النص المفهرس
صفحات 161-180
ورسوله، وکلمتُه، وروح منه. واختلف في مدة حمله، وأغربُ الأقوال أنها ساعة، وقيل: العادة، وقيل: بين العادة والساعة، وأكثروا في التعيين، وذكروا كل ما يمكن، وكلَّم الناسَ وهو ابن أربعين يوماً، ثم لم يتكلم حتى بلغ زمن كلام الصبيان، وكان زاهداً عابداً سياحاً، يمشي على الماء، ويُبْرِئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله، وقُوْتُه يوماً بيوم، وكان يقرأ الصحف والتوراة والإنجيل حفظاً، رفعه الله تعالى إلى السماء، وينزل على المنارة البيضاء في دمشق، ويقتل الدجال بباب لُدّ، ویکون بین الناس حكماً عدلاً، ویتزوج بعد نزوله، ویولد له، ثم يقضي أجله، ويدفن عند رسول الله وَلّ، جاء ذلك مفصلاً. وحديث عائشة - رضي الله عنها - أخرجه ابنُ الأبار في کتاب ((صِلة الصلة)). وعن أبي هريرة، مرفوعاً: (يَنْزِلُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ، فَيَمْكُثُ فِي النَّاسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً)) رواه الطبراني. وعن فاطمة الزهراء، ترفعه: ((إِنَّ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ مَكَثَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أَرْبَعِينَ سَنَةً)) رواه أبو يعلى. وعن أوس بن أوس، مرفوعاً: ((يَنْزِلُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنْدَ المَنَارَةِ البَيْضَاءِ شَرْقِيِّ دِمَشْقَ)). وعن عبدالله بن سَلام: يُدفن عيسى بن مريمَ مع رسول الله وَيول وصاحبيه، فيكون قبرُه رابعَ القبور. رواهما الطبراني، وسيجيء في ١٦١ (كتاب الفتن) [شاهد] على ذلك - إن شاء الله تعالى -. وأما نعته، فجاء في روايات الكتاب بأنه (جَعْدٌ مَرْبُوعٌ)، (سَبِطَ الَّأْسِ)، (رَجِلُ الشَّعَرِ)، (أَحْمَرُ)، (إِلَى الحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ)، (آدَمُ)، فوقع الاتفاق بأنه مربوع القامة؛ أي: متوسطها، وفي معناه: (رَبْعَةٌ) - بفتح الراء وسكون الباء -، وأما الوصف بأنه (جَعْدٌ)، وفي رواية بأنه (سَبِطَ الرَّأْس)، والسبوطة خلافُ الجعودة، فذهب أكثر الشارحين إلى أن المراد: جعودة اللحم، وهي الكنازة، ومعناه: جسيم. والأظهر: أن يراد: أنه جعد الشعر، لكن ليس جعودة قَطَط، بل بين الجعودة والسبوطة، على ما تفصح عنه رواية: (رَجِلُ الرَّأْس)، يقال: شعر رَجِلٌ - بفتح الراء وكسر الجيم -؛ أي: بين السبوطة والجعودة، فالغرض: بيان حُسن شعره، بأنه ليس بجعد قبيح، ولا سبط منتشر، بل بينهما. وأما الجعد في صفة الدجال، فالمراد: الجعودة الشديدة، ولهذا قُيد في بعض الروايات بقوله: (قَطَطِ)، وفي بعضها بـ (الرَّأْس)؛ حيث قال: (جَعْدَ الرَّأْسِ)، ولم يقل: (جعد الشعر)، إيماء إلى أن من شدة الجعودة صار رأسه جعداً. وأما الاختلاف في اللون، فجاء في بعض الروايات: أنه (آدَمُ)، وهو المشهور، وفي بعضها: أنه (أَحْمَرُ)، وكان ابن عمر ظلما يحلف بأن النبي - عليه السلام - ما قال: أحمر، بل قال: آدم. ويحتمل الجمعُ بين الروايات بأنه بين الأدمة والحُمرة، على ١٦٢ ما يفصح عنه قوله: (إِلَى الحُمْرَةِ وَالبَيَاضِ)، فالمراد: ليس بشديد الحمرة، ولا بشديد الأدمة، بل بينهما، وهذا من أحسن الألوان، وهذا يؤيد ما ذكرنا في الشعر من أن في بعض الروايات أنه (سبط)، وفي بعضها (جعد)، وفي بعضها (بين)، بأن المراد: بينهما، وهو رَجِل، فتأمل. وأما تشبيهه بالخارج من ديماس، وفسره الراوي بالحمام، وهو بفتح الدال وكسرها، في الأصل: السجن، والسرب، ويقال للقبر - أيضاً -: ديماس، ولكن - أيضاً - أصل من الدمس، وهو الستر، ويقال للظلمة: دامس؛ لأنها ساترة، وفي المثل: (ولَمَّا وَارَى دَمْسٌ دَمْساً، اتَّخَذَ اللَّيلَ جَمَلاً)؛ أي: سواد سواداً، ففي نضارته وصفاء لونه وكثرة ماء وجهه كالخارج من الحمام والكِنِّ، فقوله: ((يَقْطُرُ رَأْسُهُ)) ما أشد مناسبته بأن التشبيه إنما يكون بالخارج من الحمام والكِنِّ. وفي حديث ابن عباس: ((وَرَأَيْتُ عِيسَى شَابًا أَبْيَضَ، جَعْدَ الرَّأْسِ، حَدِيدَ البَصَرِ، مُبَطَّنَ الخَلْقِ)) رواه أبو يعلى. والرابع: في ذکر مالك خازن النار: * قوله: ((وَذَكَرَ مَالِكاً خَازِنَ النَّارِ))، قيل: في هذه العبارة إشعارٌ بأن النبي - عليه السلام - ذكر من نعته شيئاً، ولكن تركه الراوي، أو نسي. وقيل: المعنى: ذكر موسى وعيسى - عليهما السلام - بالنعت، وذكر مالكاً بأنه رآه، ولم يذكر نعته، وهذا أوجَهُ. ١٦٣ وفي الرواية الثانية: (وَأُرِيَ مَالِكٌ) الرواية المشهورة في أكثر الأصول بضم الهمزة وكسر الراء، و(مَالِكٌ) بالرفع، وفي البخاري: (رَأَيْتُ مَالِكاً). (أُرِيَ) بمعنى: أبصر، لا بمعنى علم، والمعنى: أبصر مالك، وقيل: علم بمعناه، والفاعل في الحقيقة هو الله تعالى على ما صرح في قوله: (أَرَاهُنَّ اللهُ إِيَّاهُ). و(مَالِكٌ) المفعول الأول القائم مقام الفاعل. و(خَازِنُ النَّارِ) إن روي بالرفع صفته، والمفعول الثاني قوله: (فِي آيَاتٍ)، والمعنى: أري مالك خازن النار ملتبساً في آيات متصفة بها، وإن روي (خَازِنَ النَّارِ) بالنصب، فهو [مفعول أول، و] المفعول الثاني محذوف، والمعنى: وأري مالك خازن النار شيئاً لا يحيط به الوصف . * وقوله: (فِي آيَاتٍ) يسد مسد المحذوف معنّى، وهو المسوغ بحذف أحد المفعولين في هذا الباب، كذا قيل، وفي الكل ضعف - على ما لا يخفى .. وبالجملة: فالمعنی : رأى النبي - عليه السلام - موسى وعيسى - عليهما السلام -، وأري له مالك، والدجال في آيات؛ أي: علامات وصفات أراهنَّ الله إياها. وقال النووي: مالِك - بالنصب -، ولكن الكاتب ترك الألف في الخط، وظن أنه مرفوع، وهذا كثيراً ما يفعله أهل الحديث في كتاباتهم. ١٦٤ وأنت خبير بأن هذا كلام عجيب، فإنه لو جاز حذف ما ترك على الإعراب من الكلام، لاختل فهم المقصود من اللفظ، وذلك لا يجوز، نعم، لو قيل: هذه لغة حكاها أبو سعيد السيرافي في ((شرح كتاب سيبويه))، وهي أَنَّ بعض العرب يقف على المنصوب بغير ألف، أن يكتب بلا ألف = لكان وجهاً. وإنما ترك نعت مالك؛ إِمًا لأنه ما رآه بصورته التي كان عليها، على ما قيل: من أن النبي - عليه السلام - ربما رأى جبريل بصورته التي خلقت فقط، وإما لأن المقصود: بيان رؤيته، لا بيان تشبيهه وتصويره. وأما ذكر نعت موسى وعيسى، وغيرهما من الأنبياء؛ فلأنه بيان ما هم عليه من صورهم في أصل وجودهم. وأما نعت جبريل، فتارة بالصورة التي يجيء بالوحي، وتارة بصورته المخلوقة، فأكثره ملاقاته، وبيان أنه في حال مجيئه بالوحي ليس على صورته المخلوقة، بل يصور بصورة الآدمي. الخامس: في قوله: (فَلاَ تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ)، قيل: هذا من كلام بعض الرواة، والظاهر على هذا التقدير: أن من قوله: (فِي آيَاتٍ) إلى قوله: (مِنْ لِقَائِهِ) من كلام الراوي، (فَلاَ تَكُنْ)، فمخاطبة هذا الراوي على طريق الاقتباس، والضمير في (لِقَائِهِ) راجع إلى ما رآه رسول الله وَ﴾، والأصل: من لقاء ذلك، فأجري الضمير مجرى اسم الإشارة. ١٦٥ وقيل: راجع إلى رسول الله وَيطير، والمصدر مضاف إلى الفاعل، والمعنى: أن موسى وعيسى، ومالكاً والدجال قد رآهم النبي - عليه السلام - في جملة آيات أراهن الله إياه، قال: فلا تكن ناسياً أو في شك من لقاء النبي ما أراه الله تعالى. ويحتمل أن يرجع الضمير إلى موسى - عليه السلام -، ويكتفي بذكره؛ لأنه أول ما ذكر في الحديث من رؤية النبي - عليه السلام - إياه، فإذا نفى الشك عن هذه الرواية، فقد نفى عن الكل، وتفسير قتادة بعد هذا أشد طباقاً لهذا الوجه. وأما ما ذكره النووي من أن أكثر أهل التفسير ذهبوا إلى أن الضمير المستتر لموسى - عليه السلام - والكتاب، والخطاب لرسولنا - عليه السلام-، والمعنى: فلا تكن في مرية من لقاء موسى الكتاب، فلا تعلق له بهذا الموضع؛ لأن ذلك معنى الآية في كتاب الله تعالى، وأما مراد القائل هنا بطريق الاقتباس، فليس المراد ذلك، بل المراد ما ذكرنا. وقد علمت أنه لا يلزم في الاقتباس إرادة المعنى الأصلي، بل ربما یکون إرادة معنى آخر مناسب أحسن؛ لأنه أزيد فائدة، كما في قوله : لَقَدْ أَنْزَلْتُ حَاجَاتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعِ السادس: في قوله: (أيُّ وَادٍ هَذَا؟) وليس المراد من السؤال معرفة اسم الوادي والتنبيه، بل الغرض بيان فضيلتها بأن النبي - عليه ١٦٦ السلام - رأى بعض الأنبياء في هذه المواضع مشتغلين بالعبادة، ليكون ذلك تحريضاً للسامعين بتعظيم تلك المواضع، والاشتغال فيها بالعبادة بأسبابھم. وفيه: بيان أن طريق الحج والمرور على هذه البقاع والتوجه إلى بيت الله تعالى لم يزل مسلوكاً، مراداً لسلك الأنبياء، ويتوجهون إلى البيت بالمرور في هذه البقاع. وفيه: بيان شرف الحج، وأنه عبادة قديمة، ما خَلَت أمة فيها. وفيه - أيضاً -: تسلية للسامعين، وتسريةُ همّ السفر، وقطع المسافة عنهم ببيان أن في ذلك تحصيل المثوبة العظيمة. السابع: في قوله: (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى) اختلف القوم في توجيه هذا وأمثاله؛ فإن الأنبياء المذكورين هنا أموات، فما معنى توجههم إلى البيت، وصلاتهم في القبر، وغير ذلك مما حكي من عبادتهم وأحوالهم؟ فقيل: المراد: بيان أحوالهم التي كانوا عليها في حياتهم من كيفية توجههم إلى بيت الله تعالى، وتلبيتهم في الطريق، فعبر عن ذلك بالنظر؛ لأن علم النبي - عليه السلام - بالأشياء المغيبة بالوحي، وهو أقوى في التحقيق من النظر، فعبَّر عن العلم بأحوالهم به؛ لأنه أقوى جهات الإدراك لغيره . وقيل: حكاية ما رأى من أحوالهم في المنام، وقد جاء مصرحاً في رواية ابن عمر وغيره: ((أَرَانِ اللَّيْلَةَ فِى المَنَامِ)) الحديث. ١٦٧ وقيل: المراد: بيان حالهم بعد الموت بالدعاء والذكر؛ لأن عمل دار الآخرة الذكر والدعاء، قال الله تعالى: ﴿دَعْوَنَهُمْ فِيَهَا سُبْحَتَكَ اللَّهُمَّ﴾ [يونس: ١٠] الآية، وهذا يمكن في التلبية والصلاة مطلقاً، أما في الاختصاص بالموضع، والطواف بالبيت، فلا يكاد يستقيم هذا الجواب - على ما لا يخفى -. وقيل: المراد: الحقيقة، وأن الأنبياء - عليهم السلام - بعد الموت - أيضاً - مشتغلون بالعبادات من الصلاة والحج، وغير ذلك، وإن خفي علينا حالهم، فالنبي - عليه السلام - رأى موسى - عليه السلام - مصلياً في قبره، ورآه ويونسَ - عليهما السلام - في هذه المواضع بالتحقيق، فتبعها إلى بيت الله تعالى، وما رأى ذلك غيره، فبين لهم. والموتُ لا ينافي عبادتهم؛ لأنهم أحياء في الحقيقة؛ فإنهم أقوى من الشهداء، فيكون دفنهم في الأرض مع أنهم أحياء، نقلهم عن وجه الأرض إلى باطنها، وذلك - أيضاً - دار تكليف، فلا بعد في عباداتهم حقيقة، كما كانوا في زمان كونهم على ظاهر الأرض. وأنت خبير بما في هذا الوجه من الضعف؛ فإن القول بأنهم بعد الموت مكلفون، وأن بطن الأرض مثلُ ظهرها دارُ تكليف لهم بعيدٌ. والوجه الذي هو أظهر الوجوه سيجيء بيانه في صلاة النبي - عليه السلام - مع الأنبياء - عليهم السلام -، وأما في هذا الموضع، فإدخال النبي - عليه السلام - حرف التشبيه وهي (كأن) ربما يخرج الكلام عن احتياج التأويل على ما يعرف بالتأمل. ١٦٨ ، وقوله: (ثَنِيَّةُ هَرْشَى) - بفتح الهاء وسكون الراء المهملة وفتح الشين المعجمة مقصور الألف -: جبل على طريق الشام بين مكة والمدينة قريب من الجُحْفَة، وفي رواية أخرى: (أَو لِفْتٍ) شكٌّ من الراوي بأنهم قالوا: هَرْشَى، أو لِفْتٍ، والمشهور في الرواية: لِفْتٍ - بكسر اللام وسكون الفاء وبعدها مثناه فوق -، وروي بفتح الفاء مع إسكان التاء، وروي بفتحهما جميعاً، وكسر اللام وسكون الفاء أشهرُ، قال الشاعر: مَرَرْنا بِلَفْتٍ وَالثُّرَيَّا كَأَنَّها قَلَائِدُ دُرِّ حُلَّ عَنْهَا خِضَابُها وقال في ((القاموس)): اللَّفْتُ - بكسر اللام وسكون [الفاء] -: ثَنُِّ جَبَلٍ قُدَيْد بين الحرمین، ويفتح. * وقوله: ((خُلبة)» ۔ بضم الخاء المعجمة وسکون اللام وضمها -، لغتان، ثم باء موحدة: الليف؛ كما جاء مفسراً، وفي الرواية الثانية: (لِيفٌ خُلْبَةٌ)، وتنوين (خُلْبَةٌ) بدلاً، أو عطف بيان، وروي بالإضافة، فعلى هذه الرواية ينبغي أن يكون بينهما مغايرة؛ لئلا يلزم إضافة الشيء إلى نفسه، قال في ((القاموس)): الخُلْبَةُ - بضم الخاء وسكون اللام وبضمها -: لب النخلة، أو قلبها، والليف، والحبل منه الصلب الدقيق، فيكون في رواية التنوين بكون (خُلْبَةٌ) صفة (لِيفٌ)، لا بدل منه، والمراد بها: الحبل الدقيق الصلب من الليف. وفي رواية الإضافة: ليف قلب النخلة؛ يعني: من الليف الداخل، ١٦٩ لا من الخارج، والحبل المتخذ منه أقوى وأحسن من الذي يتخذ من الليف الخارج. وفي بيان كون جبته من صوف، وكون خطام الناقة خلبة إيماءٌ إلی تواضع الأنبياء، واقتصارهم في تزین المراکب بما لابد منه. وفيه: إشارة إلى أن الواجب على كل واحد الاقتفاء بآثارهم، وترك الفضول والإسراف في الملابس والمراكب، خصوصاً عند التوجه إلى بيت الله تعالى؛ لأنه حالة الإنابة والتوبة، فاقتفاء سيرة المهتدين فيه أنسبُ. الثامن: في قوله: (فَذَكَرُوا الدَّجَّالَ، فَقَالَ: إِنَّهُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ: كَافِرٌ) هكذا الرواية في الأصول، والمعنى: ذكروا الدجال عند ابن عباس، فقال رجل من الحاضرين: مكتوب بين عينيه كافر، فقال ابن عباس: سمعت هذا عن رسول الله وَالله. ووقع في ((الجمع بين الصحيحين)) لعبد الحق: (فَذَكَرُوا الدَّجَّالَ، فَقَالُوا: إِنَّهُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ: كَافِرٌ)، وهو ظاهر. وفي رواية الحميدي في ((الجمع بين الصحيحين)): (فَذَكَرُوا الدَّجَّالَ إِنَّهُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ: كَافِرٌ) بحذف (قَالَ)، وبدون ذكر: (قَالَوا)، والمعنى في الجمیع واحد. وفي قول ابن عباس: (وَلَكِنَّهُ قال) إيماءٌ إلى أن الدجال غير مذكور في هذا الحديث، بل المذكور إبراهيم وموسى - عليهما السلام -، وإنما وهم القائل بذكر الدجال في هذا الحديث، وليس الغرض يعني أن ١٧٠ النبي عليه السلام لم يذكر الدجال بهذه الصفة، فإن ذكره بهذه الصفة وارد في الأحاديث، بل الغرض: نفي ذكره في هذا الحديث، فتأمل. التاسع: في صفة إبراهيم: وهو خليل الرحمن، ابن آزر، ومعناه: الأعرج، ابن ناحور - بالنون والحاء المهملة - ابن ساروح - بالسين والراء والحاء المهملة - ابن رَاعُوا - بفتح الراء وضم العين المهملتين - ابن فالخ - بالفاء واللام ثم خاء معجمة -، وقيل: معناه: الرسول، وقيل: الوكيل، ابن عابر - بفتح العين المهملة وسكون المثناة التحتانية وفتح الباء الموحدة وآخرها راء مهملة - ابن أرفخشد - بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الفاء وسكون الخاء المعجمة وفتح الشين المعجمة وآخرها دال -، ومعناه بالسريانية: مصباح مضر، ابن سام بن نوح - عليه السلام -. وفي ((المعارف)) لابن قتيبة: هو إبراهيم بن تارَخ بن ناحور بن اشترع بن راعوا بن فالخ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، هكذا قال وهب. فأثبت بهذه النسبة ما في التوراة، فوجدتها موافقة، إلا أني وجدت مكان اشترع: شاروح، قال: وهو أول من شاب، وهو ابن مئة وخمسين سنة، وذلك أن سارة لما ولدت إسحاق، قال الكنعانيون: أما تعجبون بهذا الشيخ والعجوز، وجدا غلاماً لقيطاً، فتبنياه؟! فصور الله إسحاق على صورة إبراهيم، فلم يكن يفصل بينهما، فوسم اللهُ إبراهيمَ بالشيب. ١٧١ وقال وهب: وجدت في التوراة: أنه وُلد لتارَخ أبي إبراهيم: إبراهیم، وناحور، وهارون، فولد لهارون: لوط، وسارة، وملكا، ومات هارون في حياة أبيه تارَخ في أرضه التي ولد فيها، فنكح إبراهيم سارة ابنة أخيه هارون، فكانت سارة عاقراً، فساق تارخ ابنه إبراهيم، وابن أخيه لوط، وخرج معهم إلى أرض حران، فحلَّوا ثَمَّ، ومات لتارح بأرض حران أخوان لإبراهيم، فقال لهما: هاران، وبه سمیت حران. وقيل: معنى إبراهيم: أب راحم، وكنيته أبو الضيفان. وفي ((موطأ الإمام مالك)) عن سعيد بن المسيب: كان إبراهيمُ النبيُّ - عليه السلام - أَوَّلَ النَّاسِ ضَيَّفَ الضَّيْفَ، وَأَوَّلَ النَّاسِ اخْتَتَنَ، وَأَوَّلَ النَّاسِ قَصَّ الشَّارِبَ، وَأَوَّلَ النَّاسِ رَأَى الشَّيْبَ، فَقَالَ: يَا رَبِّ! مَا هَذَا؟ فَقَالَ اللهُ وَتَعَالَى: وَقَارٌ يَا إِبْرَاهِيمُ، فَقَالَ: رَبِّ زِدْنِي وَقَاراً. وفي ((تاريخ دمشق)) لابن عساكر عن ابن عباس: ولد إبراهيم - عليه السلام - بغوطة دمشق بقرية يقال لها: برزة في جبل قاسيون. والصحيح: ولد بكوثى من إقليم بابل من العراق، وإنما نسب إليه هذا المقام بغوطة دمشق؛ لأنه صلى فيه إذ جاء معيناً للوط - عليه السلام -. وقيل: آزَرُ كان من أهل حران، وإن أم إبراهيم كان اسمها ثوما، وولد إبراهيم على رأس ألفي سنة من خلق آدم - عليه السلام -. وذكر الطبري: أن إبراهيم إنما نطق بالعبرانية حين عبر النهر فاراً من نمرود، وقال للذين أرسلهم في طلبه: من وجدتم يتكلم ١٧٢ بالسريانية، فردوه إلي، فلما أدركوا إبراهيم - عليه السلام -، استنطقوه فحول الله تعالى لسانه عبرانياً حين عبر النهر، فترك، وكذلك سميت عبرانية. ثم دخل مصر، وفيها جبار من الجبابرة اسمه سنان بن علوان أخو الضحاك، وقيل: اسمه عمرو بن القيس بن نابليون بن سبأ، وقيل: غير ذلك. وقضيته مع سارة مشهورة، فوهبها هاجرَ أمّ إسماعيل. وقيل: هاجر كانت لجبار يسكن عين الجر بقرب بعلبك، فوهبها لسارة، فوهبتها لإبراهيم، وإنها توفيت ولإسماعيل عشرون سنة، ولها تسعون سنة، فدفنها إسماعيل في الحِجْر. وتوفي إبراهيم وله مئتا سنة، وقيل: مئة وخمسة وسبعون. وعن كعب الأحبار: مات فجأة، وسبب ذلك: أنه أتاه مَلَك في صورة شيخ كبير، فضيَّفه إبراهيم، وكان يأكل ويسيل طعامه ولعابه على لحيته وصدره، فقال له إبراهيم: يا عبدالله! ما هذا؟ قال: بسبب الكبر [الذي] يصير صاحبه هكذا، قال: وكم أتى عليك؟ قال: مئتا سنة، وكان لإبراهيم يومئذ مئتا سنة، فكره الحياة لئلا يصير إلى هذه الحالة، فمات بلا مرض. وعن أبي السكيت الهجري: توفي إبراهيم، وداود، وسليمان - صلوات الله عليهم - فجأة، وهو تخفيف ورحمة في حق الصالحين المراقبين. ١٧٣ وقد توفيت سارة وهي أحسنُ نساء العالمين قبل إبراهيم، ولها مئة وسبع وعشرون سنة، فتزوج إبراهيم امرأة من الكنعانيين يقال لها: قنطورا، فولدت له. وفي الحديث: ((التركُ بنو قَنطور!)). وقال وهب: امرأة من الكنعانيين، فولدت له أربعة نفر. وفي التوراة: أنه ولد له من قنطورا: زمران، وسنان، ومدان، ومدين، وسباق، وشوخ، وتزوج أخرى يقال لها: حجورا، فولدت له سبعة نفر، فكان جميع ولد إبراهيم ثلاثة عشر رجلاً. وأحوال إبراهيم - عليه السلام - ومناقبه كثيرة مشهورة، وسيجيء في الكتاب نبذ منها، واكتفينا بهذا القدر هاهنا مخافة الإطناب. وفي تَرْكِ النبي - عليه السلام - نعتَ إبراهيم، والاقتصار على التشبيه بأنه أشبهُ ولده إيماءٌ إلى كثرة صفات إبراهيم - عليه السلام -، وأنها كثيرة كصفات نبينا - عليه السلام -، ولا يحيط بها الوصف، وفي أمثال هذا الترك في التفخيم ما ليس في الذُّكْر، وهو ظاهر. * وقوله: من حديث ابن عباس: (إِذَا انْحَدَرَ فِي الوَادِي) الرواية : (إذا) في الأصول كلها، وحكى القاضي عياض عن بعض العلماء: أنه أنكر هذه الرواية، ويقول: ينبغي أن تكون ((إذ)) بدون ألف، وغلطه القاضي، وقال: لا ضرورة في هذا؛ لأنه وَصَفَ حالةَ انحدارِه فيما مضى، و((إذا)) مثل ((إذْ)) في ذلك، وقد أبعدَ من قال: إن الراوي وَهَمَ، فوضع موسى موضعَ عيسى، والمراد: بيان أن عيسى يحج بعد نزوله، ١٧٤ والنبي - عليه السلام - كان ينظر إليه في حالة انحداره في الوادي، وهذه التعسفات منشؤها الظن بأن (إذا) لا تستعمل فيما مضى، وهو باطل. العاشر: في وصف جبريل. (وَرَأَيْتُ حِبْرِيلَ) سيجيء الكلام في صفة جبريل، وأنه يأتي النبي - عليه السلام - بصورة دحية بن خليفة الكلبي، وربما يستدل من ذكر جبريل - هاهنا -: أن اسم النبي يطلق على ذلك - أيضاً -. [٧٧ _ باب فِي ذِكْرِ المَسِيحِ بْنِ مَرْيَمَ، وَالمَسِيحِ الدَّجَّالِ] ٤٤٣ - (١٦٩ / ٢٧٣) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَفِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: (أَرَانِي لَيْلَةً عِنْدَ الكَعْبَةِ، فَرَأَنْتُ رَجُلاً آدَمَ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ، لَهُ لِمَّةٌ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنَ اللِّمَمِ، قَدْ رَجَّلَهَا فَهِيَ تَقْطُرُ مَاءً، مُتَّكِئاً عَلَى رَجُلَيْنِ - أَوْ عَلَى عَوَائِقِ رَجُلَيْنِ -، يَطُوفُ بِالبَيْتِ، فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ: هَذَا المَسِيحُ بْنُ مَرْيَمَ، ثُمَّ إِذَا أَنَا بِرَجُلٍ جَعْدٍ قَطَطٍ أَغْوَرِ العَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّهَا عِنَّةٌ طَافِيَةٌ، فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ: هَذَا المَسِيحُ الدَّجَّالُ)). ٤٤٤ - (١٦٩ / ٢٧٤) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيُّ، ١٧٥ حَدَّثَنَا أَنَسٌَ - يَعْنِي: ابْنَ عِيَاضٍ -، عَنْ مُوسَى - وَهُوَ ابْنُ عُقْبَةَ -، عَنْ نَافِعِ، قَالَ: قَالَ عَبْدُاللهِ بْنُ عُمَرَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَوْماً بَيْنَ ظَهْرَانَيِ النَّاسِ المَسِيحَ الدَّجَّالَ، فَقَالَ: (إِنَّ اللهَ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - لَيْسَ بِأَعْوَرَ، أَلاَ إِنَّ المَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ عَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنْبَّةٌ طَافِيَةٌ». قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: «أَرَانِي اللَّيْلَةَ فِي المَنَامِ عِنْدَ الكَعْبَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ كَأَحْسَنِ مَا تَرَى مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ، تَضْرِبُ لِمَّتُهُ بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ، رَجِلُ الشَّعَرِ يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءَ، وَاضِعاً يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلَيْنِ، وَهُوَ بَيْنَهُمَا يَطُوفُ بِالبَيْتِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: المَسِيحُ بْنُ مَرْيَمَ، وَرَأَيْتُ وَرَاءَهُ رَجُلاً جَعْداً قَطَطاً، أَعْوَرَ عَيْنِ الْيُمْنَى كَأَشْبَهِ مَنْ رَأَيْتُ مِنَ النَّاسِ بِابْنِ قَطَنٍ، وَاضِعاً يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلَيْنِ يَطُوفُ بِالبَيْتِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا المَسِيحُ الدَّجَّالُ)». ٤٤٥ - (٢٦٩ / ٢٧٥) - حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرِ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا حَنْظَلَةُ عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلِ قَالَ: ((رَأَيْتُ عِنْدَ الكَعْبَةِ رَجُلاً آدَمَ، سَبِطَ الرَّأسِ، وَاضِعاً يَدَيْهِ عَلَى رَجُلَيْنِ، يَسْكُبُ رَأْسُهُ - أَوْ يَقْطُرُ رَأْسُهُ -، فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ، أَوِ المَسِيحُ بْنُ مَرْيَمَ - لاَ نَذْرِي أَّ ذَلِكَ قَالَ -، وَرَأَيْتُ وَرَاءَهُ رَجُلاً أَحْمَرَ، جَعْدَ الرَّأْسِ، أَغْوَرَ العَيْنِ اليُمْنَى، أَشْبَهُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ ابْنُ قَطَنٍ، فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: المَسِيحُ الدَّجَّالُ)). الحديث الرابع: حديثُ ابن عمر: ((أَرَانِي لَيْلَةٌ عِنْدَ الكَعْبَةِ، ١٧٦ فَرَأَيْتُ رَجُلاً آدَمَ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ أُدْم الرِّجَالِ، لَهُ لِمَّةٌ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنَ اللُّمَم، قَدْ رَجَّلَهَا، فَهِيَ تَقْطُرُ مَاءً، مُتَّكِئاً عَلَى رَجُلَيْنِ - أَوْ عَلَى عَوَاتِقِ رَجُلَّيْنِ -، يَطُوفُ بِالبَيْتِ، فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ: هَذَا المَسِيحُ بْنُ مَرْيَمَ، ثُمَّ إِذَا أَنَا بِرَجُلٍ جَعْدٍ قَطَطٍ، أَعْوَرِ العَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّهَا عِنْبَةٌ طَافِيَّةٌ، فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ: هَذَا المَسِيحُ الدَّجَّالُ)). وفي رواية: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ عَهُ يَوْماً بَيْنَ ظَهْرَانَيِ النَّاسِ المَسِيحَ الدَّجَّلَ، فَقَالَ: ((إِنَّ اللهَ - تَبَّارَكَ وَتَعَالَى - لَيْسَ بِأَعْوَرَ، أَلاَ إِنَّ المَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ عَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنْبَةٌ طَافِيَةٌ)). قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أَرَانِي اللَّيْلَةَ فِي المَنَامِ عِنْدَ الكَعْبَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ كَأَحْسَنِ مَا تَرَى مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ، تَضْرِبُ لِمَّتُّهُ بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ، رَجِلُ الشَّعَرِ يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءٌ، وَاضِعاً يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلَيْنِ، وَهُوَ بَيْنَهُمَا يَطُوفُ بِالبَيْتِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: المَسِيحُ بْنُ مَرْيَمَ، وَرَأَيْتُ وَرَاءَهُ رَجُلاً جَعْداً قَطَطَأَ، أَعْوَرَ عَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَشْبَهِ مَنْ رَأَيْتُ مِنَ النَّاسِ بِابْنِ قَطَنٍ، وَاضِعاً يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلَيْنِ يَطُوفُ بِالبَيْتِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا المَسِيحُ الدَّجَّالُ)). وفي رواية: ((رَأَيْتُ عِنْدَ الكَعْبَةِ رَجُلاً آدَمَ، سَبِطَ الرَّأْس، وَاضِعاً يَدَيْهِ عَلَى رَجُلَيْنٍ، يَسْكُبُ رَأْسُهُ - أَوْ يَقْطُرُ رَأْسُهُ -، فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ، أَوِ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ - لَاَ نَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَ -، وَرَأَيْتُ وَرَاءَهُ رَجُلاً أَحْمَرَ، جَعْدَ الرَّأْسِ، أَغْوَرَ العَيْنِ اليُمْنَى، أَشْبَهُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ ابْنُ قَطَنٍ، فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: ١٧٧ المَسِيحُ الدَّجَّالُ)) أخرجه البخاري. [إذا عرفت هذا]، فالكلام في مواضع: الأول: في شرح الألفاظ : قوله: (أَرَانِي لَيْلَةً) الرواية في (أَرَانِي) فتح الهمزة. واللِّمَّةٌ - بكسر اللام وتشديد الميم -: الشعر المتدلي الذي جاوز شحمة الأذن، فإذا بلغ المنكبين، فهو جُمَّة، والجمع: لِمَم؛ مثل: قِرْبَة وقِرَب، ويجمع على لِمَام - بكسر اللام أيضاً -، وترجيل اللمة: تسريحها بالمشط مع الماء أو غيره. * وقوله: (فَهِيَ تَقْطَرُ مَاءً) قيل: المراد: الحقيقة؛ لمناسبة الترجيل؛ كأنه اغتسل للطواف، والأظهر: أنه كناية عن النضارة والحسن، يقال في صفة الشيء الحَسَن: يقطر منه الماء، وقد كثر هذا الاستعمال في الأشعار العربية والفارسية. وقد مَرَّ في ذكر تلبية موسى - عليه [السلام] - الوجوه، فهي دائرة في طواف عيسى - أيضاً -، على أن الأقرب هنا: الحملُ على رؤية المنام ـ على ما صرح بها في الرواية الثانية -، ولرؤية الدجال - أيضاً - في الطواف. وقد صح أن الدجال لا يدخل مكة والمدينة، وقيل: دخوله مكة والمدينة إنما يحرم عليه في زمان فتنته، أما قبله، فلا. وقيل: عيسى - عليه السلام - حيٌّ في السماء، فلا بُعد أن ينزل، ١٧٨ ويطوف بالبيت، ولا دلالة في الحديث - في رواية مالك عن نافع، وكذا في حديث سالم - على طواف الدجال بالبيت، وإنما هو في رواية موسی بن عقبة، عن نافع، ورواية غيره أقوی من روایته. والثاني: في معنى المسيح: فلقب من الألقاب المشرفة؛ كالصديق والفاروق، واختلف في كونه عربياً ممتنعاً، أو أعجمياً معرباً، فقيل: مشتق من المسح؛ لأنه مسح بالبركة، أو مسحه الله؛ أي: خلقه خلقاً، أو خرج من بطن أمه ممسوحاً بالدهن، أو ممسوح أسفل القدمين، لا أخمص له، فعلی جمیع هذه الوجوه، فعیل بمعنى مفعول . أو لأنه يمسح المرضى، فيحصل لهم البرء بإذن الله تعالى، أو لأنه يمسح الأرض؛ أي: يقطعها، فيكون بمعنى فاعل. وفي الدجال بمعنى مفعول؛ لأنه ممسوح العين، أو فاعل؛ لأنه يمسح الأرض حين خروجه؛ أي: يقطعها له، وربما يفرق بينهما في الاسم - أيضاً -، فيقال في عيسى - عليه السلام -: مسيح - بفتح الميم وتخفیف السین -، وفي الدجال - بكسر الميم وتشديد السين والحاء مهملة -، وقال بعضهم: في الدجال - بالخاء المعجمة بكسر الميم وتشديد الحاء، وبفتحها للتخفيف -، وقد تكسر الميم وتشدد السين وحاء مهملة في عيسى أيضاً، وبه قرأ جعفر الصادق وجماعة في قوله تعالى: ﴿مَّا الْمَسِيحُ أَبْرُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [المائدة: ٧٥] الآية. وأكثرُ المحققين على أن المسيح أعجميٌّ معربٌ مشيحا - بالشين ١٧٩ المعجمة -، ومعناه في لسانهم: المبارك؛ لقوله: ﴿وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا﴾ [مريم: ٣١]. وكذلك عيسى معرب من أشوع، بعد القلب. قال في ((الكشاف)): ومشتقها من المسح. و(العيس)؛ أي: البياض الذي تعلوه صفرة؛ كالرقم على الماء، وربما تمسك القائلون بالاشتقاق، وبدخول الألف واللام فيه، ويجاب بأن ذلك للمشابهة، وكلام العرب؛ كما قيل في طالوت: إنه اسم أعجمي، لكن لما وافق حروفه حروف الطول، ووصفه الله تعالى بالبسطة في الجسم، قيل: مشتق من الطول، على معنى أنه لو كان عربياً، لكان مشتقاً منه؛ نظراً إلى الظاهر والتقدير، ويمنع الصرف نظراً إلى الحقيقة، وهو كونه أعجمياً. الثالث: فيما يتعلق بالمعنی: : قوله: (إِنَّ اللهَ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - لَيْسَ بِأَعْوَرَ) المراد: بيان نهاية البعد بين الله تعالى والدجال؛ بحيث لا يبقى ريب لمن له مسكة من العقل(١)؛ فإن الدجال مخلوق من أنقصٍ خلقِ الله تعالى صورة وسيرةً، وكونه مخلوقاً، والله تعالى خالقُ الأشياء كلها منزةٌ عن صفات الحدوث = كافٍ في الفرق، بل لا يخطر ببال أحد عند ملاحظة ذلك شأنه مناسبة ما بينهما، ولكن لمَّا كان الجهل على بعض الناس غالباً، حتى إنهم يعتقدون في الحجارة التي ينحتونها بأيديهم أن لها قدراً عند (١) في الأصل: ((الحسن)). ١٨٠