَالَ: (([أَنَا فَاعِلٌ] إِنْ شَاءَ الله))، قُلْتُ: فَأَيْنَ أَطْلُبُّكَ؟ قَالَ: ((اطْلُئِي أَوَّلَ
مَا تَطْلُنِي عَلَى الصِّرَاطِ»، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عَلَى الصِّرَاطِ؟ قَالَ:
((فَاطْلُِي عِنْدَ الِمِيزَانِ))، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عِنْدَ الِمِيزَانِ؟ قَالَ: ((فَاطْلُنِي
عِنْدَ الحَوْضِ، فَإِّي لاَ أُخْطِئُ هَذِهِ المَوَاطِنَ الثَّلاثَةَ)) أخرجهما الترمذي.
(١) في الأصل: ((يمر المؤمن عليها كالطرف)).
٢٧١

وعن عائشة، قَالَتْ: ذَكَرْتُ النَّارَ، فَبَكَيْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَّ:
((مَا يُبْكِيكِ؟))، قُلتْ: ذَكَرْتُ النَّارَ، فَبَكَيْتُ، فَهَلْ تَذْكُرُونَ أَهْلِيكُمْ يَوْمَ
القِيَامَةِ؟ [قَالَ رَسُولُ اللهِ وَه]: ((أَمَّا فِي ثَلاَثَةٍ مَوَاطِنَ، فَلاَ يَذْكُرُ أَحَدٌ
أَحَداً عِنْدَ المِيزَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَخِفُّ مِيزَانُهُ أَوْ يَعْقُلُ، وَعِنْدَ تَطَايُرِ
الصُّحُفِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيْنَ يَقَعُ كِتَابُهُ؛ فِي يَمِينِهِ أَمْ فِي شِمَالِهِ، أَمْ مِنْ وَرَاءِ
ظَهْرِهِ، وَعِنْدَ الصِّرَاطِ، إِذَا وُضِعَ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ حَتَّى يَجُوزَ)) أخرجه
أبو داود.
ويجيء من حديث عائشة - أيضاً -: ((أنَّ النَّاسَ على الصِّراطِ يومَ
تبدّلُ الأرضُ غيرَ الأرضِ)).
وفي حديث أبي سعيد: ((يَخْلُصُ المؤمنونَ على الصِّراطِ»، وقد
مَرَّ(١) هذا الحديث وغيره من الأحاديث.
وعن عائشة، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! هَلْ يَذْكُرُ الحَبِيبُ
حَبِيبَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ: ((يَا عَائِشَةُ! أَمَّا عِنْدَ ثَلاَثٍ، فَلاَ))، وذكر مثل
مامرَّ، ثم قال: ((وَلِجَهَنَّمَ جِسْرٌ أَدَقُّ مِنَ الشَّعَرِ، وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ،
عَلَيْهِ كَلاَلِبُ وَحَسَكٌ يَأْخُذُونَ مَنْ شَاءَ اللهُ، وَالنَّاسُ عَلَيْهِ كَالطَّرْفِ،
وَكَالْبَرْقٍ، وَكَالرِّيحِ، وَكَأَجَاوِيدِ الخَيْلِ وَالرِّكَابِ، وَالمَلائِكَةُ يَقُولُونَ:
رَبِّ سَلَّمْ، رَبِّ سَلِّمْ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَمَخْدُوشٌ مُسَلَّمٌ، وَمُكَوَّرٌ فِي النَّارِ
عَلَی وَجْهِهِ) رواه أحمد، وإسناده حسن.
(١) في الأصل: ((كان)) بدل («مرَّ)).
٢٧٢

وإذا أخبر المخبر الصادق بهذا، فوجب الإيمان به، والاعتقاد
بثبوته .
* وقوله: (فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّلَ مَنْ يُچِيزُ) - بضم الياء وكسر
الجيم، وآخرها زاي -؛ من الجواز، وهو العبور والقطع، يقال: جُزْتُ
المكان، وأجَزْتُهُ، وجَاوزْتُهُ، وتَجَاوَزْتُهُ، بمعنى، وأكثر ما يستعمل في
الصراط: أجاز، ومنه: أعانك الله على إجازة الصراط.
حكي عن الأصمعي: أنه قال: أجَزْتُه: قطعته، وجُزْتُه: مشيتُ
فيه، ويحتمل أن يقال: إن الهمزة في أجاز للتعدية؛ من قولهم:
أجيزي صرفةُ؛ أي: أجِزْنا، وذلك أن صرفةً كان رجلاً معظَّماً في
قریش، يُقتدى به في مناسك الحج، فلا يجوز أحد من موقفه حتى
يجوز، فكان الناس يستعجلونه، فيقولون: أجز صرفة؛ أي: ابتدئ*
بالجواز حتى نجوز بعدك، وكان يمنعهم بوقوفه، ويجيزهم بجوازه،
ثم بقي ذلك في ولده، فقيل للقبيلة: أجيزي صرفة، فكذلك جواز
الرسول مل وأمته على الصراط، فلا يجوز أحد حتى يجوز هو وأمته،
فكأنه یجیز الناس.
وبالجملة: في هذا وعدٌ لأمته - عليه السلام - بأنهم سابقون في
جواز الصراط، بادئون(١) في دخول الجنة قبل سائر الناس، وفي
((البخاري)): ((مَنْ يُجِيزُهَا))، وفي بعض الكتب: ((مَنْ يُجِيزُهُ))، والكل
(١) في الأصل: ((ما يرون)).
٢٧٣

واحد؛ لأن الصراط يذكَّر ويؤنث؛ كالسبيل، والطريق.
وعن عبد الله بن محمد، مرفوعاً: ((شِعَارُ أُمَّتِي إِذَا حُمِلُوا عَلَى
الصِّرَاطِ: يَا لا إِلَهَ إِلا الله) رواه الطبراني.
والخامس: في كلام الرسل:
، قوله: (وَلاَ يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إِلاَّ الرُّسُلُ) لمَّا كان يوم القيامة يوماً
طويلاً، ذا مواطن كثيرة، جعل كل طائفة من أجزائه إيماء إلى أن كل
جزء وكلَّ طائفة منه بمنزلة يوم من أيامكم، بل أطول وأكثر، وبهذا
يجمع بين النصوص الواردة في التكلم والسؤال، وعدم الإذن فيه،
والاعتذار والسكوت، وغير ذلك مما يتخالف ظاهراً وكلياً، واقع في
ذلك اليوم، فمعنى (لاَ يَتَكَلَّمُ یَوْمَئِذٍ): كلاماً يفيد الغير، ويُعتد به في
الشفاعة (إِلَّ الرُّسُلُ)؛ فإن شفاعة المؤمنين لإخوانهم إنما تكون بعد
دخولهم الجنة، على ما سيصرّح بعد هذا، فيكون الكلام المفيد في
المحشر المشتمل على استخلاص الغير، إنما يصدر من الرسل فقط،
ويندرج فيه الأنبياء والملائكة - عليهم السلام -، وربما يؤيد هذا
الاحتمال قوله: (يَوْمَئِذٍ) في قوله: (وَدَعْوَى الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ
سَلِّمْ)؛ فإنه لو قال: ودعوى الرسل (سَلِّمْ سَلِّمْ) بدون ذكر (يَوْمَئِذٍ)،
لكان يفيد فائدته، وإنما كرر؛ ليعلم أن اختصاصهم بالتكلم هو هذا
الكلام، والتعبير بلفظ (الرُّسُلِ) دون (الأنبياء) ربما يُشعر بدخول
الملائكة فيهم، وشموله لهم، وقد مَرَّ في حديث عائشة: ((وَالمَلاَئِكَةُ
يَقُولُونَ: رَبِّ سَلِّمْ، رَبِّ سَلِّمْ)) وفي تكرير لفظ (سَلِّمْ) إيماء إلى أنهم
٢٧٤

يكررون هذا القول، ويشتغلون بالدعاء في هذا الموطن، لا ينتهون
عن ذلك قط، وذلك لعلمهم بكمال رحمة الله تعالى، وحاجة القوم
إلى الدعاء، فالواجب عليهم؛ نظراً إلى كونهم أصفياءَ الله تعالى: أن
يطلبوا التخفيف والرَّوح لأتباعهم في الدين، وأشياعهم في سلوك
مسالك الیقین.
والتاسع: ما على الصراط:
: قوله: (وَفِي جَهَنَّمَ كَلاَلِيبُ) لمَّا كان الصراط على متن جهنم،
والكلاليب التي فيها تكون في جهنم، فلا ينافي ذلك ما ورد في الرواية
الأخرى؛ بأن في الصراط كلاليب، ويحتمل أن يكون في جهنم
كلاليب، وفي الصراط - أيضاً - كلاليب أُخر، وربما يؤيد هذا: ذكرُ
الخطاطيف والحسك في الصراط مع الكلاليب، والاقتصار على
الكلاليب في ذكر جهنم، - وأيضاً -: لمَّا كان في الخطاطيف معنى سرعة
الأخذ، وفي الحسك المنع من العبور عليه، فناسب أن يذكر ذلك مع
الكلاليب في الصراط، فيكون الجميع موجوداً فيه، والكلاليب في جهنم
فقط؛ لأن المقصود: وجود شيء يجذب الناس إليها، ويوقعهم فيها.
والكلاليب جمع كُلاَّب - بضم الكاف -، وهي حديدة معطوفة
يعلّق عليها اللحمُ، ویرسل في التنور، والكلأَّب - بفتح الكاف وتشديد
اللام-، بمعناه.
وقال في ((الأساس))، و((المطالع)): هي خشبة في رأسها عُقَّافة
منها، أو من الحديد، والخطاطيف: جمع خُطَّاف - بضم الخاء وتشديد
٢٧٥

الطاء -، وهي كل حديدة محناة، ومخالبُ السباع خطاطيفُها، والكلُّ
من الخَطْف، وهو استلاب الشيء، وأخذه بسرعة، والخَطّاف - بفتح
الخاء وتشديد الطاء -: الشيطان؛ لأنه يخطف السمع.
وفي ذكر الكلاليب والخطاطيف - نظراً إلى مناسبة الألفاظ - إيماءٌ
إلى أن سبب وقوعهم في النار، وعليه جذبُ تلك الكلاليب لهم،
ما يكون فيهم من الاعوجاج في الدنيا، والخروج عن الاستقامة، وما كان
فيهم من الكلبية والسبعية.
والسَّعْدَانَ - بفتح السين وإسكان العين المهملتين -: نبتٌ له شوكة
عظيمة من كل جانب، يقال لها: حسك السعدان، والسعدان مما ترعاه
الإبل، وفي المثل: مَرْعَى ولا كالسَّعدان.
ولمَّا كان في السعدان من الشوك، كان كثيراً ما يشتغل في العقدة،
يقال: عقد سَعْدَانَةِ النَّعْلِ، وهي عُقْدَة الشَّسْع تحتها، وسعدانات
الميزان: العُقَد التي في أسفله.
ولا يخفى مناسبة ذكر السعدان - هاهنا - أيضاً؛ لما فيه من العقدة،
وأنهم يُجازَوْن بها؛ لما في بواطنهم في الدنيا من العقد الفاسدة؛ من
الكفر والغل والحسد.
ومناسبة الحسك؛ لما فيه من معنى العداوة والحقد، يقال: هو
حَسِكُ الصَّدر على فلان: إذا كان له عداوة أكيدة معه، وفيه معنى
البخل والإمساك والإصرار على الشيء.
ومنه حديث أبي أمامة: أنه قال لقوم: إنكم محسكون؛ أي:
٢٧٦

ممسكون مصرُّون على القبيح.
* وقوله: (مَا قَدْرُ عِظَمِهَا) روي برفع الراء على أن تكون (مَا)
استفهامية، ويكون خبراً مقدماً، و(قَدْرُ) مبتدأ، وبنصبها على أن تكون
(مَا) زائدة، و(قَدْرَ) مفعول (يَعْلَمُ).
والعاشر: في مراتب الجائزين على الصراط:
* قوله: (تَخْطَفُ) يروى بفتح الطاء وكسرها، وقرئ بهما في
قوله تعالى: ﴿يَكَادُ الْرَّقُ يَخْطَفُ أَبْصَرَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠] الآية، والمعنى:
تخطف الكلاليب؛ أي: تأخذ بسرعة وخفة من غير مکث.
وإيطاءُ الناس بسبب أعمالهم القبيحة، فمن لم يكن عمله قبيحاً،
لا تخطفه الكلاليب، فعلى هذا يكون المراد: أن الخطف لا يكون
لجميع الناس، بل للذين يعملون القبيح، ويتبعون الخَطّاف، وهو
الشيطان، ويحتمل أن يراد بخطف الكلاليب الناس بقدر أعمالهم: أن
منهم من تعلق به، ويخلص منها بشدة ومشقة، ومنهم من يتعلق به،
ولا يخلص منها، فيجذبه إلى النار، ومنهم من لا يتعلق به أصلاً، فيكون
المجاز في الخطف، والناس على عمومه، وفي الأول بالعكس.
* وقوله: (فَمِنْهُمُ المُوبَقُ، وَمِنْهُمُ المُجَازَى)، يروى: (فَمِنْهُمُ
المُؤْمِنُ يَقِيَ) - بالياء -؛ من الوقاية؛ يعني: فمنهم السالمُ يحفظ نفسَه
بعمله؛ فإن عمله لمَّا كان خيراً، حصل له الوقاية والحفظ من تعلق
الكلاليب به، وإيقاعِه في جهنم.
ويروى: (المُؤْمِنُ) كذلك، و(بَقِي) - بالباء الموحدة - من البقاء،
٢٧٧

يقال: ما بَقِيَتْ منه باقية؛ أي: ما تركت؛ يعني: منهم السالم يُترك
بعمله، فلا تتعلق به الكلاليب، فالروايتان متقاربتان في المعنى.
ويروى (المُوبَقُ بِعَمَلِهِ)؛ أي: الهالك بسبب عمله، ومنه:
الموبقات؛ للمهالك.
ويروى (المُوبَقُ) كذلك بزيادة (يعني) بينه وبين قوله: ((بِعَمَلِهِ))
تفسيراً.
ويروى: (المُوثَقُ) - بالثاء المثلثة - (بِعَمَلِهِ)، وهي بمعنى الموبق
- أيضاً -.
والحاصل: أن في الكلمة الأولى ثلاث روايات: (المُؤْمِنُ)،
و(المُوبَقُ)، و(المُوثَقُ)، وفي الثانية إن وجدت - أيضاً - كذلك: (بَقِي)
- بالباء -، و(يَقِي) - بالياء -، و(يعني) تفسيراً، فالروايات خمس،
الثلاث مع هذه الرواية في كل واحدة بوجه، واثنتان بدونها، واختار
النووي الأولى من الروايات، والقاضي الثانية منها.
، وأمّا قوله: (وَمِنْهُمُ المُجَازَى) فيروي العذري كذلك بالجيم
والزاي؛ من المجازاة. ويروي أبو سعيد: (المُخَرْدَلُ) - بالخاء المعجمة
والراء والدال المهملتين في آخرها لام-، ويروي بالذال المعجمة
- أيضاً -، ومعناه: القطعُ، يقال: خَرْدَلْتُ اللحم؛ أي: قطعته، ويروي
بالجيم والدال مهملة ومعجمة؛ بمعنى: المشرف على الهلاك، يقال:
جَرْدَلته؛ أي: أشرفته على الهلاك والسقوط، ففي هذه الكلمة ثلاث
روايات مرجعها إلى معنيين: الناجي، والهالك، كما أن مدار معنى
٢٧٨

الكلمة الأولى - أيضاً - كذلك، فالواجب في الرواية أن يقرأ في كل
كلمة بما يقابل الآخر، (فَمِنْهُمُ المُؤْمِن)، (وَمِنْهُمُ المُخَرْدَّلُ)، (وَمِنْهُمُ
المُوبَقُ، أَوْ المُوثَق)، (وَمِنْهُم المُجَازَى)، وفي ((البخاري)). ((فَمِنْهُمْ
المُوبَّق؛ يَعْنِي: بِعَمَلِهِ))، أو ((المُوثَقُ بِعَمَلِهِ)) - على الشك -، وكذا:
((فَمِنْهُمْ المُخَرْدَلُ، أَوْ المُجَازَى، أَوْ نَحْوِهِ)) - على الشك أيضاً -.
* وقوله: ((حَتَّى يُنَجَّى)) غاية العبور؛ بمعنى: حتى يُنَجَّى الناجي،
ويهلك الهالك، واختص الناجي؛ لفضله؛ إذ هو المستحق لأن يذكر.
وقيل: يتعلق بقوله: (وَمِنْهُمُ المُجَازَى حَتَّى يُنَجَّى) بالجواز،
والأوّلُ أوجه؛ لأن (حَتَّى يُنَجَّى) موجود على روايتي: (المُجَازَى)،
و(المُخَرْدَلُ)، ولا يصح تعلقه به على تقدير رواية (المُجَرْدَلُ)،
اللهم إلا بطريق التهكم، كما في [قوله] تعالى: ﴿فَبَشِرُهُم بِعَذَابٍ
أَلِيمٍ ﴾ [آل عمران: ٢١].
* وقوله: (حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللهُ مِنَ القَضَاءِ بَيْنَ العِبَادِ) الظاهر أن
(حَتَّى) غاية للخطف؛ يعني: خطفُ الكلاليبِ الناسَ، فمنهم
المنجّى، ومنهم الهالك، ولم يزل الأمر كذلك حتى فرغ من ذلك،
ودخل مَنْ دخل الجنةَ، ودخل من دخل النارَ، فالمراد: الفراغ من
القضاء بين أهل الجنة وأهل النار، وتتميم الحساب؛ لأن الله تعالى
لا یشغله شأن عن شأن.
والحادي عشر: إخراج العصاة من المؤمنين من النار:
قوله: (وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ بِرَحْمَتِهِ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ)
٢٧٩

الأحاديث الواردة في هذا المعنى يحصل من جملتها - إن شاء الله
تعالى -: إذا حكم على أهل الجنة بالدخول فيها، وعلى أهل النار
كذلك، يشفع الداخلون في الجنة لإخوانهم من المؤمنين، فيأذن الله
- تبارك وتعالى - لهم، فيخرجون من النار جماعات، مرَّات متفرقة
- على ما سيجيء - من أنهم يؤذن لهم في إخراج من كان في قلبه مثقال
دينار من إيمان، إلى أن يبلغ في المرة الأخيرة أن يؤذن لهم في إخراج
من كان في قلبه مثقال ذرة منه، ويشفع الملائكة والنبيون، ويؤذن
لهم، فيخرجونهم من النار جميعاً، ويدخلونهم الجنة، ويشفع نبينا
- عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات - أيضاً خاصة، ويُخرج جمعاً
كثيراً، ويُدخلهم الجنة، فإذا حصل جميع ذلك، وسمع الله شفاعة
الكل، وأخرجوا من أخرجوا من النار، حتى ظن أنه لم يبق من أهل
الإيمان فيها أحد، أدرك الذين في علم الله تعالى أن في قلوبهم شيئاً
منه رحمةُ الله تعالى، فيخرجهم من النار بكمال رحمته من غير شفاعة
أحد، ويُدخلهم الجنة، وهم عتقاء الله خاصة، وإن كان جميع أهل الجنة
كذلك، ولكن لمَّا كان في هؤلاء معنى خاص، وهو أنهم يدخلون الجنة
بلا استحقاق عمل، ولا شفاعة أحد، اخْتُصُوا بهذا الاسم.
فالحاصل: أن المُخْرَجِينَ من النار أصناف؛ بعضهم مُخْرَجون
بشفاعة المؤمنين، وبعضهم بشفاعة الملائكة، وبعضهم بشفاعة الأنبياء
- عليهم السلام -، وبعضهم بشفاعة نبينا خاصة، وبعضهم بكمال
رحمة الله تعالى من غير شفاعة أحد، ولكل واحدة من هذه الأصناف
٢٨٠