النص المفهرس

صفحات 421-440

الجماهير في جواز المقاتلة معه؛ سواء طلب القليل، أو الكثير، ورُد لما
ذهب إليه بعض أصحاب مالك من تحريم المقاتلة إذا طلب شيئاً يسيراً؛
كالثوب والطعام ونحوهما، وبنوا ذلك على أن الأمر بقتال الطالب مال
الغير بغير حق من باب تغيير المنكر، أو باب دفع الضرر؛ فإن كان من
الأوّل، فلا يجوز الإعطاء، وإن كان من الثاني، يجوز، وعلى هذا
الخلاف في دعائهم قبل القتال، هل يدعون، أم لا؟ ورواية النسائي
- على ما مَرَّ- ظاهرة في الأوّل.
2
وقد يستدل بأن المال إنما يطلق على الكثير، ولهذا زاد في
الجواب قوله: (مَالَكَ)، ولا يخفى ضعفه.
وقوله: (فَأَنْتَ شَهِيدٌ)، وفي الحديث الآخر، ((مَنْ قُتِلَ دُونَ
مَالِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ)) سُمي شهيداً؛ لأنه حيّ، فكأنه يشاهد الأشياء، قال الله
تعالى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَا بَلْ أَحْيَاءُ ﴾ [آل عمران: ١٦٩]
ج
الآية.
وقيل: لأن أرواحهم شهدت دار السلام عند الخروج من الدنيا،
وأرواح غيرهم إنما تشهدها يوم القيامة.
وقيل: لأن الملائكة يشهدون له بالجنة.
وقيل: لأن عليه شاهداً يشهد بكونه شهيداً، وهو دمه، فإنه
یبعث وجرحه یشخب دماً.
وقيل: لأنه يشهد على الأمم يوم القيامة.
ثم الشهيد قد يكون شهيداً في أحكام الدنيا؛ من عدم الغسل،
٤٢١

والصلاة، وغيرهما، وفي أحكام الآخرة؛ من نيل الثواب الجزيل،
وهو الذي قتل في حرب الكفار بسبب من أسباب القتال.
واختلاف المذاهب فيه، وفي أحكامه الدنيوية مذكورٌ في الفروع،
وسيجيء بعضها في (كتاب الجهاد) - إن شاء الله تعالى -.
وقد يكون شهيداً في أحكام الآخرة فقط، وهو المبطون،
والمطعون، وصاحب الهَدْم، والمقتول دون ماله، وغيرهم.
وقد يكون شهيداً في أحكام الدنيا، وليس له ثواب سائر الشهداء
على الكمال في الآخرة، وهو من غَلَّ في الغنيمة، وشبهه، ثم قتل في
حرب الكفار، على ما وردت الأحاديث الصحاح من نفي كونه شهيداً
في أحكام الآخرة.
* وقوله: (فِي النَّارِ)؛ يعني: جزاؤه ذلك، أو محمول على
المستحِلّ، أو تغليظ، وقد يستدل من هذا على أنه لا دية في قتال
المحاربين ولا قَوَدَ؛ لأن النبي - عليه السلام - أمر بقتاله، وأخبر أنه
إن قُتل، فمصيره إلى النار، ومصيرُ مقاتله إن قُتل الجنة؛ لأنه شهيد،
وما يأمر الشرع به لا تبعة على فاعله في الدنيا والآخرة.
٣٧٨ _ (١٤١ / ٢٢٦) - حَدَّثَنِي الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الحُلْوَانِيُّ،
۵
وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ - وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ - قَالَ
إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ،
٤٢٢

قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ الأَحْوَلُ: أَنَّ ثَابِتَاً مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ لَمَا كَانَ بَيْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍوٍ وَبَيْنَ عَنْبُسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ
مَا كَانَ، تَيَّسَرُوا لِلْقِتَالِ، فَرَكِبَ خَالِدُ بْنُ العَاصِ إِلَى عَبْدِاللهِبْنِ عَمْرٍو،
فَوَعَظَهُ خَالِدٌ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلِ قَالَ:
((مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ))؟
٣٧٩ - وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِحِ، وَحَدَّثَنَا
أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِي، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ كِلاَهُمَا، عَنِ ابْنٍ جُرَيْجِ
بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
الحديث الثاني: حديث ثابت مولى عمر بن عبد الرحمن: أنه
قال: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ بَيْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو وَبَيْنَ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ
مَا كَانَ، تَيَّسَّرُوا لِلْقِتَالِ، فَرَكِبَ خَالِدُ بْنُ العَاصِ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو،
فَوَعَظَهُ خَالِدٌ، فَقَالَ عَبْدُاللهِ بنُ عَمْرِو: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَاهـ
قَالَ: ((مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ؟)). وهذه القصة من أفراد مسلم،
والحديث أخرجه البخاري، والأربعة سوى ابن ماجه، ولما أخرجه
الترمذي، قال: وفي الباب: عن علي، وأبي هريرة، وابن عمرو،
وابن عباس، وجابر.
وأقول: حديث أبي هريرة قد مَرَّ، وحديث ابن عمر، قال: قال
رسول الله وَهُ: ((مَنْ أُتِيَ عِنْدَ مَالِهِ، فُقُوتِلَ، فَقَاتَلَ فَقُتِلَ، فَهُوَ شَهِيدٌ))
أخرجه ابن ماجه.
٤٢٣

وحديثُ علي، مرفوعاً: ((مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ)) رواه
أحمد، ورجاله ثقات.
وحديث ابن عباس، يرفعه: ((مَنْ قُتِلَ دُونَ مَظْلَمَتِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ))
رواه أحمد - أيضاً -، ورجاله رجال الصحيح.
وحديث جابر، مرفوعاً: ((مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ)) رواه
أبو يعلى.
وفي الباب بلفظ: ((مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ)) مرفوعاً عن
بريدة، وسويد بن مُقَرِّن، أخرجهما النسائي، وسعد بن أبي وقاص،
وعبدالله بن مسعود، وأنس بن مالك، وعبدالله بن عامر بن کرز، رواه
البزار، والطبراني.
وعن سعيد بن زيد، مرفوعاً: ((مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ،
وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ
قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ)) أخرجه الأربعة.
وعن سعد بن أبي وقاص، يرفعه: ((نِعْمَ المِيتَةُ أَنْ يَمُوتَ الرَّجُلُ
دُونَ حَقِّهِ)) رواه أحمد، والطبراني، ورجاله ثقات.
وعن قُهَيْدِ بْنِ مُطَرِّفِ الغِفَارِيِّ: أن رسول الله وََّ سأله سائلٌ: إن
عدا عليَّ عادٍ؟ فأمره أن ينهاه ثلاثَ مرات، فإنْ أبى، فأمره بقتاله،
قال: فكيف بنا؟ قال: ((إِنْ قَتَلَكَ، فَأَنْتَ فِى الجَنَّةِ، وَإِنْ قَتَلْتَهُ، فَهُوَ فِي
النَّارِ)) رواه أحمد، والطبراني، والبزار، ورجاله ثقات.
٤٢٤

إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في مواضع:
الأول: في التعريف برواته سوى ما سلف.
(سُلَيْمَانُ)، وهو ابن أبي سُلَيْمَانَ الأَحْوَلُ، المكيُّ.
عن سعيد بن جبير، وطاوس، ومجاهد، وعطاء، وغيرهم.
وعنه شعبة، وابن عُيينة، وعثمان بن الأسود، وجماعة.
وَثَّقَهُ ابن معين، وغيرُه، وأخرج له الستة.
وشیخه هو ثابت مولی زید بن ثابت.
عن مولاه، والبراء بن عازب، وابن عمر، وجماعة.
وعنه الأعمش، ومِسْعر، والثوري، وجماعة.
وَثَّقَهُ أحمد، وابن معين، وأخرج له مسلم، والأربعة.
وقوله في الكتاب: (مَوْلَى عُمَرَ) هو عُمَرُ بنُ عَبْدِالله بن زيد.
الثاني: في ألفاظه:
* قوله: (مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ) لفظة (دُونَ) في الأصل
للمکان القريب، يقال: خذ من دونك؛ أي: من أدنی مکان منك، ثم
استعمل في كل مجاوزة حد، وتخطّي حكم، واتّسِع فيه، [و]استُعمل
بمعنى: غير، وبيستعمل بمعنى القُدَّام.
قال الأعشى يصف الزجاجة:
تُرِيكَ القَذَى مِنْ دُونِهَا وَهِيَ دُونَهُ
أي: تريك القذى قُدَّامها، وهي قُدّام؛ القذى؛ لرقتها وصفائها،
٤٢٥

وهاهنا يستعمل في هذا المعنى؛ يعني: من قاتل قَدَّام ماله حتى قتل،
فهو شھید .
* قوله: (رَكِبَ خَالِدُ بْنُ العَاصِ) في بعض [النسخ] هكذا،
وفي بعضها: (فَرَكِبَ) مع الفاء، وفي بعضها: (وَرَكِبَ) بالواو، والأوّل
لا حاجة فيها إلى تقرير جواب لمَّا؛ لأن (ركب) جواب، وفي الأخريين
كان الجواب محذوفاً، وهو (كان مَا كَانَ) عند من لا يُجَوِّزُ أن
يكون الجواب مع حرف العطف وهم البصريون، وعند من يُجَوِّزُ
وهم الكوفيون، يكون قوله: ((وَرَكِبَ)) جوابَ لمَّا؛ كما قيل في
بیت امرئ القيس :
فَلَمَّا أَجَزْنَا سَاحَةَ الحَيِّ وَانْتُحَى
البيت.
* وقوله: (أَمَا عَلِمْتَ) - بفتح التاء - على الخطاب، هو الرواية،
ومعنى الحديث ظاهر على ما مَرَّ.
الثالث: الجمع بين الأحاديث:
ففي ظاهر بعضها الأمرُ بالمعروف، وفي بعضها الإنشادُ بالله، فإن
أبى، فيقاتل، وفي بعضها النهي ثلاث مرات ثم القتال.
وعن مخارق، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيَّ وَّهِ، فَقَالَ: الرَّجُلُ
يَأْتِي فَيُرِيدُ مَالِي؟ قَالَ: ((ذَكِّرْهُ بِاللهِ»، قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَذَّكَّرْ؟ قَالَ:
((فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ مَنْ حَوْلَكَ مِنْ المُسْلِمِينَ))، قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَوْلِي أَحَدٌ
٤٢٦

مِنْ المُسْلِمِينَ؟ قَالَ: ((فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ بِالسُّلْطَانِ))، قَالَ: فَإِنْ نَأَى السُّلْطَانُ
عَنِّي؟ قَالَ: ((قَاتِلْ دُونَ مَالِكَ حَتَّى تَكُونَ مِنْ شُهَدَاءِ الْآخِرَةِ، أَوْ تَمْنَعَ
مَالَكَ)) أخرجه النسائي .
وهذا الحديث جمعَ جميعَ الوجوه التي ترك بعضها في الأحاديث
الباقية، وهي مرادة، فإن الدفع بالأهون إلى الأغلظ، أو يكون محمولاً
على أن جزاء طالب مال الغير المقاتلةُ معه؛ لأنه طالب باطل؛ كما جاء
في حديث عبادة بن الصامت: ((الدَّارُ حَرٌَ، فَمَنْ دَخَلَ عَلَيْكَ حَرَمَكَ،
فَاقْتُلْهُ)) رواه أحمد، والطبراني.
أو المراد من المقاتلة: المدافعة مطلقاً، وهي تتناول جميع
الوجوه.
[٦٥ - باب
اسْتِحْقَاقِ الوَالِي الغَاشِ لِرَعِيَّتِهِ النَّارَ]
٣٨٠ _ (١٤٢ / ٢٢٧) - حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُو
الأَشْهَبِ، عَنِ الحَسَنِ، قَالَ: عَادَ عُبَيْدُاللهِ بْنُ زِيَادٍ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ
المُزَنِيَّ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ. قَالَ مَعْقِلٌ: إِنِّي مُحَدِّنُكَ حَدِيثاً
سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَ، لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ لِي حَيَاةَ، مَا حَدَّثْتُكَ، إِنِّي
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ يَقُولُ: ((مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ
يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشُّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ».
٤٢٧

٣٨١ _ (١٤٢/ ٢٢٨) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ
زُرَبْعٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الحَسَنِ، قَالَ: دَخَلَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ زِيَادٍ عَلَى
مَعْقِلٍ بْنِ يَسَارٍ وَهُوَ وَجِعٌ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: إِنِّي مُحَدِّنُكَ حَدِيثاً لَمْ أَكُنْ
حَدَّثْتُكَهُ، إِنَّ رَسُولَ اللهِوَلِ قَالَ: ((لاَ يَسْتَرْعِي اللّهُ عَبْدَاً رَعِيَّةً، يَمُوتُ
حِينَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌ لَهَا، إِلاَّ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ». قَالَ: أَلَا كُنْتَ
حَدَّثْتَنِي هَذَا قَبْلَ اليَوْمِ، قَالَ: مَا حَذَّثْتُكَ، أَوْ لَمْ أَكُنْ لِأُحَدَِّكَ.
٣٨٢ - (١٤٢ / ٢٢٩) - وَحَدَّثَنِي القَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ
- يَغْنِي: الجُعْفِيَّ -، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: قَالَ الحَسَنُ: كُنَّا عِنْدَ
مَعْقِلٍ بْنِ يَسَارٍ نَعُودُهُ، فَجَاءَ عُبَيْدُاللهِ بْنُ زِيَادٍ، فَقَالَ لَهُ مَعْقِلٌ: إِنِّي
سَأُحَدِّثُكَ حَدِيثاً سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهَِ﴿ِ، ثُمَّ ذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِهِمَا.
٣٨٣ - (١٤٢ / ٢٢٩) - وَحَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ المِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ
المُثَنَّى، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ:
حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ -، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِيٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي
المَلِيحِ: أَنَّ عُبَيْدَاللهِ بْنَ زِيَادٍ عَادَ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ فِي مَرَضِهِ، فَقَالَ لَهُ
مَعْقِلٌ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ بِحَدِيثٍ لَوْلاَ أَنِّي فِي المَوْتِ، لَمْ أُحَدِّثْكَ بِهِ،
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ﴿ يَقُولُ: ((مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِي أَمْرَ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ
لاَ يَجْهَدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ، إِلاَّ لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الجَنَّةَ».
الحديث الثالث: حديث الحسن البصري، قَالَ: عَادَ عُبَيْدُاللهِ ابْنُ
٤٢٨

زِيَادٍ مَعْقِلٍ بْنَ يَسَارِ المُزَنِيَّ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ. قَالَ مَعْقِلٌ: إِنِّي
مُحَدِّثُكَ حَدِيثاً سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ وََّ، لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ لِي حَيَاةً،
مَا حَدَّثْتُكَ، إِنِي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ يَقُولُ: ((مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ
رَعِيَّةً - يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌِّ لِرَعِيَّتِهِ - إِلَّ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ».
وفي رواية: ((لاَ يَسْتَرْعِيِ اللهُ عَبْداً رَعِيَّةً، يَمُوتُ حِينَ يَمُوتُ وَهُوَ
غَاشٌُّ لَهَا، إِلَّ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ». قَالَ: أَلَ كُنْتَ حَدَّثْتَنِي هَذَا قَبْلَ
اليَوْمِ، قَالَ: مَا حَدَّثْتُكَ، أَوْ: لَمْ أَكُنْ لِأُحَدِّثَكَ.
وفي رواية: ((مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِي أَمْرَ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ لاَ يَجْهَدُ لَهُمْ
وَيَنْصَحُ، إِلَّ لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الجَنَّةَ)) أخرجه البخاري.
وفي الباب: عن أبي هريرة، مرفوعاً: ((مَا مِنْ رَاعٍ يَسْتَرْعِي رَعِيَّةً،
إلا سُئِلَ عَنْهَا يَوْمَ القِيَامَةِ: أَقَامَ فِيهَا أَمْرَ اللهِ، أَوْ أَضَاعَهُ؟».
وعن المِقْدام، يرفعه: ((لا يَكُونُ رَجُلٌ عَلَى قَوْمِ، إِلا جَاءَ يَقْدُمُهُمْ
يَوْمَ القِيَامَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ رَايَّةٌ يَحْمِلُهَا، وَهُمْ يَتْبِعُونَةُ، فَيُسْأَلُ عَنْهُمْ،
وَيُسْأَلُونَ عَنْهُ».
وعن ابن عباس، مرفوعاً: ((مَا مِنْ أُمَّتِي أَحَدٌ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ
شَيْئاً، لم يحفظهم بِمَا حَفِظَ بِهِ نَفْسَهُ وَأَهْلَهُ، إِلاَّ لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ)).
وعنه، يرفعه: ((مَنْ وَلِيَ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ المُسْلِمِينَ، لَمْ يَنْظُرِ اللهُ فِي
حَاجَتِهِ حَتَّى يَنْظُرَ فِي حَوَائِجِهِمْ)).
وعن أنس بن مالك، مرفوعاً: ((مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ المُسْلِمِينَ شَيْئاً،
فَغَشَّهُم، فَهُوَ فِي النَّارِ)). روى الكلَّ الطبراني.
٤٢٩

إذا عرفت هذا، فالكلام ــ هاهنا - في مواضع :
الأول: في التعريف برواته سوى ما سلف.
(أَبُو الأَشْهَبِ)، وهو جعفر بن حبان السعديُّ، البصريُّ،
العُطارِدِيُّ.
عن بكر بن عبدالله، والشعبي، وطائفة.
وعنه يحيى القطان، ووكيع، وابن المبارك، وآخرون.
وَثَّقَهُ أحمد، وأخرج له الستة.
وقال النسائي : ليس به بأسٌ.
توفي سنة خمس وستين ومئة.
وأمّا (أَبُو المَلِيح)، فهو ثمامة، وقيل: اسمه زيد بن أسامة الهذليُّ.
عن أبيه، وجابر، وأنس، وجماعة.
وعنه أبو قلابة زيد الجَزْمي، وأيوب، وخلائق.
وَثَّقَهُ أبو زرعة، وغيره، وأخرج له الستة.
توفي سنة ثمان وتسعين .
الثاني: في ألفاظه :
* قوله: (لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ لِي حَيَاةً، مَا حَدَّثْتُكَ)، وفي رواية: (لَوْلاً
أَنِّي فِي المَوْتِ، لَمْ أُحَدِّثْكَ)) الإيماء إلى أن تأخيره وتركَ تبليغه هذا؛
لأجل أنه يعلم أن لا فائدة في التبليغ، بل يلحق بسببه مضرة، ولكن
لمَّا علم أنه على شيء من الهلاك، والتأخير بعد هذا من التضييع،
فبلَّغ؛ لئلا ينخرط في سلك الكاتمين.
٤٣٠

أو يكون تأخيره لأجل حصول القابلية في السامع، وهو ابن زياد،
فلما رأى أنه حصل له ذلك، وكان على شرف الموت، بلَّغه.
وفيه: رمز إلى أن ابن زياد ليس فيه قابلية قَبول هذا الحكم،
فالتبليغ إليه يكون ضائعاً، وأن معقلاً قبل هذه الحالة يخاف في تبليغ
هذا الحديث وتشهيره أن يذهب ابن زياد إلى أنه يريد الفتنة وإغراء
الناس عليه، ويصير ذلك سبب مضرة واصلة إليه، أمّا في هذه الحالة،
فما بقي له خوف، ولا مظنة - أيضاً -.
وبالجملة: ففي قوله هذا تعريض له، بأنك غير قابل بسماع هذا
الكلام، ولكن لما كان هذا الأمر في عهدتي، أردت تفريغ ذمتي.
وفيه: إشعار بأن الناس يعلمون - أيضاً - أشياء من النصائح،
ولكن يخافون من سطوتك، ويعلمون أن في الإظهار وُصُولَ المَضَرَّة
إليهم، وعدم حصول النفع لغيرهم، ويؤيّد هذا: ما جاء عن الحسن،
قال: قدم علينا عبيدالله بن زياد أميراً، أَمَّره علينا معاوية، فتقدم علينا
غلاماً سفيهاً يسفك الدماء سفكاً شديداً، وفينا عبدُالله بن معقل المزني
صاحبُ رسول الله وَّر، وكان من السبعة الذين بعثهم عمر بن الخطاب
يفقُّهون أهل البصرة، فدخل عليه ذات يوم، فقال له: انته عمَّا أراك
تصنع، فإن شرَّ الرِّعاء الحُطَمَةُ، فقال له: ما أنت وذاك؟ إنما أنت حُثالة
من حثالاتِ أصحابِ محمدٍ بَّ، قال: وهل كانت فيهم حثالة لا أمَّ
لك؟ بل كانوا أهلَ بيوتات وشرف، وإني سمعت رسول الله وَّ وهو
يقول: ((مَا مِنْ إِمَام وَلاَ وَالٍ بَاتَ لَيْلَةً سَوْدَاءَ غَاشَاً لِرَعِيَّتِهِ، إلاَّ حَرَّمَ اللهُ
٤٣١

عَلَيْهِ الجَنَّةَ))، ثم خرج من عنده حتى أتى المسجد، فجلس وجلسنا
إليه، ونحن نعرف في وجهه ما قد لقي منه، فقلت له: يغفر الله لك،
أمّا زياد، ما كنت تصنع بكلام هذا السفيه؟ فقال: إنه كان عندي علمٌ
خفيٌّ عن رسول الله بَّه، فأحببت أن لا أموت حتى أقول به على
رؤوس الناس علانية، ووددت أن داره وسعت أهل هذا المِصْر، فيسمعوا
مقالتي، ومقالته. رواه الطبراني.
* وقول ابن زياد: ((أَلَاَ كُنْتَ حَدَّثْتَنِي هَذَا قَبْلَ اليَوْمِ» فيه: إظهار
إطاعته لهذا القول، وإيماء إلى أنه قابل لسماع مثل هذا النصح، ولكن
يكذب في قوله ذلك، على ما تشهد أحواله بعد سماعه ذلك، وإنما
ينفع النصح لمن كان في قلبه نوع حياة، والظالم قلبُه ميت لا حياةً فيه،
فلا ينفع النصح، كما قال:
لَقَدْ أَسْمَعْتَ لَوْ نَادَیْتَ حَيّاً
وَلَكِنْ لاَ حَيَاةَ لِمَنْ تُنَادِي
الثالث: فيما يتعلق بالمعنى :
* قوله: (مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ الله) الحديث، في هذا التركيب من
الاستغراق ما ليس في قوله: (لاَ يَسْتَرْعِي اللهُ عَبْدا)، فلذا قدمه عليه،
وفيه من التعميم ما ليس في قوله: (يَلِي أَمْرَ المُسْلِمِينَ)، فلهذا أخّره،
وفي ذكر العبد إيماءٌ إلى أن مرتبة الولاية والحكومة بالنظر إلى كونها
مرتبة جليلة، ومنقبة شريفة يجب القيام بشكرها؛ فإن الله تعالى لما
جعله مالكاً على أمثاله من العبيد، وهو - أيضاً - عبدٌ مثلُهم يجب أن
يشكر تلك النعمة، ويقابلها بالمعدلة والنَّصفة والشفقة، لا بأضدادها
٤٣٢

من الظلم والتعدي والغش وغير ذلك.
* وفي قوله: (يَسْتَرْعِيهِ الله) إشعارٌ بأن إعطاء الله تعالى الولايةَ
له لأجل الاختبار، والغرض منها: رعاية من استُرْعِيَ، لا شيء آخر،
فالواجب على الراعي رعايةُ ما أُعطيَ رعايته، لا إتلافه واستهلاكه.
وفي تنكير (رَعِيَّةً) إيماءٌ إلى أن الاستيلاء على العدد القليل، بل على
الواحد، يجب القيام بشكره بقدره، ولا يتوقف هذا على أن تكون
الولاية عامة شاملة لأقاليم كثيرة؛ فإن الشكر بقدر النعمة.
وعن معقل بن يسار، مرفوعاً: ((مَنْ وَلِيَ أُمَّةً مِنْ أُمَّتِي، قَلَّتْ أَوْ
كَثُرَتْ، فَلَمْ يَعْدِلْ فِيهِمْ، كَبَّهُ اللهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ)) رواه الطبراني،
ويندرج فيه السيدُ بالنسبة إلى مملوكه وغيره، على ما سيجيء في قوله
- عليه السلام -: ((كُلُّكُمْ رَاعٍ ... )) الحديث.
* وقوله: (يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشُّ) فيه: بيان أن هذا الوعيد
لمن مات على ذلك من غير توبة، وفيه: نوعُ تسلية وتنبيه على وجوب
التوبة عن المعاصي، وفي تخصيص ذكر الغش دون الظلم إشعار بأن
الغش إذا كان وعيده ذلك، فما ظنك بما كان فوقه؟ وقيل: الغش عام
يتناول الظلم وغيره؛ لأنه خلاف النصح.
وقد علمت في قوله - عليه السلام -: ((الدِّينُ النَّصِيحَةُ)): أَنَّ هذه
كلمة جامعة لجميع ما يجب على المسلم من رعاية حقوق الله وحقوق
العباد، فالغش - أيضاً - يندرج تحت ترك رعاية جميع ذلك.
ومعنى حرمة دخول الجنة عليه، فقيل: محمول على المستحِلّ.
٤٣٣

تغليظ .
وقيل: تغ
وقيل : جزاؤه ذلك.
وقيل: لم يدخل مع الفائزين، ويدل عليه قوله في الحديث
الآخر: ((إِلا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الجَنَّةَ))؛ فإن المعيّة قد تكون في الزمان،
بل هو أكثر استعماله، وهذا ليس بتفسير لذلك؛ فإن المذكور في
الأوّل: الموتُ على صفة كونه غاشّاً لرعيته، وفي الثاني: أنه تارك
الاجتهاد وبذل الوسع في النصح، وليس فيه ذكر الموت على هذه
الصفة، ولا شك أن من ترك بذل طاقته في النصح، لا يلزم منه أن
يكون غاشّاً، ولهذا جاء الوعيد في الأوّل بقوله: ((حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ
الجَنَّةَ»، وفي الثاني بقوله: ((لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الجَنَّةَ».
الرابع: في الجمع بين الروايات :
والظاهر: أنّ إخبار معقل لابن زياد، وأنّ المذكور في الكتاب
حديثان، لا أنه حديث واحد، والاختلاف من الرواة لكثرة الاختلاف
وعدم الضرورة، فإن من دأب الملوك عيادةَ الأكابر مراتٍ متعددةً، وإن
معقلاً به لمَّا عاده ابن زياد المرة الأولى، ذكر الحديث؛ لأن الوعيد
فيه أكثر، ثم في المرة الثانية الثاني للتخفيف فيه، و- أيضاً -: الأوّل عام
يتناول لجميع الرعية من المؤمن والذمي، وفي الثاني خاص بالمسلمين.
والخامس: في شرح الأسماء المذكورة في هذه الأحاديث.
أما (عَنْبَسَةُ)، فهو أبو عثمان عنبسةُ بن أبي سفيان صخرِ بنِ حربٍ
ابنِ أميةَ الأموي، أخو معاوية بن أبي سفيان، أدرك النبيَّ - عليه السلام -.
٤٣٤

وشداد بن أوس.
وعنه عمرو بن أوس، وشَهْر بن حوشب، ومكحول، وغيرهم.
ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وأخرج له مسلم والأربعة.
وأمّا (عُبَيْدُاللهِ)، فهو ابْنُ زِيَادٍ بنِ سُمية الذي يقال له: زياد بن
أبيه، وهو الذي استلحقه معاوية بأبي سفيان، وقد مَرَّ في قوله: ((مَنِ
اذَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ)»، الحديث، بيانُ حال نسبته ما يغني عن إعادته.
وعبيدالله هذا هو الذي سَيَّر الجيش لقتل الحسين بن علي بن أبي
طالب، وهو يومئذ أمير الكوفة ليزيد بن معاوية، قتل بأرض الموصل
على يد إبراهيم بن مالك بن الأشتر النخعي، في أيام مختار بن أبي
عبيد، سنة ست وستين.
وأَمَّا (مَعْقِلٌ)، فهو أبو عبدالله، وقيل: أبو يسار، وقيل: أبو
علي، معقلُ بنُ يَسار بن مُعَبِّر - بضم الميم وفتح العين المهملة وكسر
الباء الموحّدة المشددة -، وقيل: بضم الميم وسكون العين وفتح الياء
المثناة التحتانية، بن حُرَاق - بضم الحاء المهملة وفتح الراء المهملة
وفي الآخر قاف -، وقيل: (حسان) بدل (حراق)، ابن لأبيٍّ بن كعب
ابن عبد ثور بن ھَدْمة بن لاطم بن عثمان بن عمرو بن طابخة بن إلیاس
ابن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، المزنيُّ، البصريُّ.
وكان عمرو بن أد تزوج مزينة بنت كلب بن وبرة، فيقال لأولاد
عثمان وأوس بن عمرو: بنو مزينة نسبة إلى أمهم.
وكان معقل من مشاهير الصحابة، شهد بيعة الرضوان، ونزل
٤٣٥

البصرة، وبها توفي في آخر خلافه معاوية، وقيل: توفي أيام يزيد.
روي له عن رسول الله بالخير أربعة وثلاثون حديثاً، اتفقا على
حديث، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بحديثين، وأخرج له الأربعة
- أيضاً -.
روى عنه عمرو (١) بن ميمون، وأبو عثمان النهدي، والحسن
البصري.
وكان لمعقل دار بالبصرة، وإليه ينسب نهرُ معقل الذي بالبصرة،
وكذا التمرُ المَعْقِلي الذي فيها.
*
(١) في الأصل: ((عروة)) بدل ((عمرو)) وهو خطأ.
٤٣٦

(٤٥)
باب
ما جاء في الأمانة ورفعها
[٦٦ - باب
رَفْعِ الأَمَانَةِ وَالإِيمَانِ مِنْ بَعْضِ القُلُوبِ
وَعَرْضِ الفِتَنِ عَلَى القُلُوبِ ]
٣٨٤ _ (١٤٣ / ٢٣٠) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو
مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ
الأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ وَ﴾
حَدِيثَيْنِ، قَدْ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا، وَأَنَا أَنْتُظِرُ الآخَرَ، حَدَّثَنَا: ((أَنَّ الأَمَانَةً
نَزَلَتْ فِي ◌َذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ نَزَلَ القُرْآنُ، فَعَلِمُوا مِنَ القُرْآنِ،
وَعَلِمُوا مِنَ السَُّّةِ». ثُمَّ حَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِ الأَمَانَةِ، قَالَ: (يَامُ الرَّجُلُ
النَّوْمَةَ، فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَظَلُّ أَنَرُهَا مِثْلَ الوَكْتِ، ثُمَّ يَامُ
النَّوْمَةَ، فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ المَجْلِ، كَجَمْرٍ
دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ، فَنَفِطَ، فَرَاهُ مُنْتَبِراً، وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ - ثُمَّ أَخَذَ
حَصَّى، فَدَحْرَجَهُ عَلَى رِجْلِهِ -، فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ، لاَ يَكَادُ
أَحَدٌ يُؤَدِّي الأَمَانَةَ حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ فِي يَتِي فُلاَنٍ رَجُلاً أَمِيناً. حَتَّى يُقَالَ
٤٣٧

لِلرَّجُلِ: مَا أَجْلَدَهُ مَا أَظْرَفَهُ مَا أَعْقَلَهُ! وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ
خَرْدَلٍ مِنْ إِمَانٍ». وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ، وَمَا أُبَالِي أَّكُمْ بَابَعْتُ، لَئِنْ
كَانَ مُسْلِماً، لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ دِينُهُ، وَلَئِنْ كَانَ نَصْرَانِيّاً أَوْ يَهُودِيّاً، لَيَرُدَّنَّهُ
عَلَيَّ سَاعِيهِ، وَأَمَّا الْيَوْمَ، فَمَا كُنْتُ لأُبَايِعَ مِنْكُمْ إِلاَّ فُلَاناً وَفُلاَناً.
٣٨٥ - وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَوَكِيعٌ ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ
ابْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ جَمِيعاً، عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا
الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
وخرج فيها سبعة أحاديث.
الحديث الأول: حديث حذيفة: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ وَ﴿ حَدِيثَيْنِ،
قَدْ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا، وَأَنَا أَنْتُظِرُ الآخَرَ، حَدَّثَنَا: ((أَنَّ الأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ
قُلُوبِ الرَّجَالِ، ثُمَّ نَزَلَ القُرْآنُ، فَعَلِمُوا مِنَ القُرْآنِ، وَعَلِّمُوا مِنَ السُّنَّةِ».
ثُمَّ حَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِ الأَمَانَةِ، قَالَ: ((يَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ، فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ
قَلْبِهِ، فَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ الوَكْتِ، ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ، فَتُقْبَضُ الأَمَانَّةُ مِنْ
قَلْبِهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ المَجْلِ؛ كَجَمْرٍ دَخْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ، فَتَقِطَ،
فَتَرَاهُ مُنْتَبِراً، وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ - ثُمَّ أَخَذَ حَصِى، فَدَحْرَجَهُ عَلَى رِجْلِهِ -،
فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ، لاَ يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الأَمَانَةَ حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ فِي
بَنِي فُلاَنٍ رَجُلاً أَمِيناً. حَتَّى يُقَالَ لِلرَّجُلِ: مَا أَجْلَدَهُ مَا أَظْرَفَهُ مَا أَعْقَلَهُ!
وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ)). وَلَقَدْ أَنَى عَلَيَّ زَمَانٌ،
وَمَا أُبَالِي أَيَّكُمْ بَايَعْتُ، لَئِنْ كَانَ مُسْلِماً، لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ دِينُهُ، وَلَئِنْ كَانَ
٤٣٨

نَصْرَانِيّاً أَوْ يَهُودِيّاً، لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ، وَأَمَّا الْيَوْمَ، فَمَا كُنْتُ لأُبَايِعَ مِنْكُمْ
إِلاَّ فُلاَناً وَفُلاَنَاً.
أخرجه البخاري في: (الرقاق)، و(الفتن)، و(الاعتصام)،
والترمذي، وابن ماجه في: (الفتن).
إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في مواضع :
الأول: في التعريف برواته سوى ما سلف.
(زَيْدٌ)، وهو أبو سليمانَ زَيْدُ بْنُ وَهْبِ الجهنيُّ، هاجر إلى النبي
- عليه السلام-، فقُبِض وزيدٌ في الطريق.
عن عمر، وعثمان، وجماعة.
وعنه الأعمش، وحصین، وخلق.
وَثَقَهُ القوم، وأخرج له الستة.
الثاني : في وجه الترتيب:
فمسلم - رحمه الله - لمَّا أورد الأحاديثَ الدالةَ علی بیان حال
الظلم والظالم والمظلوم، أراد أن يورد الأحاديث الدالة على كثرة
وقوع ذلك في آخر الزمان، وعلى أنّ الإيمان كما كان في الأوّل قليلاً،
فسيعود في الآخر - أيضاً - كذلك.
الثالث: في تفسير الأمانة:
الظاهر: أن المراد من الأمانة المذكورة في الحديث: كمالُ
الإيمان بأداء ما يجب على المكلف من الإقرار والتصديق، وسائر
٤٣٩

الأعمال على وجه الصحة والكمال، وعلى ذلك حَمَلَ أكثر أهل
التفسير الأمانة في قوله تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
وَالْجِبَالِ ﴾ [الأحزاب: ٧٢] الآية، قال ابن عباس: هي الفرائض التي
افترضها الله تعالى على [العباد].
وقال الحسن: هو الدين، والدين كله أمانة .
وقال أبو العالية: هي ما أُمروا به، وما نُهُوا عنه.
وقال مقاتل: هي الطاعة.
وبالجملة: أقوال أكثرهم دائرة على هذه المعاني، وقد جاء في
حديث أنس، قال: مَا خَطَبَنَا النَّبِيَّ ◌َ ل﴿ إِلَّ قَالَ: ((لاَ إِيمَانَ لِمَنْ لاَ أَمَانَةٌ
لَهُ، وَلاَ دِينَ لِمَنْ لاَ عَهْدَ لَهُ» رواه البزار، وأبو يعلى، والطبراني، وعن
ابن مسعود مثلُه.
وعن ابن مسعود، مرفوعاً: ((لاَ إِيمَانَ لِمَنْ لا أَمَانَةَ لَهُ، وَالَّذِي
نَفْسِي بِيَدِهِ! لا تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا)) رواه الطبراني، والغرض:
بيان أنّ الأمانة إذا كانت في قلب شخص، كانت أعماله على نهج
الاستقامة، وثمراتُها: الإتيانُ بالأوامر، والانزجار عن النواهي، فشبّه
الفوز الحاصل بسبب حصول الأمانة في القلب بالنور الموجود في
الشيء المُنَوِّرِ له، ولما كان بصدور شيء من القبائح يتغير حال ذلك
النور من حال الكمال إلى النقصان، ذكر أثرها بحسب ما يتغير من حال
إلی حال.
والرابع: في قوله: (حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ حَدِيثَيْنِ) المراد منهما:
٤٤٠