النص المفهرس

صفحات 81-100

فَارْجِعْ إِلَى رَبِكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ - قَالَ : - فَلَمْ أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِي
- تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَبَيْنَ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَتَّى قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّهُنَّ
خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِكُلِّ صَلاَةٍ عَشْرٌ، فَذَلِكَ خَمْسُونَ صَلَّةٌ،
وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا، كُتِبَتْ لَهُ
عَشْراً، وَمَنْ هَمَّ بِسَيَْةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا، لَمْ تُكْتَبْ شَيْئاً، فَإِنْ عَمِلَهَا، كُتِبَتْ
سَيْئَّةً وَاحِدَةً - قَالَ : - فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتُهَيْتُ إِلَى مُوسَى، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ:
ارْجِعْ إِلَى رَبِكَ فَاسْأَلْهُ النَّخْفِيفَ - فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ : - فَقُلْتُ: قَدْ
رَجَعْتُ إِلَى رَبِي حَتَّى اسْتَحْبَيْتُ مِنْهُ».
قال الشيخ أبو أحمد: ثنا أبو العبّاس الماسَرْجسي: ثنا شيبان بنُ
فَرُوخ، ثنا حمَّادُ بنُ سَلَمَةَ بهذا الحديثِ .
وفي رواية عن أنس بن مالك - أيضاً -: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ أَتَاهُ
جِبْرِيلُ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ، فَأَخَذَهُ، فَصَرَعَهُ، فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ،
فَاسْتَخْرَجَ القَلْبَ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةٌ، فَقَالَ: هَذَا حَظُ الشَّيْطَانِ مِنْكَ،
ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءٍ زَمْزَمَ، ثُمَّ لِأَمَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ،
وَجَاءَ الِغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمُّهِ - يَعْنِي: ظِئْرَهُ -، فَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّداً قَدْ
قُتِلَ، فَاسْتَقْبَلُوهُ وَهُوَ مُنْتَقَعُ اللَّوْنِ، قَالَ أَنَسٌ: وَقَدْ كُنْتُ أَرَى أَثَرَ ذَلِكَ
المِخْيَطِ فِي صَدْرِهِ».
وكلها من رواية ثابت البُناني، عن أنس، وهما من أفراد مسلم.
ثم أخرج مسلم رواية شَريك بن عبدالله بن أبي نَمِر، قال:
حَدَّثَنِي شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ
٨١

يُحَدِّثْنَا عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللهِ نَّهِ مِنْ مَسْجِدِ الكَعْبَةِ: أَنَّهُ جَاءَهُ
ثَلاَثَةُ نَفَرِ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ، وَهُوَ نَائِمٌ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَسَاقَ
الحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ نَحْوَ حَدِيثٍ ثَابِتِ البُنَانِيِّ، وَقَدَّمَ فِيهِ شَيْئاً وَأَخَّرَ، وَزَادَ
وَنَقَصَ.
إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في مواضع.
الأول: في تحقيق ذلك، وجمع الروايات:
فاعلم: أن مسلماً - رحمه الله - لما ذكر بدء الوحي، وكيفية
مجيء جبريل - عليه السلام -، انتقل إلى بيان المعراج؛ لأنه هو الأمر
العظيم بعد الوحي، وبه ملاك الأمور، وقد فُرضت الصلاة فيه على
ما هو الصحيح.
وقد اختلف القوم في معراجه - عليه السلام -: أهو بجسده، أم
بروحه؟ في اليقظة، أم في النوم؟ وفي زمانه ومكانه؟
والأصح الذي تظاهرت عليه الأخبار، ونقلتها الثقات من الرواة:
أن الإسراء في اليقظة، وأنه بعد البعثة، من المسجد الحرام إلى
المسجد الأقصى، ومنه إلى السماء.
وأما ما جاء في رواية شريك عن أنس في الكتاب، وفي
((البخاري)) في (كتاب التوحيد)، فأنكر الثقاتُ ما فيها من ذكر كونٍ
المعراج قبلَ البعثة، ومن كونه في النوم.
على أن كونه قبل البعثة في هذه الرواية مصرحاً، وأما كونه في
النوم، فغير واضح، بل يحتمل أن يكون أول مجيء المَلَك في حالة
٨٢

نومه، ومعراجه في اليقظة؛ كما هو المفهوم من رواية مالك بن صعصعة
- على ما سيجيء -.
وأما كونُ المعراج قبل البعثة على ما وقع في روايته، فيمكن
الجمعُ بينها وبين الروايات المشهورة؛ لأن في هذه الرواية: (جَاءَهُ
ثَلاَثَةُ نَفَرٍ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ، وَهُوَ نَائِمٌ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ، فَلَمْ يَرَهُمْ
حَتَّى أَتَوْهُ لَيْلَةً أُخْرَى، فِيمَا يَرَى قَلْبُهُ، وَتَنَامُ عَيْنُهُ، وَلاَ يَنَامُ قَلْبُهُ)،
وساق الحديث من حملهم إيَّه إلى زمزم، وشَقُّهم بطنَه، وغسلٍ
قلبِهِ، وغير ذلك، ثم قال: (ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ)، وذكر حديث
المعراج، فقوله: (ثُمَّ عَرَجَ بِهِ)، وإن كان ظاهره أنه في هذه الليلة،
وهي قبل البعثة على ما صرح به، لكن يحتمل أن يكون حملُه، وشقُّ
بطنه، وغسلُ قلبه في تلك الليلة، والمعراجُ [في] ليلة أخرى بعد
البعثة، والغرض: أن رواية شريك يمكن أن تحمل على محمل يحصل
به الجمع بينه وبين سائر الروايات، ويستفاد منها: أن المعراج كان في
اليقظة بعد البعثة، كما يستفاد من غيرها، فالظاهر: أن شق البطن،
وغسل القلب كان مرتين - على ما سيجيء بيانه -، وقد تفطن حماد بن
سلمة هذا، وروى حديث الشق مفرداً، وحديث المعراج مفرداً - على
ما مر -، وقد خَلَطهما شريك، فصارت روايته مخالفة لسائر الروايات.
وقال القاضي عياض: في رواية شَريك أَوْهامٌ أنكرها عليه
العلماء، وقد نبه مسلم على ذلك بقوله: (وَقَدَّمَ [فِيهِ شَيْئاً] وَأَخَّرَ،
وَزَادَ وَنَقَصَ)، وتبعه النووي على ذلك، وقال: ما قاله القاضي في
٨٣

رواية شريك هو الحق، وقاله - أيضاً - غيرُه.
وقال الحافظ عبد الحق في كتابه ((الجمع بين الصحيحين)) بعد
ذكر رواية شَريك: هذه رواية قد زاد فيها شريك زيادة مجهولة، وأتى
بألفاظ غيرِ مقررة، وقد روى حديث الإسراء جماعةٌ من الحُفَّاظ
المتقنين، والأئمة المشهورين؛ كابن شهاب، وثابت البناني، وقتادة،
کلُّھم عن أنس، فلم يأت أحد منهم بما أتی به شريك، وشریك لیس
بالحافظ عند أهل الحديث.
هذا كلامه، وأنت خبير بأن شريكاً من أهل الوثوق، وأخرج له
الشيخان أحاديثَ كثيرةً غيرَ المتابعة، وهو من رجال الكتب الستة،
والترمذي، وإن لم يخرج له في ((جامعه))، فقد أخرج له في كتاب
((الشمائل)).
والوجه أن يقال: الإسراء مرتين: مرة في اليقظة بجسده بعد
البعثة من المسجد الحرام، ومرة في النوم قبل البعثة من بيت أم هانئء،
كما قاله بعض المحققين، وبهذا يحصل الجمعُ بين جميع الروايات
والأقوال.
وكذا في رؤية الأنبياء، ومواضعهم في السماوات، وفي الروايات
اختلاف في الجميع - على ما سيجيء-، والوجهُ الحملُ على التعدد.
روي: أنه - عليه السلام - أسري [به] من المسجد الحرام إلى
المسجد الذي بارك الله تعالى حوله، وهو الأقصى على ما هو الظاهر
من النص.
٨٤

وقيل: من دار أم هانئ بنت أبي طالب، والمراد بالمسجد
الحرام: الحرم كله؛ لإحاطته بالمسجد، والتباسه به، وعن ابن
عباس: (الحرم كله مسجد).
وروي: أنه كان نائماً في بيت أم هانئ بعد صلاة العشاء، فأسري
به، ورجع من ليلته، وقص القصة على أم هانئ، وقال: «مُثِّل لي
النَّبيون، فصلَّتُ بهم))، وقام ليخرج إلى المسجد، فتشبثت أم هانئ
بثوبه، فقال: ((ما لك؟))، قالت: أخشى أن يكذبك قومك إن
أخبرتهم، قال: ((وإِنْ كَذَّبُوني))، فخرج، فجلس إليه أبو جهل، فأخبره
رسولُ الله ◌َله بحديث الإسراء، فقال أبو جهل: يا معشر كعب بن
لؤي! هلم، فحدثهم، فمن بينِ مصفّق، وواضع يده على رأسه تعجباً
وإنكاراً، وارتدَّ ناس ممن كان آمن به، وسعى رجال إلى أبي بكر،
فقال: إن كان قال ذلك، لقد صدق، قالوا: أتصدِّقه على ذلك؟ قال:
إني لأصدّقه على أبعدَ من ذلك، فسُمِّي الصدِّيق. كذا في بعض
التفاسير.
وفي الطبراني عن أم هانىء، قالت: بَاتَ رَسُولُ اللهِ نَّهُ لَيْلَةَ
أُسْرِيَ بِهِ فِي بَيْتِي، فَفَقَدْتُهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَامْتَنَعَ مِنِّي الثَّوْمُ(١) مَخَافَةَ أَنْ
يَكُونَ عَرَضَ لَهُ بَعْضُ قُرَيْشٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي،
فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَخْرَجَنِي، فَإِذَا عَلَى البَيْتِ دَابَّةٌ دُونَ الْبَغْلِ، وَفَوْقَ الحِمَارِ،
فَحَمَّلَنِي عَلَيْهَا، ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى [انْتُهَى بِيَ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَأَرَانِي
(١) في الأصل: ((فامتنع من الليل)).
٨٥

إِبْرَاهِيمَ يُشْبِهُ خَلْقُهُ خَلْقِي، وَيُشْبِهُ خَلْفِي خَلْقَهُ، وَأَرَانِي مُوسَى آدَمَ
طَوِيلاً، سَبْطَ الشَّعْرِ، شَبَّهْتُهُ بِرِ جَالِ أَزْدِ شَئُوءَةً، وَأَرَانِي عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ
رَبْعَةً أَنْيَضَ، يَضْرِبُ إِلَى الحُمْرَةِ، شَبَّهْتُهُ بِعُرْوَةَ ابْنِ مَسْعُودِ النَّقَفِيِّ،
وَأَرَانِي الدَّجَّالَ مَمْسُوحَ العَيْنِ الْيُمْنَى، شَبَهْتُهُ بِقَطَنِ ابْنِ عَبْدِ العُزَّى،
وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ إِلَى قُرَيْشٍ، فَأُخْبِرَهُمْ بِمَا رَأَيْتُ، فَأَخَذْتُ بِثَوْبِهِ،
فَقُلْتُ (١): إِنِّي أُذَكِرُكَ اللهَ أَنَّكَ تَأْتِي قَوْماً يَذُبُّونَكَ، وَيُنْكِّرُونَ مَقَالَتَكَ،
فَأَخَافُ أَنْ يَسْطُوا بِكَ، قَالَتْ أمُّ هانئ: فَضَرَبَ ثَوْبَهُ مِنْ يَدِي، ثُمَّ
خَرَجَ إِلَيْهِمْ، [فَأَاهُمْ] وَهُمْ جُلُوسٌ، فَأَخْبَرَهُمْ مَا أَخْبَرَنِي، فَقَامَ جُبَيْرُ
بْنُ مُطْعِمٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! لَوْ كُنْتُ شَابًاً كَمَا كُنْتُ، مَا تَكَلَّمَتَ بِهِ،
وَأَنْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: يَا مُحَمَّدُ! هَلْ مَرَرْتَ بِإِبِلٍ
لَنَا فِي مَكَانٍ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ وَاللهِ! وَجَدْتُهُمْ قَدْ أَضَلُّوا بَعِيراً لَهُمْ،
فَهُمْ فِي طَلَبِهِ، فَقَالَ: هَلْ مَرَرْتَ بِإِلِ لِيَّنِي فُلانٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، فِي
مَكَانٍ كَذَا وَكَذَا، قَدِ انْكَسَرَتْ لَهُمْ نَقَةٌ حَمْرَاءُ، فَوَجَدْتُهُمْ وَعِنْدَهُمْ
قَصْعَةٌ مِنْ مَاءٍ، فَشَرِبْتُ مَا فِيهَا، [قَالُوا: فَأَخْبِرْنَا عِدَّتَهَا، وَمَا فِيهَا مِنَ
الرُّعَاةِ، قَالَ: قَدْ كُنْتُ عَنْ عِدَّتِهَا مَشْغُولاً، فَقَامَ، فَأَتِيَ بِالإِيِلِ،
فَعَذَّهَا، وَعَلِمَ مَا فِيهَا مِنَ الرُّعَاةِ، ثُمَّ أَتَى قُرَيْشاً، فَقَالَ: سَأَلْتُّمُونِي عَنْ
إِلِ بَنِي فُلانٍ، فَهِيَ كَذَا وَكَذَا، وَفِيهَا مِنَ الرُّعَاةِ فُلانٌ وَفُلانٌ،
وسَأَلْتُمُونِي عَنْ إِيِلٍ بَنِي فُلانٍ، فَهِيَ كَذَا وَكَذَا، وَفِيهَا مِنَ الرُّعَاةِ ابْنُ
أَبِ قُحَافَةً، وَفُلانٌ وَفُلاذٌ]، وَهِيَ مُصَبِحَتُكُمْ بِالغَدَاةِ عَلَى النَّةِ،
(١) في الأصل: ((فأخذت أم هانئ فقالت)).
٨٦

قَالَ: فَغَدَوْا إِلَى النَّبيَّةِ يَنْظُرُونَ: أَصَدَقَهُمْ مَا قَالَ؟ فاسْتَقْبَلُوا الإِبِلَ،
فَسَأَلُوا: هَلْ ضَلَّ لَكُمْ بَعِيرٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَسَأَلُوا الآخَرَ: هَلِ انْكَسَرَتْ
لَكُمْ نَقَةٌ حَمْرَاءُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالُوا: فَهَلْ كَانَتْ عِنْدَكُمْ قَصْعَةٌ؟ قَالَ أَبُو
بَكْرٍ: أَنَاَ - وَاللهِ -: وَضَعْتُهَا، فَمَا شَرِبَهَا أَحَدٌ، وَلا هَرَاقُوهُ فِي الأَرْضِ،
وَصَدَّقَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَآمَنَ بِهِ، فَسُمِّيَ يَوْمَئِذِ الصِّدِّيقَ.
وروى الطبراني - أيضاً - عن أبي أمامة حديث المعراج بطوله،
وأنه كان بالمنام.
ورُوي عن عائشة - أيضاً -: أنه كان في المنام.
وعن معاوية: إنما عرج بروحه.
وعن الحسن: کان رؤيا رآها.
وعنه: أنه قبل البعثة بخمسة عشر شهراً.
وقال الحربيُّ: كان ليلة سبع وعشرين من ربيع الآخر قبل الهجرة
بسنة .
وقال الزهري: كان بعد البعثة بخمس سنين .
وقال ابن إسحاق: أسري به، وقد فشا الإسلام بمكةَ والقبائلِ.
وفي بعض الروايات: کان آدم في سماء الدنيا، ویحیی وعيسى
في الثانية، ويوسف في الثالثة، وإدريس في الرابعة، وهارون في
الخامسة، وموسى في السادسة، وإبراهيم في السابعة، وهو أشهر
الروايات.
٨٧

وفي بعضها: في سماء الدنيا آدم، وفي السادسة إبراهيم، وباقي
الأنبياء في السماوات، ولكن ما ضبط الراوي مراتبهم.
وفي ((البخاري)) في رواية شريك: أن آدم في الأولى، وإدريس
في الثانية، ويحيى وعيسى في الثالثة، وهارون في الرابعة، وآخر في
الخامسة - لم أحفظ اسمه -، وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة
بتفضيل كلام الله تعالى، فقال موسى: أي ربّ! لم أظن أن ترفع عليَّ
أحداً)) .
وفي ((النسائي)) من رواية يزيد بن أبي مُلَيْكة، عن أنس: ((ثُمَّ
صُعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ، فَإِذَا فِيهَا هَارُونُ، ثُمَّ صُعِدَ بِي إِلَى
السَّمَاءِ الخَامِسَةِ، فَإِذَا فِيهَا إِذْرِيسُ)).
وفي الرواية المشهورة: أن النبي - عليه السلام - رَأَى أَرْبَعَةَ أَنْهَارِ
يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِهَا نَهْرَانِ بَاطِنَانٍ، وَنَهْرَانٍ ظَاهِرَانٍ».
وفي رواية شريك: ((فَإِذَا هُوَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا بِنَهَرَيْنِ يَطَِّدَانِ،
فَقَالَ: مَا هَذَانِ النَّهَرَانِ يَا جِبْرِيلُ؟، قَالَ: هَذَا النِّيلُ وَالفُرَاتُ)).
فهذا اختلاف في واضعي هذه الروايات.
والذي عليه الجمهور: أنه في اليقظة، وبعد البعثة؛ فإن أكثر
الروايات متظاهرة على أنه في اليقظة، وإنكار قريش ذلك، وارتداد من
ارتدَّ يدل على ذلك - أيضاً -؛ إذ لا بُعدَ في رؤية العجائب مثل هذا
وأعجب من هذا في المنام، ولا إنكار في ذلك.
٨٨

وأما ما تمسك به القائل أنه في النوم من قوله تعالى: ﴿وَمَاجَعَلْنَا
اُلُّهُ يَا الَّتِي أَرَيْنَكَ﴾ [الإسراء: ٦٠] الآية، فقيل: إن هذه قضية أخرى، وهو
دخول المسجد الحرام، وفتنة(١) الصدِّ بالحديبية، قاله عكرمة.
وقيل: المراد: قصة المعراج، والرؤيا بمعنى: الرؤية معاينة،
قاله ابن عباس في جماعة من أهل التفسير، والفتنة: ارتداد من أنكر
ذلك.
وأما حديث أبي أمامة - على ما في الطبراني - فبعد تقدير
صحته، لا ينافي ذلك، فإنها تكون - أيضاً - على أنها رؤيا من حديث
[ ... ] بزيادة عليها، فوضعت هذه، ووقع المعراج مرة أخرى باليقظة
على ما هو المذكور.
ثم المشهور عند الجمهور: أنه عند فُشُو الإسلام بمكة،
فالصحيح: قول الزهري: إنه قبل الهجرة بخمس سنين؛ إذ لا خلاف
أن خديجة صلَّت مع النبي ◌َّ بعد فرض الصلاة، ولا خلاف في أنها
توفيت قبل الهجرة بمدة؛ قيل: بثلاث سنين، وقيل: بخمس، وقد
اجتمع العلماء على أن فرض الصلاة كان ليلة المعراج.
وقيل: أسري [به] من مكة إلى المسجد الأقصى في اليقظة، ثم
منه إلى السماوات في النوم، ولهذا جُعل المسجدُ الأقصى غايةَ
الإسراء، و- أيضاً -: هذا خارج مخرج التمدح، والإخبار بتشريف
الرسول - عليه السلام -، ولا تمدح بالأدونِ مع وجود الأرفع منه، فلو
(١) في الأصل: ((والفتنة)).
٨٩

كان قد صعد إلى السماء بجسده، لكان يقول: أسرى بعبده إلى السماء،
فهو أبلغُ في المدح من أن يقول: ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا﴾ [الإسراء: ١].
والصحيح الذي عليه الجمهور، وهو الذي ذكرنا من أن الجميع
كان باليقظة، ولا دليل في الآية للقائل؛ فإن الله تعالى أخبر بأنه أسرى
بعبده من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ليريه من آياته،
فالمسجدُ الحرام مبتدأ الإسراء، والمسجدُ الأقصى محلُّ رؤيته
الآيات، وهو الصعود إلى السماوات، وليس في الآية ما ينافي ذلك،
بل فيها وفي غيرها من الآيات ما يبين ذلك، ويصححه، والأخبار من
روايات الثقات صريحة في ذلك، فلا وجه للعدول عن ظواهرها.
ثم الواقع من الاختلاف في الروايات في بعض الأشياء كما
ذكرنا؛ فإِمَّا من حفظ الرواة، وإِمَّا أن يحمل على كونه مرتين؛ كما
قلنا؛ فإن بذلك يحصل الجمع بين الروايات والمذاهب بلا تكلف،
والله أعلم.
وأما إنكار الفلاسفة الإسراءَ بالجسد؛ للزومه إمكان صعود
الجسم الثقيل العنصري إلى الأفلاك، وإمكان الخرق والالتئام فيها،
وسكون الأنبياء الذين ماتوا في السماء بأجسادهم، ورجوعهم إلى
الحياة، وتكلمهم معه، ووجود الماء في السماوات، وغير ذلك،
فمبني على قواعدهم الباطلة، ولا يلتفت إليه؛ لظهور بطلانه، وقد بين
ذلك في موضعه.
والثاني: في البراق: قوله: (أَتِيتُ بِالْبُرَاقِ) - بضم الباء -: دابة
و
٩٠

ركبها النبيُّ - عليه السلام - ليلة الإسراء.
وقال الزُّبيدي في ((مختصر العين)) وصاحب ((التحرير)): هي مركب
الأنبياء- عليهم السلام - یر کبونها .
وفي ((جامع الترمذي): ((أُنِيَ بِالْبُرَاقِ لَيْلَةً أُسْرِيَ بِهِ مُلْجَماً
مُسْرَجاً، فَاسْتَصْعَبَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: أَبِمُحَمَّدٍ تَفْعَلُ هَذَا؟! فَمَا
رَكِبَكَ أَحَدٌ أَكْرَمُ عَلَى اللهِ مِنْهُ، قَالَ: فَارْفَضَّ عَرَقاً)). قال الزهري:
حديث غريب، ولا نعرفه إلا من حديث عبد الرزاق.
وعن شَدَّادِ بنِ أَوْسٍ، مرفوعاً: ((أَتَانِي جِبْرِيلُ بِدَابَّةٍ [بَيْضَاءَ] فَوْقَ
الحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ، فَقَالَ: ارْكَبْ]، فَاسْتَصْعَبَتْ عَلَيَّ، فَأَدَارَهَا
بِأُذُنِهَا حَتَّى حَمَلَتْنِي عَلَيْهَا)) رواه البزار، والطبراني.
وأما اشتقاقه، فقال ابن دريد: من البرق بسرعته. وقيل: من
الريق؛ لشدة صفائه ولمعانه، وقيل: من الشاة البرقاء، وهي البيضاء
التي يكون في خلال صوفها الأبيض طاقات سود، ومنه قوله - عليه
السلام - في الأضحية: ((أَبْرِقُوا؛ فَإِنَّ دَمَ عَفْراءَ عِنْدَ اللهِ أَفْضَلُ وأَزْكَى
مِنْ دَمِ سَوْدَاوَيْنٍ))؛ أي: ضحوا بالبرقاء.
ويحتمل أن يكون من الأَبْرَق، وهو المكانُ الغليظُ الذي فيه
الحجارة، سميت به؛ لشدة خَلْقِها، ورصانة حيزها، وتميزها من بين
سائر الدواب بركوب الأنبياء - عليهم السلام -.
وأن يكون من بَرِقَ بمعنى: تحير؛ لأن العقول تتحيَّر في خَلْقها.
٩١

وأن يكون من أبرق بمعنى: كشف؛ إذ بركوبها يحصل الكشفُ
التامُّ الأنبياء - عليهم السلام -.
والاحتمالات الثلاثة [ ... ] أشدُّ مناسبة من الثلاث الأُول،
يعرف بالتأمل.
وفي ((البخاري)): ((يُقَالُ لَهُ الجَارُودُ هُوَ الْبُرَاقُ)).
* وقوله: (دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ) جاء بوصف المذكر؛ لأنه وصفٌ
للبراق، ولو أتي به على لفظة الدابة، لقال: طويلة.
ومن حديث أبي هريرة على ما في البزار: أُتي بفَرسٍ يَجْعَلُ كُلَّ
خَطْوٍ منه أَقْصی بَصَرِهِ .
وعن ابن مسعود: «أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ، فَرَكِبْتُهُ [خَلْفَ جَبْرَائِيلَ، فَسَارَ
بِنَا، فَكَانَ] إِذَا أَتَى عَلَى جَبَلٍ، ارْتَفَعَتْ رِجْلاهُ، وَإِذَا هَبَطَ، ارْتَفَعَتْ
يَدَاهُ» رواه البزار، وأبو يعلى، والطبراني.
وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أنَّ جبريل أتى النبيَّ - عليه
السلام - بالبراق، فحلَّه بين يديه، فإذا بلغ مكاناً واطئاً، طالت يداه،
وقَصُرَت رجلاه، حتى يستوي به، وإذا بلغ مكاناً مرتفعاً، قصرت
يداه، وطالت رِجْلاه، حَتَّى يستوي)) رواه الطبراني.
* وقوله: (عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ)، وفي رواية أخرى: ((عِنْدَ أَقْصَى
طَرْفِهِ))، الطَّرْفُ - بسكون الراء -: هو العين، والمراد: بيان أنه سريع
بعيدُ الخَطْوِ.
٩٢

وفي ((النسائي)): ((أَتِيتُ بِدَابَّةٍ فَوْقَ الحِمَارِ وَدُونَ البَغْلِ، خَطْوُهَا
عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهَا، فَرَكِبْتُ، وَمَعِي جِبْرِيلُ، فَسِرْتُ، فَقَالَ: انْزِلْ فَصَلِّ،
فَفَعَلْتُ، فَقَالَ: أَتَذْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ؟ صَلَّيْتَ بِطَيِيَةً، وَإِلَيْهَا المُهَاجَرُ، ثُمَّ
قَالَ: انْزِلْ فَصَلِّ، فَصَلَّيْتُ، فَقَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ؟ صَلَّيْتَ بِطُورٍ
سَيْنَاءَ حَيْثُ كَلَّمَ اللهُ وَّ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -، ثُمَّ قَالَ: انْزِلْ فَصَلِّ،
فَتَزَلْتُ، فَصَلَّيْتُ، فَقَالَ: أَتَذْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ؟ صَلَّيْتَ بِبَيْتِ لَحْمٍ حَيْثُ
وُلِدَ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلاَمِ -، ثُمَّ دَخَلْتُ بَيْتَ المَقْدِس))، وساق الحديث،
وهذه الزيادة ليست في باقي الكتب الستة.
وعن شَدَّادِ بنِ أوس، يرفعه، قال: ((انْطَلَقَتْ تَهْوِي بِنَا تَضَعُ
حَافِرَهَا حَيْثُ أَدْرَكَ طَرْفُهَا، حَتَّى انْتُهَيْنَا إِلَى أَرْضٍ ذَاتِ نَخْلٍ، فَقَالَ:
انْزِلْ، فَتَزَلْتُ، ثُمَّ قَالَ: صَلِّ، فَصَلَّيْتُ، ثُمَّ رَكِبْنَا، فَقَالَ لِي: أَتَذْرِي
أَيْنَ صَلَّيْتَ؟ قُلْتُ: (اللهُ أَعْلَمُ))، قَالَ: صَلَّيْتَ بِيَثْرِبَ، صَلَّيْتَ بِطَيْبَةً،
ثُمَّ انْطَلَقَتْ تَهْوِي بِنَا تَضَعُ حَافِرَهَا حَيْثُ أَدْرَكَ طَرْفُهَا، حَتَّى بَلَغْنَا أَرْضاً
بَيْضَاءَ، فَقَالَ لِي: انْزِلْ، فَنَزَلَتْ، ثُمَّ قَالَ لِي: صَلِّ، فَصَلَّيْتُ، ثُمَّ
رَكِبْنَا، فَقَالَ: تَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ؟ قُلْتُ: ((اللهُ أَعْلَمُ))، قَالَ: صَلَّيْتَ
بِمَدْيَنَ، صَلَّيْتَ عِنْدَ شَجَرَةٍ مُوسَى، ثُمَّ انْطَلَقَتْ تَهْوِي بِنَا تَضَعُ
حَافِرَهَا، أَوْ يَقَعُ حَافِرُهَا حَيْثُ يَنْتِهِي طَرْفُهَا، ثُمَّ ارْتَفَعْنَا، فَقَالَ: انْزِلْ،
فَتَزَلْتُ، فَقَالَ: صَلِّ، فَصَلَّيْتُ، ثُمَّ رَكِبْنَا، فَقَالَ لِي: أَتَذْرِي أَيْنَ
صَلَّيْتَ؟ قُلْتُ: (اللهُ أَعْلَمُ)، قَالَ: صَلَّيْتَ بِبَيْتِ لَحْمٍ حَيْثُ وُلِدَ
المَسِيحُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ)) رواه البزار، والطبراني.
٩٣

والثالث: في الوصول إلى بيت المقدس :
* قوله: (حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ المَقْدِس) روي بتشديد الدال المفتوحة،
بمعنى: المُطَهَّرِ، وبتخفيفها، فإما مصدر بمعنى: بيت الطهر، أو اسم
مكان بمعنى بيت مكان الطهارة، والمراد من الطهارة: خلوه من
الأصنام، وإبعاده منها .
وعن الزجَّاج: لأنه يطهر فيه من الذنوب.
ويقال له - أيضاً -: إيلياء.
وأما الحَلقة التي تربط به الأنبياءُ دوابهم، فقيل: حلقة الباب،
وقيل: غيرها، والضمير في (بِهِ) - على ما هو الرواية المشهورة في
الأصول - راجع إلى الحلقة بمعنى: الشيء، وأما الرواية (بِهَا) [ ... ].
وفي ربط البراق: الأخذ بالاحتياط في الأمور، وتعاطي الأسباب.
وفيه: أن ذلك لا يقدح في التوكل، بل يعينه؛ لأن التفويض
بدون مزاولة الأسباب اتكال لا توكل.
وفي ((الترمذي)) من حديث بُريدة، قال: قَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((لَمَّا
انْتُهَيْنَا إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ، قَالَ جِبْرِيلُ بِصْبَعِهِ، فَخَرَقَ بِهِ الحَجَرَ، وَشَدَّ
بِهِ البُرَاقَ» .
ومن حديث أبي هريرة على ما في ((البزار)): (ثُمَّ سَارَ حَتَّى أَتَى
بَيْتَ المَقْدِسِ، فَنَزَلَ، فَرَبَطَ فَرَسَهُ إِلَى صَخْرَةٍ» .
وفيه، وفي ((الطبراني)) من حديث شَدَّادِ بنِ أَوْس: ((ثُمَّ انْطَلَقَ بِي
٩٤

حَتَّى دَخَلْنَا المَدِينَةَ مِنْ بَابِهَا الْيَمَانِيِّ، فَأَتَى قِبْلَةَ المَسْجِدِ، فَرَبَطَ دَابَتَهُ،
وَدَخَلْنَا المَسْجِدَ مِنْ بَابٍ فِيهِ تَمِيلُ الشَّمْسُ والقَمرُ، فَصَلَّيْتُ فِي المَسْجِدِ
حَيْثُ شَاءَ الله﴾.
والجمع بين الروايات ظاهر؛ فإن ربط البراق إلى صخرة أشار
جبريل - عليه السلام - بإصبعه إليها، فانشقلت]، فصار موضع الشق
حلقة، وهو مكان ربط الأنبياء - عليهم السلام - البراق.
الرابع: في الإناء المعروض عليه :
قوله: (فَجَاءَتِي جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ؛ وَإِنَاءٍ
مِنْ لَبَنٍ، فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ) في ذلك دليل على المحذوف، وهو: اخترْ
أَيَّ الإناءين شئتَ، وما في معناه، كما جاء مصرحاً في باقي الروايات.
وفي حديث أبي هريرة على ما في ((البزار)): ((ثم أتي بآنية ثلاثة
مُغَطَّة، فدفع إليه إناءً، فقيل له: اشْرَبْ، فيه ماء، ثم دَفَعَ إليه إناءً آخَرَ
فيه لبنٌ، فَشَرِبَ منه حتَّى رَوِي، ثم دُفع إليه إناءً آخرَ فيه خَمْرٌ، فقال:
قد رَوِيتُ، لا أَذُوقُه، فقيل له: أَصَبْتَ، أَمَا إنَّها سَتُحَرَّمُ على أمَّتِكَ،
ولو شَرِبْتَها، لم يَتَّبِعْكَ من أمَّتِكَ إلا قليلٌ)).
وفيه، وفي ((الطبراني)) من حديث شَدَّاد بن أوس: ((ثُمَّ أُتِيْتُ
◌ِنَاءَيْنِ، أَحَدُهُمَا لَبَنْ، وَالآخَرُ عَسَلٌ، أُرْسِلَ إِلَيَّ بِهِمَا جَمِيعاً، فَعَدَلْتُ
بَيْنَهُمَا، ثُمَّ هَدَانِي اللهُ لَهُ، فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ، فَشَرِبْتُ حَتَّى قَرَعْتُ بِهِ
جَبِيِنِي، وَبَيْنَ يَدَيَّ شَيْخٌ مُتَّكِئٌ، فَقَالَ: أَخَذَ صَاحِبُكَ الفِطْرَةَ» .
٩٥

والاختلاف بين هذه الروايات في عدد الإناء، وفيما فيها، وفي
التخيير بالعرض عليه جميعاً، أو بالترتيب، ويمكن الجمع بأن ذلك
وقع مرتین - کما مَرَّ-، وهذا کما في بیت المقدس.
وفي حديث مالك بن صَعْصَعة - على ما سيجيء -: أن عرض
الآنية في السماء السابعة: إناء لبن، وإناء خمر.
وفي ((البخاري)): إناء عسل - أيضاً-، فاختار اللبن.
واختيارُه - عليه السلام - اللبنَ دليلُ اختيار الفطرة، وهي الإسلام
والاستقامة؛ لأنه غذاء حالة الصغر، وقرب العهد إلى الدنيا، من غير
تكليف شيء عليه، وصدور معصية منه، وفي نفسه - أيضاً - هو غذاء
سهلٌ طيب عجيبُ المسلك والمخرج؛ حيث أخرجه الله تعالی بعجيب
قدرته من بين فَرْثٍ ودم لبناً خالصاً سائغاً للشاربين، كما أخرج الولد
من بين الأقذار شخصاً حياً مركباً من عجائب القدرة، فيكون اللبن في
الرزق يناسب الولد في الخلق في كونهما من عجائب القدرة.
والفطرة في الأصل: الجِبِلَّة، وفسر قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اُللَّهِ
الَّتِ فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]؛ أي: جِبِلَةُ الله التي جبلهم عليها؛
من الهداية لمعرفته والإقرار [به].
وقد حُمل الحديث، وهو قوله - عليه السلام -: (كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ
عَلَى الفِطْرَةِ)) على هذا - أيضاً -، وقد جاء مصرحاً في رواية أخرى:
((جَبَلَ اللهُ الخَلْقَ على معرفته، فاجتالَتْهم الشَّياطين))، وفيها معنى
الحداثة - أيضاً -، وفطر نابُ البعير: إذا ابتدأ خروجه.
٩٦

ومنه قول الأعرابي المتحاكِم إلى ابن عباس في البئر: أنا
فطرتُها؛ أي: ابتدأتُ حَفْرَها.
وفيها معنى الضعف، ومنه: رأي فَطيرٌ؛ أي: ضعيف.
شك أن في اللبن توجد هذه المعاني، فإنه مناسب للجبلة.
وفيه معنى الحداثة؛ لأنه طعام حديث يطعمه طاعم حديث.
وفيه معنى الضعف - أيضاً -؛ لأن الصبي - في وقت كونه غذاؤه
فیه - ضعيفٌ.
وفي الخمر أضداد هذه المعاني جميعاً، وهو أم الخبائث،
فلذلك كان دليل الغواية والفساد.
وفي ((البخاري)): ((وإناء من عسل)) بعد ذكر الإناءين، والعسل وإن
كان فيه شفاء للناس، وإخراجه أيضاً عجيب يناسب بخلقة الإنسان في
العجب، لكنه ليس بطعام أول له، ولأن المفسدة، وهي زوال العقل
تحصل منه - أيضاً -، إذ يعمل منه بالسكر، واختيار اللبن أدل على
الفطرة، ولهذا صوَّب الملك فعله، ودعا له، كما جاء في رواية
أخرى: «أَصَبْتَ، أَصَابَ اللهُ بِكَ، أُمَّتُكَ عَلَى الفِطْرَةِ» .
وفيه: إرشاد للأمة في الأخذ بما يليق بهم، وقد جاء مصرحاً في
رواية أخرى: ((أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الخَمْرَ، غَوَتْ أُمَّتُكَ)).
وفي حديث أبي هريرة - على ما مَرَّ -: ((ولو شربْتَها، لم يتبعْكَ
من أُمتك إلاَّ قليلٌ)).
٩٧

والخامس: في العروج إلى السماء:
قوله: (ثُمَّ عَرَجَ بِنَا) يروى بضم العين وكسر الراء، وترك
الفاعل إيماءً إلى التعيين، وهو أمر الله تعالى، أو جبريل، أو غيره،
والمراد من قوله: (بِنَا): النبي، وجبريل - عليهما السلام -.
ويروى بفتح العين والراء، فيكون الفاعلُ جبريلَ، وأتى بالنون
للواحد المطاع، والأصل: عُرِج بي، كما جاء مصرحاً في قوله تعالى:
﴿عُلِّمْنَا مَنطِقَ الَّيْرِ﴾ [النمل: ١٦]، وهو أصح الروايتين في الكتاب،
وأشهرهما (١)، وفي ((البخاري)): ((فَانْطَلَقَ بِي جِبْرِيلُ)).
ثم الظاهر من الروايات: أن ركوب البراق من مكة إلى بيت
المقدس فقط، ومنه إلى السماء العروجُ مع جبريل - عليه السلام -.
وعن أنس بن مالك، قال: قال رسولُ اللهِ وَهِ: (بَيْنَا أَنَا قاعِدٌ، إذْ
جاء جبريلُ، [فوكزَ بينَ كَتِفَيَّ، فقمتُ] إلى شَجَرَةٍ فيها كَوَكْرَي الطيرِ،
فقعدَ في أحدِهما، وقعدتُ في الآخر، فسمَتْ وارتفعَتْ حتى سَدَّتِ
الخافِقَيْن، وأنا أقلبُ طَرْفَي، ولو شئتُ أن أمسنَّ السماءَ، لمسستُ،
فالتفتُّ إلى جبريلَ كأنه حِلْسٌ لاطِئٌ، فعرفتُ فضلَ علمِه بالله عليَّ،
وفُتِحَ بابٌ من أبواب السماء، ورأيتُ النورَ الأعظمَ، وإذا دونَ
الحجابِ رَفْرَفَةُ الدُّرِّ والياقوت، فأوحى إليَّ ما شاء أن يُوحي)) رواه
البزار، والطبراني، ورجاله رجال الصحيح.
(١) في المخطوط: ((وأشهرها)).
٩٨

وعن عبد الرحمن [بن] قُرط: أنَّ رسولَ الله وَّ ليلةَ أُسري به إلى
المسجد الأقصى، فلما رجعَ، كان بين المقام وزمزم، وجبريلُ عن
يمينه، وميكائيلُ عن يساره، فطارا به حتَّى بلغَ السَّماواتِ السَّبعَ)) رواه
الطبراني، وهو صريح في أن المعراج بعدَ الإسراء، وأنه من مكة،
وأنه بعد ركوب البراق.
السادس: في العروج إلى السماوات، ورؤية الأنبياء فيها:
: قوله: (فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ) في استفتاح جبريل إيماءٌ إلى حسن
الاستئذان، وإلى أن للسماوات أبواباً عليها ملائكة يحفظونها.
* وفي قوله: (قَالَ: حِبْرِيلُ) ولم يقل: أنا، إيماءٌ إلى ما ورد في
الحديث من النهي من قول المخبر في مثل هذا: أنا؛ لخلوه عن
الفائدة؛ إذ غرضُ السائل العلمُ بالمستفتِح، وإنما يحصل كمال العلم
بقوله: فلان، لا بقوله: أنا، ففيه إرشاد للمستفتح أن يقول كذلك.
والمراد من قوله: (وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟): السؤال عن البعثة إليه؛
للصعود، لا للرسالة؛ لأن ذلك معلوم لهم.
وعن بعضهم: احتمالُ كون السؤال عن البعثة، قاله القاضي
عياض .
ورُدَّ بأن أصل البعثة لا يخفى عليهم.
وأجيب بأنه لا يبعد؛ إذ كل منهم في شأن لا يتعداه.
والوجهُ الأول أوجَه؛ فإن في لفظة (إِلَيْهِ) بعضَ نُبُوَّ عن الحمل
٩٩

على الوجه الثاني، وفي ((البخاري)) في جميع المواضع: ((وَقَدْ أُرْسِلَ
إِلَيْهِ؟)) خلا بَوَّاب السماء السابعة؛ فإنه ذكر فيه: ((وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟»،
وفي الكتاب - أيضاً - في بعض الروايات: ((وَقَدْ أَرْسِلَ إِلَيْهِ؟)».
وأما قول جبريل - عليه السلام - في الجواب: ((قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ)»
دون أن يقول: (نعم)، كما في سائر الروايات؛ لأجل زيادة التأكيد؛
لما فيه من التكرر، على أن الأمر في رواية أمثال هذا، والألفاظ في
مثل هذا الحديث مبين - على ما لا يخفى ..
وفي ترحيب الأنبياء للنبي - عليه السلام - ودعائهم: استحبابُ
إظهارِ المسرَّة عند ملاقاة الأحبة، والدعاء والكلام الحسن الجميل
لهم، وإن کان نوع مدح له.
وفي حديث أبي هريرة على ما في ((البزار)): ((إلى أن جئت من
حفظة الأبواب))؛ أي: الأنبياء.
والجمع ظاهر، فإنه وقع عن الملائكة الحافظين للأبواب، ومن
الأنبياء الذين كانوا في السماوات.
وأما منازلُ الأنبياء، واختصاص بعضهم ببعض السماوات، فمما
يحتاج إلى معرفة التفاوت في درجاتهم، وهذا مما يُسكب على معرفته
العَبَرات، وسيجيء الكلام عليه عن قريب - إن شاء الله -.
وقد استدل من إسناد إبراهيم - عليه السلام - ظهرَه إلى البيت
المعمور: جواز الاستناد إلى الكعبة، وتحويل الظهر إليها.
* وقوله: (سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ) قيل: المراد: التحديد، وهو
١٠٠