النص المفهرس

صفحات 441-460

و و
الحديثان اللذان بيَّنهما قوله: (حَدَّثَنَا: أَنَّ الأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جِذْرِ قُلُوبٍ
الرِّجَالِ)، وبقوله: (ثُمَّ حَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِ الأَمَانَةِ)، وإلا، فحديث حذيفة
عن النبي - عليه السلام - في (باب الفتن) وغيرها كثيرة، كذا ذكره
صاحب ((التحرير))، والنووي، وغيرهما.
ويحتمل أن يراد بالحديثين: مضمون هذين الحديثين اللذين
بينهما، لا ألفاظهما، فيكون جميع ما سمع من النبي - عليه السلام -
مندرجاً تحت هذين؛ لأنه إِمَّا في بيان ما يحقق الأمانة، أو في بيان
ما يزيلها، فعلى هذا، لا حاجة إلى التقدير بأن المراد: الحديثان اللذان
كانا في باب الأمانة، ولا يَرِدُ الاعتراض بأنه روي عنه غير هذين الحديثين
في باب الأمانة، ولا يحتاج إلى الاعتذار بأن هذين إنما سمعهما معاً؛
بخلاف غیرهما، وغيره من وجوه الاعتذار.
ولما كان الغرض بيان رفع الأمانة، وابتلاء الناس بالفتن، وميلهم
إلى الشهوات، واتباعهم الهوى حتى يكون المشتغل بها هالكاً، والمتنفّر
منها مضطرباً في أمره، لا يدري كيف يحفظ دينه؛ حيث لا يجد من
يعاونه، بل عامة الناس يعادونه، ويوقعونه في المحن والشبهات، وأن
الواجب على المؤمن إذا افترص فرصة أن يغتنمها، ويشتغل بتكميل أمر
دينه، وتتميم مسالك يقينه = ذكر الحديث المشتمل على ذلك مشروحاً،
واقتصر على الحديث المشتمل على نزول الأمانة بالمضمون؛ إذ هو من
الظاهر الذي لا يُحتاج إلى بيانه؛ لأن كل أحد يعلم أن الرسول - عليه
السلام - جاء ودعا الناس إلى الدين، وأخرجهم من الظلمات إلى النور،
٤٤١

واستقر الأمر على ذلك حق الاستقرار، وبلغ درجة الكمال، وصار
بسبب ذلك خير القرون، وإنما الفائدة العظمى في بيان وقوع الفتن
والأهوال بعد ذلك، والتحريض على الإتيان بالأعمال قبل معافصة
الآجال، وإن الثبات على ذلك من خصال أكمل الرجال.
والخامس: في قوله: (نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبٍ) - بفتح الجيم
وسكون الذال المعجمة -، هو الأصل، فقال: نزلت المحبة في جذر
قلبه؛ أي: أصله، وجَذَرْتُ الشيءَ: استأصلته، ومعنى كون الأمانة
نازلة في أصل القلوب، وخلوص الضمائر: أن الله تعالى جبل القلوب
على القيام بحق الأمانة؛ من حفظها واحترامها وأدائها لمستحقها،
يعني: أن الإنسان كان مخلوقاً على الفطرة، بريئاً من العيوب، قابلاً
للكمال، ثم يحصل التقابض له بالعرض.
واللام في (الرِّجَالِ) إِمَّا للجنس، والمراد: الإنسان، وخصّ
الرجال؛ لكون النساء تابعاً لهم في الأحكام، ولهذا طوى ذكرهنَّ في
أکثر النصوص، وإنما يُذْكَرْنَ في أشياء لهن اختصاص بها.
وإِمَّا للعهد، والمراد: الجماعة الذين كانوا في زمن النبي - عليه
السلام -، وهذا أحسن، طباقاً لقوله: ((ثُمَّ نَزَلَ القُرْآنُ، فَعَلِّمُوا)).
و(ثُمَّ) في قوله: (ثُمَّ نَزَلَ القُرْآنُ) إِمَّا للتراخي، والمراد بالأمانة:
حصول القابلية في الداخلين في الإيمان بوجدانهم توفيق المَيَلان
إليه، أو دخولهم في الإيمان، والمراد من نزول القرآن: نزول أكثره،
وما يحتاجون إليه في أمر دينهم على سبيل الكمال، والمعنى: نزلت
٤٤٢

الأمانة في صدور قلوبهم، فآمنوا، ثم نزل القرآن، فعلموا الطاعات،
أو آمنوا، ((ثُمَّ نَزَلَ القُرْآنُ»؛ أي: نزل فيه ما يحتاجون إليه على
الكمال؛ كقوله: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فعلموا
تمام ما يحتاجون إليه.
وبالجملة: حصول الإيمان في القلب قبل القرآن، وفيه حديث
عبد الله بن عمرو، قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ!
إِنِّي أَقْرَأُ القُرْآنَ، فَلاَ أَجِدُ قَلْبِي يَعْقِلُ عَلَيْهِ(١)، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَيُ: ((إِنَّ
قَلْبَكَ حُشِيَ الإِيمَانَ، وَإِنَّ الإِيمَانَ يُعْطَى العَبْدَ قَبْلَ القُرْآنِ)) رواه أحمد،
وإسناده حسن .
وأما المترقّي في المرتبة، فإن مرتبة الدخول في الإيمان قبل مرتبة
الاتصاف بالأعمال، بل الإيمان الكامل النافع الذي يُعتد به في أحوال
الآخرة هو المقرون بالأعمال، فهو تساهل أن يعطف على الأوّل
بـ (ثُمَّ)، أو يكون المعنى: ثم يحكم بالاتصاف بها بعد نزول القرآن؛
كما قيل: في قوله تعالى: ﴿وَإِّ لَغَفَّارٌ لِّمَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ
اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢]: إن الهداية مقدمة على المذكورات قبلها، وإنما عطف
عليها بلفظة (ثم)؛ بياناً بأن الحكم بالاهتداء متأخر عنها، وإن كانت
القابلية مقدمة، وترك ذكر نزول السنة، مع أنها - أيضاً - وَحْيٌ ﴿ وَمَا يَنطِقُ
عَنِ الْهَوَى ) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]، ولم يقل: ونزل من السنة،
أو سمعوا السنة، فعلموا من القرآن، وعلموا من السنة؛ تفادياً من
(١) في الأصل: ((يغفل عَنْهُ)).
٤٤٣

انخراط السنة في سلك الكتاب، وبياناً للفرق بينهما، ولهذا نهى في أوّل
الأمر من كتابة الحديث - على ما سيجيء-، وكرر ذكر العقل، ولم يقل:
وعلموا من القرآن والسنة؛ إيماءً إلى أن العلم من السنة علم مستقل غير
تابع؛ لأن كثيراً من الأشياء ثبوتُها بالسنة لا على وجه بيان مجمل
الكتاب، بل على وجه الاستقلال، وحذف ما علموا؛ إشعاراً إلى
كثرته، وأنه لا يحيط به الوصف، ولكونه معلوماً.
وقيل: المحذوف نزولُ الأمانة، والمعنى: ثم نزل القرآن، فعلموا
منه ومن السنة نزولَ الأمانة في قلوبهم، والمراد: علموا من الكتاب،
ومن السنة اتصافَهم بالإيمان، وأنه شيءٌ أمر الله تعالى بالدخول فيه،
وعلموا حُسنه ونفعه في الآخرة، وفيه نوعُ رمزٍ إلى أنهم دخلوا في
الإيمان، وقبلوا كلام النبي - عليه السلام - قبل نزول القرآن، وقيل:
علمُهم بحسن الإیمان ونفعه، وفیہ مدحٌ لهم.
والسادس في قوله: (يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ)، المراد من النوم؛ إِمَّا
الحقيقة، وإِمَّا كناية عن الغفلة، والغرض: بيان أن رفع الأمانة إنما
يكون في حين غَفْلَة من أهلها، وإيماء إلى سهولة رفعها، وأنها ترفع
بحيث لا يدري صاحبها من ذهابها، ولهذا قُيِّد بـ: (النَّوْمَة)، ولم
يقتصر على قوله: (ينام)، والفاء في قوله: (فَيَظَلُّ) للتعقيب، والمراد:
بيان حصول شيئين متعاقبين، واختير الظلول على الصَّيرورة؛ لما فيه
من معنى السواد الدال عليه لفظ الظل المناسب للغرض.
والوَكْتُ - بفتح الواو وسكون الكاف وآخرها مثناة تحتانية -:
٤٤٤

الإثم اليسير، يقال: بُسْرٌ مُؤَكَّتَ: إِذْا بَدَتْ فِيهِ نُقَطُّ مِنَ الإِرْطَابِ من قِبَل
رأسه، كالمذنَّب من قِبَل ذَنَبِهِ، ومن المجاز: في قلبي وَكْتة مما قُلْت؛
أي: أثر يسير، كذا في ((الأساس))، والمراد هنا: بيان تغير القلب من
الحالة الأولى الذي فيه الأمانة، من النور وسائر الأطراف، إلی حاله بعد
قبض الأمانة، ووصول الظلمة والتغير فيه، وفي الوكت إيماءٌ إلى أن
قبض الأمانة أولاً من مقدم القلب، ثم مما يليه ويليه إلى آخره.
والمَجْلُ - بفتح الميم وسكون الجيم وفتحها -، لغتان؛ المشهور
السكون، وهو بثرة تحصل في اليد من العمل بفأس أو نحوه، كالقبة
فيها ماء، يقال: مَجِلَتْ يِدُه - بكسر الجيم - تمجَلُ مَجَلاً - بفتح الجيم
فيهما -، ومَجَلَت - بفتح الجيم - تَمْجُلُ - بضمها -: إذا ظهرت في يده
بَثْرَة بسبب العمل، وفي المثل: يد مَجِلَة، خيرٌ من وَجْنَةٌ خَجِلَةٍ.
و(ثُمَّ) في قوله: (ثُمَّ يَنَامُ) يحتمل التراخي والترقي - على
ما مَرَّ -، والغرض: بيان ذهاب الأمانة من القلوب شيئاً فشيئاً، وبقاء
الموضع الذي فيه الأمانة متغيراً على ذلك الترتيب - أيضاً -.
وفي ذكر الأمانة مطلقاً - من غير تقييد بالبعض في كل مرتبة -
إيماءٌ إلى أن زوال بعضها بمنزلة زوال كلها؛ إذ لا يبقى القلب بعد
زوال شيء منها کاملاً منتفعاً به انتفاعاً يُعتد به.
ويحتمل أن يراد بالذهاب: ذهاب الكلِّ، وتفاوت بقاء أثرها في
القلوب بحسب المزيل، ففي بعضها يكون السبب المزيل أضعف،
فيصير أثرها كالوَكْت، وفي بعضها أقوى، فيصير موضعها كالمَجْل.
٤٤٥

ويحتمل أن يكون ذلك بحسب اختلاف الزمان، فإن في أوّلٍ
زمانٍ ذهاب الأمانة يكون القلب كالوَكْت، ثم لمَّا استمر الزمان على
الزوال يصير كالمَجْل.
ويحتمل أن يريد بقبضها أوّلاً: ذهاب أكثرها، وبقبضها ثانياً:
ذهاب الباقي، والمعنى: أنه يقبض أولاً نورها ومعظمها، فيظل أثرها
مثل الوكت، ثم يقبض الباقي، فيصير أثرها كالمَجْل، وهذا أوجه؛
لما في الوَكْت من التغير الذي فيه نوع صلاح على ما في أصل
الاستعمال، وفي المَجْل من التغير التام الذي ليس فيه صلاح، فيكون
المعنى: يصير أثرها أولاً مثلَ الوكت الذي يتغير يسيراً فيه صلاح لبقاء
الأمانة بعدُ، ثم ترفع تلك - أيضاً-، ويصير مَجْلاً فاسداً متغيراً فاحشاً
لا إصلاح فيه قط .
ثم لما كان في القبض الأوّل بقية إصلاح، وقلة تغيير، وبقاء
قابلية لصاحبه، وفي الثاني بالعكس، وهي الحالة القبيحة التي ينبغي
أن يحترز عنها = بالغ في إيضاحه بالتشبيه المركب؛ لأنه اعتُبر فيه
تأثير مؤثر قوي على شيء قابل للتأثر، ووجود الأثر فيه، مع كونه على
خلاف ما يراد وينبغي، وقد عرفتَ أن لا يعتبر في التشبيهات المركبة
تشبُّهُ كلِّ فرد بكل فرد، بل المَرْعِيُّ تشبيه الهيئة بالهيئة، كما بيِّن في
موضعه، فلا يرد ما قيل: إن الجَمْرَ مؤثر وُجُودِيٌّ، وزوال الأمانة
عَدَمي، فكيف شبه به؟ ولا حاجة إلى الاعتذار بأن القلب مظلم قبل
نزول الأمانة فيه، وهي سبب الإيمان، فإذا ذهب، رجع القلب إلى
٤٤٦

حاله الأولى من الظّلمة. وأن المشبه هي المعصية المقتضية لزوال
ءِ
الأمانة، وهي المؤثرة في القلب، وهي وجودي.
نعم، لو قيل: تخصیص الجمر من بین الأشياء بالذکر بأنه مؤثرٌ
قويٌّ مناسب للمقام؛ إذ الغرض: بيان شدة تأثير المعصية في القلوب،
بأن جعلها مَجِلة، وأنه يناسب الجريمة أيضاً، والإيماء بأن المعصية
هي الجريرة، من جملة فعلها وتمام عملها إدخالُ صاحبها في النار،
وتخصيص الرِّجْل والإيعاد؛ لأنها آلة ذلك، مع أنها أسفل الأعضاء،
وفيه الإيماء إلى أن القلب - الذي هو أشرفها - يصيرُ بسبب تأثير
المعصية فيها أخسّها وأسفلها = لكان له وجه.
والسابع: في قوله: (فَتَقِطَ) هو بفتح النون وكسر الفاء؛ أي:
وَرِمَ، يقال: نَفِطَتْ يدُه من العمل، وأَنْفَطَها العَمَلُ: إذا أثر في يدها،
فيحصل فيها شيءٌ مثل الجدري، والتذكيرُ في (نَفَطَ) على معنى
الموضع الذي وضع الجمرُ عَلَيْهِ؛ إذ الغرض: بيانُ انتفاخ الموضع
الموضوع عليه، وارتفاعُه، لا انتفاخٌ للرجل بتمامها .
ثم أكد ذلك بقوله: (فَتَرَاهُ مُنْتَبِراً)، يقال: انْتُبَرَ الجرح: تورَّمَ،
وارتفع مكانُهُ، ونَبِّرَ الشيءُ: ارتفع، ومنه: المِنْبَرُ.
ويروى: مُنَّراً - بفتح النون وتشديد الباء بلا تاء -، ومُنْتَبِراً
- بسكون النون وفتح التاء والمثناة الفوقانية وكسر الموحدة مخففة -،
والمراد: بيان ارتفاع ذلك الموضع بعد نَفْطِه.
ثم قال: (وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ)، يعني: أن هذا الارتفاع ليس لأجل
٤٤٧

فائدة، بل فيه منقصة، فليس في الموضع الذي وُضع فيه الجمر،
فتورم وارتفع، فائدةٌ، بل فيه المضرةُ، وهذا زيادة بيان، ورفع إبهام؛
أن في الارتفاع فائدة، فالضمائر في: (نَفِطَ) و(تَرَاهُ)، و(فِيهِ) راجعة
إلى الموضع، لا إلى الرِّجل، ولا حاجة إلى ما ذكره النووي من أنها
راجعة إلى الرَّجل، والتذكيرُ لأجل إتباع لفظ الرجل، أو بتأويل
العضو .
والضميرُ في (أَخَذَ) للنبي - عليه السلام -، وهذا توضيح للتشبيه
المذكور؛ حيث أخذ حصاة، ووضعها (١) على موضع من رجله، الرواية
في أكثر [النسخ]: (حَصَاةٌ) - بالتاء -، وفي بعضها: (حَصّى) - بدونها -،
وفي الروايتين: (فَدَحْرَجَهُ) على تأويل الشيء، أو المأخوذ.
والثامن: في قوله: (فَيُصْبِحُ النَّاسُ) متصل بقوله: ((فَيَظَلُّ أَثَرُهَا
مِثْلَ المَجْلِ))(٢)، والتشبيه اعتراض، والمعنى: إذا قبض جميع الأمانة،
ولم يبق شيء منها، يصبح الناس يتعاملون لا يوجد فيهم أحد يؤدي
الأمانة؛ لأنها قُبضت، وما بقيت منها بقية، وفي: (لا يكادونَ) زيادة
مبالغة؛ يعني: لا يقرب أحد إلى أداء الأمانة، فضلاً عن أدائها .
ثم بين ذهاب الأمانة عن الجميع، وعدم بقائه في واحد؛ لقوله:
(حَتَّى يُقَالَ ... ) إلى آخره.
، وقوله: (حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ) صريح - أيضاً - في أن
(١) في الأصل: ((ووضع)).
(٢) في الأصل: ((فيظل موضعها كالمجل)).
٤٤٨

المراد بالأمانة: الإيمان، أو كماله - على ما مَرَّ -.
والمراد بالمبايعة في قوله: (فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ): إِمَّا
المعاملة الدنيوية، وإِمَّا البيعة من بيعة الخلافة وغيرها؛ من المعاقدة
والتحالف في أمر الدين، وإِمَّا الأعمُّ المتناوِلُ لهما.
وكذا في قول حذيفة: (وَمَا أُبَالِي أَيَّكُمْ بَايَعْتُ)، فقيل: الأول
فيهما، وقيل: الثاني فيهما، وقيل: الثاني في الأول، والأول في
الثاني؛ لأن المراد من قول النبي - عليه السلام -: بيانُ الأمر الديني،
وعدم بقاء الإيمان في قلوبهم، ومن قول حذيفة = المعاملة الدنيوية؛
من البيع والشراء ونحوهما؛ لقوله: (وَلَئِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّاً أَوْ يَهُودِيّا)، فإن
بيعة الخلافة والمعاقدة الدينية لا يتصور معهما.
وقيل: الثالثُ فيهما؛ إذ الأصل في الإطلاق أن يراد معناه،
والتقييد خلاف الأصل، ولا ضرورة، و- أيضاً -: هو أقرب مناسبة
إلى الغرض؛ لأن المراد: بيان فساد الزمان، وخلو أهله من الإيمان،
ومن شأنه أن لا يبقى فيهم وثوق قط؛ لا في أمر دين، ولا في أمر
دنيا، وقول حذيفة: (وَلَئِنْ كَانَ نَصْرَانِيّاً أَوْ يَهُودِيّاً) لا ينافي ذلك؛
لأنه لا يلزم من ثبوت الشيء المطلق لشيء ثبوتُه مطلقاً لكل فرد من
أفراده، فيجوز أن يكون المراد: المبايعة مع المؤمن: المعاملة الدينية
والدنيوية، ومن غيره: الدنيوية، على أنه يحتمل أن يكون المراد من
النصراني واليهودي: المؤمن؛ للتشبه بهم في الأعمال من الخيانة
والغش؛ كما ذهب إليه جمعٌ من المحققين، والتسمية للتغليظ؛ كما
٤٤٩

في قوله: ((وَمَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ، فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ بَهُودِيّاً أَو نَصْرَانِيّا)).
ومعنى قول حذيفة: أن أهل الزمان قبل ذلك كانوا على الخير،
وفيهم الأمانة والوفاء بالعهود، فالتعليل لكل أحد بلا حاجة إلى الاختيار
والسؤال عن حاله؛ لأنه إن كان مؤمناً كامل الإيمان، يمنعه من الخيانة
والغش دِينُهُ، وإن كان ناقصَ الإيمان، غيرَ محترز عن الخيانة، يمنعه
عن الخيانة خوفُ ساعيه، وهو الوالي؛ لأنه إذا علم أنه يأخذ منه حقي،
ولا يبطل، فهو يمنعه من الخيانة، فالمانع من الخيانة إِمَّا خوفُ الله
تعالى، وإِمَّ خوفُ الحاكم، وأَمًّا في هذا الزمان، فلا يبقى شيء من
الخوفين؛ لنقصان الدين، وعدم بقاء القائم على الحق واليقين، فلا
أبايع إلا جمعاً قد عرفتهم، وخبرت حالهم، وحصل لي الوثوقُ بهم.
والغرض: بيان فساد الزمان، وعدم قيام الحكام والولاة على إمضاء
الحق وتمشية العدل .
واعترض بأن حذيفة كان في زمان الخلفاء، فكيف يصح ذلك،
وفي ذلك الزمان ما ضاع حَقٌّ قَطُّ؟
وأجيب؛ بأن المراد: استيلاء أشياع مروان على بعض البلدان في
خلافة عثمان، واشتغالهم بالظلم والعدوان، ووجود الفتور في العدل
الذي شيّده - عليه السلام -، وأقام عليه الخليفتان بعده، وعثمان ظ
في الحجاز، والبلاد التي يحكم فيها بنفسه؛ لأن حذيفة ظه توفي
بالمدائن سنة ست وثلاثين بعد قتل عثمان بأربعين ليلة.
والأوجَهُ: أن مراد حذيفة من وقوع هذه الأمور في الزمان: أنه
٤٥٠

ظهر شيء من أماراته، وسيقع البواقي شيئاً فشيئاً؛ فإن زمان جميع
الخلفاء الأربعة زمانُ المعدلة والنصفة، وإن اختلف في الكمية
والكيفية، فالغرض: ذهاب الأمانة على التدريج؛ بحيث لا يبقى منها
شيء، ويصير المرء بسبب ذلك خارجاً من الإيمان، ويؤيد ذلك:
حديث ابن عمر، مرفوعاً: ((إِنَّ اللهَ وَّتْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ عَبْداً، نَزَعَ مِنْهُ
الحَيَاءَ، فَإِذَا نَزَعَ مِنْهُ الحَيَاءَ، لَمْ تَلْقَهُ إِلَّ مَقِيْتاً مُمَقَّناً، فَإِذَا لَمْ تَلْقَهُ إِلَّ
مَقِيتَاً مُمَقَّناً، نُزِعَتْ مِنْهُ الأَمَانَةُ، فَإِذَا نُزِعَتْ مِنْهُ الأَمَانَةُ، لَمْ تَلْقَهُ إِلاَّ
خَائِناً مُخَوَّنَاً، فَإِذَا لَمْ تَلْقَهُ إِلاَّ خَائِناً مُخَوَّناً، نُزِعَتْ مِنْهُ الرَّحْمَةُ، فَإِذَا
نُزِعَتْ مِنْهُ الرَّحْمَةُ، لَمْ تَلْقَهُ إِلَّ رَجِيماً مُلَعَّنَاً، فَإِذَا لَمْ تَلْقَهُ إِلَّ رَحِيماً
مُلَعَّناً، نُزِعَتْ مِنْهُ رِبِقَةُ الإِسْلاَمِ» أخرجه ابن ماجه.
ولما كان زوال الأمانة عن المرء موجباً لزوال الإيمان عنه، وأزال
عن الناس كلهم ما بقي فيهم الإيمان، يكون زوالها من أشراط
الساعة، وعليه حديث أبي هريرة: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ وَلّهِ جَالِسٌ يُحَدِّثُ
القَوْمَ [فِى مَجْلِسِهِ حَدِيثاً]، جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَقَالَ
بَعْضُ القَوْمِ: سَمِعَ مَا قَالَ، فَكَرِهَ مَا قَالَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ،
حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ، قَالَ: (أَيْنَ - أُرَاهُ - السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ؟))، قَالَ:
هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((فَإِذَا ضُيُّعَتْ الأَمَانَةُ، فَانْتُظِرِ السَّاعَةَ))، قَالَ:
كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: ((إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ، فَانْتُظِرِ السَّاعَةَ»،
أخرجه البخاري.
وقد جاء بأن الأمانة أوّل ما ینزع عن الخلق، وفيه حديث عمر بن
٤٥١

الخطاب، مرفوعاً: ((أَوَّلُ مَا يُرْفَعُ مِنْ النَّاسِ الأَمَانَةُ، وَآخِرُ مَا يَبْقَى
الصَّلاةُ، ورُبَّ مُصَلِّ لَاَ خَيْرَ فِيهِ)) رواه الطبراني.
وحديث أبي هريرة، يرفعه: ((أَوَّلُ مَا يُرْفَعُ مِنْ أُمَّتِي الحَيَاءُ
وَالأَمَانَّةُ، وَآخِرُ مَا يَبْقَى مِنْهَا الصَّلاةُ))، يُخَيَّلُ إِلَيَّ أَنْ قَالَ: ((وَقَدْ يُصَلِّي
قَوْمٌ لا خَلاقَ لَهُمْ» رواه أبو یعلی.
وكثيراً ما يكون النبي - عليه السلام - يأمر بأداء الأمانة، وينهى
عن الخيانة، ومنه: حديث أبي هريرة: ((أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ اثْتَمَنَكَ،
وَلا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ)) أخرجه الترمذي، وأبو داود.
[٦٧ - باب
بَيَانِ أَنَّ الإِسْلاَمَ بَدَأَ غَرِيباً، وَسَيَعُودُ
غَرِيباً، وَأَنَّهُ يَأْرِزُ بَيْنَ المَسْجِدَيْنِ]
٣٨٦ - (١٤٤ / ٢٣١) - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا
أَبَّو خَالِدٍ - يَعْنِي: سُلَيْمَانَ بْنَ حَيَّانَ -، عَنْ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ، عَنْ رِئِيٍّ،
عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ، فَقَالَ: أَّكُمْ سَمِعَ رَسُولَ اللهِو ◌َلِ يَذْكُرُ
الفِتَنَ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: نَحْنُ سَمِعْنَهُ، فَقَالَ: لَعَلَّكُمْ تَعْنُونَ فِتْنَةَ الرَّجُلِ فِي
أَهْلِهِ وَجَارِهِ؟ قَالُوا: أَجَلْ، قَالَ: تِلْكَ تُكَفِّرُهَا الصَّلاَةُ وَالصِّيَامُ
وَالصَّدَقَةُ، وَلَكِنْ أَّكُمْ سَمِعَ النَّبِيَّ لَهَ يَذْكُرُ الفِتَنَ الَّتِي تَمُوِجُ مَوْجَ
البَحْرِ؟ قَالَ حُذَيْفَةُ: فَأَسْكَتَ القَوْمُ، فَقُلْتُ: أَنَا، قَالَ: أَنْتَ لِلَّهِ أَبَوكَ؟
٤٥٢

قَالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ،وَ﴿ يَقُولُ: ((تُعْرَضُ الفِتَنُ عَلَى القُلُوبِ
كَالحَصِيرِ عُوداً عُوداً، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ
قَلْبٍ أَنْكَرَهَا، نُكِتَ فِهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنٍ؛ عَلَى أَنْيَضَ
مِثْلِ الصَّفَا، فَلاَ تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ، وَالآخَرُ أَسْوَدُ
مُرْبَاداً كَالكُوزِ مُجَخِّاً، لاَ يَعْرِفُ مَعْرُوفاً، وَلاَ يُنْكِرُ مُنْكَراً، إِلَّ مَا أَشْرِبَ
مِنْ هَوَاهُ». قَالَ حُذَيْفَةُ: وَحَدَّثْتُهُ: أَنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا باباً مُغْلَقاً يُوشِكُ أَنْ
◌ُكْسَرَ. قَالَ عُمَرُ: أَكَسْراً لاَ أَبَا لَكَ؟! فَلَوْ أَنَّهُ فُتِحَ، لَعَلَّهُ كَانَ يُعَادُ،
قُلْتُ: لاَ: بَلْ يُكْسَرُ. وَحَدَّثْتُهُ: أَنَّ ذَلِكَ البَابَ رَجُلٌ يُقْتَلُ أَوْ يَمُوتُ.
حَدِيثاً لَيْسَ بِالأَغَالِطِ. قَالَ أَبَّوَ خَالِدٍ: فَقُلْتُ لِسَعْدٍ: يَا أَبَا مَالِكٍ!
مَا أَسْوَدُ مُرْبَادَا؟ قَالَ: شِدَّةُ البَيَاضِ فِي سَوَادٍ. قَالَ: قُلْتُ: فَمَا الكُوزُ
مُجَخِّياً؟ قَالَ: مَنْكُوساً.
الحديث الثاني: حديث حذيفة - أيضاً -: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ، فَقَالَ:
أَّكُمْ سَمِعَ رَسُولَ اللهِنَّهِ يَذْكُرُ الفِتَنَ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: نَحْنُ سَمِعْنَاهُ، فَقَالَ:
لَعَلَّكُمْ تَعْنُونَ فِتْنَةَ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَجَارِهِ؟ قَالُوا: أَجَلْ، قَالَ: تِلْكَ
تُكَفِّرُهَا الصَّلاَةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ، وَلَكِنْ أَيّكُمْ سَمِعَ النَّبِيَّ ◌َهِ يَذْكُرُ
الفِتَنَ الَّتِي تَمُوجُ مَوْجَ البَحْرِ؟ قَالَ حُذَيْفَةُ: فَأَسْكَتَ القَوْمُ، فَقُلْتُ: أَنَا،
قَالَ: أَنْتَ لِلَّهِ أَبُوكَ؟! قَالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ:
(تُعْرَضُ الفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالحَصِيرِ عُوداً عُوداً، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا،
نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى
٤٥٣

تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنٍ؛ عَلَى أَنْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا، فَلاَ تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ
السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ، وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًاً كَالكُوزِ مُجَخِّياً، لاَ يَعْرِفُ
مَعْرُوفاً، وَلاَ يُنْكِرُ مُنْكَراً، إِلَّ مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ)). قَالَ حُذَيْفَةُ:
وَحَدَّثْتُّهُ: أَنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا باباً مُغْلَقاً يُوشِكُ أَنْ يُكْسَرَ. قَالَ عُمَرُ: أَكَسْراً
لَاَ أَبَا لَكَ؟! فَلَوْ أَنَّهُ فُتِحَ، لَعَلَّهُ كَانَ يُعَادُ، قُلْتُ: لاَ، بَلْ يُكْسَرُ.
وَحَدَّثْتُّهُ: أَنَّ ذَلِكَ الْبَابَ رَجُلٌ يُقْتَلُ أَوْ يَمُوتُ. حَدِيثاً لَيْسَ بِالأَغَالِطِ.
وهذا من أفراد مسلم، وإن كان قوله: (فِتْنَةَ الرَّجُلِ فِي مَالِهِ
وَأَهْلِهِ ... ) إلى آخره أخرجه البخاري، والترمذي، وابن ماجه ــ على
ما سيجيء -.
إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في مواضع :
الأول: في التعريف برواته سوى ما سلف.
(نعيم)، وهو نعيم بن أبي هند النعماني بن أشيم الأشجعيُّ،
الكوفُّ، ابن عَمِّ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ(١).
عن أبيه، وله صحبة، وسويد بن غفلة، وخلائق.
وعنه سليمان التيمي، وشعبة، وسفيان، وآخرون.
وَثَّقَهُ النسائي، وابن ماجه، والبخاري تعليقاً.
توفي سنة ست عشرة ومئة.
الثاني: في قوله: (فِتْنَةَ الرَّجُلِ) الابتلاء والاختبار، ثم استعمل
(١) وهو أبو مالك الأشجعي.
٤٥٤

في التحول من حال حسنة إلى سيئة، وفتنة الرجل في أهله وماله،
ومحبته لهم، وشحه عليهم، وشغله بهم عن وجوه الخير والاشتغال
بها، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَآ أَمَّوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]، أو
لتفريطه من القيام بما يلزم من حقوقهم، وكذلك فتنة الجار، وهذه
كلها فتن تقتضي المحاسبة عليها .
وأما تكفير الطاعات من الصلاة والصيام والصدقة لها؛ فإِمَّا أن
المواظبة عليها تزيل تلك المحبة عن قلبه، ويقدر على نفعها، أو
بالمحافظة على الطاعات يتمكن من القيام على أداء ما عليه من رعاية
الحقوق.
وإِمَّا أنّ ثوابها يغلب عقابها ويزيلها، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ
الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، وقد علمت أن اجتناب الكبيرة
شرط على ما ورد في قوله: ((مَا اجْتُنِبَتِ الكَبَائِرُ))، وسيجيء الكلام
عليه في موضعه - إن شاء الله تعالى -.
* وأمّا قوله: (تَمُوجُ مَوْجَ البَحْرِ)، والغرض: بيان شدة الفتنة،
وأنها تضطرب وتزلزل الناس، كما يضطرب البحر وُزلزل راكبه.
والثالث: في قوله: (فَأَسْكَتَ القَوْمُ)، الرواية: رَفع (القَوْمُ)،
قيل: سَكَتَ، وأَسْكَتَ، بمعنى: صمت، وقيل: سَكَتَ: صَمَتَ،
وأَسْكَتَ: أطرقَ.
وفي (الأساس)): يقال: تكلم فلان، ثم سكت، بمعنى: صمت،
وقيل: فإذا أفحم، قيل: أُسكت، وهذا أوجه.
٤٥٥

وفيه: أن سكوت القوم لإفحامهم، وعدم علمهم بهذا الحديث،
لا أنهم تكلموا، ثم سكتوا بلا سبب إفحامٍ.
* وقوله: (لِلَّهِ أَبُوكَ) كلمةُ مدح يعتاد العرب الثناءَ بها؛ فإن
الإضافة إلى العظيم تشريف، فإذا وجد من الشخص ما يحمد، قيل:
لله أبوك حيث أتى بمثلك.
* وقوله: (قَالَ حُذَيْفَةُ) استئناف، كأن سائلاً قال: فماذا قال
حذيفة؟ بعد قول عمر له: (لِلَّهِ أَبُوكَ) فقيل له: قال: (سمعت ... )
إلى آخره، وفي هذا الاستئناف تعظيم لشأن حذيفة، حيث حفظ من
النبي ◌َ﴿ الحديث الذي لا يحفظه جمعٌ من أعلام الصحابة، مع
اشتماله على الفوائد الجليلة، وإلاّ، فظاهر التركيب أن يقول: فقلت:
سمعت رسول الله ، وفي التصريح باسم حذيفة إيماء إلى ذلك
- أيضاً -.
والرابع: في قوله: (عُوداً عُوداً) الرواية المشهورة ضم العين
وسكون الواو ثم دال مهملة، وهي أنسب في التشبيه بالحصير؛ لأن
ناسج الحصير كلما ينسج عوداً، يأخذ عوداً آخر، وينسجه، فشبه
عرض الفتن على القلوب واحدة بعد أخرى بعرض قضبان الحصير
على صانعها واحداً بعد واحد، فتكرر شيئاً بعد شيء.
وبفتحها والذال معجمة: بمعنى: الاستعاذة؛ أي: تعرض الفتن
على القلوب، فيؤثر فيها، كما يلصق الحصير بجنب النائم، ويؤثر فيه
شدة تأثير؛ أي: نسألك أن تعيذنا عن ذلك، وأن تغفر لنا، كما يقال:
٤٥٦

غَفْراً غَفْراً، فعلى هذا لا دخل له في التشبيه، بل اعتراض للدعاء.
والخامس: في قوله: (فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا)؛ أي: دخلت فيه
دخولاً تاماً، وفي الإشراب من معنى كمال الدخول وغاية النفوذ
ما ليس في غيرها، قال الله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ
بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٩٣]؛ لأن الشراب سريع النفوذ، تام الدخول،
فالمعنى: فأيُّ قلب تمكنت فيه الفتنة تمكناً تاماً بالغاً، بحيث لا ينفكُ،
ولا يزول، نكت فيه نكتة سوداء، وفي إيراد الفعل المتعدي من المبالغة
ما ليس في اللازم.
وفيه: إيماء إلى أن خلق القلوب على الفطرة، وأن دخول الفتنة
فيه أمر خارج بسبب ارتكاب المعاصي؛ بخلاف إنكارها؛ فإنها خلقية
لا عارضية، وفي بناء المفعول إيماءٌ إلى التعيين، وأنها لكثرتها لا يحيط
بها البيان.
وقدم ذكر القلب الذي فيه الفتنة على الذي لم تؤثر فيه؛ لكثرة
الأوّل، والغرض - أيضاً -: بيان وقوع الفتنة وتأثيرها، لا بيان عكسه،
وعكس في بيان القَلْبين؛ حيث قدم الأبيض لشرفه، وأن وجوده في
هذا الزمان كالشيء النادر العزيز الذي ينبغي أن يجعل فاتحة كل شيء،
والمراد بنكتت النكتة البيضاء، والنكتة السوداء: التشبيه لإنكار القلب
الفتنة وقبولها، وبيان أن احتراز الإنسان عن المعاصي، ومواظبته على
الطاعات يؤثر في صفاء باطنه، وإزالة الأوساخ عنه، وارتكابها، وعدم
الانقياد للأوامر يجعلها بالعكس، ولما شبّه الفتن بالحصير، وأنه يؤثر
٤٥٧

في الأشياء الرخوة لا الصلبة، شبّه القلب المنكِرَ للفتن، المقرَّ
بالعبودية، المواظبَ على الطاعة، بأشدِّ شيء؛ ليعلم أن الفتن لا تؤثر
فيه، فقال: (مِثْل الصَّفَا) في الشدة والملاسة والبياض، فلا يمكن أن
تؤثر الفتنة فيه، و- أيضاً - في لفظ (الصَّفًا) إيماءٌ إلى تصفية الباطن
- على ما لا يخفى -.
والسادس: في قوله: (وَالآخَرُ مُرْبَدّاً) الرواية المشهورة بلا
همزة، مثل مُسْوَدّ، ومُحْمَرّ، وروي: (مُرْبَادًاً) على وزن مُفعال، من
اربادَّ؛ مثل: مُصْفارّ من اصفارَّ.
وذكر القاضي عياض: أن أكثر شيوخنا ضبطوه: (مُرْبَئِدٌ) - بهمزة
مکسورة بعد الباء -.
وذكر أبو مروان بن سراج: أنه من اربدَّ، أو على لغة من يقول:
بهمزة بعد الميم؛ هَرباً من التقاء الساكنين.
وقال بعض أهل اللغة: يقال: اِحْمَرَّ الشيء، فإذا ازداد، قيل:
احْمَارَّ، فإذا قوي، قيل: احماراً - بالهمز -، فعلى هذا تكون تلك
الروايات صواباً كلها .
وفسّر أبو مالك الرَّبدَةَ - على ما مَرَّ في الكتاب - بشدة البياض في
سواد، واعترض بأن ذلك تفسير البلق، والربدة بياض يسير يخالطه
سواد حتى يصير مثل الرماد، فصوابه: شِبْهُ البياض، لا شدة البياض.
قال أبو عبيدة: الرَّبَدُ: لون من سواد وغيره.
وقال ابن دريد: الربدة: الكُدرة.
٤٥٨

وقال غيره: هي أن يختلط السواد بكدرة.
وأجيب: بأن المراد من قوله: (شِدَّةُ البَيَاضِ فِي سَوَادٍ): اختلاط
البياض الشديد مع السواد، حتى يصير أغبر، لا أن البياض الشديد
مجتمع في موضع، والسّواد في آخر حتى يصير أبلق.
قال نفطويه: المُرْبَدّ : المُلَمَّع بِسَوَادٍ وَبَيَاض، ويقال: نمر أربد:
إذا کان بعضه إلى البياض، وبعضه سواد.
وبالجملة: الغرض: بيان تغير اللون، لا خُلُوصه؛ فإن تسبب
كثرة صدور المعاصي عن الشخص يصير قلبه أسود متغيراً، لا أسود
صافياً، فالغرض: حدوث صفتين متقابلتين للقلب الأبيض، وهما:
الربدة والكدورة في مقابلة ما كان حاصلاً قبله، وهو البياض والصفاء.
وفيه: معنى الحبس - أيضاً -؛ إذ المِرْبَدُ: الموضع الذي تحبس
فيه البهائم للبيع، ومعنى النكارة وقلة الخير، يقال: داهية رَبْداء:
منكرة، وعام أَرْبَد: مقحط .
ثم شبّه القلب الحاصل فيه هاتان الصفتان بالكوز المُجَخِّي
- بضم الميم وفتح الجيم وكسر الخاء المعجمة المشددة -؛ أي:
المنكوس، حتى لا يبقى فيه شيء، وقيل: المُجَخِّي: المائل، وهو
- أيضاً - قريب إلى الأوّل، إلا أن في الأوّل أنه لا يبقى فيه شيء قط من
الخير، وترك فيه من الباطل، والغرض: تشبيه القلب بالكوز في أنه
قابل لمادة الحياة، ومَحَلٌّ لها، وهي الإيمان، فكما أنّ الكوز محل
الماء الذي هو حياة الأجسام، كذلك القلب محل الأرواح، فإذا قلب
٤٥٩

الكوز حتى لا يبقى فيه شيء من الماء، صار خالياً عن الغرض الذي
خلق لأجله، وصار شيئاً ضائعاً، فكذلك القلب الذي قَبِلَ المعاصي،
ونُكت فيه النكتة السوداء، قلب حتى نزع منه جميع ما فيه من الحياة،
وصار شيئاً صفراً خالياً لا منفعة فيه.
وفيه: إشعار - أيضاً - إلى خروجه عن الاستقامة التي خلق عليها.
ثم أكد ذلك بقوله: (لاَ يَعْرِفُ مَعْرُوفً، وَلاَ يُنْكِرُ مُنْكَراً)؛ يعني:
إن خرج عن الاستقامة، وخير الانتفاع؛ لخُلُوِّهِ عن الشيء الذي به
يدرك، وهو الحياة، فلا يدرك شيئاً قط، والمراد من معرفته: ما أشرب
من هواه وجود ذلك فيه بدل الحياة التي فيه قبل ذلك.
والمعنى: أنه لا يدرك شيئاً قط، وليس فيه من الحياة شيء إلا
هذه المعاصي التي تمكنت وصارت راسخة، وهو بسببها صار خالياً
عن الخير ومادة الحياة، فالغرض: حصول التقابض فيه، وخلوّه عن
الخير والكمال.
والسابع: في قوله: (وَحَدَّثَتُهُ) ظاهر الكلام: أن عمر څه سأل
حذيفة بعد إخباره عن هذه الفتنة، وكيفية تأثيرها في القلوب، وعن
زمان وقوعها، فأخبره بأنه لا يقع شيء منها في زمانك؛ لأن بينك
وبينها باباً مغلقاً، وسَدَّاً مُحْكَماً، ولكن قَرُبَ أن يُكسر ذلك الباب،
ويظهر منها شيء، ففي ذلك: بيان عدم وقوع تلك الفتنة في زمان
عمر، وأنَّ زمانه - أيضاً - قد قرب انقضاؤه، ففيه بشارة لعمر بعدم
وقوع تلك الفتنة في زمانه، وإخبار بقرب ارتحاله إلى الآخرة.
٤٦٠