النص المفهرس
صفحات 481-500
(٤٦) بيان الفرق بين المسلم والمؤمن [ ٧٠ _ باب تَأَلْفِ قَلْبٍ مَنْ يَخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ لِضَعْفِهِ، وَالنَّهْيِ عَنِ القَطْعِ بِالإِيمَانِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ فَاطِعِ ] ٣٩٥ - (١٥٠ / ٢٣٦) - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَذَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِهِ، قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللهِِّقَسْماً، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَعْطِ فُلاَنَاً؛ فَإِنَّهُ مُؤْمِنٌ، فَقَالَ النَّبِيَّ ◌َلِ: «أَوْ مُسْلِمٌ)، أَقُولُهَا ثَلاَثً، وَيُرَدِّدُهَا عَلَيَّ ثَلاَثاً: (أَوْ مُسْلِمٌ). ثُمَّ قَالَ: (إِنِّي الْأُعْطِي الرَّجُلَ، وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ؛ مَخَافَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللهُ فِي النَّارِ». ٣٩٦ - (١٥٠/ ٢٣٧) - حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ ابْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِيٍ وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِهِ سَعْدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ أَعْطَى رَهْطاً، وَسَعْدٌ جَالِسٌ فِيهِمْ، قَالَ سَعْدٌ: فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ وَلِ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُعْطِهِ، وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا لَكَ عَنْ فُلاٍَ؟ فَوَاللهِ! إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِناً. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((أَوْ مُسْلِماً). قَالَ: ٤٨١ فَسَكَتُ قَلِيلاً، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا لَكَ عَنْ فُلاَنٍ؟ فَوَاللهِ! إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِناً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِِّ: ((أَوْ مُسْلِماً). قَالَ: فَسَكَتُّ قَلِيلاً، ثُمَّ غَلَتِي مَا عَلِمْتُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا لَكَ عَنْ فُلاَنٍ؟ فَوَاللهِ! إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِناً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((أَوْ مُسْلِماً، إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ، وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ؛ خَشْبَةَ أَنْ يُكَبَّ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ)). ٣٩٧ - (١٥٠ / ٢٣٧) - حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالاَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ -، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ: أَنَّهُ قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللهِ رَهْطاً، وَأَنَا جَالِسٌ فِيهِمْ. بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ. وَزَادَ: فَقُمْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِوَهِ، فَسَارَرْتُهُ، فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلاَنٍ؟ ٣٩٨ _ (١٥٠/ ٢٣٧) - وَحَدَّثَنَاَ الحَسَنُ الحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِيٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ ابْنَ سَعْدٍ يُحَدِّثُ هَذَا، فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِيَدِهِ بَيْنَ مُنُقِي وَكَتِي، ثُمَّقَالَ: «أَقِتَلاَ أَيْ سَعْدُ؟! إِنِّي لِأُعْطِي الرَّجُلَ)). أخرج فيه حديثَ سعد بن أبي وقاص، قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ وَله قَسْماً، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَعْطِ فُلاَناً؛ فَإِنَّهُ مُؤْمِنٌ، فَقَالَ النَّبِيَّ ◌َّ: ٤٨٢ ((أَوْ مُسْلِمٌ))، أَقُولُهَا ثَلاَثًاً، وَيُرَدِّدُهَا عَلَيَّ ثَلَاثاً: (أَوْ مُسْلِمٌ))، ثُمَّ قَالَ: ((إِنِّي لِأُعْطِي الرَّجُلَ، وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ؛ مَخَافَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللهُ فِي النَّارِ)). وفي رواية: أَنَّ رَسُولَ اللهِ أَعْطَى رَهْطاً، وَسَعْدٌ جَالِسٌ فِيهِمْ، قَالَ سَعْدٌ: فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ وَ لَّهِ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُعْطِهِ، وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا لَكَ عَنْ فُلاَنٍ؟ فَوَ اللهِ! إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِناً. فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((أَوْ مُسْلِمَا)). قَالَ: فَسَكَتُ قَلِيلاً، ثُمَّ غَلَيَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا لَكَ عَنْ فُلاَنٍ؟ فَوَاللهِ! إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِناً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: (أَوْ مُسْلِماً). قَالَ: فَسَكَتُ قَلِيلاً، ثُمَّ غَلَيَنِي مَا عَلِمْتُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا لَكَ عَنْ فُلاَنٍ؟ فَوَاللهِ! إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِناً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((أَوْ مُسْلِماً، إِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ، وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ؛ خَشْيَةَ أَنْ يُكَبَّ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ». وفي رواية: فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ عَهَ بِيَدِهِ بَيْنَ عُنُقِي وَكَتِفِي، ثُمَّ قَالَ: ((أَفِتَلاَ أَيْ سَعْدُ؟! إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ)). الحديث أخرجه البخاري في: (الإيمان)، و(الزكاة)، وأبو داود في: (السنة)، والنسائي في (الإيمان). إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في مواضع : الأول: في التعريف برواته سوى ما سلف. (إسماعيل)، وهو ابن محمدِ بنِ سعد بن أبي وقاص الزهريُّ، المدنيُّ. ٤٨٣ عن أبيه، وعمَّيه: عامر بن سعد، ومصعب بن سعد، وجماعة. وعنه الزهري، وابن جريج، وآخرون. وَثَّقَهُ ابن معين، وجماعة، وأخرج له الستة إلا أبا داود. وأمّا (أبوه)، فهو أبو القاسم محمدُ بنُ سعد بن أبي وقاص، الزهريُّ. عن أبيه، وعثمان، وأبي الدرداء، وروايته عن النبي ◌َّ مرسلة. وعنه يونس بن جُبير، وعبد الحميد بن عبد الرحمن، وجماعة، وأخرج له الستة إلا أبا داود. والثاني : فيما يتعلق بالمعنى : لما أورد الحديث المشتمل على أمر النبي - عليه السلام - بإحصاء عدد من يلفظ الإسلام الدال على قلة أهل الإيمان في الأوّل؛ بياناً لقوله - عليه السلام -: ((بَدَأَ الإِسْلاَمُ غَرِيباً))، أورد هذا الحديث تحقيقاً لذلك، وبياناً بأن النبي - عليه السلام - كان يعتبر الإسلام الظاهر، ولا يأمر بالفحص والتفتيش عن باطن الشخص، بل ربما يعامل معه المعاملة الجميلة؛ من إعطاء التصدقات له؛ ليثبت على إيمانه ولا يتزلزل، ولا يدخل في النفاق. فمُظهر الإسلام في زمانه بلسانه فقط فهو منافق. وبلسانه ومصدق بقلبه، فهو مؤمن ومسلم - أيضاً -. أو بهما وبالأعمال، وهو الكامل. ٤٨٤ فإخبار سعد ◌ُه عن الشخص المتروك عن العطاء إخبارٌ عن أنه كامل الإيمان، واجبُ التفضيل على الغير، فإن الذين أخذوا من القسمة نصيبهم حالُهم أدنى في الكمال من هذا الذي حُرِم. * وقوله : - عليه السلام - في جوابه: (أَوْ مُسْلِماً) الرواية الصحيحة : - إسكان الواو - على التقسيم، أو التشريك. الظاهر الذي ذهب إليه المحققون: أن الغرض: النهي عن الجزم بالإيمان؛ لأنه أمر باطني، وإنما يمكن الجزم بالأمر الظاهري، وهو الإسلام، فيكون فيه تعليمٌ لسعد أن يقول: إنه مسلم، لا إنه مؤمن، وإرشادٌ إلى أن الإسلام يمكن الجزم عليه، لا الإيمان، فالمعنى: أنّ الواجب أن تخبر عن إسلامه، فإنه ظاهر، لا عن إيمانه، فإنه مخفيّ. ومنهم من ذهب إلى أن فیه ردّ إیمانٍ مَنْ حَگم سعد بإيمانه. ورُدَّ بأنه ينافي قوله: ((وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ))؛ فإن المراد من الغير: هو المتروك في الإحسان، ولا يكون أحبَّ إليه إلا إذا كان مؤمناً. وأجيب: بأنه يجوز أن يكون المراد بقوله: (وَغَيْرُهُ) عن المتروك، ويكون معناه: إني كثيراً ما أترك المؤمنَ المحبوبَ إلي، الثابتَ على الإيمان من الإعطاء، وأعطي المتزلزلَ؛ ليثبت على الإيمان ويستقرَّ، وإذا كان تركُ الثابتِ المحبوبِ لأجل هذا الغرض جائزاً، فتركُ الشخص الذي لا إيمان في باطنه أولى، والغرض: أن الإعطاء لمن في باطنه إيمان ولكن لا يستقر، والترك لا يختص بالمؤمن الكامل، قد يكون لغيره أيضاً، وهو المُظهِر للإسلام المُبطِن للكفر - أيضاً -. ٤٨٥ والثالث: في قوله: (مَخَافَةً أَنْ يَكُبَّهُ) الرواية بفتح الباء، من كَبَّ يَكُبُّ، وهو مُتَعَدٍّ، وأَكَبَّ لازم، وهذا من النوادر، يقال: أَكَبَّ الرجلُ، وکَبَّهُ غیرُه، وکَبْكَبَ بمعنی کَبَّ، ومثله في کون الثلاثي متعدياً، والمزيد عليه لازماً كلماتٌ قليلة، يقال: أَقْشَعَ الغيمُ، وقَشَعَتْهُ الريحُ، وأَنْسَلَ ريشُ الطائر، ونَسَلْتُهُ أنا، وأَنْزَحَتِ البئرُ، ونزَحْتُها أنا، وأَمْرَتِ الناقةُ: إِذا دَرَّ لبنها، ومَرَيْتُها أنا، وأَشْنَقَ البعيرُ: رفع رأسَه، وشَنَقْتُه أنا، وأَكَبَّ الرجلُ، وكَيَبْتُهُ أنا. والهمزة في قوله: (لأَرَاهُ) مفتوحة - على ما هو الصحيح في الرواية -؛ ليطابق قوله: (مَا عَلِمْتُ مِنْهُ)، ويروى بالضم - أيضاً -. ورُدَّ بأن الإصرار على السؤال، والمعاودة على النبي - عليه السلام - لا يكون إلا في شخص تحقق أنه مؤمن، لا على الذي ظنَّ. وأجيب: بأنه وإن عَلِمَ ذلك، لكن بناه على الظن أدباً؛ إذ غرضُه الإخبارُ للنبي - عليه السلام - بحاله، لا بيان أنه عالم بحاله حقيقة، وردُّ النبيِّ - عليه السلام - قوله أيضاً أشدُّ مناسبة لهذه الرواية، فإن فيه ردًّ ما ادعى ظنّه، لا دفع ما ادعى بحقيقته. وبالجملة: قول النبي - عليه السلام -: (أَوْ مُسْلِماً)، وقوله: (إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ، وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ؛ خَشْيَةً أَنْ يُكَبَّ فِي النَّارِ)، ويحتاج إلى التأويل؛ لأن قوله: (أَوْ مُسْلِماً) ظاهر في أن الرجل الذي حكم سعدٌ بإيمانه ينبغي أن يحكم بإسلامه، لا إيمانه، فإنه أمر مبطن لا اطلاع له علیه. ٤٨٦ وقوله: (إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ)، فدلَّ بظاهره أن الرجل المتروك محبوبٌ عنده، وهو لا يكون إلا أن يكون مؤمناً. فقيل: المراد بغيره: غير الرجل - على ما مَرَّ -. وقيل: معنى قوله: (أَوْ مُسْلِماً): أن الإيمان لا يُشترط في استحقاق الأخذ من القسمة، بل لو كان مسلماً - أيضاً -، لكان مستحقاً، فلا حاجة لك في إدخاله في حيز الاستحقاق [وهو] مستحق للأخذ . وفيه: إيماء إلى أن الرهط الذين أخذوا الحظوظ كانوا - أيضاً - مستحقين لذلك؛ لإسلامهم، وأن الفضيلة التي يدَّعي سعد لهذا الرجل المتروكٍ لا يقتضي إثباته على غيره في هذا المعنى، بل مقتضى تلك الفضيلة صيرورته أحبّ إلى الله ورسوله من غيره، وقد حصل. وأما الترجيح بحظوظ الصدقات، فإنما يكون على ضعف إيمانه، لا ظن قوة إسلامه، وهذا هو التوجيه، ويؤيده: حديث عمرو بن تغلب: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ أَتِيَ بِمَالٍ أَوْ سَبِيٍ فَقَسَمَهُ، فَأَعْطَى رِجَالاً، وَتَرَكَ رِجَالاً، فَلَغَهُ أَنَّ الَّذِينَ تَرَكَ عَتَبُوا، فَحَمِدَ اللهَ، ثُمَّ أَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: (أَمَّا بَعْدُ: فَوَاللهِ! إِنِّي لِأُعْطِي الرَّجُلَ، وَأَدَعُ الرَّجُلَ، وَالَّذِي أَدَعُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الَّذِي أُعْطِي، وَلَكِنْ أُعْطِي أَقْوَاماً لِمَا أَرَى فِى قُلُوبِهِمْ مِنَ الجَزَعِ وَالهَلَعِ، وَأَكِلُ أَقْوَاماً إِلَى مَا جَعَلَ اللهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الغِنَى وَالخَيْرِ، فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ)). فَوَاللهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِكَلِمَةِ رَسُولِ اللهِنَّهِ حُمْرَ النَّعَمِ. أخرجه البخاري. ٤٨٧ والحاصل: أن قوله - عليه السلام -: (أَوْ مُسْلِماً) تعريضٌ بأن هذا الشخص ليس بمؤمن، بل هو مسلم، وسعدٌ في حكمه بإيمانه مخطئ، أو بيان بأن الإسلام يكفي في الاستحقاق، ولا يجب الإيمان، والكلام في بیان الاستحقاق، وهو ساکت عن التعريض بأنه ليس بمؤمن. وفي الحديث: إشارة إلى جواز الشفاعة إلى الولاة، والمراجعة فيه مراراً، ووجوب التثبت في الأمور، وعدم القطع بحال الشخص فيما يتعلق بالبواطن، وإلى الفرق بين المسلم والمؤمن على ما هو الظاهر من المذهب، وعليه المحققون، وإلى جواز عرضِ المفضولِ الأمرَ على الفاضل؛ لينظر في المصلحة، وإلى أن للإمام أن يقدم الأهمَّ فالأهمّ، وإن یبین خطأ السائل، وينبه على موضعه. والرابع: في بيان الترتيب: فعلى ترتيب الزيادة تُقدم الروايةُ المشتملة على القصة فقط، ثم التي فيها سبب المراجعة والسؤال، ثم التي فيها زيادة المسارَّة، ثم التي فيها زيادة على الكل، وهو ضرب النبيِّ - عليه السلام - بين عنقه وكتفه، وقوله: ((أَقِتَالاً أَيْ سَعْدُ؟!))؛ أي: تقاتلني قتالاً، هاهنا الدفع، وتكرار القول، فإن سعداً كما كرر المقال، وكثر المدافعة بظنه أن الشخص مؤمن كامل الإيمان، مستحق للعطاء، شبّه النبي - عليه السلام - ذلك بالقتال، وسماه به؛ زجراً له عن المعاودة بعد هذا، وإيماءً إلى أن كثرة المدافعة جار مجرى [المقاتلة]، وعلى هذا حُمل ٤٨٨ قوله - عليه السلام - في حديث المار بين يدي المصلي: ((فَإِنْ أَبَى، فَلْيُقَاتِلْهُ)) - على ما سيجيء إن شاء الله تعالى -. الخامس: في الاستدراك ودفعه: اعترض الدارقطني على قول مسلم: (حدثنا سفيان عن الزهري) بأن سفيان روى هذا الحديث عن معمر، وهو عن الزهري، فأسقط مسلمٌ الواسطةَ بينهما، وأجاب النوويُّ باحتمال سماع سفيان عن الزهري، فروى مرة بواسطة، ومرة بدون واسطة. وبأن سفيان بن عيينة مدلِّس، وقد احتج برواية المعنعن، وأجيب بما مرَّ من ثبوت سماعه بطرق أخر . وقد ذكر البخاري في الاستشهاد: روايةً أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه، وفي المتابعة : رواية يونس، وصالح، ومعمر، وابن أخي الزهري، عن الزهري، وهذا حسن، وإن كان في ابن اليمان وسماعه عن شعيب مقال - على ما عرفت -. * ٤٨٩ (٤٧) بيان التفاوت في الإيمان، وحصول زيادة الطمأنينة بتظاهر الأدلة، وبيان معجزة سيدنا محمد - عليه الصلاة والسلام-، ووجوب الإيمان بجميع الأنبياء [٧١ - باب زِيَادَةِ طُمَأْنِيَةِ القَلْبِ بِتَظَاهُرِ الأَدِلَّةِ] ٣٩٩ _ (١٥١ / ٢٣٨) - وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ بَحْتَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَيه قَالَ: ((نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ - عليه السلام - إِذْ قَالَ: ﴿رَبِّ آَرِنِ كَيْفَ تُحِى الْمَوْنَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنٌ قَالَ بَلَى وَلَكِن لِيَطْمَيِنَ قَلْبِى﴾ [البقرة: ٢٦٠]). قَالَ: ((وَيَرْحَمُ اللهُ لُوطاً، لَقَدْ كَانَ يَأْوِيٍ إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وَلَوْ لَبِئْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ لَبْثِ يُوسُفَ، لأَجَبْتُ الدَّاعِيَ)). ٤٠٠ - (١٥١ / ٢٣٧) - وَحَدَّثَنِي بِهِ - إِنْ شَاءَ اللهُ - عَبْدُاللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَنَّ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ، وَأَبَا عُبَيْدٍ أَخْبَرَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّلـ بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ: ﴿وَلَكِن لِيَطْمَيِنَ ٤٩١ قَلْبِى﴾ [البقرة: ٢٦٠]. قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ حَتَّى جَازَهَا. ٤٠١ - حَدَّثَنَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ - يَعْنِي : ابْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ -: حَدَّثَنَا أَبُو أُوَيْسٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ؛ كَرِوَايَةِ مَالِكٍ بِسْنَادِهِ، وَقَالَ: ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ حَتَّى أَنْجَزَهَا. أخرج فيه أربعة أحاديث: الأوّل: حديث أبي هريرة: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ ﴿ إِذْ قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِبِ كَيْفَ تُحِى الْمَوْنَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنٌ قَالَ بَلَى وَلَكِن لِيَطْمَبِنَ قَلْبِ﴾ [البقرة: ٢٦٠])). قَالَ: ((وَيَرْحَمُ اللهُ ◌ُوطاً، لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ لَبْثِ يُوسُفَ، لأَجَبْتُ الدَّاعِيَ)». وفي رواية: ((حَدَّثَنِي بِهِ - إِنْ شَاءَ اللهُ - عَبْدُاللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ))، ثم ساق الحديث مثلما مَرَّ، وفيه بعد قوله: ((﴿وَلَكِن لِيَطْمَيِنَّ قَلْبِى﴾ [البقرة: ٢٦٠] قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ حَتَّى جَازَهَا)). وفي رواية: ((حَتَّى أَنْجَزَهَا)). أخرجه البخاري، والترمذي في: (التفسير)، وابن ماجه في (الفتن). وفي الترمذي(١) بعد قوله: ((إلى ركن شديد))، قال: ((وَمَا بَعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ نَبِيِّ إِلاَّ فِي ثَرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ». (١) في الأصل: ((الزهري)) بدل ((الترمذي)). ٤٩٢ إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في مواضع: الأول: في التعريف برواته سوى ما سلف. (جُوَيْرِيَةُ)، وهو أبو مخارق جُوَيْرِيَّةُ بنُ أَسْمَاءَ بنِ عُبيد الضُّبَعِيُّ، البصريُّ. عن نافع، والزهري، ومالك، وهو من أقرانه، وجماعة. وعنه سعيد بن عامر، وحبان بن هلال، ومُسَدَّد، وخلق. وَثَقَهُ أحمد، وأخرج له الستة سوى الترمذي. توفي سنة ثلاث وسبعين ومئة. قال أبو حاتم: صالح. وأما (أَبُو عُبَيْدٍ)، فهو سعد بن عبيد الزهريُّ، المدنيُّ، مولى عبد الرحمن بن أزهر. عن عمر، وعلي، وعثمان، وجماعة. وعنه الزهري، وسعيد بن خالد، وخلق. وَثَّقَهُ ابنُ سعد، وأثنى عليه، وأخرج له الستة. توفي سنة ثمان وتسعين. وأمّا (أَبُو أُوَيْسٍ)، فهو عُبيدالله بن عبدالله بن أُويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحيُّ، المدنيُّ. عن شرحبيل بن سعد، وابن المُنْكَدِر، وطائفة. وعنه ابناه: إسماعيل، وأبو بكر، ويونس المؤدب، وخلائق. ٤٩٣ أخرج له مسلم، والأربعة. قال أحمد: ليس به بأس. قال ابن المديني: كان عند أصحابنا ضعيفاً. وقال النسائي : ليس بالقوي. وقال أبو داود: صالح الحديث. وقال أبو حاتم: لا يحتج به. وقال الدارقطني: في بعض حديثه عن الزهري شيء. وقال ابن قانع : توفي سنة سبع وستين ومئة. الثاني: في بيان المناسبة: لمَّا أورد الحديثَ الدالّ على تفاوت حال الناس في الإيمان، أراد أن يورد الحديث الدال على بقاء البشرية في جميع مراتب الإنسانية، حتى إن الأنبياء الذين هم أشرفُ الخلق ربما صدر منهم شيء من الميل إلى الإنسانية، ما لو صدر عنهم مقام التوجه إلى حضرة [القدس] لكان غير مناسب، مع أن لهم في ذلك أغراض ومقاصد دينية كثيرة . وذكر - هاهنا - قصة إبراهيم، ولوط، ويوسف؛ لأن ما صدر عنهم كان لأغراض دينية، وإن كان ظاهر ذلك الميل إلى الإنسانية. أمّا إبراهيم - صلوات الله عليه -، فإنه أبو الأنبياء بعد نوح - عليه السلام -، وخليلُ الرحمن، ومرتبته أعلى من أن يحصل له أدنى ريب ٤٩٤ في قدرة الله تعالى، بل هو في جميع أوقاته مرشِدٌ للخلائق إلى الحق، ومزیحٌ شُبَهَهُم في كل شيء. واختلفوا في سبب سؤاله، فقيل: إرادة الطمأنينة؛ فإن المشاهدة أقوى؛ إذ في الاستدلال مظنة شك، وعلى هذا جاء: ليس الخبر كالمُعاينة . وقيل: اختبار مرتبته عند ربه في إجابة دعوته، ومعنى ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِن﴾ [البقرة: ٢٦٠]: ألم تصدق؛ لعظم منزلتك عندي واصطفائك. وقيل: ليخرج من علم اليقين إلى مرتبة عين اليقين. وقيل: لما احتج على المشركين بأن الله - تبارك وتعالى - محبي الموتى، أراد رؤية ذلك عياناً. وقال الواحدي: الأكثرون على أنه رأی جیفة حمار بساحل البحر، يتناولها السباع والطير ودواتُ البحر، فتفكّر كيف يجتمع ما تفرق من تلك الجيفة، فأراد أن يُعاين ذلك، كما أن المؤمن يحب رؤية النبي - عليه السلام -، وليس بِشَاكٌ فيه . وقيل غير ذلك. الثالث: فيما يتعلق بالمعنى : * قوله: (نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ وَ﴿)، فقيل: هو من قبيل التعليق بالمحال، والغرض: نفيُ الشك عن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - في إحياء الموتى، والمعنى: نحن أحق بالشك منه؛ يعني: ٤٩٥ لو كان الأمر مما يُشك فيه، أو وقع لإبراهيم شكّ، ينبغي أن يقع لنا - أيضاً - كذلك، ولكن لم يقع لنا شك قط، فإبراهيم - عليه السلام - أولى بأن لا يقع له شكّ قَطّ . وقيل: خارج مخرج العادة؛ لأنك تقول: لو قلت هذا لفلان، لكان كذا، والغرض: المنع من القول، لا القول معه. وقيل: الذي يظنونه شكاً ليس بشك، إنما هو طلب اليقين. ومدار الوجوه على نفي الشك عن إبراهيم - عليه السلام -، وأن قول النبي - عليه السلام - ذلك [كان] تواضعاً، أو مقولاً قبل العلم بأنه خیر ولد آدم. والهمزة في قوله: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِن﴾ هي التي يسميها (١) البيانيون: همزة التقرير. ،وأما قوله في لوط: (كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ)؛ يعني: أنه کان مستنداً إلى الله تعالى، وهو الركن الذي لا ركن وراءه، وإنما جرى فيه قوله: ﴿أَوْ ءَاوِىّ إِلَى رُكْنِ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] ضَجَراً من فعل قومه، وعدم علمه بكون أضيافه ملائكة. وقيل: ذكر ذلك؛ ليطَيِّب قلوب أضيافه، أو نسي الالتجاء إلى الله تعالى، أو التجأ إليه في السر، وقال ذلك لهم في الظاهر؛ للشفقة علیهم. (١) في الأصل: ((يسمونها)). ٤٩٦ والأوجَه: أراد: المَنَعة في الأصحاب والعشيرة، ولا ضرر في ذلك، ويؤيده ما جاء في رواية الترمذي: ((مَا بَعَثَ اللهُ بَعْدَهُ نَبِيّاً إِلاَّ فِي ثَرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ))، ويروى: ((إِلاَّ فِي ذِرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ)). وأما قوله في يوسف: (وَلَوْ لَبِئْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ لَيْثِ (١) يُوسُفَ، لأَجَبْتُ الدَّاعِيَ) بيان كمال قوة يوسف، وغاية صبره، ونظره في عواقب الأمور، وأنه - عليه السلام - لو لبث ذلك القدر، لأجاب الداعي إلى الخروج، من غير توقف إلى استكشاف، وقال ذلك تواضعاً، أو مبالغة في فضل أخويه - عليهما السلام -. هذا حاصل ما قالوا. وأمّا النظر الدقيق، فيقتضي شيئاً، وهو أن الغرض: بيان وقوع الفتن على جميع القلوب، وأنّ الواقع في آخر الزمان أكثرُ وأقوى، ولا فرق في هذه القابلية بين الأنبياء وغيرهم، بل كل من يكون من جنس بني آدم، فهو قابل لذلك، ومَحَلٌّ له، وإنما العاصمُ فضلُ الله تعالى ورحمتُه، كما قال يوسف - صلوات الله [عليه] وسلامه -: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بَالشُّوْءٍ إِلَّ مَا رَحِمَ رَبِّ﴾ [يوسف: ٥٣]، فالأنبياء - عليهم السلام - من حيث وجود الإنسانية فيهم تعرض الفتن على قلوبهم - أيضاً -، ولكن مرتبة النبوة التي هي الفضلُ من الله تعالى تدفع ذلك عنهم، ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ، لَمَّتِ ظَآَبِفَةٌ مِّنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ [النساء: ١١٣] الآية. (١) في الأصل: ((ما لبث)). ٤٩٧ فإبراهيم - عليه السلام - الذي كان قانتاً لله حنيفاً، وهو الذي اتخذ[٥] الله [خليلاً]، مع أنَّ علمه بقدرة الله تعالى عينُ يقين، ومع ذلك وقع له [استفسار] عن كيفية إحياء الموتى؛ لأجل بقاء مرتبته الإنسانية فيه، وإرادة أن يرى قومه ذلك، فيغلب عليهم بالمحسوس كما غلب بالمعقول. وكذا ما صدر عن لوط ويوسف - عليهما السلام -؛ لبقاء تلك المرتبة فيهما . على أن كل واحد من ذلك مشتمل على فوائد لا تعد ولا تحصى، فنحن الواقعون في الزمان الآخر الموعود بحدوث الفتن الكثيرة فيه أحقُّ وأولى؛ نظراً إلى حالة البشرية أن يقع لنا أمثال ذلك، ويعرض لنا ما يوجب الشك، وأن يقع النسيان من الالتجاء إلى الله في حدوث الأهوال والفتن، وأن يحدث لنا ما يقتضي التهمة، ويحتاج إلى رفعه، فإن كل ذلك يدل على شدة وقوع الفتن، وقصور قوة الإنسانية، قال الله تعالى: ﴿وَزُلْزِلُواْحَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ, مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤] الآية، ولكن لمّا كان فضل الله علينا كبيراً، ونعمه جزيلاً، وفيضان ذلك علينا أكثر وأقوى من فيضانه على غيرنا، عصمنا الله تعالى من ذلك، ففي ذلك بيانُ فضل الله تعالى عليه - عليه الصلاة والسلام -، والإخبار بأن الزمان كلما تأخر، تكون الفتن والأهوال فيه أكثر، وهذا - أيضاً - راجع إلى بيان فضله - عليه السلام -؛ حيث مَنَّ الله تعالى بإرساله في زمان یکون احتیاج الخلق إلى الإرشاد أکثر من احتیاجهم في كل زمان، فيكون ٤٩٨ فيه فضيلة الذات، وهو الكمال الذي ليس وراءه كمال الصفات، وفضيلة الوقت المحتاج إليه. ويرشدك إلى ما ذكرنا من أن المقصود من هذا الحديث: بيان فضيلة النبي - عليه السلام -، وإصلاحه الزمان الذي فيه الفتن أكثر من كل زمان: إيراد بعض أهل الحديث هذا الحديث في باب الفتن والأهوال، وبعضهم في فضائل النبي - عليه السلام -، وناهيك بإفراد مسلم - رحمه الله - في هذا الموضع الذي سياقه أحاديث الفتن، وسياقه الأحاديث الدالة على فضيلة نبينا - عليه أفضلُ الصلوات، وأكمل التحيات - دلالة قاطعة على ما ذكرنا. وقد يستدل من هذا على أن إيراد ما صورتُه صورةُ الشك لا يدلُّ على الشك؛ فإن النبي - عليه السلام - قال: ((نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ))، ولم يقصد به حصولَ الشك، بل قصدَ التواضعَ والإرشادَ إلى أن الواجب في الأمور المغيبة الموقوفة على قبول الله تعالى أن يقول كذلك، وتحال حقيقة العلم إلى الله تعالى، فالأحسن أن يقول الشخص: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى، فإنه موقوف بالقبول، وذلك بالخاتمة، وانضمام الفضل من الله تعالى إليها، وما ذكر بعض الناس إلی أن حدیث سعد حجةً لمن یقول: أنا مؤمن ۔ بغیر استثناء - ضعيف، بل يمكن أن يقول: فيه حجة للمانع؛ لأن سعداً لمَّا جزم على إيمان ذلك، وذكر بدون ذكر المشيئة والإحالة إلى علم الله تعالى، رد النبي - عليه السلام - ذلك، وقال: (أَوْ مُسْلِماً)، فتأمل. ٤٩٩ الرابع: في قوله: (وَحَدَّثَنِي بِهِ إِنْ شَاءَ الله) ربما يُعترض بأن ذكر المشيئة إنما يكون في المحتملات، فلا يليق إيرادها هنا. وأجاب النووي بعد تجهيل السائل: بأن هذا واقع في المتابعة، لا في الاحتجاج، فلا يضر. وأنت خبير بأن هذا لا يشفي غليلاً؛ فإن غرض السائل: أن ذلك واقع، ومسلم - رحمه الله - بالنسبة إلى شيخه، وذكر المشيئة يدل على الشك، فسماع مسلم هذا من شيخه مشكوك فيه، فينبغي أن لا يورد؛ إذ لا فائدة في إيراد رواية مشكوكة، بعد أن ثبت الحديث برواية مجزومة. وفي الجواب - أيضاً - تسليم أن الرواية مشكوكة، ولكن إنما ذكره متابعة لا أصلاً، وهذا ليس بعذر، بل الوجه أن يقول: إن إيراد لفظة المشيئة لا يدل على الشك ــ كما ذكرنا -، وأورد مسلم - رحمه الله - ذلك في هذا الموضع؛ لأن الحديث مما يستدل به على المذهب الحق: أن ذکر المشيئة في الإیمان مستحبّ، وفیه: بیان أن ذلك كما لا يضر في الإيمان، ولا يخرجه من اليقين والجزم إلى الظن والاحتمال، كذلك لا يخرج الرواية عن ذلك، بل تؤكده، وإنما لم يذكر في السند الأوّل؛ لأن الآية الكريمة مذكورة في هذه الرواية. ومعنى (جَازَهَا): فرغ منها وأتمها، وكذا معنى (أَنْجَزَهَا) في الرواية الأخرى. ٥٠٠