النص المفهرس
صفحات 41-60
تحقيق ما خطر ببالها وقَدِمَ عليها من البشارة للنبي - عليه السلام -، وتمام التسلية له؛ فإن هذا أمر من الله تعالى، وفضل منه، لا من الشيطان، ولا يقدر هو على ذلك. وفيه: بيان من ادَّعَى شيئاً، فعليه القيامُ على ذلك أحسنَ القيام، والسعي في إقامة البرهان. وفيه: جواز مساندة المرأة مع زوجها في المهمات. وفيه: الإرشاد إلى أن الواجب على الواقع في أمر أن يسأل أهل العلم والرأي عن ذلك. والتاسع: في قوله: (وَهُوَ ابْنُ عَمِّ خَدِيجَةَ)؛ لأنه ورقة بن نوفل ابن أسد، وهي خديجة بنت خويلد بن أسد، فهو ابن عمها حقيقة، وإنما أكد بقوله: ((أَخِي أَبِيِهَا)) إزالة للوهم بأن ورقة عمُّها، وتحقيقاً بأنه ابن عمها، فإنه لما ذكر هاهنا أنه ابن عمها، ثم في مواضع أُخَرَ خاطبته بالعم، فقالت، ((أَيْ عَمّ!))، ولا شك أن أحدهما مجاز، صرح بأنه ابنُ أخي أبيها؛ أي: ابنُ عمها حقيقة، والخطاب بالعم مجاز، على طريقة العرب في الخطاب بالعم تكرُّماً. وأما في الرواية الأخرى: ((أي ابْنَ عَمّ!))، فهو على الحقيقة - أيضاً -، وإنما قالت: ((اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ)) في شأن الرسول - عليه السلام -، ولم تقل: من ابن عمك؛ لأن تلاصق النسب إذا كان في الأب وأب الأب، فإنه يعبر بالعم وابن العم؛ لأنهما في مرتبة واحدة، أما إذا كان أبعد من ذلك، فإنه يعبّر بالأخ وابن الأخ، وإنما لم تقل: ٤١ من أخيك؛ لأن المرتبة النسبية بين عبدالله أبي النبي - عليه السلام - وبين ورقة متساوية، فعبدُالله أخوه نظراً إلى الرتبة، ورسولُ اللهِ وَّ ابنُ أخيه؛ لأنه محمد بن عبدالله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، وهو ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي، فلهذا عبَّر بابن الأخ. وما وقع في بعض الشروح من أنها لو قالت: من أخيك، للزم المساواة، وهو - عليه السلام - أعز عليها من ورقة، ولو قالت: ابنك، للزم تفضيل ورقة عليه - عليه السلام -، فلأجل ذلك قالت: (ابْنِ أَخِيكَ) = فغير واضح؛ لاجتماع السببين اللذينِ احترز عنهما هذا القائل في هذا القول، مع أنه لا ينبغي القول بابن عمك. والعاشر: في قوله: (وَكَانَ امْرَأَ تَنَصَّرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ)؛ أي: دخل دين النصرانية بعدما لم يكن فيه، والجاهلية: ما كانت قبل بعثة رسولنا - عليه الصلاة والسلام -، سميت بذلك؛ لكثرة الجهالات فيها، وإنما ذكر هذا الوصف؛ لأنه السبب لاختيار خديجة ورقةً بنَ نوفل من بین سائر القوم؛ فإن المشاوَرَ في ذلك الشأن لا بد وأن يكون من أهل العلم والدين، وذلك مختص بالقسِّيسين والرهبان؛ لأن العلم في ذلك الزمان فيهم، وحال النبيِّ الموعود مذكورٌ في الإنجيل مع صفته، فلزم عرضُ أمر النبي - عليه السلام - وما رآه على من تديَّن بدين النصرانية، ويعلم الإنجيل، وهذا الوصف موجود في ورقة، مع زيادة أمر القرابة، فذكر أولاً القرابة؛ لأنه - أيضاً - سبب المجيء إليه، ولا عار للمرأة في ٤٢ الذهاب إلى قريبها، بل فيه صلة الرحم. ثم ذكر دينه بأنه في الجاهلية انتقل إلى الدين، وصار من أهله، وفيه: بيان كمال عقله واعتقاده، واعترافه بأنه لا بد للإنسان من معرفة الله تعالى وصفاته بقدر قوته، وأن امتياز الإنسان من البهائم بذلك، فلذلك اختار الدين، وأخرج نفسه من سلك الجاهلين الذين هم کالأنعام بل هم أضل. ثم ذكر علمه بأنه يكتب الإنجيل بالعربية؛ إيماءً إلى أنه ليس نصرانياً مقلّداً لا علم له بالكتاب ولا دراسة، وإنما دخل في الدين بأقوال القسيسين من غير علمه بكتابهم. ففي هذه الصفات بيان اختصاص ورقة بعَرْض أمر النبي - عليه السلام -؛ فإنه من جملة أقارب خديجةَ والنبيِّ - عليه السلام -، وكان ذا رأي وعقل وتمييز في زمان كثرةٍ جهالاتِ أبناء جنسه، وعدم مرشدٍ يخرجهم من تلك الظلمات إلى النور، وقد اقتضى كمال عقله قبولَ دين النصارى دون اليهود، مع أنهم في الحجاز أكثرُ من النصارى؛ لعلمه بأن المتأخر ناسخٌ للمتقدم. وفيه - أيضاً -: بيان ميله للعلم بحال النبي الموعود في آخر الزمان، والإيمان به؛ لأن ذلك في الإنجيل أظهرُ وأشهر من التوراة، وكان مع ذلك يكتب الإنجيل، ويعلم منه الأشياء من غير تقليد، فكمالُ العقلِ والدين والعلم مع القرابة مجتمعٌ فيه، لا يوجد في غيره، فتعین التوجهُ إلیه، والسؤال فيه. ٤٣ وفي البخاري في أول ((الصحيح)): (وَكَانَ يَكْتُبُ الكِتَابَ العِبْرَانِيَّ، فَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالعِبْرَانِيَّةِ)، وفي (كتاب التعبير) و(التفسير) فيه: (وَكَانَ يَكْتُبُ الكِتَابَ العَرَبِيَّ، وَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالعَرَبِيَّةِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكْتُبَ)، والكل صحيح؛ لأن الإنجيل عبراني، فذكر أنه يعلم الكتابة العبرانية، ويكتب من الإنجيل الذي هو عبراني ما شاء الله أن يكتب، ولما كان خطه عربياً، وهو متمكن من الكتابة بالعربية والعبرانية، يكتب الإنجيل(١) بالخط العربي، فصح أن يقال: يكتب بالعربية والعبرانية، والأحسنُ أن يراد بالكتاب: حسن الكتاب، لا الإنجيل؛ ليكون ذكرُ الإنجيل تخصيصاً بعد التعميم، يعني: أنه كاتب يكتب ما شاء من الكتب العربية، ويكتب من الإنجيل - أيضاً - ما شاء أن یکتب. والمراد من الكتاب: الكتابة، يعني: أنه كان عالماً للخط العربي. فلما أتم الأوصاف الدالة على اختصاص السؤال منه، أومأ إلى ذكر سبب التوجه إليه، وعدم الطلب إلى بيت النبي - عليه السلام -؛ إذ المقصودُ عرضُ الحال عليه، وهو يحصل بالطلب إلى بيت النبي - عليه السلام - فقال: (وَكَانَ شَيْخاً كَبِيراً قَدْ عَمِيَ) فإزعاجه من موضعه، وطلبه إلى عند النبي - عليه السلام - قبيح، بل متعذِّرٌ، فوجب التوجُّهُ إليه. (١) في الأصل: ((القرآن)). ٤٤ وفي توجه خديجة مع النبي - عليه السلام - إلى ورقة، وابتدائها بالكلام [ ... ] السفير عند التوجه في المهمات، فإن المحتاج إلى السؤال إذا كان له سفير من جملة الشخص الذي يعرض الكلام عليه، ينبغي أن يتوجه السفير مع صاحب الحاجة ويبتدئ بالكلام؛ ليكون أقوى وأحسن، ويجب على السفير أن لا يزيد في رفع الحاجة، بل الأحسن أن يقتصر على الإيماء بأن له حاجة، ولكل بيان الحاجة، كما فعلت خديجة؛ حيث قالت: ((أَيْ عَمّ! اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ))، وما زادت عليه؛ ليكون المقرر للأمر هو النبي - عليه السلام - بنفسه؛ لأنه أعرف بحاله وحال ما رأى. الحادي عشر: في قوله: (هَذَا النَّامُوسُ)، وهو بالنون والسين المهملة : صاحب السر. وقال ابن سيده: الناموس: السر. وقال الهروي: هو صاحب سر الملك. وقال ابن مظفر: الناموس صاحب [سر] الخير، والجاسوس - بالجيم، والحاء المهملة -: صاحب سر الشر. وقيل: الباحث عن عثرات الناس جاسوس - بالجيم - والمستمع لحديث القوم، المبلغ إلى حالهم حاسوس - بالحاء -. وأكثرُ أهل اللغة على أن جبريل - عليه السلام - يلقب بالناموس؛ لأن الله خصَّهُ بالغيب والوحي الذي لا يطلع عليه غيره، وربما قيل له: الناموس الأكبر. ٤٥ وقد جاء في رواية ابن إسحاق في هذا الحديث: أن النبي - عليه السلام - لما أخبر ورقة بما رأى، قال له ورقة: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! إِنَّكَ لَنَبِيُّ هَذِهِ الأُمّةِ، وَلَقَدْ جَاءَك النّامُوسُ الأَكْبَرُ الّذِي جَاءَ مُوسَى)، وذكر مجيء جبريل - عليه السلام - على موسى، وهي رواية ((الصحيحين)) - أيضاً -، وروي في غيرها: عيسى - عليه السلام-، وكلاهما صحيح. وأما وجه تخصيص عيسى، فلقرب زمانه، وكون ورقة على دينه، ووجود بشارة النبي - عليه السلام - على لسان عيسى - عليه السلام - أكثر من وجودها على لسان غيره. وأما وجه تخصیص موسى - عليه السلام - بالذكر، فللإيماء بأن ورقة يعرف موسى - عليه السلام - أيضاً، ويُقر بنبوته، وهو الإيمان المعتبر في ذلك الزمان، لا ما عليه النصارى من الإنكار بنبوة موسى - عليه السلام -، وكان اشتغاله بقراءة الإنجيل وكتابته، ودخوله في دين النصرانية دليلَ اتباعِه لعيسى - عليه السلام -، واعتقاده بنبوته، وذكره موسى - عليه السلام -، وأن جبريل ينزل عليه دليل اعتقاده بنبوة موسى - عليه السلام -، فيكون على الإيمان الحقيقي الجامع المفيد في ذلك الوقت، وإشعار بغاية عقله، وكمال علمه؛ حيث دخل في دين النصرانية بعلم وإتقان، لا بظن وحسبان، على ما هو اعتقاد أكثر القسيسين والرهبان؛ من كون عيسى أقنوماً من الأقانيم الثلاثة، وغير ذلك من أباطيلهم من الإنكار بنبوة موسى - عليه السلام -. فإخبارُه بنزول جبريل - عليه السلام - على موسى - عليه السلام - ٤٦ فيه: بيان كمال علمه بالدين، وغاية رسوخه في مسالك اليقين، ففي هذه الرواية فائدة ليست في رواية غير ((الصحيحين)). وما ذكره السُّهيلي من أنه إنما ترك ذكر عيسى - عليه السلام -؛ لأن اعتقاد النصارى أن جبريل ما نزل على عيسى - عليه السلام -، وإنما هو الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة، على ما هو الاختلاف بينهم، وورقة - أيضاً - على دينهم، فغيرُ واضح، كيف ولو اعتقد ورقة اعتقادهم، للزم أن لا يقول بنزول جبريل - عليه السلام - على موسى أيضاً، كما أنهم لا يقولون به، ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضِ﴾ [النساء: ١٥٠]، ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَرَى عَلَى شَىْءٍ وَقَالَتِ التَّصَرَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَىْءٍ ﴾ [البقرة: ١١٣]، بل الوجه ما ذكرنا، فتأمل. الثاني عشر: في قوله: (يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعاً) الضمير راجع إلى مدة النبوة، وفي التأنيث من الإيماء إلى امتداد مدة النبوة ما ليس في التذكير، و(جَذَعاً) - بالجيم والذال المعجمة -؛ أي: شاباً قوياً، وأصل الجذع في الدواب، قال ابن سِيْدَه: الجَذْعُ: الداخلُ في السنة الثانية، ومن الإبل: فوق الحُقّ، وقيل: من الإبل: لأربع سنين، ومن الخيل والغنم: لسنة، والجمع جِذْعَانٌ وجُذْعَانٌ وجِذَاعٌ. وقال الأزهري: والدهر يسمى: جَذَعاً، ومنه قولهم: أَهْلَكَهُمُ الأَزْلَمُ الجَذَعُ. وفي ((الأساس)): ومن المجاز: فلانٌ في هذا الأمر جَذَعٌ: إذا أخذ فیه حديثاً. ٤٧ ومعنى قوله: (يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعاً) تمنَّی کونه في زمان ظهور النبوة شاباً يقوم بنصر النبي - عليه السلام -، ويشتغل بالجهاد معه، والذبِّ عن الدين وكشف الكذب عن وجهه، ويؤيده: ما جاء في السيرة من قوله: (وَأَنَّكَ سَتُؤْمَرُ بِالجِهَادِ بَعْدَ يَوْمِك هَذَا، وَلَئِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ، لِأُجَاهِدَنّ مَعَكَ). وقيل: كناية عن أول من يقوم بنصرته؛ كالجذع الذي هو أول الأسنان. قال صاحب ((المطالع)): ويحتمل أن يكون كناية عن الحياة؛ لأن الحي جديد الأعضاء، رطب البنية، وقوله: (يَا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيّا)؛ فإنه تفسير له، وعبر فائدة أخرى، وهي تمني حياته في وقت إخراج الكفار النبيَّ - عليه السلام - من مكة، فيكون المعنى: تمني الحياة من أول ظهور الأمر إلى ذلك الوقت بصفة القوة والقدرة على القيام بالأمر. ثم الرواية المشهورة في ((البخاري))، و((مسلم)): (يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعاً) بالنصب، ووجهُه على ما اختاره الخطابي، والمازري، وابن الجوزي، وغيرهم على أنه خبر (كان) المقدرة؛ أي: يا ليتني أكون فيها جذعاً. واعتُرض بأن إضمار كان إنما يصح إذا كان في الكلام ما يدل عليه، كما في قولهم: إن خيراً فخير، على ما عُرف في موضعه، وهاهنا لیس کذلك. وأجيب بأن النصب وكثرة الحذف في نظائره يصحح التقدير. ٤٨ وهذا الاعتراض والحاجة إلى الجواب عنه إنما يكون على مذهب البصريين، وأما عند الكوفيين، فلأنهم يقدرون كان في كل موضع يكون المعنى على تقديره؛ كما قالوا في قوله تعالى: ﴿أَنتَهُواْ خَيْرًاً لَكُمْ﴾ [النساء: ١٧١]: إن التقدير: يكن خيراً لكم، وكذا في غيره. وقيل: منصوب على الحال، وخبر (ليت) الظرف، والتقدير: يا ليتني أكون في تلك المدة بهذه الحالة والصفة، وهو کونه شاباً قوياً، وهذا اختيار القاضي عياض، والنووي. وقيل: (ليت) بمعنى: تمنيت، فنصب الجزأين؛ كما قيل في قوله : يَا لَيْتَ أيَّامَ الصِّبَا رَوَاجِعَا وفي رواية الأصيلي في ((البخاري))، وابن ماهان في ((مسلم)) (جَذَعٌ) ۔ بالرفع-، وهو ظاهر. الثالث عشر: في قوله: ((حِينَ يُخْرِ جُكَ قَوْمُكَ))، وفي ((البخاري)): (إِذْ يُخْرِجُكَ)، وذكر بعض الشارحين: أن (إِذْ) - هاهنا - قد استعمل في المستقبل موضع إذا، ومثله قوله تعالى: ﴿وَأَنَذِرُهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ اُلْأَمْرُ﴾ [مريم: ٣٩]، وقوله: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ [غافر: ١٨]، وقوله: ﴿ إِذِالْأَغْلَلُ فِيَ أَعْنَقِهِمْ﴾ [غافر: ٧١]. وعكسه من استعمال (إذا) موضع (إذ) قوله تعالى: ﴿إِذَاضَرَبُواْ فِی اُلْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٥٦]، وقوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْأْ تِجَرَةً﴾ [الجمعة: ١١]، ٤٩ وقوله: ﴿وَإِذَا مَآ أُنْزِلَتْ﴾ [التوبة: ١٢٤]، وأشباهها، وفي هذا القول موضع تأمل يعرف بالمراجعة إلى القوانين، فتدبر. والرابع عشر: في قوله: ((أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟)) الرواية الشهيرة بفتح الواو وتشديد الياء، ويجوز تخفيف الياء على وجه، والصحيح الأول، وهو جمع مُخْرِج، ويجوز في الياء المشددة الفتح والكسر، والأفصح الفتح؛ لئلا يجتمع ياءان وكسرة بعد كسرتين، وقرأ في السبعة: (ِبِمُصْرِخِيٍّ) - بكسر الياء - حمزةُ الزِيَّات. وقال ابن مالك: الأصل: أَوَمُخْرِجوني هم؟ سقطت نون الجمع للإضافة، فاجتمعت واو ویاء، وسبقت إحداهما الأخرى بالسكون، فأبدلت الواو ياء، وأدغمت، ثم أبدلت الضمة التي كانت قبل الواو کسرة تكميلاً للتخفيف. وقال السهيلي: لا بد من تشديد الياء للتخفيف. وأما تقديم همزة الاستفهام على حرف العطف، والأصلُ تقديمُ حرف العطف؛ لأن حرف الاستفهام جزءٌ من الكلام الذي دخل عليه، فينبغي أن يعطف مع ما في أجزائها على الكلام السابق، وإنما قدمت - هاهنا -، فقيل: إيماء إلى أصالة الهمزة في باب الاستفهام، وهي لكونها في تلك المنزلة لا يشتبه المراد، قُدِّمت أو أَخِّرت، وللاستفهام صدرُ الكلام، وهو اختيار ابن مالك، وجماعة. وقيل: داخل على المعطوف عليه، وحذفُ لدلالة الهمزة عليه، والتقدير: أَمُكَذِّبِيَّ هم ومُخْرِجِيَّ؟ كما قيل: في قوله تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا ٥٠ عَهَدُ واعَهْدًا﴾ [البقرة: ١٠٠]: إن التقدير: أكفروا بالآيات البينات، وكلما عاهدوا، وعليه صاحب ((الكشاف))، وجمعٌ من المحققين. ويدل عليه - أيضاً -: ما جاء في ((سيرة ابن إسحاق)): أنَّ ورقة قال للنبي - عليه السلام -: (وليكذبنه، وليؤذينه، وليخرجنه)، فلم يقل في الأوليين شيئاً، وقال في الثالثة: (أو مخرجيَّ هم)؛ استبعاداً لإخراجهم له؛ لأنه لا سبب له، بل أسباب عدم الإخراج كثيرة موجودة؛ لأنه من أبناء أشرافهم، وأكثرهم أقارباً، وهم سكان حرم الله تعالى، والملتجئ إلى الحرم لا يخرج، بل يُعزز، ويُوَقَّر، و- أيضاً -: هو عندهم معروف بالإحسان والخير والأعمال الجميلة، وكل ذلك يقتضي الاحترام والمحبة، لا الإخراج والبغض، ولكن لما جرت العادة بكراهية النفوس غيرَ المألوف، وإن كان من أنفع الأشياء، ومحبتها المألوف، وجبلت في طباع أهل الدنيا عداوة من يظن أن منه ضرر لحاجتهم وحرمتهم، وإن لم يكن منه ذلك، بل منه ما هو السبب للعز الدائم، والشرف الكامل، وكانت عداوة ذوي القربى أشد مضاضة، وأدوم تأثيراً، قدموا على ما يجب عليهم خلافُه، وهذا في الحقيقة من فَقْدِ التوفيق، وإلقاء الأنفس ما لا يرى إلى الهلاك؛ فإن فيه جحودَ آيات الله تعالى بعد العلم بها؛ ﴿فَإِنَهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الَّلِينَ بِشَايَتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ [الأنعام: ٣٣]. وأما تقديم (مُخْرِجِيَّ) على (هُمْ)، فقيل: على لغة أكلوني البراغيث، وقيل: (هُمْ) مبتدأ، و(مُخْرِجِيَّ) خبر مقدم، ولا يجوز ٥١ العكس؛ لأنه نكرة، وأما على رواية تخفيف الياء (هُمْ) فاعلُ (مُخْرِجِي)؛ كقولك: أَوَمُخْرِجي هو فلانٌ؟ واسمُ الفاعل يعمل؛ لاعتماده على حرف الاستفهام. وذكر السهيلي أن تخفيف الياء لا يفيد؛ لأن ما بعده لو كان اسماً ظاهراً، لجاز أن يكون فاعلاً، وأما إذا كان ضميراً، فلا يجوز، وتعيَّن کونه مبتداً، فلا بد من التشدید. وضعفه واضح، إذ المنفصل من الضمائر جارٍ مجرى الظاهر، ومنه قوله: أَمُنْجِزٌ أَنْتُمُو وَعْداً وَثِقْتُ بِهِ أَمِ اقْتَفَيْتُمْ جَمِيعاً نَهْجَ عُرْقُوبٍ وفي تقديم (مُخْرِجِيَّ) على (هُمْ) على الرواية المشهورة إنكارُ الإخراج، حيث يلي الفعل إلى اختصاصهم بكونهم المخرجين له، فتأمل. والخامس عشر: في قوله: ((إِلَّ عُودِيَ))، وكذا في أول ((صحيح البخاري))، وذكر في (التفسير): (إِلَّ أُوذِيَ)، وكلاهما متقاربان. والمعنى: أن أهل الباطل دائماً يعادون أهل الخير، ويؤذونهم. والمراد من (اليوم): يوم ظهور الإسلام، وخروج النبي - عليه السلام - للدعوة ظاهراً. والسابع عشر: في قوله: (أَنْصُرْكَ نَصْراً مُؤَزَّراً) الرواية بضم الميم وفتح الهمزة وتشديد الزاي المعجمة وآخرها راء مهملة؛ أي: ٥٢ قوياً محكماً؛ مِنْ آزَرَهُ؛ أي: أَعانَهُ، وقوَّاه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَازَرَهُ,﴾ [الفتح: ٢٩]؛ أي: قوَّاه. وأما ما يقول العوام بالواو بدل الهمزة، فغلط؛ لأن معنى وازَرَه: صار وزيره، وهو بمعنى: الحامل، ولو كان هذا من وازَرَهُ، فينبغي أن يقول: مُوازراً - بالألف بعد الواو -، لا موزراً بدونها على ما هو الرواية؛ إذ لا أصل لموزر في الكلام. الثامن عشر: في قوله: (قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ) كذا وقع في الأصول: (وَأَخْبَرَنِي عُرْوَةٌ) - بالواو -، وذكر النووي أن فائدة الواو: أن معمراً سمع من الزهري أحاديثَ من جملتها هذا الحديث، والزهري قد عطف هذا الحدیث على ما حدثه سابقاً، فروی معمر كما سمع احتياطاً، ومحافظة على كيفية السماع دائماً إلى أن هذا الحديث إنما سمعه من الزهري مع جملة أحاديث في مجلس واحد. والأوجَه: أن الزهري إنما جاء بالواو إيماء إلى أن هذا الحديث قد سمعه من غير عروة - أيضاً -؛ ليكون آكد، أو أتى بها؛ لئلا يقع التناقض بين حديثيه عن عروة؛ فإن الزهري حدث عن عروة في رواية يونس: (لاَ يُخْزِيكَ)؛ من الخزي، وفي هذه الرواية يروي عنه - أيضاً -: (لاَ يُحْزِنُكَ)؛ من الحزن، فنبه على أن سماعه من عروة بالوجهين، فقال: حدثني عروة بكذا كما في رواية يونس، وحدثني - أيضاً -، ونقله معمر لما سمع؛ لعلمه باشتماله على هذه الفائدة. فالحاصل: أن وجود الواو يفيد معنى زائداً، وهو سماع الزهري ٥٣ هذا الحديث من غير عروة - أيضاً -. ويدل على الوجه الأول: رواية البخاري؛ حيث قال بعد ذكر حديث جابر بن عبدالله: رواية عقيل عن ابن شهاب: (وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ)، فهذه الواو يعطفُ ابنُ شهاب هذا الحديثَ على الذي قبله، كأنه قال: حدثني عروة بكذا، وأبو سلمة بكذا، فتدبر. ٤٢٥ - (١٦١ / ٢٥٥) - وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيَّ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابٍ رَسُولِ اللهِ﴿ كَانَ يُحَدِّثُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ - وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَثْرَةِ الوَحْي -، قَالَ فِي حَدِيثِهِ: ((فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي، سَمِعْتُ صَوْتاً مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا المَلَكُ الَّذِي جَاءَتِي بِحِرَاءٍ جَالِساً عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ)»، قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((فَجُثِنْتُ مِنْهُ فَرَقاً، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمُّلُونِي زَمِّلُونِي، فَدَثَّرُونِي، فَأَنْزَلَ اللهُ - تَبَّارَكَ وَتَعَالَى -: ﴿يَتِهَا الْمُدَّتِرُ ن قُرْ فَأَنَذِرْ وَرَبَّكَ فَكَتِرْ ن وَثِيَبَكَ فَطَهِّرْ ن وَالرُّجْزَ فَأَهْجُرْ﴾ [المدثر: ١ - ٥]، وَهِيَ الأَوْثَانُ. قَالَ: ثُمَّ تَتَابَعَ الوَحْيُ. ٤٢٦ - (١٦١ / ٢٥٦) - وَحَدَّثَنِي عَبْدُ المَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِيٍ، عَنْ جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، ٥٤ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِاللهِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ﴿ يَقُولُ: ((ثُمَّ فَتَرَ الوَحْيُ عَنِّي فَتْرَةً، فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي))، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثٍ يُونُسَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((فَجُثِثْتُ مِنْهُ فَرَقاً حَتَّى هَوَيْتُ إِلَى الأَرْضِ)». قَالَ: وَقَالَ أَبُّو سَلَمَةَ: وَالرُّجْزُ: الأَوْثَانُ، حَمِيَ الوَحْيُّ بَعْدُ وَتَتَابَعَ. وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثٍ يُونُسَ، وَقَالَ: فَأَنْزَلَ اللهُ - تَبَّارَكَ وَتَعَالَى -: ﴿وَأَيُّهَا الْمُنَِّرُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ١ - ٥] قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلاَةُ - وَهِيَ الأَوْثَانُ -، وَقَالَ: ((فَجُثِئْتُ مِنْهُ»؛ كَمَا قَالَ عُقَيْلٌ. ٤٢٧ - (١٦١ / ٢٥٧) - وَحَدَّثَنَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَذَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْتَى يَقُولُ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ: أُّ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ قَبْلُ؟ قَالَ: ﴿يََّ الْمُذَُّ﴾. فَقُلْتُ: أَوِ ﴿اقْرَأْ﴾؟ فَقَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِاللهِ: أَيُّ القُرْآنِ أُنْزِلَ قَبْلُ؟ قَالَ: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِرُ﴾. فَقُلْتُ: أَوِ ﴿اقْ﴾؟ قَالَ جَابِرٌ: أُحَدِّثُكُمْ مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِهِ، قَالَ: ((جَاوَرْتُ بِحِرَاءٍ شَهْراً، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي، نَزَلْتُ فَاسْتَبْطَنْتُ بَطْنَ الوَادِي، فَنُودِيتُ، فَنَظَرْتُ أَمَامِي وَخَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي، فَلَمْ أَرَ أَحَداً، ثُمَّ نُودِيتُ، فَتَظَرْتُ فَلَمْ أَرَ أَحَداً، ثُمَّ نُودِيتُ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا هُوَ عَلَى العَرْشِ فِي الْهَوَاءِ - بَعْنِي: جِبْرِيلَ عَلَيْهِ ٥٥ السَّلامُ -، فَأَخَذَتْنِي رَجْفَةٌ شَدِيدَةٌ، فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ، فَقُلْتُ: دَئِّرُونِي، فَدَثَّرُونِي، فَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً، فَأَنْزَلَ اللهُ تَكْ: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ) قُرْفَأَنَذِرْ )) وَرَبَّكَ فَكَبِرْ وَثِيَابَكَ﴾ [المدثر: ١ -٤]). الحديث الثاني: حديثُ جابر بن عبدالله، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِاللهِ الأَنْصَارِيَّ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ نَ ◌ّهِ - كَانَ يُحَدِّثُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ - وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الوَحْي، - قَالَ فِي حَدِيثِهِ: ((فَبَيْنَ أَنَا أَمْشِي، سَمِعْتُ صَوْتاً مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَّعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا المَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءِ جَالِساً عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ))، قَالَ رَسُولُ اللهِ: «فَجُثْتُ مِنْهُ فَرَقاً، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَدَثَّرُونِي، فَأَنْزَلَ اللهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى -: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَِّرُ نْ قُرْ فَأَذِرْ ن وَرَبَّكَ فَكَِّرْ ن وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ( ٤ وَاُلُرُّجْزَ فَأَهْجُرْ﴾ [المدثر: ١ -٥]))، وَهِيَ الأَوْثَانُ، قَالَ: ثُمَّ تَتَابَعَ الوَحْيُ. وفي رواية عن يحيى بن أبي كثير، قال: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ: أَيُّ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ قَبْلُ؟ قَالَ: ﴿وَأَتِهَا الْمَُُّّ﴾، فَقُلْتُ: أَوِ ﴿اقْرَأْ﴾؟ فَقَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ: أَيُّ القُرْآنِ أُنْزِلَ قَبْلُ؟ قَالَ: ﴿وَأَيُّهَا الْمُدَِّرُ﴾، فَقُلْتُ: أَوِ ﴿أَقْرَأْ﴾؟ قَالَ جَابِرٌ: أُحَدِّثُكُمْ مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ وَِّ، قَالَ: ((جَاوَرْتُ بِحِرَاءٍ شَهْراً، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي، نَزَلْتُ فَاسْتَبْطَنْتُ بَطْنَ الوَادِي، فَنُودِيتُ، فَنَظَرْتُ أَمَامِي وَخَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي، فَلَمْ أَرَ أَحَداً، ثُمَّ نُودِيتُ، فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَ أَحَداً، ثُمَّ نُودِيتُ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا هُوَ عَلَى العَرْشِ فِي الْهَوَاءِ - يَغْنِي : جِبْرِيلَ عَلَيْهِ ٥٦ السَّلاَمُ -، فَأَخَذَتْنِي رَجْفَةٌ شَدِيدَةٌ، فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ، فَقُلْتُ: دَتِّرُونِي، فَدَثَّرُوِي، فَصَبُّوا عَلَّ مَاءً، فَأَنْزَلَ اللهُ وَقِ: ﴿وَأَيُّهَا الْمُدَّثِرُ ) قُرْ فَذِرْ @ وَرَبَّكَ فَكَبِرْ ل وَثِيَابَكَ﴾ [المدثر: ١ -٤])). أخرجه البخاري، والترمذي. إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في مواضع : الأول: في قوله: (وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ﴾﴾ ربما اعترض بأن هذا زائد؛ لأن جابراً من الصحابة المشهورين، وهو أحد الستة الذين هم أكثر الصحابة رواية عن النبي - عليه السلام - على ما مَرَّ . ويجاب: بأن هذا من بعض الرواة زيادة في التبيين لبعض مَنْ يخاطب به، ورواةُ هذا الحديث، وإن كانت جِلَّة كلهم، لا يشتبه عليهم حالُ جابر، ولا حاجة لهم إلى هذه الزيادة، لكن ربّما كان سماع بعضهم كان في حال الصغر، وفي تلك الحالة كان محتاجاً إلى هذا التعريف، فعُرِّف لذلك، كذا ذكره النووي. وأنت خبير بأن هذا لا يصلح للجواب؛ لأن السؤال عن تخصيص هذه الصفة بجابر في هذا الحديث، مع أنه من جملة المشهورين، وتركها في شخص ليست شهرتُه بمثابة شهرتِه، وهذا الاحتمال الذي ذكره في الجواب واقع في كل الأحاديث، واختصاص هذا الموضع بذلك لا بد له من نكتة. وقيل: إنما اختص هذا الموضع بذلك؛ لأن الحديث في صحائف ٥٧ الرواة مثبت في الأَوَّل، وهو أولُ حديث أُثبت فيها؛ لأنه بيان أول أمر النبي - عليه السلام -، فقيد الراوي في صحيفته ذلك أولاً؛ تعليماً وإرشاداً، وَصَفَ جابراً؛ لأنه أول صحابي ذُكر، ثم ترك الوصف في سائر المواضع، ولما كان دأب الرواة الرواية بمثل ما سمعوا، ذكر الراوي كما سمع، وإن لم يكن ذلك أول الحديث في الكتب، وهذا - مع بُعده، وورود النص عليه بحديث عائشة - أقربُ من الأول. والأوجَهُ أن يقال: إنما ذكر هذا الوصف ــ هاهنا - إيماءً إلى أن هذا الحديث ليس من مراسيل جابر، وإن كان يوهم أنه منه؛ لأن فترة الوحي كانت بمكة، وجابرٌ أنصاريٍّ، وهو لم يكن حاضراً في مكة حين الفترة، فحديثُه عن بيان الفترة التي كانت بمكة يحتمل أن يكون لسماعه عن صحابي حاضر في ذلك الوقت؛ كما هو الظاهر من لفظ البخاري؛ حيث قال: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيَّ قَالَ - وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الوَحْرٍ، فَقَالَ - فِي حَدِيثِهِ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي ... ) الحديث. فإن أبا سلمة يحدث عن جابر، وهو لا يصرح بسماعه من النبي - عليه السلام -، بل يحدث [عن] فترة الوحي من غير رفع إلى النبي - عليه السلام-، فالظاهر سماعه من غيره. ومسلم - رحمه الله - لمّا أراد أن ينبه بأن هذا مرفوع إلى النبي - عليه السلام - على الاتصال، وليس بمرسل، جاء بزيادة روايةٍ فيها زيادة أشياء على رواية البخاري. ٥٨ الأول: كون جابر من الصحابة؛ للإيماء بسماعه من النبي - عليه السلام -، وإن لم يكن صحابياً حال وقوع القضية. والثاني: (قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿)، وهو تصريح بالرفع إلى النبي -عليه السلام - عند البعض، ومسلِمٌ منهم، كما مر. والثالث: إيراد قوله: (وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الوَحْي) بعد قوله: (قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّه)، فيكون (هو) راجعاً على النبي - عليه السلام -. والرابع: تكرار القول؛ حيث قال بعد قوله: (وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الوَحْي): (قَالَ فِي حَدِيثِهِ)، ففاعلُ (قَالَ) هو النبي - عليه السلام -، والضمير في (حَدِيثِهِ) راجع إليه - عليه السلام -. فصار حاصل الكلام: أن جابراً الذي کان من الصحابة حدث عن النبي - عليه السلام -، وقال: إن رسول الله - عليه الصلاة والسلام - حالَ كونِه محدثاً عن فترة الوحي، قال في حديثه: كذا وكذا، وهذا ظاهر في أن المراد من هذه العبارة إثبات الاتصال، ودفع توهم الإرسال، فتدبر. والثاني: في قوله: (عَنْ فَتْرَةِ الوَحْي)؛ أي: احتباسه بعد متابعته، وتواليه في النزول. قال ابن سيده: فَتَرَ الشيْءُ يَفْتُر ويَفْتِرُ - بالضم والكسر -، فَتُوراً وفُتَاراً: سكنَ بعد حِدَّة؛ ولانَ بعدَ شِدَّة، ولعل الحكمةَ في ذلك: إذهاب ما حصل له من الروع، وحصول الشوق إلى عوده، وتثبيت القوة في ملاقاته. ٥٩ وأما مقدار الفترة: فذكر السهيلي: أنها كانت سنتين ونصفاً، وبهذا يجمع بين قول أنس: إن النبي - عليه السلام - (أَقَامَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ يَأْتِيهِ الوَحْي)، وقول ابن عباس: (إنَّه أقامَ ثلاثَ عَشْرة، وكانَ قد ابتُدِىء بالرُّؤيا الصَّالحةِ ستةَ أشهر)، فمن عَدَّ مدةَ الفتور، وأضاف إليها الأشهر الستة، كان كما قال ابن عباس، ومن عدَّها من حين مجيء الوحي وتتابعه، كانت عشر سنين، هذا ما قاله السهيلي. وسيجيء في الكتاب في حديث ابن عباس: (مَكَثَ رَسُولُ اللهِهـ بِمَكَّةَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً يَسْمَعُ الصَّوْتَ، وَيَرَى الضَّوْءَ سَبْعَ سِنِينَ، وَلاَ يَرَى شَيْئاً، وَثَمَانٍ سِنِينَ يُوحَى إِلَيْهِ)، ونذكر هناك وجه الجمع - إن شاء الله تعالى -. والثالث: في قوله: (فَإِذَا المَلَكُ الَّذِي جَاءَِّي بِحِرَاءٍ جَالِساً) الظاهر أنه جبريل - عليه السلام - كما جاء مصرحاً في الرواية الأخرى، وعليه الجمهور. وعن الشعبي: أن النبي ◌ّ ﴿ وكل به إسرافيل، وكان يتراءى له ثلاث، ويأتيه بالكلمة من الوحي والشيء، ثم و کل به جبريل. وروى ذلك أبو عمر بنُ عبد البَرِّ في ((استيعابه)). وأنکر الواقدي وغیرُه کونَ الموگّل به غیر جبريل. و(جَالِساً) منصوب على الحال، وهو الرواية، وفي ((البخاري)): (جَالِسٌ) ۔ بالرفع-، وهو ظاهر. والرابع: في قوله: (عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ)، وفي ٦٠