النص المفهرس
صفحات 361-380
التخصيص، [ ... ] معنى أطلقه الراوي فيه تردد، فتأمل. الثالث: في الاستدلال بالآية: يستدلُّ بعض من يُجَوِّزُ تكليفَ ما لا يُطاق بقوله: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَامَا لَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ،﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فإنه لولا الجواز، لَمَا صح طلبُ العفو منه . ويجاب: بأن المراد: ليس هو التكليف الشرعي، بل إنزال العقوبات التي نزلت على مَنْ قبلهم على تقصيرهم في المحافظة على التكاليف الشاقة، فيكون الدعاء في قوله: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا﴾ [البقرة: ٢٨٦] طلب الإعفاء مما كُلَفَت به الأمم السّالفة من الأمور الشاقة، مثل: وجوب القصاص بدون اختيار العفو والدِّيَةِ، وقطع موضع النجاسة من البدن والثوب، وفرض خمسين صلاة كل يوم، وتحريم المباحات بارتكاب المعاصي، إلى غير ذلك من الأعباء. وفي قوله: (ولا تُحَمِّلْنا) طلبُ الإعفاء عما نزل بهم من العقوبات على تفريطهم في المحافظة. واعْتُرِضَ بأنه إذا لم يكلفوا بالمشاق، واستجيب دعاؤهم، فلا فائدة في الدعاء الثاني؛ لأن نزول العقوبة على الترك إنما يكون بعد التكليف بالفعل. وأجيب: بأن إنزال العقوبة على مَنْ فعلها، ليس لأجل تفريطهم في المشاق الصعبة فقط، بل وفي غيرها - أيضاً-؛ مثل: الاصطياد يوم ٣٦١ السبت، ودخول الباب سُجَّداً، والقول حِطَّة، إلى غير ذلك، فكان في الأول طلب الإعفاء عن المشاق، وفي الثاني طلب الإعفاء عن إنزال العقوبة عليهم بتقصيرهم فيما كلفوا مطلقاً. وقد يقال: إن المراد بـ ﴿مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾: التكليف الشاق الذي يُشَبَّهُ بما لا يطاق. واعتُرض بأنه تكرير الأوّل، والحمل على الفائدة أولى. ويجاب: بأنه لبيان طلب الإعفاء، وأنّ هذه الأمور الشاقة التي كلفت بها الأمم السابقة، إنما طلبوا الإعفاء منها؛ لعلمهم بضعفهم، وبما جرى على الأمم المكلفة بها من قبلهم. وفي الآية مباحث كثيرة شريفة تركناها مخافةً الإطناب. ٣٤٥ - (١٢٦ / ٢٠٠) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لْأَبِي بَكْرٍ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَاَ، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا - وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ آدَمَ بْنِ سُلَيْمَانَ مَوْلَى خَالِدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىَ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، قَالَ: دَخَلَ قُلُوبَهُمْ مِنْهَا شَيْءٌ لَمْ يَدْخُلْ قُلُوبَهُمْ مِنْ شَيْءٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَسَلَّمْنَ)). قَالَ: فَأَلْقَى اللهُ الإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ٣٦٢ ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيَّهَا مَا أَكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِيِنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ, عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، ﴿وَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَئِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ. الحديث الثاني: حديث ابن عباس، قال: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَإِنْ تُبْدُواْ مَا فِىّ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اَللَّهُ ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، قَالَ: دَخَلَ قُلُوبَهُمْ مِنْهَا شَيْءٌ لَمْ يَدْخُلْ قُلُوبَهُمْ مِنْ شَيْءٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَهَ: ((قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَسَلَّمْنَا)). قَالَ: فَأَلْقَى اللهُ الإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيَّهَا مَا أَكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأَنَ﴾، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًّا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، ﴿وَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَاْ أَنْتَ مَوْلَنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ. أخرجه الترمذي في: (التفسير)، وقال: وفي الباب: عن أبي هريرة. وأقول: قد مر. إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في موضعين. الأول: في التعريف برواته سوى ما سلف. عَنْ (آدَمَ بْنِ سُلَيْمَانَ)، وهو كوفي يروي عن عطاء، ونافع، وجماعة. ٣٦٣ وعنه شعبة، والثوري، وإسرائيل، وطائفة. وَثَّقَهُ النسائي، وأخرج له مسلم، والترمذي. والثاني : وهو والد یحیی بن آدم مولی قریش. الثاني : في وجه الترتيب. إنما أخرج مسلم عن حديث أبي هريرة؛ لأنه مختصر منه، وفي ألفاظه تغييرٌ ما، فأورد الأكمل أوّلاً، ثم ما هو مختصر منه، كما يصرح في كثير من المواضع بعد ذكر حديث برواية أوسع وأتم: أن هذا مثله، ولكن الأول أتم وأكمل. [٦٠ - باب تَجَاوُزِ اللهِ عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ، وَالخَوَاطِرِ بِالقَلْبِ إِذَا لَمْ تَسْتَقِرَّ] ٣٤٦ - (١٢٧ / ٢٠١) - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ الغُبَرِيُّ - وَاللَّفْظُ لِسَعِيدٍ -، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُّو عَوَانَةَ، عَنْ قَنَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾: (إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لْأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا، أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ» . ٣٤٧ - (١٢٧ / ٢٠٢) - حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، ٣٦٤ قَالاَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حِ، وَحَذَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، وَعَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ حِ، وَحَدَّثَنَا ابْنُ المُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالاَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ كُلُّهُمْ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَنَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: ((إِنَّ الله ◌َّ تَجَاوَزَ لْأُمَتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ، أَوْ تَكَلَّمْ بِهِ». ٣٤٨ - وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، وَهِشَامٌ حِ، وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَاَ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ شَيْبَانَ جَمِيعاً، عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. الحديث الثالث: حديث أبي هريرة: ((إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ». إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في مواضع. الأول: في التعريف برواته سوى ما سلف. (سَعِيدُ بنُ منصور)، وهو أبو عثمان الخراساني، الحافظُ. عن مالك، والليث، وفليح، وخلائق. وعنه أحمد، وأبو ثور، وآخرون. وَثَّقَهُ القوم، وأثنوا عليه، وأخرج له الستة؛ مسلم وأبو داود بلا واسطة، والباقون بواسطة . توفي سنة سبع وعشرين ومئتين. ٣٦٥ و(زُرَارَةُ)، وهو أبو حاجب زُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى العامريُّ، البصريُّ. عن عمران بن حصين، والمغيرة بن شعبة، وجماعة. وعنه أيوب، وداود بن أبي هند، وخلائق. وَثَّقَهُ النسائي، وغيره، وأخرج له الستة. توفي سنة ثلاث وتسعين. وَ(عَبْدَةُ)، وهو أبو محمد عَبْدَةُ بنُ سُلَيْمَانَ الكلابيُّ، الكوفيُّ، وقيل: اسمه عبد الرحمن. عن هشام بن عروة، والأعمش، وعاصم الأحول، وجماعة. وعنه أحمد، وابن راهويه، وهنَّاد، وآخرون. وَثَّقَهُ أحمد، وغيره، وأثنوا عليه خيراً، وأخرج له الستة. توفي سنة سبع وثمانين ومئة. الثاني : فيما يتعلق بالمعنى : * قوله: ((أَنْفُسَهَا)) الرواية المشهورة: النصب، ويدل عليه قوله: ((إِنَّ أَحَدَنَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ))، وأيضاً ذلك منبئ عن الاختيار، وهو المطلوب بالعفو، ويروى بالرفع، ويستدل عليه بقوله تعالى: ﴿وَنَعْلَمُمَا تُوَسْوِسُ بِهِ، نَفْسُهُ﴾ [ق: ١٦]، ورُدَّ بأنه لاشك في علمه تعالى، وإنما المراد: أن المعفو هو الذي يحدث به الإنسان نفسه، ويصدر منه، فإذا كان هذا معفواً، فالذي يصدر عنه بغير اختياره أولى بالعفو. الثالث: في بيان المقصود: ٣٦٦ قد اختلف القوم في ذلك، فذهب(١) أكثرُ أهل الحديث، والمحققون من أهل الكلام إلى الفرق بين الهَمِّ والعزمِ، وقالوا: الهَمُّ: خطور الشيء بالبال، والعزمُ: توطين النفس به، والمعفوُّ هو الهَمُّ، فإن همَّ بمعصية، لم يكتب عليه شيء، وإذا عزم عليه، تكتب سيئة؛ لأن الإصرار عليه معصية، والمعفوُّ: الخطورُ، وهو غيره، فإذا عملها، كتبت معصية أخرى، فإن تركها خشيةً من الله، ومجاهدةً لنفسه الأمّارة بالسوء، وإذا تركها لا لخشية الله تعالى، بل خوف الناس، قيل: تكتب حسنة؛ لأن المقصود الترك، وقد وجد، و- أيضاً - قوله - عليه السلام -: ((فَإِذَا تَرَكَهَا، فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً)) يتناول ما إذا ترك لخوف الله، وخوف الناس، ورُدَّ بأنه مفسَّر في قوله - عليه السلام -: ((إِنَّمَا تَرَكها مِنْ جَرَّايَ)» - بفتح الجيم وتشديد الراء المهملة -؛ أي: من أجلي، يقال: فعلته من جَرَّاكَ؛ أي: من أجلك، ومن جَرَّائِكَ - بالمد من المعتل ـ بمعناه، فعلم أن الترك الذي تكتب لأجله الحسنة هو الذي لأجل الله تعالی. وفيه دليل: على أن الملائكة لا اطلاع لهم على إخلاص العبد، ويؤيده قوله - عليه السلام - لحذيفة، وقد سأله عن الإخلاص ما هو؟ فقال: ((قالَ اللهُ تَّى: ((هُوَ سِرٍّ مِنْ أَسْرَاري اسْتَوْدَعْتُهُ قَلْبَ مَنْ أَحْبَيْتُ مِنْ عِبَادِي». وقال جمع من الفقهاء والمحدثين: لا فرق بين الهَمِّ والعزمِ في (١) في الأصل: ((فقال)). ٣٦٧ هذا الباب، بل المعفو هو العزم؛ على ما نطقت به الأحاديث الصريحة، و- أيضاً - لا معنى لتخصيص هذه الأمة بها؛ فإن جميع الأمم مُعفون من الهَمّ بالمعنى الذي [ذكر]؛ لأنه لا قدرة للعبد على دفعه . و- أيضاً -: علق المؤاخذة بالتكلم والعمل، فَعُلِم أَنَّهُ بدون وجود واحد منهما معفوٌّ. و- أيضاً -: قال الله تعالى في قصة يوسف: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْبِهِ، وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف: ٢٤] الآية، مع أن الظاهر أن ھَمَّ زليخا يكون عزماً منها. وأجيب: بأن القول بكون جميع الأمم مُعفين، ممنوع، وعلى تقدير التسليم، فالحديث إخبار عن عفو الله تعالى لهذه الأمة عن الهَمّ والمؤاخذة بالعزم، لا أنه بيان لتخصيص هذه الأمة بهذا الحكم. و- أيضاً -: العمل موجود؛ لأنه أعم من عمل القلب والجوارح، وتوطين النفس من عمل القلب. و- أيضاً -: الظاهر من الأحاديث الصحاح تحريمُ الحسد والغِلِّ، واحتقار المسلمين، وغير ذلك من أعمال القلوب، وانعقد عليه الإجماع بحيث لا مساغ للتأويل، فوجب حملُ ما ورد في هذه على الهَمِ دون العزم؛ ليحصل التوفيق. وأما الآية المذكورة في شأن يوسف - عليه السلام - هو الهَمُّ، وهو معفوّ، وأما المذكور في شأن زليخا، فالظاهر من القصة أنه عزم، ولا دلالة في الآية على العفو عنها بدون التوبة والاستغفار، هذا إذا ٣٦٨ كانت تلك الشريعة مثل هذه الشريعة، وإن كان بينهما تخالف في بعض الأحكام، فلا إیراد أصلاً. وفي الآية وجوه أُخر مذكورة يحصل بكل واحد منها الجواب. هذا كلام الفريقين، ولهم مناقضات وحجج كثيرة، يطول الكلام بذکرها. والحق: أن عند تحرير محل النزاع يسهل أمر الخلاف، ويَهُون الخطب، بل يَقْرُبُ الأمر إلى الوفاق؛ إذ من الواضح وجود المؤاخذة على ما ذكر من أعمال القلب، وقد خصّ الله تعالى هذه الأمة بوضع الإصر والأغلال عنهم، وعدم المؤاخذة بالخطأ والنسيان وتَقَصُّد المعصية بدون العمل أو التكلم، والحملُ على أنّ المراد: الهَمُّ فقط، بعيدٌ جدّاً، وكذا على أن المراد: العزم المطلق، بل ينبغي أن يكون مراد القائل بأن المؤاخذ العزمُ دون الهمِّ هو الجزمُ على العمل؛ بحيث يصير ذلك من أعمال قلبه، ومراده بالهم ما وراء ذلك، ولاشك أن المكلف إذا جعل ما خطر على قلبه مجزوماً به؛ بحيث يُقدِم على فعله إذا وجد الفرصة، فإنه يكتب لا محالة، وبعد ذلك إذا زال منه ذلك العزم وتركه ونخَّاه عن صحيفة قلبه، كتبت له حسنة، لا أن يجعل مجرد انضمام القصد إلى الهمِّ ما يؤاخذ به، على ما فهم من ظاهر كلامه. ومراد القائل بأنه لا يؤاخذ بالعزم، هو: انضمامُ القصد إلى الهَمِّ فقط، لا استمراره عليه، حتى يصير من أعمال قلبه، فإنه لا شك أنه حينئذ يؤاخذ عليه، فظهر أن المؤاخذ هو الذي أصر صاحب الهم ٣٦٩ عليه، وجعله في باطنه أمراً مستقراً؛ حيث يُقدم عليه إذا وجد وقته، والمعفوُّ ما وراء ذلك، وهذا ظاهر، والواجب: حملُ كلام القوم عليه، وإن كان في تقرير بعضهم نوع مناقشة، ونبؤٍّ عن ذلك، فتأمل؛ فإنه دقیق. * * [٦١ - باب إِذَا هَمَّ العَبْدُ بِحَسَنَةٍ، كُتِبَتْ، وَإِذَا هَمَّ بِسَيْمَةٍ، لَمْ تُكْتَبْ] ٣٤٩ - (١٢٨ / ٢٠٣) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لأَبِي بَكْرٍ قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَاَ سُفْيَانُ، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا - ابْنُ عُبَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((قَالَ اللهُ عَلَقَ: إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِسَيْئَةٍ، فَلاَ تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ عَمِلَهَا، فَاكْتُبُوهَا سَيِّئَةً، وَإِذَا هَمَّ بِحَسَنَةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا، فَكْتُبُوهَا حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا، فَاكْتُوهَا عَشْراً). ٣٥٠ _ (١٢٨ / ٢٠٤) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ -، عَنِ العَلاَءِ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ﴿ِ، قَالَ: ((قَالَ اللهُ ◌ّ: إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِحَسَنَةٍ، وَلَمْ يَعْمَلْهَا، كَتَبُِّهَا لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا، كَتَبُهَا عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعٍ مِئَةٍ ضِعْفٍ، وَإِذَا هَمَّ بِسَيَّةٍ، وَلَمْ يَعْمَلْهَا، لَمْ ٣٧٠ أَكْتُبْهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ عَمِلَهَا، كَتَبْتُهَا سَيَّةً وَاحِدَةً» . ٣٥١ _ (١٢٩ / ٢٠٥) - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبَّو هُرَيْرَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِِّ: ((قَالَ اللهُ ◌َّ: إِذَا تَحَدَّثَ عَبْدِي بِأَنْ يَعْمَلَ حَسَنَّةً، فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ حَسَنَةً مَا لَمْ يَعْمَلْ، فَإِذَا عَمِلَهَا، فَأَنَا أَكْتُبُهَا بِعَشْرٍ أَمْثَلِهَا، وَإِذَا تَحَدَّثَ بِأَنْ يَعْمَلَ سَيْئَةً، فَأَنَا أَغْفِرُهَا لَهُ مَا لَمْ يَعْمَلْهَا، فَإِذَا عَمِلَهَا، فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ بِمِثْلِهَا)) . ٣٥٢ - وَقَالَ رَسُولُ اللهِهِ: ((قَالَتِ المَلاَئِكَةُ: رَبِّ! ذَاكَ عَبْدُكَ يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ سَيَّةً - وَهُوَ أَبْصَرُ بِهِ -، فَقَالَ: ارْقُبُوهُ، فَإِنْ عَمِلَهَا، فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِمِثْلِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا، فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً إِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَزَّاي». ٣٥٣ - وَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلاَمَهُ، فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ بِعَشْرٍ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِئَةٍ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ بِمِثْلِهَا حَتَّى يَلْقَى الله). ٣٥٤ - (١٣٠ / ٢٠٦) - وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَّيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِبرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً، وَمَنْ ٣٧١ هَمَّ بِحَسَنَةٍ، فَعَمِلَهَا، كُتِبَتْ لَهُ عَشْراً إِلَى سَبْعِ مئةٍ ضِعْفٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيَِّةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا، لَمْ تُكْتَبْ، وَإِنْ عَمِلَهَا، كُتِبَتْ)). الحديث الرابع: حديث أبي هريرة، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِّ: ((قَالَ اللهُ تَكْ: إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِسَيْئَةٍ، فَلاَ تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ عَمِلَهَا، فَاكْتُبُوهَا سَيْئَةً، وَإِذَا هَمَّ بِحَسَنَةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا، فَاكْتُبُوهَا حَسَنَةٌ، فَإِنْ عَمِلَهَا، فَاكْتُبُوهَا عَشْراً)). وفي رواية: ((إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِحَسَنَةٍ، وَلَمْ يَعْمَلْهَا، كَتَبْتُهَا لَهُ حَسَنَةٌ، فَإِنْ عَمِلَهَا، كَتَبُِّهَا عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْع مئةٍ ضِعْفٍ، وَإِذَا هَمَّ بِسَيَّةٍ، وَلَمْ يَعْمَلْهَا، لَمْ أَكْتُبْهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ عَمِلَهَا، كَبْتُهَا سَيَّةً وَاحِدَةً)). وفي رواية: ((إِذَا تَحَدَّثَ عَبْدِي بِأَنْ يَعْمَلَ حَسَنَّةٌ، فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ حَسَنَةً مَا لَمْ يَعْمَلْ، فَإِذَا عَمِلَهَا، فَأَنَا أَكْتُبُهَا بِعَشْرٍ أَمْثَالِهَا، وَإِذَا تَحَدَّثَ بِأَنْ يَعْمَلَ سَيَِّةً، فَأَنَا أَغْفِرُهَا لَهُ مَا لَمْ يَعْمَلْهَا، فَإِذَا عَمِلَهَا، فَأَنَ أَكْتُبُهَا لَهُ بِمِثْلِهَا» وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((قَالَتِ المَلاَئِكَةُ: رَبِّ! ذَاكَ عَبْدُكَ يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ سَيْئَةً - وَهُوَ أَبْصَرُ بِهِ -، فَقَالَ: ارْقُبُوهُ، فَإِنْ عَمِلَهَا، فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِمِثْلِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا، فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، إِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّايَ)). وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلاَمَهُ، فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْع مئةٍ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيَّةٍ يَعْمَلُهَا ٣٧٢ تُكْتَبُ بِمِثْلِهَا حَتَّى يَلْقَى الله)). وفي الحديث: دليل على أن الله تعالى من كمال فضله بعبده يكتب الحسنة بِهَمّ العبدِ الإتيانَ بها، ويكتب الأضعاف عند الإتيان بها، ولا يكتب بِهَمِّ السيئة شيئاً، وإنما تكتب واحدة عند الإتيان بها . ٣٥٥ _ (١٣١ / ٢٠٧) - حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنِ الجَعْدِ أَبِي عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءِ العُطَارُِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى -، قَالَ: (إِنَّ اللهَ كَتَبَ الحَسَنَاتِ وَالسَّيَِّتِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا، فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا اللهُ عَّ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعٍ مِئَةٍ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَإِنْ هَمَّ بِسَيَّةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا، فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا اللهُ سَيَّةً وَاحِدَةً» . ٣٥٦ _ (١٣١ / ٢٠٨) - وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَذَّثَنَاَ جَعْفَرُ ابْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ الجَعْدِ أَبِي عُثْمَانَ فِي هَذَا الإِسْنَادِ، بِمَعْنَى حَدِيثِ عَبْدِ الوَارِثِ. وَزَادَ: ((وَمَحَاهَا اللهُ، وَلاَ يَهْلِكُ عَلَى اللهِ إِلاَّ هَالِكٌ)). الحديث الخامس: حديث ابن عباس عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلَهُ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى -، قَالَ: ((إِنَّ اللهَ كَتَبَ الحَسَنَاتِ ٣٧٣ وَالسَّيِّئَاتِ، ثُمَّ بَيِّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا، فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا اللهُ ◌َتْ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِثَّةٍ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَإِنْ هَمَّ بِسَيَْةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا، فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا اللهُ سَيَّةً وَاحِدَةً» . وفي رواية بزيادة: ((وَلاَ يَهْلِكُ عَلَى اللهِ إِلاَّ هَالِكٌ)). أخرجه البخاري في (الرقاب)، والنسائي في (النعوت)، وهذا مثل الذي قبله، وقد سبق الكلام عليه. وأما كَتْبُهُ الحسنةَ إلى سبع مئة ضعف، فالجمهور على أن المراد: التكثير، لا التحديد، ونقل الماوردي عن البعض أن المراد: التحديد، وهو ضعيف؛ لما ورد في هذا الحديث في بعض الروايات بعد ذكر سَبْعِ مِئَّةٍ ضِعْفٍ: ((إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ». وجاء في كتاب ((الزهد)) لأبي بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل عن أبي هريرة: ((إن الله تعالى يعُطي بالحسنةِ ألفي ألفٍ حسنة)). وقالوا: في الحديث دليل على أن الحَفَظَة يكتبون أعمال القلوب - أيضاً-، كما يكتبون أعمال الجوارح. وفيه: إيطال لمن ذهب أنها لا تكتب إلا الأعمال الظاهرة. * وقوله: (وَلاَ يَهْلِكُ عَلَى اللهِ إِلَّ هَالِكٌ)؛ يعني: أن أبواب رحمته مفتوحة، وطرق مغفرته مسلوكة، وأنَّ من فَضْله أن لا يكتب السيئة حتى يعملها، وبعد العمل تكتب واحدة، ويكتب الحسنة قبله ٣٧٤ واحدة، وبعده إلى أضعاف لا نهاية لها. ومع هذا، فمن أصر على الذنوب، وفقد التوفيق، ولم ينل الفضل مع سعته، فهو هالك لا محالة، ليس وراءه هالك، فلا يهلك على الله تعالى، ولا يُحرم من فضله ورحمته إلا محتومٌ على الهلاك، مغلَقٌ عليه أبوابُ الفوز والفلاح. * [٦٢ - باب بَيَانِ الوَسْوَسَةِ فِي الإِيمَانِ، وَمَا يَقُولُهُ مَنْ وَجَدَهَا ] ٣٥٧ _ (١٣٢ / ٢٠٩) - حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ نَسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِّ ◌َ﴿، فَسَأَلُوهُ: إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، قَالَ: ((وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟)). قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: ((ذَاكَ صَرِيحُ الإِيمَانِ)). ٣٥٨ _ (١٣٣ / ٢١٠) - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو الجَوَّابِ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ رُزَيْقٍ كِلاَهُمَا، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَهِ بِهَذَا الحَدِيثِ. الحديث السادس: حديث أبي هريرة، قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِّ وَِّ، فَسَأَلُوهُ: إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ ٣٧٥ يَتَكَلَّمَ بِهِ، قَالَ: ((وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟)). قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: ((ذَاكَ صَرِيحُ الإِيمَانِ». أخرجه أبو داود في (الأدب). ٣٥٩ _ (١٣٣ / ٢١١) - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الصَّفَّارُ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عَثَّامٍ، عَنْ سُعَيْرِ بْنِ الخِمْسِ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ لَه عَنِ الوَسْوَسَةِ، قَالَ: ((تِلْكَ مَحْضُ الإِيمَانِ». الحديث السابع: حديث ابن مسعود، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ وَِّ عَنِ الوَسْوَسَةِ، قَالَ: ((تِلْكَ مَحْضُ الإِيمَانِ))، وهذا من أفراد مسلم. وفي الباب: عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: شَكَوْا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَحِ مَا يَجِدُونَ مِنَ الوَسْوَسَةِ، وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ لَنَجِدُ شَيْئاً لَوْ أَنَّ أَحَدَنَاَ خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ، كَانَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَِّ: ((ذَاكَ مَحْضُ الإِيمَانِ) رواه أحمد، وأبو يعلى. وعن أنس بن مالك: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! أَرَأَيْتَ أَحَدَنَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِالشَّيْءِ الَّذِي لأَنْ يَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَيَنْقَطِعَ، أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((تِلْكَ مَحْضُ الإِيمَانِ)) رواه أبو يعلى، ورجاله الصحيح. ٣٧٦ وعن عمارة بن أبي الحسن، عن عمه: أَنَّ النَّاسَ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِوَ﴿ عَنْ الوَسْوَسَةَ الَّتِي يَجِدُهَا أَحَدُهُم، لأَنْ يَسْقُطُ مِنَ الثُّرِيًّا أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ؟ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهُِّ: ((ذَلِكَ صَرِيحُ الإِيمَانِ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِي العَبْدَ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ، فَإِذَا عُصِمَ مِنْهُ، وَقَعَ فِيمَا هُنَالِكَ)) رواه البزار، ورجاله ثقات. وعن ابن عباس، قال: قال رجل للنبي - عليه السلام -: إِنِّي أَجِدُ فِي نَفْسِي الشَّيْءَ لأَنْ أَكُونَ حُمَمَةً، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَكَلِّمَ بِهِ، فَقَالَ: (ذَلِكَ صَرِيحُ الإِيمَانِ)). وعن معاذ بن جبل: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ! إِنَّهُ لَيَعْرِضُ فِي صَدْرِي(١) الشَّيْءُ، لأَنْ أَكُونَ حُمَمَةً، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَكَلَّمَ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((الحَمْدُ لِلَّهِ، إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِي هَذِهِ، وَلَكِنَّهُ قَدْ رَضِيَ بِالمُحَقَّرَاتِ مِنْ أَعْمَالِكُمْ) رواهما الطبراني. إذا عرفت هذا. * قوله: (وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟) هكذا الرواية في الأصول، وإما أن تكون الواو بدلاً من همزة الاستفهام؛ كما قيل في قوله تعالى: ﴿ قَالَ فِرْعَوْنُ ءَامَنتُم بِهِ﴾ الآية، في قراءة قنبل، أو تكون همزة الاستفهام محذوفة. (١) في الأصل: ((نفسي)). ٣٧٧ والضمير في (وَجَدْتُمُوهُ) للتعاظم الدال عليه قوله: (مَا يَتَعَاظَمُ)، ولما كان في هذا الحديث ذكرُ التعاظم، ذَكَّر اسمَ الإشارة، فقال: (ذَاكَ صَرِيحُ الإِيمَانِ)، ولما كان في الحديث الآخر الوسوسة مذكورة، فقال: (تِلْكَ) إشارة إليها، وكونُ وجدانِ هذا الأمر متعاظماً عندهم، صريحٌ في أن ذلك من صريح الإيمان؛ لأن هذا قبيح، والعلمُ بقبحه الموجب لاستعظامه إنما يكون من كمال الإيمان، واستعظامُهم ذلك الأمرَ صريحُ إيمانهم وخلاصتُه. ولما لم يكن الاستعظام مذكوراً في الرواية الثانية، قدَّره بعض الشارحين لدلالة الأولى عليه، وذكر النووي أنها مختصرة من الرواية الأولى، ولهذا قدَّمَها مسلم - رحمه الله -. وقال بعض المحققين: ذلك راجع إلى الوجدان الذي هو الوسوسة، ولا حاجة إلى تقييده بالاستعظام في الأولى وتقديره في الثانية، بل العلم بأن ذلك وسوسة يجب أن لا يعتقد ويجتهد في إزالته صريح الإيمان ومحضه، ولذلك صرح في الأحاديث الأُخر بأن المُلقي لهذا هو الشيطان، كما في حديث معاذ وغيره ٣٦٠ - (١٣٤ / ٢١٢) - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ - وَاللَّفْظُ لِهَارُونَ -، قَالاَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لاَ يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يُقَالَ هَذَا: خَلَقَ اللهُ الخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللهِ؟ فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ ٣٧٨ شَيْئاً، فَلْيَقُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ)) . ٣٦١ - (١٣٤ / ٢١٣) - وَحَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ، حَدَّثَنَا أَبَّو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا أَبَّوَ سَعِيدِ المُؤَدِّبُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بِهَذَا الإِسْنَادِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((بأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ، فَقُولُ: مَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ مَنْ خَلَقَ الأَرْضَ؟ فَيَقُولُ: اللهُ. ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِهِ، وَزَادَ: ((وَرُسُلِهِ). ٣٦٢ - (١٣٤ / ٢١٤) - حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ جَمِيعاً، عَنْ يَعْقُوبَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ، فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا وَكَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ لَهُ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ، فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ، وَلْيَتُهِ». ٣٦٣ - (١٣٤ / ٢١٤) - حَدَّثَنِي عَبْدُ المَلِكِ بْنُ شَعَيْبٍ بْنِ الَّيْثِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِيٍ، عَنْ جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((يَأْتِي العَبْدَ الشَّيْطَانُ، فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا وَكَذَا؟» مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ . ٣٦٤ - (١٣٥ / ٢١٥) - حَدَّثَنِي عَبْدُ الوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، ٣٧٩ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ، قَالَ: ((لاَ يَزَالُ النَّاسُ يَسْأَلُونَكُمْ عَنِ العِلْمِ حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا اللهُ خَلَقَنَا، فَمَنْ خَلَقَ الله؟)). قَالَ: وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ رَجُلٍ، فَقَالَ: صَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ، قَدْ سَأَلَنِي اثْتَانٍ، وَهَذَا الثَّالِثُ. أَوْ قَالَ: سَأَلَنِي وَاحِدٌ، وَهَذَا الثَّانِي. ٣٦٥ - وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَيَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ، قَالاً: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ -، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: ((لاَ يَزَالُ النَّاسُ)). بِمِثْلِ حَدِيثٍ عَبْدِ الوَارِثِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ النَّبِيَّ نَّهِ فِي الإِسْنَادِ، وَلَكِنْ قَدْ قَالَ فِي آخِرِ الحَدِيثِ: صَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ. ٣٦٦ - (١٣٥ / ٢١٥) - وَحَدَّثَنِي عَبْدُاللهِ بْنُ الرُّومِيِّ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ - وَهُوَ ابْنُ عَمَّارٍ -، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَّ: (لاَ يَزَالُونَ يَسْأَلُونَكَ يَا أَبَّا هُرَيْرَةَ حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا اللهُ، فَمَنْ خَلَقَ الله؟)). قَالَ: فَيْنَا أَنَا فِي المَسْجِدِ، إِذْ جَاءَتِي نَسٌ مِنَ الأَعْرَابِ، فَقَالُوا: يَا أَبَّا هُرَيْرَةَ! هَذَا اللهُ، فَمَنْ خَلَقَ اللهِ؟ قَالَ: فَأَخَذَ حَصَّى بِكَفَّهِ، فَرَمَاهُمْ، ثُمَّ قَالَ: قُومُوا، قُومُوا، صَدَقَ خَلِيلِي. الحديث الثامن: حديث أبي هريرة، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ٣٨٠