النص المفهرس

صفحات 241-260

أشار إلى أن أبا كريب قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ)، وأبا بكر قال: (عَنِ
الأَعْمَشِ)، فيكون بين روايتي أبي كريب وأبي بكر عن الأعمش فرقٌ؛
فإن في أحدهما: (حَدَّثَنَا)، وفي الآخر: (عَنِ)، وإنما أَخَّر هذا الكلام
إلى هذا الموضع، مع أن دأبه ذكرُ الفرق في أوّل الإسناد؛ لأمرين؛
أحدهما: في المتن، وهو لفظ (النار) بدل (النُّورُ)، والثاني: في
الإسناد، وهو هذا، فدل الحديث بإسناد أبي كريب، ثم ذكر التفاوت
في إسناد حديث أبي بكر ومتنه.
والثاني: أن الأعمش مدلِّس كما مَرَّ - والرواية عن المدلس يعني
ليست بقوية ـ فأخَّر هذا الكلام؛ لیعلم أن إيراد الحديث لأجل رواية
أبي كريب الدالة على الاتصال، وإنما ذكر رواية أبي بكر - أيضاً -
لأجل بیان التفاوت.
٢٤١

(٥٤)
باب
إثبات رؤية المؤمنين ربهم
- سبحانه وتعالى - في الآخرة،
وكلامه معهم
٤٦٦ - (١٨٠ / ٢٩٦) - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ، وَأَبُو
غَسَانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعاً، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ
عَبْدِ الصَّمَدِ - وَاللَّفْظُ لأَبِي غَسَّانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الصَّمَدِ -،
حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ
أَبِهِ، عَنِ النَّبِّ لَهِ، قَالَ: ((جَنَتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا،
وَجَنْتَانٍ مِنْ ذَهَبٍ آنِيُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ القَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى
رَبِّهِمْ إِلَّ رِدَاءُ الكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدٍْ».
أخرج - هاهنا - أحدَ عشرَ حديثاً:
الأول: حديث أبي موسى عبدالله بن قيس، عن النبي - عليه
السلام -: أنه قال: ((جَنََّانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانٍ مِنْ
ذَهَبِ آنِيُّهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ القَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلاَّ
رِدَاءُ الكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدٍْ)).
أخرجه البخاري، والترمذي في (صفة الجنة)، وأبو داود في
٢٤٣

(الإيمان)، والنسائي في ((الكبرى))(١)، وابن ماجه في (السنة).
إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في مواضع :
الأول: في المناسبة:
لما ذكر في الباب المتقدم ما يدل على عدم رؤية النبي - عليه
السلام - ربَّه في المعراج، استشعر أنْ يُظَنَّ أن مذهبه امتناعُ رؤيته
تعالى مطلقاً، واستحالته دائماً، كما ذهب إليه أهلُ البدع من المعتزلةِ
والخوارجِ وبعضٍٍ المرجئة، فأورد الأحاديثَ الدالةَ على رؤية المؤمنين
في الآخرة ربّهم - سبحانه وتعالى - كما هو مذهب أهل الحق، ونطقت
بها الآيات الكريمة في الكتاب العزيز، ووردت بها الأحاديث الصحاح
عن سيد المرسلين، ورواها جمع كثير من الصحابة، والشكوك الواردة
من طرف الخصوم مُنْحلَّة، والشبه مضمحلَّة، لا ينبغي أن يُلتفت
إليها، وقد حُقق ذلك في علم الكلام.
الثاني: في التعريف برواته سوى ما سلف: عبد العزيز، وشيخه،
وأبي بكر.
وأما (عبد العزيز)، فهو أبو عبد الصمد عبد العزيز بن عبد الصمد
العَمِّي.
عن منصور بن المعتمر، وحصين بن عبد الرحمن، ومطر
الوراق، وجماعة.
وعنه أحمد، وابن راهويه، وابن معين، وابن المديني، وخلائق.
(١) في الأصل: ((التقوى)).
٢٤٤

وَثَّقَهُ أحمد، وأبو داود، وأخرج له الستة.
وقال أبو حاتم: صالح.
وقال الفلاَّس: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يوم مات عبدُ
العزيز يقول: ما مات شيخ منذ ثلاثين [سنة] شبهه، أو مثله، أو أوثق
منه .
توفي سنة سبع وثمانين ومئة.
وأما (شيخه)، فهو أبو عمران عبدُ الملك بن حبيب الجَوْنيُّ،
الأزديُّ، أحدُ علماء البصرة.
عن جندب بن عبدالله، وأنس بن مالك، وعائذ بن عمرو،
وجماعة.
وعنه سليمان التيمي، وابن عون، وشعبة، والحمادان، وخلائق.
وَثَّقَهُ ابن معين وغيره، وأخرج له الستة .
وقال أبو حاتم: صالح.
وقال الفلاس: مات سنة ثمان وعشرين ومئة.
وأما (أبو بكر)، فقيل: اسمه عمرو، وقيل: عامر بن أبي موسى
الأشعري.
عن أبيه، وجابر بن سمرة، وابن عباس، والبراء، وغيرهم.
وعنه أبو إسحاق السبيعي، وابنه يونس بن أبي إسحاق، وبدر بن
عثمان، وجماعة .
٢٤٥

أخرج له الستة.
قال ابن سعد(١): كان أكبر من أخيه أبي بردة.
الثالث: في المعنى :
·قوله: (جنتان)، والمراد بهما: إِمَّا العدد اختصاراً، ويكون
بياناً لصنف من الجنان، واقتصر على الاثنين من كل منهما.
وإِمَّا المراد: الزوج(٢)؛ أي: زوج من هذا، وزوج من ذلك، من
غير ملاحظة العدد .
ويحتمل أن يكون المراد: أن لكلِّ عاملٍ مستحقِّ لدخول الجنة
جنتان من فضة، وجنتان من ذهب.
والأقرب أن يراد: أنَّ عن أحد جانبي جنة العدن جنتين من
فضة، وعن الجنب الآخر جنتين من ذهب، حتى تكون جنة العدن في
الوسط .
وربما يستدل [على] ذلك بذكر جنة العدن بعد ذكرهما؛ كما مُثِّل
في قوله تعالى: ﴿جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ [سبأ: ١٥] الآية، ويؤيده:
رواية الترمذي: ((إِنَّ فِي الجَنَّةِ جَنَتَيْنٍ))، وساق الحديث.
وقدَّم ذكر الفضة؛ لأن المقام مقامُ الترقي، وروعي ذلك في
(١) في الأصل: ((ابن الخير)).
(٢) في الأصل: ((الرفع)).
٢٤٦

تقديم ذكر الآنية - أيضاً -، فإنه بيان كون الآنية لذلك فقط، والغرض
الترقي في صفة الجنة، لا في بيان فضيلة الآنية، والترقي في توصيفها
إنما يكون بهذا الطريق، وفي العكس يكون القصد إلى بيان فضيلة
الآنية، وليس الغرض ذلك.
والرداء يستعار في المعروف، قال:
غَمْرُ الرِّداء إذا تَبَسَّم ضاحِكاً
وللسيف، قال:
يُنَازِعُنِي رِدَائِي عَبْدُ عَمْرٍو
رُوِيْدَكَ يَا أَخَا عَمْرِو بْنِ بَكْرٍ
لِيَ الشَّطْرُ الَّذِي مَلَكَتْ يَمِينِي
فَدُونَكَ فَاعْتَجِرْ مِنْهُ بِشَطْر
إذ بكل واحد من المعروف والسيف يُصان عرضُ صاحبه صونَ
الرداء لما يُلقی علیه.
وبالجملة: استعمالُ العرب الرداءَ في كلامهم بمعنى: الشيء
الذي يُصان(١) به الشيء عن الابتذال، ويُحفظ من التغير والزوال كثيرٌ،
واستعمالُهم الاستعاراتِ في الكلام، وعدُّها ذلك من المُحَسِّنات أمرٌ
(١) في الأصل: ((يصون)).
٢٤٧

واضح لا يخفى على المتأمل في كلامهم، ولذلك ذكر النبي - عليه
السلام - الرداءَ في صفات الله تعالى؛ جرياً على قواعدهم، وخطاباتهم
بما يعرفون ويستعملونه في كلامهم، فاستعار النبي - عليه السلام -
لعظم سلطان الله تعالى وكبريائه وعظمته وهيبته وجلاله لفظَ الرداء في
هذا الحديث، وفي حديث آخر: ((الكِبْرِيَاءُ رِدَائِ، وَالعَظَمَةُ إِزَارِي)»،
ولا شك أن الكبرياء والعظمة ليسا من جنس الثياب، حتى يَظُنَّ ظانٌّ
اختصاصَ شيء من ذلك بالله تعالى، بل المراد: اختصاصُ الكبرياء
والعظمة به - تعالى وتقدس - لا يشاركه فيها أحد، كما يختص الثوب
بصاحبه، ألا ترى إلى آخر الحديث: ((مَنْ نَزَعَنِي وَاحِداً مِنْهُمَا،
قَصَمْتُهُ ثُمَّ قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ))، فعلم أن المقصود: أن الكبرياء والعظمة
مختصان به، ليس لأحد فيهما مشاركة، كما في سائر صفاته، ومن
خَطَر بباله شيء من مشاركة الغير في صفة من صفاته، فلا شك في
استحقاقه العذاب الشديد.
ومثل هذه الاستعارة ما جاء في قوله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ
اٌلْجُوعِ وَالْخَوْفِ ﴾ [النحل: ١١٢] الآية، ومن لم يكن له تدرُّبٌ بصناعة
المعاني والبيان، [وآليس له اطّلاع على أساليب أرباب اللسان، يتحير
في أمثال هذه المقامات، فمن ثلاثة: [جاهلِ] مَحْضٍ أجرى الأمرَ
على ظاهره، فقالَ بالتجسيم والتشبيه، ومن مخضرم في النباهة
استحال ظواهرَها، ولم تتضح له وجوهُها بجهله بكلام العرب
واستعمالاتهم، [أو كان] قاصاً، فإما كذَّب الأصل؛ كالمعطّلة، أو
٢٤٨

كذَّب هذه الآثار، وطرحَها؛ كالمعتزلة، ومرجعُ الكل [إلى] الجهل
بأساليب الكلام، والنباهة عن تفطن أساليب العرب من الخواص
والعوام، ومجيءٍ ذلك كلُّه في الكتاب العزيز على أحسن الوجوه
وأكمل الطرائق.
وما اندرج من كنوز الحقائق، وكشف القناع عن ذلك في هذا
المقام، وبيان أن الوارد في الحديث الذي نحن بصدده، والحديث
الآخر الذي ذكرنا من أيِّ أنواع الاستعارة، والوارد في الآية الكريمة
من أيِّ أنواعها، والفرقُ بين كلِّ واحد منها يُخرج الكلامَ عن
المقصود؛ إذ الغرض - هاهنا - بيان أن الاستعارة موجودة في كلام
العرب، معدودة عنهم من مجالس [ ... ]، وسنشير - إن شاء الله - في
كل موضع [إلى] ما يليق بيانه. فلنرجع إلى الكتاب.
· فقوله: (رِدَاءُ الكِبْرِيَاءِ) ويروى: (رِدَاءُ الكِبْرِ)، و(رِدَاءُ
الکبریاءِ) كلاهما بمعنی، والمراد: أن عظمته وجلاله و کبریاءه - تعالى
وتقدس - مانعٌ من إدراك المخلوق له، وأن يروه بأبصارهم، مع
أن رحمته ورأفته قريب إليهم، وذلك يقتضي أن لا يحرمهم من كل
ما فيه بُغْيتهم، ولكن لمَّا كانت الدنيا دار العمل، والنفوس فيها
منغمسة في بحار الشهوات، مغمورة في غَمَرات اللذات، والقُوى
منحصرة على إدراك ما يكون مشخَّصاً معيناً محفوفاً بالعوارض
والمشخصات، ولا يحصل للعامل ما يستحق المجازاة على عمله؛
لأنه بعدُ في دار التكليف، كانت الرؤية في الدنيا بهذه القوى الضعيفة
٢٤٩

لا تحصل لهم، ولا في الآخرة إلا لمن فاز بدخول الجنة؛ لأنه
تعالى لمَّا أنعم عليهم، وأحلهم دارَ المُقامة من فضله، وأعطاهم كلَّ
ما يشتهونه، وليس وراء نعمة الرؤية نعمة، لا جرم ما حرَّمها عليهم،
وأنعم عليهم بها إنعاماً على وجه الكمال، وزيادة في الإفضال ﴿لَلَّذِينَ
أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾ [يونس: ٢٦].
* وقوله: (فِي جَنَّةِ عَدْنٍ) لابد للظرف من متعلق بمحذوف،
ويكون حالاً من القوم، كأنه قال: كائنين في جنة عدن، ولما ذكرنا من
أن الحجاب بمعنى المانع، وليس المراد أن بين الرائي والمرائي
حجاب من جنس الأشياء، مثل النور والظلمة وغيرهما، بل المراد:
أن المانع من الرؤية مشيئةُ الله تعالى وإرادته، فإذا أراد الرؤية، يخلق
قوةً قابلة لها، وقد تقرر أن ذلك إنما يكون في دار الجزاء، وزوالُ
المانع عبارةٌ عن خلق القابلية في الرائي.
ورداء الكبرياء استعارةٌ عن العظمة والجلال، فعلى هذا لا يبعد
أن يكون قوله: ((فِي جَنَّةِ عَدْنٍ)) ظرفاً للمانع، وبياناً للمكان الذي
يزول فيه المانع، ويحصل المقصود.
وحاصل المعنى: أنه ليس بين القوم وبين النظر إلى ربهم إلا
المانع الكائن في جنة عدن، فإذا دخلوها، يزول المانع، ويحصل
المقصود؛ كما يقال: المانع من رؤية الملك البوَّاب في الباب، يعني:
إذا حصل الدخول في الباب، فقد حصل المقصود، وفي هذا إيماء
- أيضاً - إلى أن المانع من رؤية المؤمنين ربَّهم إنما يزول بعد دخولهم
٢٥٠

الجنة؛ لأنهم قبل ذلك ما حصل لهم الفوز والنجاة التام، وما استتبَّ
لهم الأمرُ على حسب ما يرومونه، فإذا لم يحصل لهم الاستقرار، ولم
يزل عنهم الاستتار، فأنَّى يحصل لهم قصارى المقصود، ونهايةٌ
المأمول؟
ويدل على ما ذكرنا: الأحاديث الآتية؛ مثل: حديث صهيب
وغيره، فإن قوله: ((تُرِيدُونَ شَيْئاً أَزِيدُكُمْ؟)) بعد دخولهم في الجنة،
صريحٌ في أن قابلية الرؤية إنما تحصل لهم في الجنة، لا قبل دخولها،
فإذا قال لهم ذلك، أجابوا بأن كل ما يتمنون فقد حصل لهم، أنعم
عليهم بما يكون وراء مطموعهم، فخلق فيهم القوة القابلة للرؤية
المعبَّرِ عنها بكشف الحجاب.
فإن قلت: كيف قالوا ذلك، وقد بقي لهم من النعم ما هو أجلُّها
وأقواها، وهو النظر إلى وجه ربهم، وقد عرفوا ذلك في الدنيا، وماتوا
علی هذا الشوق، ولا شك أنهم يُحشرون على ما يموتون عليه؟
قلت: قالوا ذلك أدباً، وإبعاداً لأنفسهم عن قابلية ذلك،
واعتداداً بالنعمة الحاصلة لهم، وعِلماً منهم بأن رب الأرباب عالمٌ
بأحوالهم، مطلعٌ على ما في ضمائرهم من الاشتياق، وأن الإنعام
عليهم بذلك الشوق، وقيل: على وصولهم إلى هذا الذوق، وأن
إدخالهم إلى نعيم الجنان علامة خلاصهم من جحيم الحرمان.
وبهذا ظهر أن ما قيل: إن هذا جواب بعض أهل الجنة، وهم
الذين ماتوا على الخوف والرجاء، لا جواب الذين ماتوا على كمال
٢٥١

المعرفة والمحبة والشوق، ليس على ما ينبغي، فتأمل.
٤٦٧ - (١٨١ / ٢٩٧) - حَدَّثَنَا عُبَيْدُاللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ، قَالَ:
حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا حَمَّاهُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ
الْبَُّانِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ صُهَيْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ،
قَالَ: (إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ - قَالَ : - يَقُولُ اللهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى -:
تُرِيدُونَ شَيْئاً أَزِيدُكُمْ؟ فَقُولُونَ: أَلَمْ تُّضْ وُجُوهَنَ؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا
الجَنَّةَ، وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ - قَالَ : - فَيَكْشِفُ الحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئاً
أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ تَنْ».
٤٦٨ _ (١٨١ / ٢٩٨) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، حَدَّثَنَا
يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَزَادَ: ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ
الآيَةَ: ﴿لَلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْمُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦].
الحديث الثاني: حديث صُهيب عن النبيِّ - عليه السلام -، قَالَ:
(إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ - قَالَ : - يَقُولُ اللهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى -:
تُرِيدُونَ شَيْئاً أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبُّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الجَنَّةَ،
وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ - قَالَ : - فَيَكْشِفُ الحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئاً أَحَبَّ
إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ - تبارك وتعالى)).
وفي رواية بزيادة: ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿لَلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى
وَزِيَادَةٌ﴾[يونس: ٢٦].
٢٥٢

أخرجه الأربعة سوى أبي داود، وفي رواية الترمذي، وابن
ماجه: ((إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، نَدَى مُنَادٍ:
يَا أَهْلَ الجَنَّةِ! إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللهِ مَوْعِداً يُرِيدُ أَنْ يُنْجِزَكُمُوهُ، فَيَقُولُونَ:
وَمَا هُوَ؟ أَلَمْ يُثَقِّلْ مَوَازِينَنَا، وَيُبَيِّضْ وُجُوهَنَا)) الحديث.
إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في مواضع :
الأول: في إسناده:
قوله: (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتِ الْبُنَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ صُهَيْبٍ عَنِ النَّبِيِّ - عليه السلام -) هكذا رواه
الترمذي، والنسائي، وابن ماجه عن حماد بن سلمة، بهذا الطريق،
وذكر الترمذي، وأبو سعيد الدمشقي: أن حماد بن سلمة قد رواه
مرفوعاً فقط، وقد روى سليمان بن المغيرة، وحماد بن زيد، وحماد ابن
واقد عن ثابت، عن ابن أبي ليلى، وليس فيه ذكر النبي - عليه السلام -،
ولا ذكر صهيب، وأنت خبير بأن هذا لا يقدح في صحة الحديث؛ لِمَا مَرَّ
من أن المذهب المختار حمل الحديث الذي رواه بعض الثقات متصلاً،
وبعضهم مرسَلاً على الاتصال، وكذا لو رواه بعضهم مرفوعاً، وبعضهم
موقوفاً، فالحمل على الرفع؛ لأنها زيادة ثقة، وهي مقبولة بالاتفاق.
الثاني : في التعريف برواته سوى ما سلف.
صهيب، وهو أبو يحيى، وقيل: أبو غسان، صهيبُ بنُ سنانَ
المعروفُ بالروميِّ.
٢٥٣

قال ابن سعد: كان أبوه أو عمه عاملاً لكسرى على الأبلَّة،
وكانت منازلهم بأرض الموصل، فأغارت عليه، فَسَبَت صُهيباً صبياً،
فنشأ عند الروم، ثم ابتاعه منهم بنو کلیب، وقدمت به مكة، فاشتراه
عبدالله بن جدعان، وأعتقه. وأما أهله، فيقولون: هرب من الروم
وقدم مكة، وحالف ابن جدعان.
هاجر صهيب، وشهد بدراً.
روى عنه بنوه: حمزة، وزياد، وحبيب، وسعد، وصفي، وعباد،
وعثمان، ومحمد، وصالح، وابن عمر، وكعب الأحبار، وخلائق،
وهو من السابقين الأولين.
وأخرج له الستة .
توفي بالمدينة سنة ثمان وثلاثين وهو ابن سبعين سنة.
والثالث: فيما يتعلق بمعناه، وقد مَرَّ في الحديث السابق شيءٌ
من ذلك.
وفيه: بيان أن الإنعام بالرؤية إنما هو من الرب تعالى بدون طلب
من المؤمنين، وأن ذلك بعد استقرار الأمر، وحصول كل قرين منزله،
ويكون على سبيل النداء، ويناديهم بذلك أمر الله تعالى، ولذلك جاء
في رواية الكتاب مسنَداً إلى الله تعالى.
ويحتمل أن يكون القول من الله تعالى بعد نداء المنادي، فإنهم
لما سمعوا، توجهوا إلى سماع القول، فقال ربهم ما قال، ويؤيده:
حديث جابر بن عمير: أنه قال: قال رسول الله وَله: (بَيْنَا أَهْلِ الجَنَّة
٢٥٤

فِي نَعِيمِهِمْ، إِذْ سَطَعَ لَهُمْ نُور، فَرَفَعُوا رُؤُوسِهِمْ، فَإِذَا الرَّبُّ - تَبَّارَكَ
وَتَعَالَى - قَدْ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِهِمْ، فَقَالَ: السَّلاَمِ عَلَيْكُمْ يَا أَهْل
الجَنَّةِ، قَالَ: وَذَلِكَ قَوْله: ﴿سَلَامٌ قَوْلاً مِّنْ زَّبٍ زَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨]، قَالَ:
فَيَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَلاَ يَلْتَفِتُونَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ النَّعِيمِ مَا دَامُوا
يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، حَتَّى يَحْتَجِب عَنْهُمْ، وَيَبْقَى نُورُهُ وَبَرَكَتُهُ عَلَيْهِمْ فِي
دِیَارِهِم)) أخرجه ابن ماجه.
[٨٣ - باب
مَعْرِفَةٍ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ]
٤٦٩ - (١٨٢ / ٢٩٩) - حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ
ابْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِيٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْهِيِّ:
أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ نَاساً قَالُوا لِرَسُولِ اللهِهِ: يَا رَسُولَ اللهِ! هَلْ
نَرَى رَبََّا يَوْمَ القِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((هَلْ تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةٍ
القَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ؟)). قَالُوا: لاَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((هَلْ تُضَارُونَ فِي
الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟)). قَالُوا: لاَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((فَإِنَّكُمْ
تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ، يَجْمَعُ اللهُ النَّاسَ بَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ
شَيْئاً، فَلْيَتَّبِعْهُ، فَتَبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ، وَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ
يَعْبُدُ القَمَرَ القَمَرَ، وَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبْقَى
هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا مُنَفِقُوهَا، فَيَأْتِهِمُ اللهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - فِي صُورَةٍ غَيْرِ
٢٥٥

صُورَّهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَا رَيُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ،
هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَيِّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَّنَاَ، عَرَفْنَاهُ، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ تَعَالَى
فِي صُورَّهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَا رَّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبِّنَاً،
فَيَتَّبِعُونَهُ، وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّلَ
مَنْ يُجِيزُ، وَلاَ يَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إِلَّ الرُّسُلُ، وَدَعْوَى الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ
سَلِّمْ سَلِّمْ، وَفِي جَهَنَّمَ كَلاَلِيِبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، هَلْ رَأَيْتُمُ
السَّعْدَانَ؟». قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ،
غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يَعْلَمُ مَا قَدْرُ عِظَمِهَا إِلَّ اللهُ، تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ،
فَمِنْهُمُ المُؤْمِنُ بَقِيَ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمُ المُجَازَى حَتَّى يُتَجَّى، حَتَّى إِذَا
فَرَغَ اللهُ مِنَ القَضَاءِ بَيْنَ العِبَادِ، وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ بِرَحْمَتِهِ مَنْ أَرَادَ مِنْ
أَهْلِ النَّارِ، أَمَرَ المَلاَئِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ لاَ يُشْرِكُ بِاللهِ
شَيْئاً، مِمَّنْ أَرَادَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يَرْحَمَهُ، مِمَّنْ يَقُولُ: لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ،
فَيَعْرِفُونَهُمْ فِي النَّارِ، يَعْرِفُونَهُمْ بِأَرِ السُّجُودِ، تَأْكُلُ النَّارُ مِنِ ابْنِ آدَمَ
إِلَّ أَثَرَ السُّجُودِ، حَرَّمَ اللّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ، فَيُخْرَجُونَ
مِنَ النَّارِ وَقَدِ امْتَحَفُوا، فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الحَيَاةِ، فَيَبْتُونَ مِنْهُ كَمَا
تَنْبُتُ الحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، ثُمَّ يَفْرُغُ اللهُ تَعَالَى مِنَ القَضَاءِ بَيْنَ
العِبَادِ، وَيَبْقَى رَجُلٌ مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ عَلَى النَّارِ، وَهُوَ آخِرُ أَهْلِ الجَنَّةِ
دُخُولاً الجَنَّةَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ! اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ قَشَبَنِي
رِيحُهَا، وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا، فَيَدْعُو اللهَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدْعُوَهُ، ثُمَّ
يَقُولُ اللهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى -: هَلْ عَسَيْتَ إِنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ بِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَهُ؟
٢٥٦

فَيَقُولُ: لَاَ أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ، وَيُعْطِي رَبَهُ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ مَا شَاءَ اللهُ،
فَيَصْرِفُ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ، فَإِذَا أَقْبَلَ عَلَى الجَنَّةِ، وَرَآهَا، سَكَتَ
مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ! قَدِّمْنِي إِلَى بَابِ الجَنَّةِ،
فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ لاَ تَسْأَلْنِي غَيْرَ الَّذِي
أَعْطَيْنُكَ؟ وَيْلَكَ يَا بْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ! فَقُولُ: أَيْ رَبٌّ! وَيَدْعُو اللهَ
حَتَّى يَقُولَ لَهُ: فَهَلْ عَسَيْتَ إِنْ أَعْطَيْئُكَ ذَلِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَهُ. فَقُولُ:
لاَ وَعِزَّتِكَ! فَيُعْطِي رَبَّهُ مَا شَاءَ اللهُ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ، فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابٍ
الجَنَّةِ، فَإِذَا قَامَ عَلَى بَابِ الجَنَّةِ، انْفَهَقَتْ لَهُ الجَنَّةُ، فَرَأَى مَا فِيهَا مِنَ
الخَيْرِ وَالسُّرُورِ، فَيَسْكُثُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ!
أَدْخِلْنِي الجَنَّةَ. فَيَقُولُ اللهُ - تَبَّارَكَ وَتَعَالَى - لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ
عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ أَنْ لاَ تَسْأَلَ غَيْرَ مَا أُعْطِيتَ؟ وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ
مَا أَغْدَرَكَ! فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ! لاَ أَكُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ. فَلاَ يَزَالُ
يَدْعُو اللهَ حَتَّى يَضْحَكَ اللهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - مِنْهُ، فَإِذَا ضَحِكَ اللهُ مِنْهُ،
قَالَ: ادْخُلِ الجَنَّةَ. فَإِذَا دَخَلَهَا، قَالَ اللهُ لَهُ: تَمَنَّهْ، فَيَسْأَلُ رِبَّهُ،
وَيَتَمَّنَّى، حَتَّى إِنَّ اللهَ لَيُذَكِّرُهُ مِنْ كَذَا وَكَذَا، حَتَّى إِذَا انْقَطَعَتْ بِهِ
الأَمَانِيُّ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ذَلِكَ لَكَ، وَمِثْلُهُ مَعَهُ)). قَالَ عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ:
وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُذْرِيُّ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ لاَ يَرُدُّ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِهِ شَيْئاً. حَتَّى
إِذَا حَدَّثَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَّ اللهَ قَالَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ: ((وَمِثْلُهُ مَعَهُ». قَالَ أَبَّو
سَعِيدٍ: ((وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ مَعَهُ)) يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا حَفِظْتُ
إِلَّ قَوْلَهُ: ((ذَلِكَ لَكَ، وَمِثْلُهُ مَعَهُ». قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَشْهَدُ أَنِّي حَفِظْتُ
٢٥٧

مِنْ رَسُولِ اللهِ وَلِ قَوْلَهُ: ((ذَلِكَ لَكَ، وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ». قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ:
وَذَلِكَ الرَّجُلُ آخِرُ أَهْلِ الجَنَّةِ دُخُولاً الجَنَّةَ .
٤٧٠ - (١٨٢ / ٣٠٠) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ،
أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَتِي سَعِيدُ
ابْنُ الْمُسَيَّبِ، وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّثِيُّ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُمَا: أَنَّ
النَّاسَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ وَّهِ: يَا رَسُولَ اللهِ! هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ؟ وَسَاقَ
الحَدِيثَ بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ.
٤٧١ - (١٨٢ / ٣٠١) - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ
الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَاَ مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبَّو
هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ:
((إِنَّ أَدْنَى مَقْعَدِ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ أَنْ يَقُولَ لَهُ: تَمَنَّ. فَيَتَمَنَّى وَيَتَمَّنَّى،
فَيَقُولُ لَهُ: هَلْ تَمَنَّيْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَقُولُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ مَا تَمَنَّيْتَ،
وَمِثْلَهُ مَعَهُ».
الحديث الثالث: حديثُ أبي هريرة: أَنَّ نَاساً قَالُوا لِرَسُولِ اللهِ وَّه:
يَا رَسُولَ اللهِ! هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((هَلْ
تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ؟)). قَالُوا: لاَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ:
(هَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟)). قَالُوا: لاَ يَا رَسُولَ اللهِ.
قَالَ: ((فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ، يَجْمَعُ اللهُ النَّاسَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَقُولُ: مَنْ
٢٥٨

كَانَ يَعْبُدُ شَيْئاً، فَلْيَتَّبِعْهُ، فَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ، وَيَتَبِعُ
مَنْ كَانَ يَعْبُدُ القَمَرَ القَمَرَ، وَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ الطَّوَاغِيتَ،
وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِهِمُ اللهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - فِي صُورَةٍ
غَيْرِ صُورَّهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَقُولُ: أَنَا رَبِّكُمْ، فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللهِ
مِنْكَ، هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبِّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا، عَرَفْنَاهُ، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ
تَعَالَى فِي صُورِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَقُولُونَ: أَنْتَ
رَبِّنَا، فَيَتَّبِعُونَهُ، وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي
أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ، وَلاَ يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إِلَّ الرُّسُلُ، وَدَعْوَى الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ:
اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلُّمْ، وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، هَلْ رَأَيْتُمُ
السَّعْدَانَ؟)). قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ
السَّعْدَانِ، غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يَعْلَمُ مَا قَدْرُ عِظَمِهَا إِلَّ اللهُ، تَخْطَفُ النَّاسَ
بِأَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمُ المُؤْمِنُ بَقِيَ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمُ المُجَازَى حَتَّى يُنَجَّى،
حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللهُ مِنَ القَضَاءِ بَيْنَ العِبَادِ، وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ بِرَحْمَتِهِ مَنْ أَرَادَ
مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَمَرَ المَلائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ لاَ يُشْرِكُ بِاللهِ
شَيْئاً، مِمَّنْ أَرَادَ اللهُ تَعَلَى أَنْ يَرْحَمَهُ، مِمَّنْ يَقُولُ: لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ،
فَيَعْرِفُونَهُمْ فِي النَّارِ، يَعْرِفُونَهُمْ بِأَثَرِ السُّجُودِ، تَأْكُلُ النَّرُ مِنِ ابْنِ آدَمَ إِلاَّ
أَثَرَ السُّجُودِ، حَرَّمَ اللهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ، فَيُخْرَجُونَ مِنَ
النَّارِ وَقَدِ امْتَحَشُوا، فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الحَيَّةِ، فَيَبْتُونَ مِنْهُ كَمَا تَنْبُتُ
الحِبُّ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، ثُمَّ يَفْرُغُ اللهُ تَعَالَى مِنَ القَضَاءِ بَيْنَ العِبَادِ،
وَيَبْقَى رَجُلٌ مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ عَلَى النَّارِ، وَهُوَ آخِرُ أَهْلِ الجَنَّةِ دُخُولاً
٢٥٩

الجَنَّةَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ! اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ، فَإِنَّهُ قَدْ قَشَبَنِي
رِيحُهَا، وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا، فَيَدْعُو اللهَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدْعُوَهُ، ثُمَّ
يَقُولُ اللهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى -: هَلْ عَسَيْتَ إِنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ بِكَ أَنْ تَسْأَلَ
غَيْرَهُ؟ فَيَقُولُ: لاَ أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ، وَيُعْطِي رَبَّهُ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ
مَا شَاءَ اللهُ، فَيَصْرِفُ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ، فَإِذَا أَقْبَلَ عَلَى الجَنَّةِ، وَرَآهَا،
سَكَتَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ! قَدِّمْنِي إِلَى بَابِ
الجَنَّةِ، فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ لاَ تَسْأَلُنِي
غَيْرَ الَّذِي أَعْطَيْتُكَ؟ وَيْلَكَ يَا بْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ! فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ!
وَيَدْعُو اللّهَ حَتَّى يَقُولَ لَهُ: فَهَلْ عَسَيْتَ إِنْ أَعْطَيْتُكَ ذَلِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَهُ؟
فَيَقُولُ: لَاَ وَعِزَّتِكَ! فَيُعْطِي رَبَّهُ مَا شَاءَ اللهُ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ، فَيُقَدِّمُهُ
إِلَى بَابِ الجَنَّةِ، فَإِذَا قَامَ عَلَى بَابِ الجَنَّةِ، انْفَهَقَتْ لَهُ الجَنَّةُ، فَرَأَى
مَا فِيهَا مِنَ الخَيْرِ وَالسُّرُورِ، فَيَسْكُتُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ يَقُولُ:
أَيْ رَبِّ! أَدْخِلْنِي الجَنَّةَ، فَيَقُولُ اللهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ
أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ أَنْ لاَ تَسْأَلَ غَيْرَ مَا أُعْطِيتَ؟ وَيْلَكَ يَا بْنَ آدَمَ
مَا أَغْدَرَكَ! فَيَقُولُ: أَيْ رَبٌّ! لاَ أَكُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ، فَلاَ يَزَالُ يَدْعُو اللهَ
حَتَّى يَضْحَكَ اللهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - مِنْهُ، فَإِذَا ضَحِكَ اللهُ مِنْهُ، قَالَ:
ادْخُلِ الجَنَّةَ. فَإِذَا دَخَلَهَا، قَالَ اللهُ لَهُ: تَمَنَّهْ، فَيَسْأَلُ رَبَّهُ، وَيَتَمَنَّى،
حَتَّى إِنَّ اللهَ لَيُذَكِّرُهُ مِنْ كَذَا وَكَذَا، حَتَّى إِذَا انْقَطَعَتْ بِهِ الأَمَانِيُّ، قَالَ اللهُ
تَعَالَى: ذَلِكَ لَكَ، وَمِثْلُهُ مَعَهُ». قَالَ عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ: وَأَبُو سَعِيدٍ
الْخُذْرِيُّ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ لاَ يَرُدُّ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِهِ شَيْئاً. حَتَّى إِذَا حَدَّثَ أَبُو
٢٦٠