النص المفهرس
صفحات 521-540
وقد اعتُرض بأن هذا ينافي قوله في الحديث الآخر: ((وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ)). وأجيب: بأن المعنى: أن إمام المسلمين بمعنى الحاكم فيهم، وهو الذي قبل نزول عيسى - عليه السلام - لا يغيره عيسى - عليه السلام - بعد النزول، على ما جاء مصرحاً في قوله: ((إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ، تَكْرِمَةَ اللهِ هَذِهِ الأُمَّة))، وأما عيسى - عليه السلام -، فالحاكم على الجميع؛ على المسلمين، وعلى غيرهم، وتكون الملة ملة واحدة حنيفية . وقد يقال: المراد من كون عيسى - عليه السلام - إماماً: أن يكون إمام الصلاة؛ لقوله: (صَلِّ لَنَا). ورد بأن هذا لا ينافي كونه حاكماً - أيضاً -، بل يؤكده، ألا ترى إلى جواب عيسى - عليه السلام - لهذا القائل: ((إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ)»، فعلم أن قوله: (صَلِّ لَنَا): أنك أمير علينا، فصلِّ بنا، فأجاب عيسى - عليه السلام - بأنه أمير الجميع، وأما أنت، فأمير على المسلمين كما كنت، لا أغير، وزاد في الجواب قوله: ((إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ))؛ حيث لم يقل: أنت أمير الأمة، إيماء إلى أن هذه الفضيلة لا تختص بالسائل، بل كل من ولي أمر المسلمين بعده، فهو أميرهم - أيضاً -، وعيسى - عليه السلام - لا يُؤَلَّي على المسلمين إلا رجلاً منهم، وهذا يقرب إلى قول من قال: إن عيسى - عليه السلام - بعد النزول هو [ ... ]، وأما الاشتغال بأمور القتال، فمفوّض إلى من رأى المصلحة فيه. ٥٢١ الرابع: في قوله: (فَلَيَكْسِرِ الصَّلِيبَ) قيل: معناه: يبطل، وبيَّن أنه لا ينبغي أن يشتغل به، ويعتقد كون ذلك من جملة ما يعتقد به، يقال: كسر حجته: إذا أبطلها . وقيل يكسره حقيقة؛ إذ لا ضرورة إلى المجاز مع إمكان الحقيقة، والمعنيان متقاربان، أو في الكسر الحقيقي - أيضاً - الإبطال. وأما قتل الخنزير، فقيل: معناه: بيان تحريم أكله؛ لأن في ذلك إيطالَ الانتفاع به . وقيل: بقتله حقيقة؛ إذ ذلك أقوى في الرد على النصارى مع القول بتحريمه؛ لأن فيه استئصاله، وربما يستدل بذلك على جواز قتل الخنزير في زماننا - أيضاً - لمن كان في دار الكفر، ويُمكّن من قتله، وعلیه الجمهور. وقد يستدل من كسر الصليب: كسرُ جميع آلات الملاهي، ومن قتل الخنزير: بيان تحريم الخمر، وإجراء الحد على شاربه، والحق أن جميع ذلك مَطْوِيٌّ تحت ذكر كون عيسى - عليه السلام - ((حَكَماً مُقْسِطا) يحكم بهذه الشريعة، وكل [شيء] في شريعتنا محرم، فهو آمر بتغییره، ناهٍ عن ارتکابه. وإنما خص البعض من الصليب والخنزير والجزية، إذ من شريعتنا قبولُ الجزية من الكتابي، وبعد القبول منه يُترك له معبده الذي کان له، وفيه الصليب، وكذا يُترك له الخنزير الذي هو ماله، فنبه على أن عيسى - عليه السلام - لا يقبل ذلك منهم في ذلك الزمان، بل لا يقبل إلا ٥٢٢ الإسلامَ، فيكون الدينُ كلَّه لله، والملةُ واحدة، فمعنى وضع الجزية: عدم قبولها منهم، وإنما يطلب من الكافر(١) الكتابي وغيره الإسلام، ويقتل من لم يدخل فيه. وأما ما ذهب إليه بعض الناس من أن المراد من وضع الجزية: ضربُها على جميع الكفرة؛ بدلالة قوله: (وَيَفِيضَ المَالُ)، فإنه لا يمكن لأحد المقاتلة معه، والخروج عن أمره، فيأخذ من كل من أبى الإسلام الجزية، فيفيض المال = فضعيف؛ لما ورد من الأخبار الصحيحة في أن عيسى - عليه السلام - لا يقبل في ذلك الزمان من أحدٍ إلا الإسلام. وأمّا كثرة المال، فليس لأجل ضرب الجزية على الناس، بل لأجل إخراج الأرض أفلاذَ كبدها من الذهب والفضة، على ما نطق به الحديث، ولأجل كون الأرض عامرة بسبب العدل، على ما سيصرح في قوله: ((وَلَيَّتْرَكَنَّ الْقِلاَصُ، فَلاَ يُسْعَى عَلَيْهَا))، ولأجل قلة رغبة الناس في الأموال؛ لقلة الآمال، والعلم بقرب القيامة؛ لأن نزول عيسى - عليه السلام - من أشراطها، وإلى هذا أشار بقوله: ((حتى لاَ يَقْبَلَهُ أَحَدٌ» . و(القِلاَصُ): جمع قَلُوص، وهي من الإبل كالفتاة من النساء، والحَدَث من الرجال، ومعنى قوله: (فَلاَ يُسْعَى عَلَيْهَا): لا يطلب ركوبها، ولا يلتفت أحد إليها؛ لكثرة الأموال، وقلة الآمال، أو لعدم الاحتیاج إلی رکوبها للغير، وعلیها، إذ لا كافر، فلا جهاد. (١) في الأصل: ((الكفار)). ٥٢٣ وخص القِلاص بالذكر؛ لأنها أشرفُ أموال العرب، فيكون [في] تركِها وعدم الالتفات إليها دليلٌ على غاية الزهد في الأموال؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطّلَتْ﴾ [التكوير: ٤]. و(الشَّحْنَاءُ): العداوة، وكذا (التَّبَاغُضُ) قريب إلى مفهومه، وجمعهما تأكيداً وإيماء إلى ما فيهما من الفرق، وكذا (التَّحَاسُدُ) قریب إليهما، وأفرد لذلك، والغرض: أنه لا يبقى شيء من هذه الأشياء الذميمة، والخصالِ القبيحة . وقد اعتُرض بأن هذا نسخٌ للشريعة؛ لأن عدمَ قَبول الجزية من الكتابي، وطلب الإيمان منه فقط خلافُ ما هو حكمُ الشرع، وقد تقرر أن شريعة نبينا لا ينسخها أحد غيرُ نبينا - عليه السلام -. ویجاب أولاً : یمنع کونه نسخاً، وهو ضعيف- على ما لا يخفى .. وثانياً: بأن هذا نسخ، ولكن ناسخَه رسول الله پێے، لا عیسی - عليه السلام -، وإنما هو فاعل ذلك بأمر رسول الله وَلقر؛ لأن امتناع قبول الجزية في ذلك الزمان شرعَهُ نبينا - عليه السلام -، عاملٌ بها، كما أن القبولَ اليوم من شريعتنا، والعاملَ بها الحاكمُ. والخامس: في قوله: (وَحَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الوَاحِدَةُ خَيْراً مِنَ الدُّنْيًا)؛ لرغبة الناس في ذلك الزمان إلى الطاعات، وإعراضهم عن منافع الدنيا، والاشتغال بحُطامها؛ لعلمهم بقرب الساعة، وزوال التباغض والتحاسد عنهم، واجتماع الناس على الملة الواحدة، ومعاضدة بعضهم لبعض على أعمال البر. ٥٢٤ والمراد بالسجدة: نفسُها، أو الصلاةُ، أو الركعةُ منها. وقيل: المراد من السجدة: الانقيادُ والخضوع لعيسى - عليه السلام -؛ يعني: لو خُيِّرَ أحد في ذلك الزمان بين الدنيا وما فيها، وبين الانقياد لأمر(١) عيسى - عليه السلام -، والإيمان به، لاختار الانقياد، فيكون الغرض: بيانَ دخول جميع الناس من الملل المختلفة في الإيمان بعيسى - عليه السلام - بالطوع والرغبة، وعدم مخالفته منهم، وأَمْرُ أبي هريرة بقراءة قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] الآية، ربّما يستدل به على ذلك، والظاهر: أن المعنى الأوّل أقرب، وأَمْرُ أبي هريرة بقراءة الآية ليس لأجل هذه الزيادة فقط، بل لجميع الحديث؛ لأن بيان إيمان جميع أهل الكتاب بعيسى - عليه السلام - قبل موته، وذلك لا يكون إلا في ذلك الزمان؛ إذ النصارى رفعوه عن منزلته، واليهود خفضوه عن درجته، فكلا الفريقين لا يؤمن به، فليس في زمان كونه في الأرض قبل الرفع إلى السماء إيمانُ الجميع به، بل بعضُ الناس، وبعد الرفع، فقد زاغ أكثرُ الناس، وكثر غلط القوم في شأنه، والإيمان به، وهو اعتقاد [أنه] عبدالله ورسوله. ثم الظاهر من هذا الكلام: أن مذهب أبي هريرة أن الضمير في ﴿يهِ﴾﴾ و﴿ مَوْتِهِ،﴾ راجع إلى عيسى - عليه السلام -، وإليه مال جمعٌ من أهل التفسير . (١) في الأصل: ((انقياد أمر)). ٥٢٥ وذهب أكثر المفسرين إلى أن الضمير في ﴿يٍ﴾ راجع إلى عيسى، وفي ﴿مَوْتِهِ﴾ إلى الكتابي، والمعنى: لا يموت أحد من أهل الکتاب إلا لیؤمنن بعیسی - عليه السلام - قبل الموت؛ يعني: يؤمن به في حالة النزع في وقت لا ينفعه إيمانُه؛ لزوال زمان الاختيار؛ لأنه حالة حضوره الموت، ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْثُ قَالَ إِنِِّ تُبْتُ الْتَنَ ﴾ [النساء: ١٨] الآية، ويدل على صحة هذا القول: قراءة: (قبل موتهم) بجمع الضمير، وضم النون في (يؤمنُن) على معنى: وإن منهم أحد إلا ليؤمنون بعيسى - عليه السلام - قبل موتهم، وجمع الضمير؛ لأن (أحداً) يصلح للجمع. وعن ابن عباس: أنه فَسَّر الآية في القراءة المشهورة - أيضاً - بأن الكتابيَّ يؤمن بعيسى - عليه السلام - قبل الموت، وتوحيد علامة الفعل والضمير نظراً إلى (أحد)؛ فإنه مفرد لفظاً، كما أن النظر في القراءة الأولى إلى معناه؛ لأنه في معنى الجمع. قال عكرمة: قلت لابن عباس: فإن أتاه رجل، فضرب عنقه؟ قال: لا تخرج روحه حتی یؤمن به. وعن شَهْر بن حَوْشَب: قال لي الحجاجُ: آيةٌ ما قرأتها إلّ تخالجَ في نفسي شيء منها، يعني: هذه الآية، وقال: لأني أُوتى بالأسير من اليهود والنصارى، فأضرب عنقه، فلا أسمع منه ذلك، فقلت: إن اليهودي إذا حضره الموت، ضربت الملائكة دُبُره ووجهه، وقالوا: يا عدو الله! أتاك عيسى نبياً، فكذبت به، فيقول: آمنت أنه عبدُالله ٥٢٦ ونبيُّه، ولكن لا ينفعه ذلك، ويقول للنصراني: أتاك عيسى - عليه السلام - نبياً، فزعمت أنه الله، أو ابن الله، فيؤمن أنه عبدالله ورسوله، حیث لا ینفعه إيمانه. قال شَهْرٌ: وكان حجاجٌ متكئاً، فاستوى جالساً، وقال: ممن؟ قلت: حدثني محمد بن علي بن الحنيفة، فأخذ ينكت الأرض بقصبة، ثم قال: لقد أخذتَها من عين صافية. وقد استدل بعض أهل التفسير من عموم لفظ (أحد) في هذا المقام على أن المعنى: أن الله تعالى يُحيي جميعَ أهل الكتاب في قبورهم في وقت نزول عيسى - عليه السلام -، فيؤمنون به، ثم يموتون، فالضمير في (موته) - أيضاً - لعيسى عليه السلام. وقيل: الضمير في ﴿بِهِ﴾ راجع إلى الله تعالى، وقيل: إلى نبينا - عليه السلام -، وفي ﴿مَوْتِهِ،﴾ إلى الكتابي في الوجهين. وتمام الكلام في عيسى، وحاله مع الدجال، وموته، فسيجيء في (كتاب الفتن) - إن شاء الله تعالى -. وأمّا الترتيب فظاهر؛ إذ الروايات الباقية مشتملة على الزيادات، فيقتضي تأخرها - لما مَرَّ -. وأما التوفيق بين قوله: ((لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي))، وبين ما مَرَّ، من أنه يقبض كل من في قلبه مثقال حبة من إيمان، فقد مَرَّ، وسيأتي زيادة بيان في: (الجهاد) - إن شاء الله تعالى -. ٥٢٧ (٤٩) بيان معرفة الأوقات التي لا ينفع الإيمان فيها ٤١٣ - (١٥٧ / ٨ ٢) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقَتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنُونَ: ابْنَ جَعْفَرٍ -، عَنِ العَلاَءِ - وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ-، عَنْ أَبِيِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ﴿ قَالَ: ((لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ مِنْ مَغْرِبِهَا، آمَنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، فَيَوْمَئِذٍ لاَ يَنْفَعُ نَفْساً إِمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِبِمَانِهَا خَيْراً). ٤١٤ - (١٥٧ / ٢٤٨) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، وَابْنُ نُمَيْرِ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ: حَذَّثَنَا جَرِيرٌ كِلَهُمَا، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ القَعْقَاعِ، عَنْ أَبِيٍ زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيَّ ◌ِ لُزح. ٤١٥ - وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِبْنِ ذَكْوَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيَّ /*ح. ٥٢٩ ٤١٦ - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ بْنِ مُنَبِهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبَِّ ◌َ هُ بِمِثْلِ حَدِيثِ العَلاَءِ، عَنْ أَبِيِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِله. أخرج ثلاثة أحاديث: الحديث الأوّل: حديثُ أبي هريرة: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلِ قَالَ: ((لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ مِنْ مَغْرِبِهَا، آمَنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، فَيَوْمَئِذٍ لاَ يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً). أخرجه البخاري، وأبو داود، وابن ماجه. إذا عرفت هذا، فالكلام علیه من وجوه: الأول: في المناسبة: لما أورد الأحاديثَ المشتملةَ على نزول عيسى - عليه السلام -، وإيمان جميع الملل في ذلك الزمان، أراد أن يورد الأحاديث المشتملة على بيان الأوقات التي لا ينفع فيها الإيمان، وإنما أورد هذه الأحاديث هاهنا، وإن كان المناسب إيرادها في (كتاب الفتن) على ما سيجيء - إن شاء الله تعالى - بعضها مكرراً؛ لأجل هذا؛ إذ المناسب في (كتاب الإيمان) بيان الإيمان النافع، ولما ذكر الشرائط هاهنا، نبَّه على الوقت - أيضاً -؛ ليكون محرِّكاً للسامع إلى المسارعة في الدخول فيه، قبل وقوع الزمان الذي لا ينفع فيه ذلك. ٥٣٠ الثاني : فيما يتعلق بالمعنی : : قوله: (أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً) ربما استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن الإيمان المجرد لا يفيده، إنما المفيد هو المقرون بالعمل الصالح؛ حيث لم يفرق - كما ترى - بين النفس الكافرة، إذ آمنت في غير وقت الإيمان، وبين النفس التي آمنت في وقتها، ولم تكتسب خیراً. وقد يجاب: بأن فيه مقدراً، والمعنى: لا ينفع نفساً إيمانها، ولا توبتها من قبل، أو كسبت في إيمانها خيراً، فيكون المعنى: أن إيمان الكافر، وتوبة الفاسق لا تنفع في ذلك اليوم، والدليل على التقدير: الجمع بين النصوص؛ إذ كثير من النصوص يدل على أن الإيمان المجرد عن العمل نافعٌ. والحق: أنَّ التقدير بعيد؛ إذ لا قرينة له، ولاحاجة إليه - أيضاً -؛ لأن (أو) لأحد الشيئين لا على التعيين، ونفيُ أحدهما لا على التعيين يستلزم شمول العدم، فحاصل المعنى: أنَّ من لم يحصل له قبل ذلك الوقت أحدُ الأمرين، وهو الإيمانُ المجرد، يعني: الذي بدون عمل الخير، والإيمان المقرون مع العمل، لا ينفعه الإيمان في ذلك الوقت، فمن حصل له أحد الأمرين قبل ذلك اليوم، ينفعه إيمانه في ذلك اليوم؛ كما هو مذهب أهل السنة، فشرط عدم نفع الإيمان في ذلك اليوم: أن لا يكون لصاحبه قبل ذلك أحدُ الأمرين، فإذا كان له أحدُهما، ينفعه ذلك، فالإيمان الكاملُ المقرونُ مع العمل قبل ذلك اليوم، كما ينفعه ٥٣١ ذلك، فکذلك الإیمان المجرد عنه - أيضاً - كذلك. فإن قلت: لو كان الشرط في الآية شمولَ العدم، لم يكن لقوله: (أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً) فائدة، بل يكفي نفي الإيمان؛ إذ في نفيه نفيُ العمل الصالح، فلأجل ذلك حمل على عدم الشمول، ولم يلزم إثبات مذهب الخصم. قلت: لا نسلِّم كونَهَ غيرَ مفيد، بل فيه الفائدة الجليلة، وهي الإشعار بأن الإيمان المجرد نافعٌ كالمقرون، على أنه لو حُمل على عدم الشمول، حتى يراد نفيُ أحدِهما مطلقاً، كان قوله: (لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ) غيرَ مفيد؛ لأن الشقوة إذا تعلقت بعدم العمل الصالح، وكان وجود الإيمان وعدمه عند عدم العمل الصالح سواء، كان نفيُ العمل الصالح كافياً في المقصود. فإن قلت: قوله: (لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ) صفة لقوله: (نَفْساً)، وقوله: (أَوْ كَسَبَتْ) عطفٌ عليه، فيكون العمل جزءاً منه، فكأن القضية موجبة معدولة، لا سالبة بسيطة . قلت: هذه مغالطة، ومنشؤها عدم التفرقة بين الجزء والقيد، ثم القيدُ أعمُّ من أن يكون سلبياً، أو وجوديّاً. ٤١٧ - (١٥٨ / ٢٤٩) - وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، وَزُهَيْرُ ابْنُ حَرْبٍ، قَالاَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ح، وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثْنَا ٥٣٢ إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْرَقُ جَمِيعاً، عَنْ فُضَيْلٍ بْنٍ غَزْوَانَ ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ العَلاَءِ - وَاللَّفْظُ لَهُ -: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِيِهِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: (ثَلاَثٌ إِذَا خَرَجْنَ، لَاَ يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ، أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَالدَّجَّالُ، وَدَّةُ الأَرْضِ». الحديث الثاني: حديثُ أبي هُريرة، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّت: (ثَلاَثٌ إِذَا خَرَجْنَ، لاَ يَنْفَعُ نَفْساً إِمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ، أَوْ كَسَبَتْ فِي إِمَانِهَا خَيْراً: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَالدَّجَّالُ، وَدَابَّةُ الأَرْضِ». أخرجه البخاري في مواضع، والنسائي، وابن ماجه في (الفتن)، والترمذي في (التفسير). إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في مواضع: الأول: في التعريف برواته سوى ما سلف. (فُضَيْلٌ) هو أبو الفضيل فُضَيْلُ بنُ غَزْوَانَ بنِ جريرِ الضبيُّ مولاهم، الکوفيُّ. عن سالم بن عبدالله، وعكرمة، ونافع، وجماعة. وعنه ابنه محمد، والثوري، وابن المبارك، وخلائق. وَثَّقَهُ أحمد، وابن معين، وأخرج له الستة. ٥٣٣ الثاني: فيما يتعلق بالمعنى : قد اعتُرض بأن المفهوم من الحديث الأوّل: أن الإيمان في زمان طلوع الشمس من مغربها لا ينفع، ومن هذا الحديث: أنه لا ينفع في ذلك الوقت إذا كان مع ظهور شيئين آخرين؛ وهما: خروج الدجال، ودابّة الأرض، وقد عُلِمَ من الأحاديث الأُخر أن الآيات الثلاث لا تجتمع في وقت واحد، فما التوفيق؟ وأجيب: بأن ذلك الشيء لا يقتضي نفي ما عداه، والمفهوم من الحديث الأول: عدم نفع الإيمان في ذلك الوقت، ولا يلزم منه أنه ينفع في غير ذلك الوقت، فبيَّن في الحديث: أنه لا ينفع في الوقتين الآخرين - أيضاً-، فعلم فيهما: أنه لا ينفع الإيمان عند رؤية واحد من هذه الآيات الثلاث مجتمعة فقط، فلا دلالة في الحديث على ذلك. فإن قلت: قد دلَّت الأخبار على أن الدجال يخرج قبل طلوع الشمس من مغربها، فيكون الإيمان قبل طلوع الشمس من المغرب بعد خروج الدجال ينبغي أن يفيد بمقتضى الحديث الأوّل، وأن لا يفيد بمقتضى الحديث الثاني. قلت: لعله مخصَّص بالحديث الثاني، أو يكون المراد بقوله: (قَبْلُ) أعمَّ من أن يكون قبل طلوع من المغرب، أو قبل ظهور شيء من الآيات الثلاث، التي هي واحدة منها، وفي التنزيل: ﴿يَوْمَ يَأْتِ بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] الآية، وهو يتناول الدجال وغيره. والثالث: في ترتيب الأشراط، وسيجيء الكلام في بيان أول ٥٣٤ أشراط الساعة، وكيفية ترتيب الآيات في الظهور، وما ورد فيه من الأحاديث، وما تعلق بها من الآيات، في (كتاب أشراط الساعة) - إن شاء الله تعالى -. ٤١٨ - (١٥٩ / ٢٥٠) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعاً، عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ - قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ -، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ التَّيْمِيِّ - سَمِعَهُ فِيمَا أَعْلَمُ -، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ: أَنَّ النَّبِّ ◌َ﴿ قَالَ يَوْماً: ((أَتَدْرُونَ أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ الشَّمْسُ؟)). قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: (إِنَّ هَذِهِ تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ العَرْشِ، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً، وَلاَ تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُقَالَ لَهَا: ارْتَفِعِي ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتٍ، فَتَرْجِعُ، فَتُصْبحُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلِعِهَا، ثُمَّ تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ العَرْشِ، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً، وَلاَ تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُقَالَ لَهَا: ارْتَفَعِي ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتٍ، فَتَرْجِعُ، فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلِعِهَا، ثُمَّ تَجْرِي، لاَ يَسْتَنْكِرُ النَّاسُ مِنْهَا شَيْئاً، حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا ذَاكَ تَحْتَ العَرْشِ، فَيُقَالُ لَهَا: ارْتَفِعِي ارْجِعِي طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِكِ، فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِهَا». فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((أَتَدْرُونَ مَتَى ذَاكُمْ؟ ذَاكَ حِينَ لاَ يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِمَانِهَا خَيْراً). ٤١٩ - (١٥٩ / ٢٥٠) - وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الحَمِيدِ بْنُ بَيَانِ الوَاسِطِيُّ، ٥٣٥ أَخْبَرَنَا خَالِدٌ - يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ اللهِ -، عَنْ يُونُسَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَِّيِّ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِي ذَرُّ: أَنَّ النَّبِيَّ :﴿ قَالَ يَوْماً: ((أَتَدْرُونَ أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ الشَّمْسُ؟)) بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ. ٤٢٠ - (١٥٩ / ٢٥٠) - وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ - وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ -، قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَّةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ الثَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيِهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: دَخَلْتُ المَسْجِدَ، وَرَسُولُ اللهِ لهِ جَالِسٌ، فَلَمَّا غَابَتِ الشَّمْسُ، قَالَ: ((يَا أَبَا ذَرًّ! هَلْ تَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ؟)). قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ((فَإِنَّهَا تَذْهَبُ، فَتَسْتَأْذِنُ فِي السُّجُودِ، فَيُؤْذَنُ لَهَا، وَكَأَنَّهَا قَدْ قِلَ لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتٍ، فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا». قَالَ: ثُمَّ قَرَّأَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللهِ: وَذَلِكَ مُسْتَقَرٌّ لَهَا. ٤٢١ - (١٥٩ / ٢٥١) - حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الأَشَجُّ: حَدَّثَنَاَ - وَكِيْعٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيِهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ عَنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرِّ لَّهَا﴾ [يس: ٣٨]، قَالَ: ((مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ العَرْشِ)). الحديث الثالث: حديثُ أبي ذَرٍّ: أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ قَالَ يَوْماً: ((أَتَدْرُونَ أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ الشَّمْسُ؟)). قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ٥٣٦ (إِنَّ هَذِهِ تَجْرِي حَتَّى تَنْتُهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ العَرْشِ، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً، وَلاَ تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُقَالَ لَهَا: ارْتَفِعِي ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَرْجِعُ، فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلِعِهَا، ثُمَّ تَجْرِي حَتَّى تَنْتُهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ العَرْشِ، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً، وَلاَ تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُقَالَ لَهَا : ارْتَفِعِي ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَرْجِعُ فَتُصْبِحُ طَالِعَةٌ مِنْ مَطْلِعِهَا، ثُمَّ تَجْرِي، لاَ يَسْتَنْكِرُ النَّاسُ مِنْهَا شَيْئاً، حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا ذَاكَ تَحْتَ العَرْش، فَيُقَالُ لَهَا: ارْتَفِعِي ارْجِعِي طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِكِ، فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِهَا)). فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أَتَدْرُونَ مَتَى ذَاكُمْ؟ ذَاكَ حِينَ لاَ يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً). وفي رواية: قال أبو ذر: دَخَلْتُ المَسْجِدَ، وَرَسُولُ اللهِ إِليه جَالِسٌ، فَلَمَّا غَابَتِ الشَّمْسُ، قَالَ: ((يَا أَبَا ذَرًّ! هَلْ تَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ؟)). قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ((فَإِنَّهَا تَذْهَبُ فَتَسْتَأْذِنُ فِي السُّجُودِ، فَيُؤْذَنُ لَهَا، وَكَأَنَّهَا قَدْ قِيلَ لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا)). قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللهِ: (وَذَلِكَ مُسْتَقَرِّ لَهَا). وفي رواية: قال أبو ذر: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ عَنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرِّ لَّهَا﴾ [بسّ: ٣٨]، قَالَ: ((مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ العَرْشِ)). أخرجه البخاري في مواضع، والترمذي في (الأشراط)، و(التفسير)، ثم قال: وفي الباب: عن صفوان بن عَسّال، وحذيفة بن أسيد، وأنس، وأبي موسى. ٥٣٧ وأقول: حديث صفوان قال: قال رسول الله وَّهِ: ((إِنَّ مِنْ قِبَلِ مَغْرِبِ الشَّمْسِ باباً مَفْتُوحاً عَرْضُهُ سَبْعُونَ سَنَةً، فَلاَ يَزَالُ ذَلِكَ الْبَابُ مَفْتُوحاً لِلنَّوْبَةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ نَحْوِهِ، فَإِذَا طَلَعَتْ مِنْ نَحْوِهِ، لَمْ يَتْفَعْ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِى إِيمَانِهَا خَيْراً) أخرجه ابن ماجه. وحديث حذيفة بن أسيد، وأبي موسى سيجيء في (كتاب: الفتن) - إن شاء الله تعالى -. إذا عرفت هذا، فاعلم أن الكلام - هاهنا - في مواضع: الأول: في التعريف برواته سوى ما سلف. (إبراهيم)، وهو أبو أسماءَ إبراهيمُ بنُ يزيدَ بنِ شريك التيميُّ، الكوفيُّ، العابدُ، القدوةُ. عن أبيه، وأنس، وعمرو بن ميمون، وخلائق، وعن عائشة مرسلاً. وعنه: الحكم، والأعمش، ويونس بن عبيد، وآخرون. وَثَقَهُ القوم، وأثنوا عليه، وأخرج له الستة. قتله الحجاج سنة اثنتين وتسعين، ولم يبلغ الأربعين. وأما (أبوه)، فهو يزيد بن شريك التيميُّ. عن عمر، وعلي، وحذيفة، وجماعة. وعنه ابنه، وإبراهيم النخعي، وجواب التيميُّ، وخلائق. ٥٣٨ وَثَّقَهُ ابن معين وغيره، وأخرج له الستة . وأما (عبدُ الحميد)، فهو أبو الحسن عبد الحميد بن بيان الواسطيُّ، العطارُ، اليشكريُّ. عن هشيم، وعلي بن هاشم، وإسحاق الأزرق، وجماعة. وعنه مسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وأخرجوا له، ذكره ابن حبان في ((الثقات)). توفي سنة أربع وأربعين ومئتين. وأما (شيخه)، فهو خالد بن عبدالله بن عبد الرحمن بن یزید الواسطيُّ، الطحانُ. عن أبي حصين، وأبي بشر، وسهيل بن صالح، وجماعة. وعنه يحيى القطان، وابن مهدي، ومُسَدَّد، وخلائق. وَثَّقَهُ أحمد وغیرُه، وأخرج له الستة. ویحکی: أنه اشتری نفسه من الله ثلاث مرات، فتصدق بوزن نفسه فضة ثلاث مرات. وقال إسحاق الأزرق: ما أدركت أفضلَ من خالدٍ الطحان، قیل له: فقد رأيتَ الثوري؟ قال: کان الثوري رجل نفسِه، وکان خالد رجل عامة - رحمه الله -. الثاني: فيما يتعلق بالمعنى : قوله: (أَتَدْرُونَ أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ الشَّمْسُ؟) الظاهر من هذا الحديث وما في معناه من الأحاديث: أن الشمس تجري وتسير بأمر الله ٥٣٩ تعالى، وتستقر كل ليلة تحت العرش ساجدة، ثم تستأذن في الطلوع، فيؤذن لها، فتطلع، وهكذا حالها إلى زمان أراد الله طلوعَها من مغربها، فحينئذ تخرُّ ساجدة، فتستأذن، ولا يؤذن لها في الطلوع من المشرق، وقيل لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها، ولا بُعْدَ في ذلك؛ لأن الله تعالى قادر على ذلك، وعلى أكبر منه. وإليه ذهب جمع من أهل التفسير والحديث، وهو المذهبُ الحق، والقولُ الجزل. وقيل: الاستقرارُ تحت العرش، والسجودُ، وطلبُ الإذن مجازاتٌ عن سيرها مستقرة مقررة تحت العرش، منقادةً لله تعالى، طالعةً غاربةً بأمره وإذنه، ومعنى جريها لمستقرٍّ لها: سيرها بحَدِّ لها مؤقَّت، تنتهي إليه من فلكها في آخر السنة، أو بحَدٍّ لها في مرائي عيوننا، وهو المغرب، أو تسير إلى حَدِّ حَدَّه الله تعالى لها في سيرها، وهو يوم القيامة. وقرأ ﴿تَجْرِى لِمُسْتَقَرِّ لَّهَا﴾ [يس: ٣٨]، وقرأ ابن مسعود: (وَذَلِكَ مُسْتَقَرَّ لَهَا)؛ أي: لا تزال تجري لا تستقر. وأمّا تخيلات المهندسين من أنها جوهر مصمتٌ في جوف فلك خارج المركز، أو تدوير يتحرك بحركة الفلك، ولا تقبل الخرق والرجوع والوقوف والزوال والتغير، فمما لا يكاد يمكن التوفيق بينها وبين ما بيَّنه الشارع إلا بتكلفات كثيرة لا حاجة إلى ارتكابها، بل الواجب الاعتقادُ على ظواهر ما ذكر الشارع في أمثال هذه المقامات، وعدم التفات إلى ما ذكروا من الأباطيل والتخيلات، ومن جملة ٥٤٠