النص المفهرس

صفحات 281-300

مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! إِنَّ الشَّمْلَةَ لَتَلْتَهِبُ عَلَيْهِ نَراً، أَخَذَهَا مِنَ الغَنَائِمِ يَوْمَ خَيْرَ
لَمْ تُصِبْهَا المَقَاسِمُ». قَالَ: فَفَزِعَ النَّاسُ، فَجَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ أَوْ
شِرَاكَيْنِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَصَبْتُ يَوْمَ خَيْرَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ:
((شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ، أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ)).
الحديث الثاني: حديث أبي هريرة: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ◌َهِ إِلَى
خَيْبَرَ، فَفَتَحَ اللهُ عَلَيْنَا، فَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَباً وَلاَ وَرِقاً، غَنِمْنَا المَتَاعَ وَالطَّعَامَ
وَالثِّبَ، ثُمَّ انْطَلَقْنَا إِلَى الوَادِي، وَمَعَ رَسُولِ اللهِنَّهِ عَبْدٌ لَهُ وَهَبَهُ لَهُ
رَجُلٌ مِنْ ◌ُذَامٍ يُدْعَى: رِفَاعَةَ بْنَ زَيْدٍ، مِنْ يَنِي الصُّبَيْبِ، فَلَمَّا نَزَلْنَا
الوَادِي، قَامَ عَبْدُ رَسُولِ اللهِ وَهِ يَحُلُّ رَحْلَهُ، فَرُمِيَ بِسَهْمٍ، فَكَانَ فِيهِ
حَتْفُهُ، فَقُلْنَا: هَنِيْئاً لَهُ الشَّهَادَةُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((كَلاً،
وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! إِنَّ الشَّمْلَةَ لَتَلْتَهِبُ عَلَيْهِ نَاراً، أَخَذَهَا مِنَ
الغَنَائِمِ يَوْمَ خَيْرَ لَمْ تُصِبْهَا المَقَاسِمُ)). قَالَ: فَفَزِعَ النَّاسُ، فَجَاءَ رَجُلٌ
بِشِرَاكٍ أَوْ شِرَاكَيْنٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَصَبْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ. فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ﴿: ((شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ، أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارِ» .
أخرجه البخاري، وأبو داود، والنسائي.
إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في موضعين :
الأول: فيما يتعلق بألفاظه، الرواية في الأصول: (خَيْبَرَ)،
وحكى القاضي عياض عن [بعض] الرواة (حُنَيْنِ) - بالحاء والنون في
آخره-، والصّوابُ الأوّل.
٢٨١

* وقوله: (فَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَباً وَلاَ وَرِقاً) يحتمل أن يراد بذكر ذلك:
أن انحصار المغلول في هذه الواقعة على الشملة والشراك ونحوهما؛
لأجل أنّ الغنائم من هذه الأجناس، وليس فيها الذهب والورق،
فيكون تعريضاً بخساسة فعل الغالِّ بأنه يطمع في الشيء القليل الذي
ينبغي أن لا يلتفت إليه الإنسان، ولا یؤبه [له].
ويحتمل أن يراد: تمهيد عذر للذي غلَّ بأنه ما خطر بباله أنه
شيء يطلب منه، ويحاسب عليه، لأنه ليس من جنس النقدين والأشياء
النفيسة .
وفيه: بيان أن النبي ﴿ أورد الوعيد الشديد في هذا الباب في
سَرِية ليس فيها من الغنائم إلا شيءٌ يسيرٌ؛ للإشعار بأن استحقاق
العقاب بسبب الغلول نفسه؛ سواء كان له قدر وقيمة، أو لا .
* وقوله: (وَمَعَ رَسُولِ اللهِنَّهِ عَبْدٌ لَهُ) قيل: اسمه مِدْعَم - بكسر
الميم وسكون الدال وفتح الدال المهملين -، كذا جاء مصرحاً في
((الموطأ)) في هذا الحديث بعينه، وكذا في ((سنن أبي داود)) وذكر
القاضي عياض: أن البخاري أورد في مثل هذا الحديث أن اسمه
کرکرة - بفتح الكافین وتکریر الراء المهملة -.
وأقول: هو في ((البخاري)) من حديث عبدالله بن عمرو بن
العاص، قال: كَانَ عَلَى ثَقَلِ النَّبِيِّ بَهَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: كَرْكَرَةُ، فَمَاتَ،
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهُ: ((هُوَ فِي النَّارِ))، فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَوَجَدُوا
عَبَاءَةً قَدْ غَلَّهَا، وليس في هذا الحديث أن الرجل عبدُ النبي ◌ََّ،
٢٨٢

ولا أنه قتل بوادي القرى بسهم غائر.
* وقوله: (وَهَبَهُ لَهُ رَجُلٌ مِنْ جُذَامٍ) ليس فيه دليل على أن هذا
الشخص من عُمَّال النبي ◌َّ، أو أنه كافر حتى يَرِدَ عليه بأن النبي ◌َّل
نهى عن قبول هدايا الولاة، وردّ هدية بعض الكفار، ولا حاجة إلى
الاعتذار بأنه من خواصه، وسيجيء الكلام عليه في موضعه - إن شاء
الله تعالى -.
* وقوله: (رمي بسهم عائر)، أي: الذي لا يُدرى من رماه،
وكذا الحجارة العائرة .
والحتف - بالحاء المهملة والتاء ثم فاء -. الهلاك، والجمعُ:
الحتوف، وفي المثل: المَرْءُ يَسْعَى ويَطُوفُ، وعَاقِبَتُهُ الخُتُوفُ.
والثاني : فيما يتعلق بالمعنى :
لما كان غلام النبي - عليه السلام -، وقد قتل بلا سبب يقتضي
نقص مرتبته، وقد خاطبوا النبي - عليه السلام - عند شهادتهم على
شهادته، زاد النبي - عليه السلام - في الزجر عليهم، فأكد كلمة الردع
بالقسم، ونكّر النارَ، وذكر التهابها بالشملة التي أخذها من الغنائم من
غير أن تقع تلك الشملة في نصيبه .
وقيل: إنه - عليه السلام - لم يصرح بأن المقتول من أهل النار،
بل ذكر التهاب النار على الشملة، لا على صاحبها، فيكون بيان أن
صاحبها يستحق العذاب، ولكن بتركه كونه من خدام حضرة الرسالة
خفف الله تعالى عذابه.
٢٨٣

ولا يخفى على المتأمل قوة الوجه الأوّل، وشدة مناسبته للمقام.
وبالجملة: لما سمع الناس الوعيد الشديد، علموا أن القليل من
الغلول موجبُ العقاب، کما یکون الكثير منه موجباً له، فبادر كل
رجل بما عنده، فأظهره من شراك وشراكين وغيرهما، وبيَّن النبيُّ
- عليه السلام - أنه شراك من النار، يعني: يكون سبباً للعذاب بالنار،
ويحتمل أن يجعل الله تعالى عذاب الذي غلَّ من جنس ما غلَّ، كما
قيل في قوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ ﴾ [البقرة: ٢٤]: إن الكفار
في الدنيا لمَّا عبدوا الأصنام المنحوتة من الحجارة، على زعم أنها
شفعاؤهم عند الله تعالى، جعل الله تعالى عذابهم من جنسها، زيادة في
تعذيبهم، ونهاية في الإيلام، وكما في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا
فِي نَارٍ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ٣٥] الآية.
وقبول النبي ◌َّير الشيء الذي يكون مخفياً، والاكتفاء بأنه موجب
لدخول النار لولا أظهره صاحبه، دليلٌ على أن من غلَّ شيئاً من المغنم،
يجب عليه ردُّه، وأنه إذا ردّه، قُبِلَ منه، ولا يُحرق متاعُه، وكذا إذا لم
يرده؛ لأنه - عليه السلام - ما أحرق متاعَ صاحب الشراك الذي ردّه،
فصاحب الشملة الذي لم يردها، وما ورد من قوله: ((مَنْ غَلَّ، فَأَحْرِقُوا
مَتَاعَهُ، وَاضْرِبُوهُ)) ضعَّفَهُ ابن عبد البر، وحَمَله الطحاوي على كونه
منسوخاً، وسيجيء الكلام عليه في موضعين - إن شاء الله تعالى -.
٢٨٤

[٥١ - باب
الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ قَاتِلَ نَفْسِهِ لاَ يَكْفُرُ]
٣٢٦ - (١١٦ / ١٨٤) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ
ابْنُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعاً، عَنْ سُلَيْمَانَ - قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ
حَرْبٍ -، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ حَجَّاجِ الصَّوَّافِ، عَنْ أَبِيِ الزُّبَيْرِ،
عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ الُفَيْلَ بْنَ عَمْرٍو الدَّوْسِيَّ أَتَى النَّبِيَّ وَِّ، فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللهِ! هَلْ لَكَ فِي حِصْنٍ خَصِينٍ وَمَنَعَةٍ؟ - قَالَ: حِصْنٌ كَانَ
لِدَوْسٍ فِي الجَاهِلِيَّةِ -، فَأَبَى ذَلِكَ النَّبِيُّ نَّهِ؛ لِلَّذِي ذَخَرَ اللهُ
لِلأَنْصَارِ، فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ :﴿ إِلَى المَدِينَةِ، هَاجَرَ إِلَيْهِ الُفَيْلُ
ابْنُ عَمْرٍو، وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَاجْتَوَوُا المَدِينَةَ، فَمَرِضَ،
فَجَزِعَ، فَأَخَذَ مَشَاقِصَ لَهُ، فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ، فَشَخَبَتْ يَدَاهُ
حَتَى مَاتَ، فَرَآهُ الطَّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي مَنَامِهِ، فَرَآهُ وَهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ،
وَرَآهُ مُغَطِّياً يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي بِهِجْرِي
إِلَى نَبِّهِ وَ﴿ِ، فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكَ مُغَطّاً يَدَيْكَ؟ قَالَ: قِيلَ لِي: لَنْ
تُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ، فَقَصَّهَا الطُّفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ: ((اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ)).
الحديث الثالث: حديث جابر: أَنَّ الطُّفَيْلَ بْنَ عَمْرِو الدَّوْسِيَّ أَتَى
النَّبِيَّ وَِّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! هَلْ لَكَ فِي حِصْنِ حَصِينٍ وَمَنَعَةٍ؟
٢٨٥

- قَالَ: حِصْنٌ كَانَ لِدَوْس فِيِ الجَاهِلِيَّةِ - فَأَبَى ذَلِكَ النَّبِيُّ ◌َِّ؛ لِلَّذِي
ذَخَرَ اللهُ لِلأَنْصَارِ، فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِلَى المَدِينَةِ، هَاجَرَ إِلَيْهِ الطَّفَيْلُ
ابْنُ عَمْرٍو، وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَاجْتَوَوُا المَدِينَةَ، فَمَرِضَ،
فَجَزِعَ، فَأَخَذَ مَشَاقِصَ لَهُ، فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ، فَشَخَبَتْ يَدَاهُ
حَتَّى مَاتَ، فَرَآهُ الطَّفَيْلُ بْنُ عَمْرِو فِي مَنَامِهِ، فَرَآهُ وَهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ، وَرَآهُ
مُغَطّاً يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي بِهِجْرَتِي
إِلَى نَبِّهِ بِّهِ، فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكَ مُغَطِّياً يَدَيْكَ؟ قَالَ: قِيلَ لِي: لَنْ
نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ، فَقَصَّهَا الُفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَهِ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ)) .
إذا عرفت هذا، فالكلام - هاهنا - في مواضع:
الأول: في التعريف برواته سوى ما سلف.
(حَجَّاجٌ)، وهو أبو الصّلت حجاجُ بن أبي عثمان الصّواف،
الكنديُّ مولاهم، البصريُّ.
عن الحسن، ومعاوية بن قرة، ويحيى بن أبي كثير، وجماعة.
وعنه هُشيم، ويحيى القطان، والحمادان، وخلائق.
وَثَّقَهُ أحمد، وابن معين، وأخرج له الستة.
توفي سنة ثلاث وأربعين ومئة.
والثاني: فيما يتعلق بألفاظه:
* (قَالَ)؛ أي: جابر، يعني: لمَّا قال الطفيل للنبي - عليه السلام -
٢٨٦

قبل الهجرة: ((هَلْ لَكَ فِي حِصْنٍ حَصِینٍ؟)) رغبة، بيَّن الراوي - وهو
جابر -: أنّ الحصن الحصين الذي ذكره الطفيل هو حصن كان لدوس
في الجاهلية .
وأمّا المَنَعَةُ، فروي بفتح النون وسكونها، والفتح أشهر،
والمراد: العز والامتناع ممن يريده، وقيل: جمع مانع؛ كظَلَمَة؛ أي:
جماعة يمنعونك ممن يقصدك بمكروه. والغرض: إظهار القوة، وأن
حصنه حصن قويٌّ، وأصحابه جماعة أشداء على الأعداء، فأبى النبي -
عليه السلام - التوجه إليه؛ لأن الله تعالى قد أعد هذه الفضيلة - وهي
نصرة الدِّين، وكون القائم بها من أنصار الله تعالى - للأنصار من أهل
المدينة، فتوقف النبي - عليه السلام - من التوجه إلى أن جاء الأنصار،
وتوجه إلى المدينة، وهاجر الطفيل - أيضاً -، وهاجر معه رجل من
قومه.
· وقوله: (فَاجْتَوَوُا المَدِينَةَ) الرواية بضم الواو الثانية؛ لرجوع
الضمير إلى الطفيل والرجل ومن كان من قومه، أو: أجرى التثنية
مجری الجمع .
والاجتواء: كراهة المقام، يقال: اجْتَوَيْنا أرضَكُم؛ أي: لم
يوافقنا غدائها.
وفي ((الصحاح)) اجتويتُ البلَد: كرهت المقام فيه وإن كنت في
نعمة، وجويت نفسي : إذا لم يوافقك البلد.
٢٨٧

وقيل: مأخوذ من الجوى، وهو داء في البطن لا يُستمرأ فيه
الطعام.
وفي إيراد الاحتواء بلفظ الجمع، وما بعده من قوله: (فَمَرِضَ،
فَجَزِعَ، فَأَخَذَ) بلفظ الواحد، إيماءٌ إلى أنّ الاجتواء حصل لهم جميعاً
بسبب تغيّر هواء المدينة بالنسبة إلى بلدهم، ولكن الباقي صبروا على
ذلك، [و]لم يبلغ اجتواؤهم حدَّ المرض، وإنما مرض واحد منهم
بفعل ما فعل.
وادعى القرطبي أن قوله: (فَاجْتَوَى) - أيضاً - على التوحيد
كسائر الألفاظ، وأنه رواية عبد الغافر، ولكن الواقع في الأصول،
والمشهور من الرواية على الجمع ۔۔ کما قلنا -.
* وقوله: (فَأَخَذَ مَشَاقِصَ) - بفتح الميم والشين المعجمة وكسر
القاف ثم صاد مهملة -: جمع مِشْقَصٌ - بكسر الميم وفتح القاف -،
وهو سهم فيه نصل عريض، وقيل: سهم نصله طويل بلا عرض،
وقال الدراوردي: السكين.
والبَرَاجِمُ - بفتح الباء الموحدة وكسر الجيم -: جمع بُرْجُمُة،
وهي مفاصل الأصابع.
* وقوله: (فَشَخَبَتْ يَدَاهُ) - بفتح الشين والخاء المعجمتین -؛
أي: سال دمها.
وقال ابن دريد: كل شيء سال، فهو شُخب - بضم الشين
٢٨٨

وفتحها -، وهو مأخوذ من الصريح من اللبن، وكأنه الدفعة منه، ومنه
المثل: شُخْبٌ في الإناء، وشُخْبٌ في الأرض، يقال للذي يصيب
مرة، ويخطىءُ أخرى، تشبيهاً له بالحالب الذي يفعل ذلك.
والثالث : فيما يتعلق بالمعنی:
والغرض: بيان أن الرجل الذي هاجر مع الطفيل لمَّا مرض في
المدينة، وعاف الإقامة، عَمَد إلى سهم عريض النصل، فقطع بها
مفاصل يديه، فسال الدم منها، فمات من ذلك، فرآه الطفيل في المنام
في زِيِّ حسنٍ، مغطّى اليدين، فسأل عن حاله، فأخبر بأن الله تعالى
غفر له بسبب الهجرة إلى النبي - عليه السلام -، وسأل عن تغطية
يديه، فقال: قيل لي: لن نصلح لك ما أفسدت، فبقيت مقطوعة على
ما كانت، فقصَّ الطفيل رؤياه على النبي ◌َّر، ودعا النبي - عليه السلام
- له (١) بالمغفرة ليديه. وقدَّم ذكرهما؛ للاهتمام، وأدخل الواو العاطفة
عليهما إيماءً إلى مقدَّر، وهو أنه كما غَفَرْتَ لجَسَدِهُ، فاغفر ليديه -
أيضاً-، وفيه: استجلاب المغفرة، وحسن الطلب.
والظاهر: أن هذا الرجل أدركته بركة دعوة النبي - عليه السلام -،
فغفر ليديه، وكمل له ما بقي من المغفرة.
وكلمة (لَنْ)، وإن كانت تستعمل في التأبيد، فهنا محمولة على
أنها مستعملة في التأبيد إلى الغاية، يعني: لن نصلح منك ما أفسدتَ
(١) في الأصل: ((عليه)).
٢٨٩

ما لم يدعُ النبي - عليه السلام - لك.
وفي الحديث: دليل على أن المغفرة قد لا تتناول محل الجناية،
فيحصل منه توزيع العقاب على المُعاقَب.
وربما يستدل به على أن القاتل نفسَه ليس بكافر، ولا يجب أن
يدخل النار، فيكون الوارد في الأحاديث السابقة التغليظ، أو يُؤول
على إثبات العقوبة بالمعصية، رداً للمُوجبة بعدم ضرر المعاصي مع
الإيمان.
واعتُرض بأنه نوم، ولا عبرة له في غير النبي ◌َّهر.
ويجاب: بأنه بتصديق النبي - عليه السلام - صار مثل نومه في
كونه واقعاً، والحق أن المسألتين ثبتتا بدلائل واضحة، وهذا الحديث
يصلح مؤكداً - أيضاً -.
والرابع: التعريف بالرجال الواردة هنا سوى الرواة.
(رفاعة)، وهو ابن يزيد بن وهب الجذامي الضُّبَيْبِيُّ، وفد على
النبي - عليه السلام - في عشر من قومه، فأسلم، وأرسله النبي - عليه
السلام - إلى قومه بكتابه، فأسلموا في هدنة الحديبية، والضّبَيْبِيُّ -
بضم الضاد المعجمة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء التحتانية
وآخرها باء موحدة -، منسوب إلى بني الضُّبَيْب، هكذا قاله بعض
أصحاب الحديث، وذكر أهل النسب: الضَّبَيْني - بفتح الضاد المعجمة
وفتح الباء الموحدة وسكون الياء ثم نون -، منسوب إلى بني ضَبِينَةَ،
٢٩٠

وهم من جذام، وهو في الأصل لقبُ عمرٍو بنِ عديٍّ بنِ الحارث بن
مرة بن أدد بن يشجب بن يعرب(١) بن قحطان.
وقيل: هو جذام بن أسد بن جديمة بن مدركة [بن] إلياس بن
مضر، ثم صار اسم قبيلة مشهورة.
فقول مسلم - رحمه الله -: من بني ضُبيب رُدَّ بهذا القول،
وإعمال الأوّل، وكذا أورده(٢).
وأمّا (الطفيل)، فهو ابن عمرو بن طَرِيف - بفتح الطاء المهملة
وكسر الراء - بن العاص بن ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم بن دوس
الدوسي، أسلم، وصدَّقَ النبيَّ - عليه السلام - بمكة، ثم رجع إلى
قومه، فلم يزل بها حتى هاجر النبي - عليه السلام -، ثم قدم عليه وهو
بخيبر بمن تبعه من قومه، فلم يزل مقيماً عنده إلى أن قُبض النبي
- عليه السلام -، وقيل: [قتل] باليمامة شهيداً، وقيل: قتل عام
اليرموك في خلافة عمر څ.
روى عنه جابر بن عبدالله، وأبو هريرة، وعِدَادُه في أهل
الحجاز، والله أعلم.
(١) في الأصل: ((معدي)) بدل ((يعرب)).
(٢) كذا في الأصل.
٢٩١

(٣٧)
بيان الريح التي تقبض أرواح المؤمنين،
والحث على المبادرة بالعمل
[٥٢ - باب
فِي الرِّيحِ الَّتِي تَكُونُ قُرْبَ القِيَامَةِ
تَقْبِضُ مَنْ فِي قَلْبِهِ شَيْءٌ مِنَ الإِيمَانِ ]
٣٢٧ - (١١٧ / ١٨٥) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا
عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَأَبُو عَلْقَمَةَ الفَرْوِيُّ، قَالاَ: حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ
سُلَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلْمَانَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللهَ يَبْعَثُ رِيحاً مِنَ الْيَمَنِ أَلْيَنَ مِنَ الحَرِيرِ، فَلاَ
تَدَعُ أَحَداً فِي قَلْبِهِ - قَالَ أَبُو عَلْقَمَةَ: مِثْقَالُ حَبَّةٍ، وَقَالَ عَبْدُ العَزِيزِ:
مِثْقَالُ ذَرَّةٍ - مِنْ إِيمَانٍ إِلاَّ قَبَضَتْهُ».
أخرج فيه حدیثین :
الحديث الأوّل: حديث أبي هريرة: ((إِنَّ اللهَ ثَنْ يَبْعَثُ رِيحاً مِنَ
اليَمَنِ أَلَّيَنَ مِنَ الحَرِيرِ، فَلاَ تَدَعُ أَحَداً فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ»، وفي
رواية: ((مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ إِلاَّ قَبَضَتْهُ)). وهذا من أفراد مسلم.
٢٩٣

والكلام عليه في مواضع.
الأوّل: في التعريف برواته سوى ما سلف.
(أبو علقمة): هو عبدالله بن محمد بن عبدالله بنِ أبي فروة
الأُموي، مولاهم، العدويُّ.
عن سعيد المقبري، ونافع، وجماعة.
وعنه القَعْنَبِيُّ، وابن راهويه، وخلق.
وَثَّقَهُ ابن معين، والنسائي، وأخرج له مسلم، وأبو داود،
والنسائي، والبخاري تعليقاً.
وقال أبو حاتم: ليس به بأس .
توفي سنة تسعين ومئة.
و(عبدالله)، وهو ابن سلمان الأغر المدنيُّ.
عن أبيه.
وعنه صفوان بن سليم، وعبدالله بن عثمان بن خُثَيم .
ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وأخرج له مسلم.
وأبوه، وهو سلمان الأغر المدنيُّ مولى جهينة.
عن أبي هريرة في الكتب كلّها، وعن أبي الدرداء، وعمار،
وجماعة.
وعنه الزهري، وبُكير بن الأشج، وبنوه: عبدالله، وعبيدالله،
وعبيد، وخلائق.
٢٩٤

وَثَقَهُ القوم، وأخرج له الستة .
قال عبد الغني: سلمان هذا يقال له: أبو عبدالله، وأبو عبيدالله
المدني، وأبو عبدالله الأصبهاني، ومسلم المدني، وهو غير الأغر أبي
مسلم الذي يروي عنه أهل الكوفة؛ لأن صاحب الترجمة اسمه
سلمان، ولقبه الأغر، وأبو مسلم الأغَرّ، فتدبر؛ فإن كثيراً من الناس
وقع لهم الالتباس.
الثاني : فيما يتعلق بالمعنى :
لما أورد الأحاديث الدالة على أن العبرة بالخاتمة، أراد أن يورد
الأحاديث الدالة على فساد الأحوال، وظهور الموانع من الاشتغال
بالأعمال الصالحة في آخر الزمان، فالواجب على المؤمن في زمان
الفرصة أن يغتنم التوفيق، ويُقبل على العمل بجوامع همته، ويجتهد
في تحصيل ما يُزْلِفُهُ إلى الزُّلْفَى، ولا يحصل له مع ذلك الاتكال عليه،
بل عليه أن يرى نفسه مقصراً في جميع حالاته، عاجزاً في كل أوقاته،
منتظراً نزول الموت عليه ساعة فساعة، مترصداً حدوث الفتن
والموانع لمحة فلمحة، وأن يتيقن أن كل يوم، بل كل ساعة تمضي من
عمره ليس لها بدل، وهو بذهابه يقرُب إلى الأجل، يجب عليه مفلتات
الأمل، وأن يُظهر بذهاب الصالحين وحدوثِ الفتن والأهوال الحزنَ
والملالة؛ لأنها علامات زمان الشدة، وأمارات زوال وقت المواعد؛
إذ ببركة(١) أهل الصلاح ينتظم حال المتشبثين بأذيالهم، ويرجى قبول
(١) في الأصل: ((بركة).
٢٩٥

بضائع مزجاتهم، فإذا درجوا، وبقي في الزمان أقوام يتهارجون تهارُجَ
الحُمر، فلاشك في قرب الساعة وقيام القيامة.
وما ورد في حديث ابن عمر: أن الريح من جانب الشام، فقد
ذهب البعض إلى أنه رِيحان من جانبين، والبعض إلى أنها واحدة،
وتكون بحسب المبدأ من أحد الإقليمين، وبالنهاية من الآخر .
وعن عياش بن أبي ربيعة، قال: سمعت رسول الله وَّه يقول:
(تَخْرُجُ رِيحٌ بَيْنَ يَدَىِ السَّاعَةِ يُقْبَضُ فِيهَا رُوحُ كُلِّ مُؤْمٍِ)) أخرجه
أحمد، والبزار، ورجاله ثقات، وليس فيه ذكر أن الريح من أيِّ إقليم،
وسیجيء الكلام علیه مفصلاً ۔ إن شاء الله تعالى - في موضعه.
الثالث: في الاستدلال به: وربما يستدل بقوله: (مِثْقَالُ حَبَّةٍ)،
أو (ذَرَّةٍ) على أن الإيمان يزيد وينقص، ويجاب؛ بأن المراد التقليل،
لا التحديد، أو المراد بالإيمان: الأعمال، أو دخولها فيه، إلى غير
ذلك من التأويلات. كذا قيل، وفي الكلِّ نظر على ما لا يخفى.
والحق: أن الأعمال لو كانت داخلة في الإيمان، كما هو مذهب
البعض، فلاشك في أنه يزيد وينقص، وإن لم تكن داخلة، فكذلك
تزيد وتنقص؛ إذ بتظاهر الأدلة يتقوَّى التصديق، ويزيد اطمئنان
القلب، ولاشك أن إیمان الأنبياء - صلوات الله علیھم أجمعین - لیس
كإيمان آحاد الأمة.
وفي قول مسلم - رحمه الله -: (قَالَ أَبُو عَلْقَمَةَ: مِثْقَالُ حَبَّةٍ،
وَقَالَ عَبْدُ العَزِيزِ: مِثْقَالُ ذَرَّةٍ) إشعارٌ بغاية احتياطه في ألفاظ المتن،
٢٩٦

كما يفعل مثل ذلك في الإسناد من الفرق بين (عن) وغيره، وبين
(حدثنا) و(أخبرنا) - على ما مرت إليه الإشارة مراراً -.
وفيه - أيضاً -: إيماء إلى أن المحققين من أهل الحديث يتشددون
في تصحيح اللفظ، ولا يرضون بالنقل بالمعنى.
[٥٣ -باب
الحَثِّ عَلَى المُبَادَرَةِ بِالأَعْمَالِ قَبْلَ تَظَاهُرِ الفِتَنِ]
٣٢٨ _ (١١٨ / ١٨٦) - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقَتَيْبَةُ، وَابْنُ
حُجْرٍ جَمِيعاً، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ - قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا
إِسْمَاعِيلُ - قَالَ: أَخْبَرَنِي العَلَاءُ عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ
رَسُولَ اللهِ ﴿ قَالَ: ((بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنْأَ كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ، يُصْبِحُ
الرَّجُلُ مُؤْمِناً، وَيُمْسِي كَافِراً، أَوْ: يُمْسِي مُؤْمِناً، وَيُصْبِحُ كَافِراً،
يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا».
الحديث الثاني: حديث أبي هريرة - أيضاً -: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَه
قَالَ: ((بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنَاَ كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِناً،
وَيُمْسِي كَافِراً، أَوْ: يُمْسِي مُؤْمِناً، وَيُصْبِحُ كَافِراً، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ
مِنَ الُّنْيًا)».
أخرجه الترمذي في (الفتن)، وأخرج - أيضاً - عن أنس بن
٢٩٧

مالك، عن رسول الله وٍَّ، قال: ((تَكُونُ بَيْنَ يَدَىِ السَّاعَةِ فِتَنْ كَقِطَعِ
اللَّيْلِ المُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِناً، وَيُمْسِي كَافِراً، وَيُمْسِي
مُؤْمِناً، وَيُصْبِحُ كَافِراً، يَبِيعُ أَقْوَامُ دِينَهُمْ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا))، ثم قال:
وفي الباب: عن أبي هريرة، وجندب، والنعمان بن بشير.
وأقول: حديث أبي هريرة قد مر، وأمّا حديث جندب بن سفيان،
قال: قال رسول الله وَّهُ: ((سَيَكُونُ بَعْدِي فِتَنْ كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ،
يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِناً، وَيُمْسِي كَافِراً، وَيُمْسِي كَافِراً، وَيُصْبِحُ
مُؤْمِناً)، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينِ: فَكَيْفَ نَصْنَعُ عِنْدَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟
قَالَ: ((ادْخُلُوا بُيُوتَكُمْ، وَأَحْمِلُوا ذِكْرَكُمْ))، فَقَالَ رَجُلٌ: أَرَأَيْتَ إِنْ دُخِلَ
عَلَى أَحَدِنَا بَيْنَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لِيُمْسِكْ بِيَدِهِ، وَلْيَكُنْ عَبْدَاللهِ
المَقْتُولَ، وَلا يَكُنْ عَبْدَاللهِ القَاتِلَ؛ فَإِنَّ الرَّجُلَ يَكُونُ فِي فِئَةِ الإِسْلامِ،
فَيَأْكُلُ مَالَ أَخِيهِ، وَيَسْفِكُ دَمَهُ، ويَعْصِي رَبَّهُ، وَيَكْفُرُ بِخَالِقِهِ، وَتَجِبُ لَهُ
النَّارُ)».
رواه أبو يعلى، والطبراني، ورجاله ثقات.
وحديث النعمان بن بشير: قال: صَحِبْنَا رَسُولَ اللهِ وَ له، وَسَمِعْنَاهُ
يَقُولُ: (إِنَّ بَيْنَ يَدَي السَّاعَةِ فِتَناً كَأَنَّهَا قِطَعُ اللَّيْلِ المُظْلِمِ، يُصْبِحُ
الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِناً، ثُمَّ يُمْسِي كَافِراً، وَيُمْسِي مُؤْمِناً، ثُمَّ يُصْبِحُ كَافِراً،
يَبِيعُ أَقْوَامٌ خَلاَقَهُمْ بِعَرَضٍ مِنَ الذُّنْيَا يَسِيرٍ)) رواه أحمد، والطبراني،
ورجاله ثقات.
٢٩٨

ورويا - أيضاً - عن الضحاك بن قيس، مرفوعاً، بمثله، وإسناده
حسن، وروى الطبراني عن ابن عباس، وابن عمر، مرفوعاً، مثلَه.
وفي الباب: عن حذيفة، يرفعه: ((أَتَكُمُ الفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ
المُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِناً، وَيُمْسِي كَافِراً، وَيُمْسِي كَافِراً،
وَيُصْبِحُ مُؤْمِناً، يَبِيعُ أَحَدُكُمْ دِينَهُ بِعَرَضٍ))، قُلْتُ: فَكَيْفَ نَصْنَعُ يَا رَسُولَ
اللهِ؟ قَالَ: (تَكْسِر يَدَكَ)). قُلْتُ: فَإِنِ انْجَبَرَتْ؟ قَالَ: ((تَكْسِرُ الأُخْرِى)).
قُلْتُ: فَإِنِ انْجَبَرَتْ؟ قَالَ: ((تَكْسِرُ رِجْلَكَ))، قُلْتُ: فَإِنِ انْجَبَرَتْ؟ قَالَ:
(تَكْسِرُ الأُخْرَى))، قُلْتُ: حَتَّى مَتَى؟ قَالَ: ((حَتَّى تَأْتِيَكَ يَدِّ خَاطِئَةٌ، أَوْ
مَنِيَّةٌ قَاضِيَّةٌ».
وعن سعد بن أبي وقاص، مرفوعاً: ((إِنَّهُ سَيَكُونُ بَعْدِي فِتَنٌ
يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِناً، وَيُمْسِي كَافِراً، وَيُمْسِي مُؤْمِناً، وَيُصْبِحُ
كَافِراً»، قُلْتُ: بأبِي أَنْتَ وَأُمِّي! فَأَيُّ الرجالِ أَرْشَدُ؟ قال: ((رَجُلٌ بَيْنَ
هَذَيْنِ الحَرَمَيْنِ فِي قِلَّةٍ، يُقِيْمُ الصَّلاةَ لِمَوَاقِتِهَا، وَيَحُجُّ وَيَعْتَمِرُ، فَلا
يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى تَأْتِيَهُ يَدٌ خَاطِئَةٌ، أَوْمَنِيَّةٌ قَاضِيَةٌ)) رواهما الطبراني.
إذا عرفت هذا، فاعلم بأن الفتن والأهوال المانعة منها تكون
كائنة البتة، فعلى المؤمن إذا وجد الفرصة من الموانع أن يغتنمها،
ويشتغل بالعمل بأقصى ما يمكن ويقدر، ولا يرضى بالتهاون
والتقصير.
وفيه: إيماء إلى أنَّ قرنه خير القرون؛ حيث يكون خالياً من هذه
٢٩٩

الفتن ببركة وجوده - عليه السلام - على ما يفصح عنه الحديث الذي مرَّ
ذكره؛ لأنّ من الفتنة: أن يبيع الرجل دينه بعرض من الدنيا، وينقلب
هذا الانقلاب الشديد في الزمان القليل.
* وفي قوله: (بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ) مبادرة السّاعة على العامل،
فوجب عليه أن يبادر عليها، ويعمل قبل وقوعها، حتى لا تبادره
الفتنة، ثم شبَّهَهَا بقطع الليل المظلم؛ لازدياد التمكين في قلوب
السامعين، ثم ذكر تأثيره، وهو أن يصبح الرجل مؤمناً ويمسي بسبب
وقوعها كافراً، وهذا في غاية شدة الأمر، وتفاقم الحال.
وقوله: (أَوْ يُمْسِي مُؤْمِناً وُضْبحُ گافِراً) شك الرواي بأن النبي
- عليه السلام - قال هكذا، أو هكذا، وقيل: (أو) بمعنى الواو،
ويكون الكل من كلام النبي - عليه السلام -، يعني: أن حال البعض
يكون من الأوّل، وحال البعض الآخر من الثاني، ولا بُعْد في حمل
الحديث على ظاهره؛ إذ ربما يفسد القلب بسبب تواتر وقوع المحن
عليه، وتحصل بسببها القسوة التي هي سبب الشقوة - على ما سيجيء
بیانه في حديث حذيفة -.
وفي ((الترمذي)) عن الحسن البصري؛ إذ كان يقول في هذا
الحديث: ((يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِناً، وَيُمْسِي كَافِراً)، قال: يصبح محرِّماً
لدم أخيه وعرضه، وقال: يمسي مستحِلاً له.
وأقول: حديث جندب - على ما مر - صريح في ذلك، والمراد
بكسر اليد والرجل في حديث حذيفة: الكفُّ، وترك التَّعرُّض لأحدٍ في
٣٠٠