النص المفهرس

صفحات 341-360

قال حكيم: قُلْتُ: فَوَاللهِ! لاَ أَدَعُ شَيْئاً صَنَعْتُهُ فِي الجَاهِلِيَّةِ إِلاَّ
فَعَلْتُ فِي الإِسْلاَمِ مِثْلَهُ.
قال عروة: إنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ أَعْتَقَ فِي الجَاهِلِيَّةِ مِنَةَ رَقَبَةٍ،
وَحَمَلَ عَلَى مِئَةٍ بَعِيرٍ، ثُمَّ أَعْتَقَ فِي الإِسْلاَمِ مِثَةَ رَقَبَةٍ، وَحَمَلَ عَلَى مِثَّةٍ
بَعِيرٍ. أخرجه البخاري في مواضع.
إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في مواضع :
الأول: فيما يتعلق بالمعنی:
لمَّا أورد الأحاديثَ الدالة على أن المؤمن لا يؤاخذ بما عمل في
الجاهلية من القبائح، أورد الحديثَ الدالّ على أنه يُثاب على ما فعل
من الخيرات؛ فإن الإيمان لا يزيل أثرها؛ لأنها من جنسه في الخير
والحُسن، وإنما يزيل أثر ما يُضادُّه ويُنافيه.
واختلف العلماء في تأويله، فذهب المازَرُّ إلى أن الإجزاء على
ظاهره ينافي القواعد المقررة من أن الكافر لا يصح منه التقرب، فلا
يُثاب على طاعته، وإن كان يصدق عليه أنه مطيع في فعله ذلك؛ لأن
الإطاعة توجد بدون التقرب؛ فإنَّ نَظَرَ الكافرِ في الإيمان - أيضاً -
طاعة؛ لأنه موافقة الأمر، ولا معنى للطاعة إلا هذا، ومع ذلك
لا يكون متقرباً؛ لأن من شرط التقرب: أن يكون عارفاً بالمُتَقَرَّب
إليه، وهو في حين نظره لم يحصل له العلمُ بالله تعالى بعدُ.
فإذا ثبت أنه لا يُثاب على طاعته، فتأويل هذا الحديث: أن ذلك
٣٤١

دليلُ حسنٍ طبعك، ويحصل لك الانتفاع في الإسلام، أو فائدتها الثناء
الجميل عليك في الإسلام، أو بسبب ذلك يعمل في الإسلام مثلها،
فيزيد حسناتك؛ لصدور الأفعال الجميلة عنك طبعاً بسهولة .
أقول: ويؤيده حديث السائب بن أبي السائب: أَنَّهُ كَانَ يُشَارِكُ
النَّبِيَّ - عليه السلام - قَبْلَ الإِسْلامِ فِي التِّجَارَةِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الفَتْحِ،
أَتَاهُ، فَقَالَ: ((مَرْحَباً بِأَخِي وَشَرِيكِي، كَانَ لا يُدَارِي وَلا يُمَارِي، يَا
سَائِبُ! قَدْ كُنْتَ تَعْمَلُ أَعْمَالاَ فِي الجَاهِلِيَّةِ لا تُتُقَبَّلُ مِنْكَ، وَهِيَ اليَوْمَ
تُتُقَبَّلُ مِنْكَ))، وَكَانَ ذَا سَلَفٍ وَصِلَةٍ .
وفي رواية: ((يَا سَائِبُ! انْظُرْ أَخْلاَقَكَ الَّتِي كُنْتَ تَصْنَعُهَا فِي
الجَاهِلِيَّةِ، فَاجْعَلْهَا فِي الإِسْلاَمِ، أَقْرِ الضَّيْفَ، وَأَكْرِمِ الْيَتِيمَ، وَأَحْسِنْ
إِلَى جَارِكَ» رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، وروى الرواية الأولى
الطبراني، ورجاله ثقات.
وقال القاضي عياض: معناه: ببركة ما سبق لك من الخير
هداك الله إلى الإسلام، فإن من ظهر منه خیر في أول أمره، فهو دلیل
على سعادة آخرته، وحسن عاقبته. ويؤيده: حديث صَعْصَعَة بن
المجاشعي جَدّ الفرزدق الشاعر: أنه قال لرسول الله و لي بعد ما أسلم:
إِنِّي قَدْ أَحْبَيْتُ ثَلاثَ مِئَةٍ وَسِتِينَ مِنَ المَوْءُودَةِ، اشْتَرِئْتُ كُلَّ وَاحِدَةٍ
مِنْهُنَّ بناقَتَيْنِ عَشْرَاوَيْنِ وَجَمَّلٍ، فَهَلْ لِي فِي ذَلِكَ مِنْ أَجْرٍ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ
- عليه السلام -: ((لَكَ أَجْرُهُ إِذْ مَنَّ اللهُ عَلَيْكَ بِالإِسْلام)) رواه البزار،
والطبراني.
٣٤٢

وقال جمع من المحققين: إن الحديث على ظاهره صحيح، وإن
الكافر إذا أسلم، ومات على الإسلام، يُثاب على ما فعله من الخير في
حال الكفر، ولا يعاقب على ما فعله من الشر في تلك الحال،
واستدلوا بحديث أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله وَان: ((إِذَا
أَسْلَمَ المَرْءُ وَحَسُنَ إِسْلامُهُ، كَتَبَ اللهُ تَعَالَى لَهُ كُلَّ حَسَنَةٍ كَانَ زَلَفَهَا،
وَمَحَا عَنْهُ كُلَّ سَيَّةٍ كَانَ زَلَفَهَا، وَكَانَ عَمَلُهُ بَعْدُ الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا
إِلَى سَبْعٍ مِئَةٍ ضِعْف، وَالسَّةُ بِمِثْلِهَا إِلَى أَنْ يَتَجَاوَزَهُ اللهُ تَعَالَى)) ذكره
الدارقطني في ((غريب حديث مالك))، وأخرجه عنه من تسعة طرق،
وأخرج له البخاري بعضه في ((الصحيح)).
وقال ابن بطال: ولله تعالى أن يتفضل على عباده بما يشاء،
لا اعتراض لأحد علیه.
وأما قول الفقهاء: لا يصح من الكافر عبادة، ولو أسلم لم يعتدَّ
بها، فمرادهم: أنه لا اعتداد بها في أحكام الدنيا، حتى مثَّلُوا بالظُّهار
وكفارته، فإذا وجب على الكافر كفارةُ ظِهار، وكَفَّر، أجزأه ذلك،
وإذا أسلم، لم تجب عليه إعادتها .
واختلف أصحابُ الشافعي في الغُسْل؛ فإنه إذا أجنب، واغتسل
في الكفر، ثم أسلم، هل عليه إعادته، أم لا؟
وهذا الذي قاله المحققون هو الحق، وهو يؤكد ما ذكرنا في
حديث المؤاخذة والهدم، فتأمل.
٣٤٣

الثاني: في الترتيب بين الروايات:
وقد أسلفنا لك: أن كل رواية مشتملة على زيادة، فهي بمنزلة
حديث تام، وحقّه التأخير؛ لأن المقصود من الإيراد: بيان الزيادة،
وهي إنما يَحْسُنُ إيرادُها بعد ذكر المزيد عليه، ولهذا قدّم الأولى، ثم
أردفه بالثانية؛ لأن الزيادة التي فيها بيانية؛ فإن قوله: (مِنْ صَدَقَةٍ)، وما
عطف عليه، بيانٌ للأمور المذكورة.
والزيادة في الثالثة مستقلة، وهي قوله: (قُلْتُ: فَوَاللهِ ... ) إلى
آخره، فالثانية فيها زيادة من وجه دون وجه، والثالثة فيها زیادة من کل
وجه .
ولمَّا كان في سؤاله عن النبي - عليه السلام - مظنة أن يخطر ببال
السامع أنه أيُّ شيء فعله في الجاهلية حتى يُقْدِمَ على ذلك السؤال؟
بيَّن مسلم - رحمه الله - ذلك بالأثر المنقول عن عروة، بأنه أعتق في
الجاهلية مئة رقبة، وتصدق بمئة بعير .
والثالث: التعريف بـ (حكيم) هذا، وهو أبو خالد حكيمُ بنُ
حِزام - بالحاء المهملة والزاي المعجمة - ابن خُوَيلد بن أسد بن عبد
العزى بن قصي بن كلاب القرشيُّ، المكيُّ، أسلم يوم الفتح سنة ثمان
من الهجرة، وكان قد شهد بدراً مع المشركين، وكان إذا اجتهد في
يمينه، يقول: والذي نجاني أن أكون قتيلاً يوم بدر، عاش مئة وعشرين
سنة؛ ستين في الإسلام، وستين في الجاهلية، ولا يشاركه في هذا
٣٤٤

غيره، وقيل: حسان بن ثابت الأنصاري الشاعر يشاركه فيه، وقيل:
غيره - أيضاً -.
وقالوا: من جملة انفراده بصفةٍ: أنه ولد في جوف الكعبة،
فضعيف، وحكيمٌ ابن أختِّي] خديجة بنت خويلد أُمّ المؤمنين، وابنُ
عم الزبير بن العوام بن خُويلد حَواريِّ النبي - عليه السلام -، وهو من
أشراف قريش ووجوههم في الجاهلية والإسلام، أعطاه النبي - عليه
السلام - دار الندوة، فباعها لمعاوية بمئة ألف درهم، فقيل له: بعتَ
مكرمةَ قريش؟! فقال: ذهبت المكارمُ إلا التقوى، وتصدَّق بثمنها،
وحج في الإسلام ومعه مئة بَدَنَةَ، ووقف بمئة وَصيفٍ معهم أطواقُ
الفضة منقوش عليها: عتقاء الله تعالى، وأهدى ألفَ شاة، ومناقبُه
كثيرة.
روي له عن رسول الله ويلهم أربعون حديثاً، اتفقا على أربعة،
وأخرج له الأربعة.
روى عنه سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وموسى بن
طلحة، ومحمد بن سيرين، وغيرهم.
توفي بالمدينة سنة أربع وخمسين
٣٤٥

(٤١)
باب
بيان معرفة الظلم الذي يزيل الأمن
[٥٨ _ باب
صِدْقِ الإِيمَانِ وَإِخْلاَصِهِ ]
٣٤٢ - (١٢٤ / ١٩٧) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا
عَبْدُاللهِ بْنُ إِذْرِيسَ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيْعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ،
عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوَّأَ
إِيَمَنَهُم بِظُلْمٍ ﴾ [الأنعام: ٨٢]، شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ وََّ،
وَقَالُوا: أَيْنَا لاَ يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهَِّهِ: ((لَيْسَ هُوَ كَمَا تَظُنُّونَ،
إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لإِئْنِهِ: ﴿يَبُنَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَ الشِّرْكَ لَظُلْمُ
عَظِيمٌ﴾[لقمان: ١٣])).
٣٤٣ - (١٢٤ / ١٩٨) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ
خَشْرَمِ، قَالاَ: أَخْبَرَنَا عِيسَى - وَهُوَ ابْنُ يُونُسَ ح، وَحَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ
الحَارِثِ الثَّمِيمِيُّ: أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍحِ، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ: أَخْبَرَنَاَ
ابْنُ إِدْرِيسَ كُلُّهُمْ، عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الإِسْنَادِ، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: قَالَ
ابْنُ إِدْرِيسَ: حَدَّثَنِيهِ أَوَّلاً أَبِيٍ، عَنْ أَبَانَ بْنِ تَغْلِبَ، عَنِ الأَعْمَشِ،
٣٤٧

ثُمَّ سَمِعْتُهُ مِنْهُ.
فيه حديث ابن مسعود، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوَأْ
إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]، شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ وَّل،
وَقَالُوا: أَيَُّا لاَ يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لَيْسَ هُوَ كَمَا تَظُنُّونَ،
إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لإِئْنِهِ: ﴿يَبُنَّ لَا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَ الشِّرْكَ لَظُلْمُ
عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣])»، أخرجه البخاري، والترمذي.
وفي رواية: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((إِنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ، إِنَّمَا هُوَ
الشِّرْكُ، أَلَمْ تَسْمَعُوا قَوْلَ لُقْمَانَ لائِهِ [وَهُوَ يَعِظُهُ]: ﴿يَبُنَّ لَا تُشْرِكْ
بِاللَّهِ﴾ [لقمان: ١٣] الآية؟)).
وفي رواية: ((أَلَمْ تَسْمَعُوا قَوْلَ العَبْدِ الصَّالِحِ؟».
إذا عرفت هذا، فاعلم أن مسلماً - رحمه الله - لما ذكر الأحاديثَ
الدالة على أن الإيمان يهدم كلَّ ما كان قبله من السيئات(١)، أراد أن يبين
حكم صدور القبائح بعد الإيمان، فبدأ بما ينافيه، وهو الشرك؛ لأنه إذا
صدر - والعياذ بالله - عن شخص، يزيل الإيمان، فهو أقبح القبائح،
فأورد حديث ابن مسعود: أنه لَمَّا نَزَلَ قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ
يَلْبِسُواْ إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ تُهْتَدُونَ ﴾ [الأنعام: ٨٢]، شَقَّ ذَلِكَ
عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ وَِّ؛ لأنهم فهموا من الظلم ما يتبادر إلى الفَهْم
من وضع الشيء في غير موضعه، فبين لهم النبيُّ - عليه السلام - أن
المراد منه الشرك.
(١) في الأصل: ((المبرات))، وهو خطأ فاحش.
٣٤٨

وذكر البخاري هذا الحديث في: (الإيمان)، بدون قوله - عليه
السلام -: ((لَيْسَ هُوَ كَمَا تَظُنُّونَ))، بل ذكر أنه لما شق [عليهم ذلك]،
أنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].
وجاء في بعض طرقه: إِنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَّمْ
يَلْبِسُوْ إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ ﴾ [الأنعام: ٨٢]، شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َِِّ،
وَقَالُوا: أَيْنَا لَمْ يَلْبِسْ إِيمَانَهُ بِظُلْم؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّهُ لَيْسَ
بِذَاكَ، أَلاَ تَسْمَعُونَ إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ: ﴿إِنَ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾
[لقمان: ١٣]؟))، وهذه الرواية قريبة إلى لفظ الكتاب.
واعترض بأن المفهوم من الرواية الأولى في ((البخاري)): أن قوله
تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: ١٣] إنما نزلت في هذه
القصة، والمفهوم من الثانية، ومما في الكتاب: أنها منزلة قبل ذلك؛
حیث ذَگّرهم النبي ألژ قوله ذلك.
وأجيب: بأنه لما نزلت: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوا﴾ الآية، حصل
لهم من ذلك المشقة المذكورة، وجاؤوا إلى النبي - عليه السلام -،
وذكروا ما دخل قلوبهم من ذلك، فأعلمهم النبي - عليه السلام - بأن
الله تعالى أنزل آية أخرى دالةً على أن المراد منه: الشرك، فليس بين
الروايتين تخالف، بل إحداهما تبين الأخرى.
ثم اللَّبْس في اللغة: الخَلْط، يقال: لَبَسْتُ الأمر بغيره - بفتح
الموحدة في الماضي، وكسرها في المستقبل - لَبْساً: إذا خلطته.
ولَبِسْتُ الثوب - بكسر الموحدة في الماضي، وفتحها في المستقبل -
٣٤٩

لُبْسَاً، ولِبَاسَاً: إذا اشتملت به.
واختلف القوم في لَيْس الإيمان بالظلم، فروي عن أُبيّ بن
كعب، وابن مسعود: أن الظلم: الشرك. واللَّبس: إزالته بإيراد بدلٍ
موضعَه، وقيل: إنه جميع المعاصي، ويستدل بما رواه عبد بن حُميد
عن إبراهيم التيمي: أن رجلاً سأل عنها رسولَ الله پر حتى جاء رجل
وأسلم، فلم يلبث إلا قليلاً حتى استُشهد، فقال - عليه السلام -: ((هذا
من الذين آمنوا ولم يَلْبِسوا إيمانهم بظلم)) .
ورُدَّ بأن هذا لا يدل على أن المراد من الظلم جميع أنواع
المعاصي؛ لأنه كما يصدق على ذلك الرجل أنه لم يصدر عنه جميع
المعاصي بعد الدخول في الإيمان، كذلك يصدق عليه أنه لا يصدر منه
الكفر، فمن أين علم أن المراد منه الأوّل؟!
وقيل: هذا الحكم خاصّة لإبراهيم - عليه السلام -، وهو تخصيص
بلا مخصِّص؛ إذ موردُ النصّ ليس بمخصص - على ما عرف -.
وقيل: إنها فيمن هاجر إلى المدينة، وهو مثل الذي قبله.
وذكر المازري: أن في الحديث: جوازَ تأخير البيان إلى وقت
الحاجة، وردّه القاضي، وقال: ليس فيه تكليف عمل، بل تكليف
اعتقاد، وهو لازم حاصلٌ حين وروده، فليس فيه شيء يحتاج إلى
البيان، لكن لمَّا أشفقوا، بيَّن لهم المراد، وإنما فهم الصحابة العمومَ
من الظلم، وأنه يتناول الجميع؛ من وقوع النكرة في سياق النفي.
٣٥٠

وقال القاضي عياض: بل حملوه على أشهر معانيه، وهو وضعُ
ـوُ
أمرٍ في غير موضعه، وإن كان يستعمل في معان أخر من الكفر وغيره،
كما أن الكفر في لسان الشرع يستعمل - غالباً - على ضد الإيمان، وإن
كان يستعمل في غيره؛ من جحد النعمة والحقوق وسترها.
وأما (لقمان) المذكور، فهو لقمان بن باعوراء ابن أخت أيوب
النبي - عليه السلام -، أو ابن خاله، وقيل: كان في زمن داود - عليه
السلام -، وأخذ العلم عنه، وقيل: كان قاضياً في بني إسرائيل،
وقيل: كان عبداً أسود من سودان مصر، وقيل: كان من أولاد آزر،
وعاش ألف سنة، وأدرك داود، وأخذ منه العلم.
وعن ابن عباس: لقمان لم يكن نبياً، ولا ملكاً، وعليه الأكثر.
وقال عكرمة، والشعبي: كان نبياً، وقيل: خُيِّرَ بين النُّبُوة والحكمة،
فاختار الحكمة.
وعن مجاهد: كان عبداً أسود غليظ الشفتين، مشقق القدمين،
وقيل: نجاراً، وقيل: راعياً.
وعنه: أنه قال لرجل ينظر إليه: إن كنت تراني أسود، فقلبي
أبيض.
وروي: أن رجلاً قال له: ألستَ الذي ترعى معي في مكان كذا؟
قال: بلى، قال: ما بلغ بك ما أرى؟ قال: صدقُ الحديث، والصمتُ
عما لا يعنيني.
٣٥١

وروي: أنه دخل على داود وهو يَسْرُدُ الدرع، وقد لَيَّنَ الله له
الحديد كالطين، فأراد أن يسأله، فأدركته الحكمة، فسكت، فلما
أتمها، لبسها، وقال: نِعْمَ لَبوسُ الحرب أَنْتِ، فقال: الصمت
حكمة، وقليلٌ فاعلُه، فقال له داود: بحقِّ ما سُمِّيتَ حكيماً.
وعن سعيد بن المسيب: أنه قال لأسود: لا تحزن؛ فإنه كان من
خير الناس ثلاثة من السودان: بلال، ومِهْجع مولى عمر، ولقمان.
وكان اسم ابنه الذي يعظه: أنعم، وقال الكلبي: أشكم، وقيل:
كان ابنه وامرأته كافرين، فما زال بهما حتى أسلما.
٣٥٢

(٤٢)
باب
بيان عفو الله تعالى [عن]
حديث النفس، وبيان حكم الوسوسة
[٥٩ _باب
قَوْلِهِ تَعَالَى :
﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىَّ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]]
٣٤٤ - (١٢٥ / ١٩٩) - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالِ الضَّرِيرُ، وَأَمَيَّةُ
ابْنُ بِسْطَامَ العَيْشِيُّ - وَاللَّفْظُ لِأُمَيَّةَ -، قَالاَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَبِعٍ،
حَدَّثَنَا رَوْحٌ - وَهُوَ ابْنُ القَاسِمِ -، عَنِ العَلاَءِ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِّي
هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِى
اُلْأَرْضِّ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىّ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِ اللَّهٌ فَيَغْفِرُ لِمَن
يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، قَالَ:
فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ لِهِ، فَأَتَوْا رَسُولَ اللهِِّ، ثُمَّ
بَرَكُوا عَلَى الرُّكَبِ، فَقَالُوا: أَيْ رَسُولَ الهِ! كُلِّفْنَا مِنَ الأَعْمَالِ مَا
نُطِيقُ: الصَّلاَةُ وَالصِّيَامُ وَالجِهَادُ وَالصَّدَقَةُ، وَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْكَ هَذِهِ
الآيَةُ، وَلاَ نُطِيقُهَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ
أَهْلُ الكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا؟ بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا
٣٥٣

غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ)). قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبََّ
وَإِلَيْكَ المَصِيرُ. فَلَمَّ اقْتَرَأَهَا القَوْمُ، ذَلَّتْ بِهَا أَلْسِنَتُهُمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ فِي
إِثْرِهَا: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَّ كُلُّ ءَامَنَ بِاللّهِ
وَمَكَبِكَئِهِ، وَكُهِ، وَرُسُلِهِ- لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ، وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَاً
غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ، نَسَخَهَا
و
اللهُ تَعَالَى، فَأَنْزَلَ اللهُ لَّ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاْ لَهَا مَا كَسَبَتْ
وَعَلَيَّهَا مَا أَكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأَنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]،
قَالَ: نَعَمْ، ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن
قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قَالَ: نَعَمْ، ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا
پهِ»
﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قَالَ: نَعَمْ ﴿وَأَعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَاْ أَنْتَ مَوْلَكْنَا
فَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قَالَ: نَعَمْ.
لمَّا أورد مسلم على أن الظلم الذي يؤاخذ به صاحبهُ هو الشرك،
أراد أن يورد الأحاديث الدالة على أن ما وراءه من أعمال القلب معفوّ،
وأن المؤاخذة بعد العمل بها، فأخرج تسعة أحاديث.
الحديث الأوّل: حديث أبي هريرة: لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِّهِ:
﴿لِلّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيّ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ
يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اَللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
قَدِيُ ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، قَالَ: فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ مَّ﴾،
فَأَتَوْا رَسُولَ اللهِّهِ، ثُمَّ بَرَكُوا عَلَى الرُّكَبِ، فَقَالُوا: أَيْ رَسُولَ اللهِ! كُلَفْنَا
٣٥٤

مِنَ الأَعْمَالِ مَا نُطِيقُ: الصَّلاَةُ وَالصِّيَامُ وَالجِهَادُ وَالصَّدَقَةُ، وَقَدْ أُنْزِلَتْ
عَلَيْكَ هَذِهِ الآيَةُ، وَلاَ نُطِقُهَا، قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: ((أَتْرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا
قَالَ أَهْلُ الكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا؟ بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَاً
غُفْرَانَكَ رَّنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ)». قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ
المَصِيرُ. فَلَمَّا اقْتَرَأَهَا الْقَوْمُ، ذَلَّتْ بِهَا أَلْسِتَتُهُمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ وَكَ فِي إِثْرِهَا:
﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَّ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَبِكَتِهِ، وَكُهِ،
وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ، وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَاً غُفْرَانَكَ رَبَّنَا
وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ، نَسَخَهَا اللهُ تَعَالَى، فَأَنْزَلَ
اللهُ ◌َُّ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاً لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيَّهَا مَا أَكْتَسَبَتْ رَبَّنَا
لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن ◌َّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَ﴾، قَالَ: نَعَمْ، ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ
إِصْرًّا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قَالَ: نَعَمْ، ﴿رَبَّنَا وَلَا
تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَابِهِ،﴾، قَالَ: نَعَمْ، ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَا أَنْتَ
مَوْلَنَا فَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قَالَ: نَعَمْ. وهذا
الحدیث من أفراده.
إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في مواضع :
الأول: في التعريف برواته سوى ما سلف.
(مُحَمَّدُ بنُ مِنْهَالٍ)، وهو أبو عبدالله مُحَمَّدُ بنُ مِنْهَالِ الضريرُ،
البصريُّ الحافظُ.
عن أبي عوانة، ويزيد بن زريع، وجعفر بن سليمان، وخلائق.
وعنه الدارمي، وأبو يعلى، وجماعة.
٣٥٥

وَثَّقَهُ قوم، وأخرج له الشيخان، وأبو داود، والنسائي.
وقال أبو حاتم: هو أحبّ إليَّ من أمية بن بسطام.
توفي سنة إحدى وثلاثین ومئتين .
الثاني فيما يتعلق بالمعنى :
: قوله: (شق ذلك على الصحابة، وقالوا: لا نطيقها) قال
المازري: اعتقدوا أنهم يؤاخذون بما لا قدرة لهم على دفعه من الخواطر
التي لا تكتسب؛ لأن قوله: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىّ أَنفُسِكُمْ أَوْ
تُخْفُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] عامٌ يشمل ما يملك من الخواطر، وما لا يملك،
قال: فلو حملنا على هذا المعنى، لا يكون نسخاً؛ لأن الآية الثانية
تخصيص لها، اللهم إلا أن يقال: إن الصحابة لمَّا فهموا بقرينة الحال أن
فيها التکلیف بما لا يملك، فیکون نسخاً؛ لأنه رفع ثابت مستقر.
وقال القاضي عياض: لا معنى لإنكاره النسخَ في هذه القضية؛
لأن الراوي قد روى النسخَ، ونصّ عليه لفظاً ومعنّى، وذكر: أنه لما
شق عليهم ذلك، أمرهم النبي - عليه السلام - بالانقياد والإيمان به
سمعاً وطاعة، ونهاهم عما [كان] يفعله من كان قبلهم من العصيان،
فلما فعلوا ذلك، وألقى الله تعالى الإيمانَ به في قلوبهم، واطمأنت به
نفوسهم، وذلَّت به ألسنتهم، رفع الله عنهم الحرج، ونسخ هذا
التكليف. وطريقُ معرفة النسخ إنما هو الخبر بأن هذا منسوخ، وهذا
ناسخه، أو مخالفة الحكم مع العلم بالتاريخ، وهما مجتمعان في
هذه الآية.
٣٥٦

والحق ما قاله المازري من أن المفهوم من الآية العمومُ ظاهراً،
والقائل بالنسخ لابد له من القول بأن المفهوم ما يملك من الخواطر
بالقرائن الحالِيَّة، أو القالِيَّة، إن لم يجعل الآية الثانية مخصِّصَة لها كما
ذهب إليه جمع من المحققين؛ إذ مفهومه العموم، وهذه قد خصّصتها
إن قال بالتخصيص على ما يراه الجمع الآخر منهم.
وقول القاضي عياض: النسخ إنما يُعرف بالخبر، أو التاريخ،
وهما مجتمعان في الآية على ما نطق به الحديث - ممنوع؛ إذ ليس
فيه إلا أنّ الراوي قال: قد نسخها الله تعالى بالآية، كما قال أبو هريرة
في هذا الحديث.
وعن ابن عمر، قال: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ
يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهٌ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
قَدِيرٌ ﴾ [البقرة: ٢٨٤] ((إِنَّهَا قَدْ نُسِخَتْ))، وفي رواية: «نَسَخَتْهَا الْآيَةُ الَّتِي
بَعْدَهَا»، أخرجه البخاري.
وعن الشُّدِّي، قال: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ عَلِيًَّ يَقُولُ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ
الآيَةُ: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىّ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ
يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٨٤٣] الآيَةَ، أَحْزَنْتَّنَا، قَالَ: قُلْنَا:
يُحَدِّثُ أَحَدُنَا نَفْسَهُ، فَيُحَاسَبُ بِهِ، لاَ نَذْرِي مَا يُغْفَرُ مِنْهُ، وَلاَ مَا لاَ
يُغْفَرُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ التي بَعْدَهَا، فَنَسَخَتْهَا: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَهُ نَفْسًا إِلَّا
وُسْعَهَأْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيَّهَا مَا أَكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، أخرجه الترمذي.
وهذا كله قول الرواة من الصحابة بالنسخ نقل عن النبي - عليه
٣٥٧

السلام -، وقد تقرر في موضعه: أن قول الراوي بالنسخ لا يكون حجة
يثبت به النسخ ما لم يُنقل عن النبي - عليه السلام -، وعليه المحققون.
نعم، ذهب قوم إلى أنه بقوله يثبت النسخ، ولكن الجمهور على
الأوّل، فلا يصح بناء الاعتراض على قول هؤلاء على المسألة، وكذا
اعتراضه على المازري بأن قوله: إنما يصار إلى النسخ إذا تعذر
الجمع، إنما يصح فيما لا نص فيه، وهاهنا قد ثبت النص - أيضاً - غيرُ
وارد؛ إذ لا نسلم ثبوت النصّ على النسخ، وقول الراوي: نسخ كذا
بكذا ليس بنصّ - على ما مَرَّ-، كيف وقد اختلف أهل التفسير في كون
الآية منسوخة أم لا؟ والمحققون منهم على أنها محكّمة غير منسوخة،
ولو كان النص بنسخها ثابتاً، لم يكن فيه مجال الاختلاف.
وعن علي بن زيد عن أُمِّهِ: أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِ اللهِ وَّ:
﴿وَإِن تُبُدُواْ مَا فِيَّ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]،
وَعَنْ قَوْلِهِ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوْءًا يُجْزَ بِهِ،﴾ [النساء: ١٢٣]، فَقَالَتْ: مَا سَأَلَنِى
عَنْهَا أَحَدٌ مُنْذُ سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِهِ، فَقَالَ: ((هَذِهِ مُعَاتَبَةُ اللهِ العَبْدَ فِيمَا
يُصِيبُّهُ مِنَ الحُمَّى وَالنَّكْبَةِ، حَتَّى البِضَاعَةُ يَضَعُهَا فِي كُمِّ قَمِيصِهِ،
فَيَفْقِدُهَا، فَيَفْزَعُ لَهَا، حَتَّى إِنَّ العَبْدَ لَيَخْرُجُ مِنْ ذُنُوبِهِ كَمَا يَخْرُجُ التِّبْرُ
الأَحْمَرُ مِنَ الكِيرِ)) أخرجه الترمذي، وحَسَّنه.
وقد استدل على امتناع النسخ في هذه الآية؛ بأنها خبر، ولا نسخ
فيه .
٣٥٨

ويجاب: بأنها خبر عن وقوع التكليف بشيء، ثم نسخه، ومثله
كثير .
وقد يقال: بأن المراد بالنسخ هنا: إزالةُ ما دخل قلوبهم من
المشقة، حتى اطمأنت بذلك نفوسهم.
وقال القاضي عياض: إن هذا غير ما أشار إليه الإمام - يعني:
المازري -، يعني: أن ما أشار إليه المازري هو أنهم فهموا من الآية
الأولى التكليف بما لا يملكون من الخواطر، ففزعوا من ذلك، فنزلت
الآية الثانية، وبينت أن المراد: ما يملك، ومعنى قول هذا القائل:
إنهم ما فهموا التكليف بما لا يطيقون من الآية الأولى، بل لما نزلت،
أشفقوا من التكليف به، فنزلت الآية الثانية، وأزالت الإشفاق الذي
حصل لهم.
والحاصل: أن مبنى تأويل المازري على أنهم اعتقدوا التكليف
بما ليس في وسعهم؛ نظراً إلى عموم لفظة (ما) في قوله: ﴿وَإِنِ تُبْدُوا
مَا فِىَ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] الآية، ومبنى تأويل هذا
القائل: أنهم ما فهموا التكليف بما لا يطيقون، بل أشفقوا منه.
ثم الظاهر من قول الصحابة حيث قالوا: ((كُلُّفْنَا مِنَ الأَعْمَالِ مَا
نُطِيقُ: الصَّلاَةُ وَالصِّيَامُ وَالجِهَادُ وَالصَّدَقَةُ، وَقَدْ أَنْزِلَتْ عَلَيْكَ هَذِهِ
الآيَّةُ، وَلاَ نُطِيقُهَا)): أنهم فهموا التكليف، لا أنهم أشفقوا من التكليف
به، ولهذا ذهب الإمام المازري إليه.
وقال القرطبي: لاشك أنهم فهموا العموم من لفظة (ما)،
٣٥٩

وفهموا أنهم مكلَّفون بكل ذلك، وقد أقرهم النبي - عليه السلام - على
ما فهموا، وأرشدهم إلى الانقياد والتضرع والابتهال، وأمرهم بالطاعة
والتسليم، فسلَّم القوم لذلك، وأذعنوا، ووَطَّنوا أنفسهم على أنهم
كُلفوا في الآية بما لا يطيقونه، وعملوا بمقتضى ذلك العموم، ثم رُفع
عنهم، فذلك الرفعُ نسخٌ لا تخصيص، فقول الصحابي: إنه نسخ،
كلامٌ حقٌ جارٍ على حقيقته، لا أنه بمعنى التخصيص، ولا أنه لا يعرف
الفرق بينه وبين النسخ، ومن ادعى أن الصحابة لا يعرفون الفرق
بينهما، إن كان مراده: أنهم لا يصرحون به، فحق، وكذلك أكثر
المسائل الأصولية؛ فإنهم يعرفون الكل، ولم ينصُّوا على شيء حتى
دوّنوا ذلك من بعدهم.
وإن أراد: أنهم لا يعرفون الفرق، فذلك بفعل ونسبة عدم معرفة
ما هو من المبادىء الظاهرة، مع أن أذهانهم ثاقبة، وأفهامهم
مستقيمة، وهم أئمة الهدى، وبهم في كل علم يُقتدى.
هذا كلامه، وحاصله: أنه قائل بالعموم، ويدعي أن رفع الحكم
عن بعض ما تناوله نسخ لا تخصيص، فعلى هذا لو قال الشارع: اقتلوا
الكفار، ثم قال: لا تقتلوا أهل الذمة، يكون ذلك نسخاً لا تخصيصاً،
ولا يخفى عليك أن اصطلاح القوم على خلاف هذا.
وأما قوله في معرفة الصدر الأول بالقواعد، فلا شك فيه، ومن
قال بعدم معرفتهم، فقد سها سهواً بيِّناً، والمراد بذلك هو: أنهم
يطلقون النسخ على معانٍ، لا أنهم لا يعرفون الفرق بينه وبين
٣٦٠