النص المفهرس

صفحات 241-260

الذي أجرى على يده من الإنفاق هو نعمة منه؛ لأجل تحصيل المثوبة،
فالواجب عليه أن يعرف أن الرزق من الله تعالى، وأن اقتداره على
الإنفاق على من هو مثاله نعمة أخرى، يجب القيام بشكر كل واحدة
منهما، وإن صدور المنِّ في الجملة مبطِل لثواب النفقة، فالمداومة
عليه، وجعله شعاره، لابد وأن يُدخله في جملة من لا يعرف الله تعالى
بكمال صفاته، فيستحق بذلك إصابة عذاب الله تعالى ونكاله.
وقيل: المنان في الحديث: من المَنّ الذي هو القطع؛ كما في
قوله تعالى: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُّ غَيْرُ مَنُونٍ﴾ [التين: ٦] على وجه، فيكون معناه:
البخيل الذي لا يعطي الحقوق من ماله، ويُنقصها، ويقطع الرحم.
وقد ورد في حديث آخر: البخيل، والوجهُ الأوّل أظهر؛ لقوله:
(لاَ يُعْطِي شَيْئاً إلاَّ مِنَّةً))، وقدم الرواية المشتملة على ذكر المنان بدون
تعريفه؛ إيماء إلى أنّ مَنْ صَدَر عنه المنّ - ولو مرة - داخل تحت
الوعيد؛ ليكون موجباً للاحتراز عنه؛ كما قيل: في قوله تعالى: ﴿مِّمًا
خَطِيَنِهِمْ أُغْرِهُواْ﴾ [نوح: ٢٥] الآية؛ حيث عَلَّق الوعيد بالخطيئة.
وأما ((المُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالحَلِفِ الكَاذِبِ))، فلأن فيه هتكَ حرمة
اسم الله تعالى الواجب رعايتُه، وإبطال حق الأخوة، فيكون مبطلاً
للحقين جميعاً، على أنه - أيضاً - يكون جاهلاً بأن الله تعالى هو
الباسط القابض، فالواجب: التوكلُ، وطلب الرزق من الوجه
الحلال، والقناعة، والشكر عند حصول الزيادة، والصبر عند البُلْغَة
والكَفَاف، وقدّم هذه الرواية على الرواية المشتملة على الحلف
٢٤١

الفاجر؛ لأن في الفاجر زيادةً ليست في الكاذب؛ لأنه كَذِبٌ مع
شَناعةٍ، وكذا على الرواية على ذكر الحلف بعد العصر، وسائر
الأوصاف؛ لما قلنا من الإيماء.
٣٠٩ - (١٠٧ / ١٧٢) - وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا
وَكِيْعٌ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: (ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلاَ
يُزَكِّيهِمْ - قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ-، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ
زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّبٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ)).
الحديث الثاني: حديث أبي هريرة: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله:
(ثَلَنَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلاَ يُزَكِّيهِمْ - قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ:
وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ -، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ
مُسْتَكْبِرٌ)).
أخرجه النسائي، وفي رواية له: ((أَرْبَعَةٌ يُبْغِضُهُم اللهُ ثَّ: البَيَّاعُ
الحَلَّفُ، وَالفَقِيرُ المُخْتَالُ، وَالشَّيْخُ الزَّانِي، وَالإِمَامُ الجَائِرُ)».
وفي الطبراني: ((ثَلاثَةٌ يُبْغِضُهُمُ اللهُ: مَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ
مُسْتَكْبِرٌ، وَغَنِيٌّ بِخَيْلٌ))، ورواته ثقات.
وفي الباب: عن سلمان، مرفوعاً: ((ثَلاثَةٌ لا يَنْظَرُ اللهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ
٢٤٢

القِيَامَةِ: أُشَيْمِطُ زَانٍ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ، وَرَجُلٌ جَعَلَ اللهَ بِضَاعَةً،
لا يَشْتَرِي إِلا بِيَمِينِهِ، وَلَا يَبِيعُ إِلا بِيَمِينِهِ)).
وعن عصمة، يرفعه: ((ثَلاثَةٌ لا يَنْظُرُ اللهُ إِلَيْهِمْ غَداً: شَيْخُ زَانٍ،
وَرَجُلٌ اَتَّخَذَ الأَيْمَانَ بِضَاعَةً يَحْلِفُ فِي كُلِّ حَقِّ وَبَاطِلٍ، وَفَقِيرٌ مُخْتَالٌ
مَزْهُوٌ)) رواهما الطبراني، ورجال الأول ثقات.
إذا عرفت هذا، فنقول: إنما غَلَّظَ العقابَ على هؤلاء؛ لأن
الحامل لهم على تلك المعاصي محض المعاندة؛ لعدم دَاع آخر لهم
على الدواعي.
أمّا الشيخ الزاني، فلأنه تقدَّمَ على قبيح في وقت يقتضي الإقدام
على عكسه، بحصول تحريمه، وكمال قوته الروحانية، وضعف
الدواعي الشهوانية، واللائق بحاله: الإمساكُ عن القيام بالحلال،
فضلاً عن الالتفات إلى الحرام، والاشتغال به؛ لأن ذلك إنما يكون
في وقت الشباب، وعليه الحرارة الغريزية، وقلة المعرفة، وغاية
الشهوة، وضَعْف العقل، وصغر السن، فالاشتغال في وقت زوال هذه
الأمور، وحصولِ أضدادها في غاية القبح المستحق بهذا الوعيد
الشدید .
وكذلك الملكُ الكذَّاب، تقدم على الفعل القبيح عند حصول
نعمة تقتضي الإقدام على عكسه؛ فإن الكذب إنما يكون لأجل جلب
نفع، أو دفع ضرر، والذي أعطاه الله الملكَ، فقد حصل له المطلوب
من غير ضرورة تقتضي الإقدام على الكذب، فصدورُه منه في تلك
٢٤٣

الحالة قبحٌ على قبح، وكفرانٌ للنعمة في زمان القيام بشكرها، فكما أن
الشخص الذي أمده الله تعالى في العمر حتى ذهبت عنه الدواعي
الفاسدة، وحصلت فيه الفضائل الحسية، إذا ترك القيامَ بشكر هذه
النعمة، وأقدم على الزنا، يكون قبحاً مضاعفاً، وجهلاً مركباً، كذلك
الملكُ إذا أقدم على الكذب يكون - أيضاً - كذلك، بل أشد قبحاً،
وأكثر شَيْئاً.
وأمّا العائل المستكبر، فلأنه تقدم على فعل فيه سبب عكسه؛
كما في الأوَّلَين، لأن سبب الكبر والخيلاء هو المال والجاه الدنيوية،
فإذا لم يكن لشخص شيء من ذلك، فالواجب عليه المسكنة
والتواضع، والصبر على الفقر، والرضا به، فإذا أقدم على الخيلاء
بدون سببه، يكون قبيحاً، بل أشد قبحاً من المقدِم عليها عند السبب،
وهو الذي يجر إزاره خيلاء؛ كما قيل: في قوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَنَّهُمُ
الرَِّيُونَ وَالْأَحْبَارُ عَن قَوْلِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾
[المائدة: ٦٣]، إنما قيل هنا: ﴿يَصْنَعُونَ﴾، وفي شأن الفاعل: ﴿يَعْمَلُونَ﴾
إيماءً إلى أن حال تارك النهي أشد قبحاً من حال مرتكب الفعل؛ لأن
في المرتكب الداعية بإقدامه عليه بسبب، وليس في تارك النهي ذلك.
٣١٠ - وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِيٍ شَيْئَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالاَ: حَدَّثَنَا
أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - وَهَذَا
٢٤٤

حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: «ثَلاَثٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ
يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلاَ يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ
عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالفَلاَةِ يَمْنَعُهُ مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلاً بِسِلْعَةٍ
بَعْدَ العَصْرِ، فَحَلَفَ لَهُ بِاللهِ لأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ، وَهُوَ عَلَى
غَيْرِ ذَلِكَ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَاماً لاَ يُبَايِعُهُ إِلَّ لِدُنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا،
وَفَى، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا، لَمْ يَفِ».
٣١١ _ (١٠٨ / ١٧٣) - وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ
ح، وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عَمْرٍو الأَشْعَنِيُّ، أَخْبَرَنَاَ عَبْثَرٌّ كِلاَهُمَا، عَنِ
الأَعْمَشِ بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ: ((وَرَجُلٌ سَاوَمَ
رَجُلاً بِسِلْعَةٍ)).
٣١٢ - (١٠٨ / ١٧٤) - وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ،
عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - قَالَ: أُرَاهُ مَرْفُوعاً -،
قَالَ: ( ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ
حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بَعْدَ صَلاَةِ العَصْرِ عَلَى مَالِ مُسْلِمٍ، فَاقْتَطَعَهُ». وَبَاقِي
حَدِيثِهِ نَحْوُ حَدِيثِ الأَعْمَشِ.
الحديث الثالث: حديث أبي هريرة، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َّه:
(ثَلاَثٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلاَ يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالفَلاَةِ يَمْنَعُهُ مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ
٢٤٥

بَايَعَ رَجُلاً بِسِلْعَةٍ بَعْدَ العَصْرِ، فَحَلَفَ لَهُ بِاللهِ لأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا،
فَصَدَّقَهُ، وَهُوَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَاماً لاَ يُبَايِعُهُ إِلَّ لِدُنْيَا، فَإِنْ
أَعْطَاهُ مِنْهَا، وَفَى، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا، لَمْ يَفٍ)) أخرجه البخاري،
والأربعة.
إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في مواضع :
الأول: في التعريف برواته سوى ما مر.
(عَبْثَرَ)، وهو أبو ربيعة عبثرُ بنُ القاسم الزهريُّ، الكوفيُّ.
عن حصين، ومطرف بن طريف، وجمع.
وعنه خلف بن هشام، وأحمد بن يونس، وجماعة.
وَثَّقَهُ أحمد، وابن معين، وأخرج له الستة.
والثاني: في قوله: ((رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالفَلاَةِ))، إنما غَلَّظ
الوعيد على مانع الماء من ابن السبيل؛ لأن الله تعالى خلق الماء حياةً
لكل شيء، وأباحه للكل، فالبخل بما يكون فاضلاً من حاجة الشخص
- خصوصاً في الفلاة التي ليس فيها خَلْقٌ كثير دائماً حتى يحتاجوا إلى
الماء، وفيه الضرورة المناسبة لابن السبيل - فالواجب في المروءة على
الذي مكَّنَه الله تعالى في ذلك: أن يواسي أخاه المؤمن بالماء الذي
يحتاج إليه، فكيف بما فضل عنه؟! فيكون القبح فيه أشد قبحاً،
وأعظم إثماً، وهذا هو الذي نهى النبي ◌ّ عن منعه في قوله:
(لاَ تَمْنَعُوا فَضْلَ المَاءِ))، وسيجيء الكلام عليه - إن شاء الله تعالى -.
٢٤٦

وقد أجمع المسلمون على تحريم ذلك؛ لأنه منع ما لا حق له فيه
من مستحقه، وربما أتلفه وأتلف ماله.
وذهب بعض العلماء إلى أنه لو منعه حتى مات عَطشاً، اقتِيد
منه؛ لأنه قتله، كما لو قتله بالجوع، أو السّلاح.
وأما ابن السبيل، فالمراد منه: المسافر، سُمي به؛ لأن الطريق
يبرزه ويُظهره، فكأنها ولدته.
وقيل: سمي بذلك؛ لملازمته إياه، كما يقال للُّصِّ: ابن
الطريق، وللغراب: ابن دَايَة، لملازمة اللص الطريق، والغراب دَايَة
البعير؛ لينقرها.
والثالث: في قوله: ((وَرَجُلٌ بَابَعَ رَجُلاً بِسِلْعَةٍ) رُوي بالباء
وبدونها، فعلى الباء يكون بايع بمعنى ساوم؛ كما جاء في الرواية
الأخرى، وتكون الباء بمعنى ((عن)) كما في قول الشاعر :
فَإِنْ تَسْأَلُونِي بِالنِّسَاءِ فَإِنَِّي
بَصِيرٌ بَأَدْواءِ النِّسَاءِ طَبِيْبُ
أي: عن النساء، وعلى إسقاطها يحتمل أن يكون - أيضاً -
بمعناه، ونصب (سلعة) بنزع الخافض.
ويحتمل أن يكون بمعنى: باع، و(سلعة) مفعول.
وإنما يستحق هذا الشخص هذا الوعيد؛ لأنه استخف باسم الله
تعالى حين حلف به على الكذب، وأخذ مال غيره ظلماً، وغَشَّهُ،
فجمع بین کبائر .
٢٤٧

وعن ابن أبي أوفى: أَنَّ رَجُلاً أَقَامَ سِلْعَةً لَهُ، فَحَلَفَ بِاللهِ لَقَدْ أُعْطِيَ
بِهَا مَا لَمْ يُعْطَ؛ لِيُوقِعَ فِيهَا رَجُلاً مِنَ المُسْلِمِينَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] إلى آخر الآية،
أخرجه البخاري، وتخصيصه بما بعد العصر؛ إما لأجل أن اجتماعهم
لأجل المبايعة فيه، وإما لأجل أنه وقت الصلاة الوسطى التي هي أشرف
الصلوات، فينبغي على كل من صلى صلاة أن يشتغل بالخير، وينتهي
عن الشر؛ لتكون صلاته صلاة في الحقيقة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ
الضَّلَوَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ﴾[العنكبوت: ٤٥]. [وإن لم تنهه] لم
يزدَدْ من الله إلا بعداً، خاصة بعد الصلاة التي هي أشرف الصلوات،
وهذا هو مراد القاضي عياض بقوله: لشدة الأمر فيها، وحضور ملائكة
الليل والنهار عندها، وشهادتهم على مجاهرته ربّه بيمينه، واستحقاقه
عظیمَ حقه .
وإنما لم يصرح بكون العصر الصلاة الوسطى؛ للاختلاف فيه،
على ما سيجيء، بل أرشد إلى سبب فضلها، وهو اجتماع الملائكة
فيها، وبهذا ظهر أن الوجه واحد، فذكر قومٌ الفضيلةَ، وهي كونُها
صلاة الوسطى، وجماعةٌ السبب، وهي اجتماعُ الملائكة فيها، فلا
يتوّجه ما قاله القرطبي من أن القول: بكون هذا الأمر واقعاً بعد الصلاة
الوسطى أولى مما قاله القاضي عياض؛ لأنهما واحد، فتأمل.
وأما الاعتراض: [أن] الفجر - أيضاً - كذلك، وأن اجتماع
الملائكة في الصلاة لا بعدها = ساقط؛ لأن المقصود من ذلك: بيانٌ
٢٤٨

کون هذه الصلاة أفضل الصلوات، لا بیانُ اجتماع ملائكة الليل والنهار
ولعل لهذا الاجتماع تأثيراً ليس للاجتماع الذي في الفجر حتى يستحق
هذا الاسم، أو تكون هي مثلها - أيضاً -، لكن اجتماع الناس في تلك
الديار، ومبايعتهم بعد العصر، فخصّه بالذكر دون الفجر.
* والرابع: في قوله: (وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَاماً لاَ يُبَابِعُهُ إِلاَّ لِدُنْا) إنما
استحق هذا الوعيد؛ لأنه لم يقم بما أوجب الله تعالى من البيعة الدينية،
فإنها من العبادات التي فيها النية والإخلاص، فالمبايع إماماً لأجل الدنيا،
من غير نظر إلى إعلاء كلمة الله تعالى، وما عنده من الثواب، مع اقتدار الله
تعالى على ذلك، جاهلٌ مستبدِلٌ للشيء اليسير الزائل بالكثير الباقي،
معظُّمٌ صغيراً، ومصغِّرٌ كبيراً، ومنافقٌ مظهر خلافَ [ما وجب عليه]،
غاشُّ للمسلمين، مستحقٌّ بفعله أن لا ينخرط في سلك الفائزين.
وإذا كان الجهل والنفاق والغش مع كل أحد من المسلمين
قبيحاً، فيكون مع الإمام الواجب طاعته وانقياد أوامره أقبح.
والحاصل: أنَّ هؤلاء المذكورين إنما استحقوا ذلك الوعيد
الشديد؛ لأنهم فعلوا خلاف ما وجب عليهم في حال يقتضي الإقدام
على عكسه، مع أن الذي أقدموا عليه قبيح في نفسه، فيكون إقدامهم
في تلك الحالة أقبحَ وأشدّ إثماً، كما قيل في لبس الحرير في الصلاة،
والجدال في الحج.
* وقوله: (فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا، وَفَى) هكذا الرواية (وَفَى) مخففاً،
و(لَمْ يَفِ) - بحذف الواو والتخفيف -، وهو الصحيح؛ لأن المعنى:
٢٤٩

الوفاء بالعهد، يقال: وَفَى بعهده يَفِي وَفَاءً، وأَمَّا وَفَّى - بالتشديد -،
وهي توفيةُ الحق واستيفاؤه، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَإِبْرَهِيمَ الَّذِى
وَثََّ﴾ [النجم: ٣٧].
*
٢٥٠

(٣٥)
باب
بيان عظم قتل الشخص نفسه،
والوعيد عليه
[ ٤٩ - باب
غِلَظِ تَحْرِيمٍ قَتْلِ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ، وَأَنَّ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ، عُذِّبَ بِهِ فِي
النَّارِ، وَأَنَّهُ لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلاَّ نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ ]
٣١٣ - (١٠٩ / ١٧٥) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو
سَعِيدٍ الأَشَجُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنَ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ،
فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَرِ جَهَنَّمَ خَالِداً مُخَلَّداً فِيهَا
أَبَداً، وَمَنْ شَرِبَ سَمّاً، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِداً
مُخَلَّداً فِيهَا أَبَداً، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ
جَهَنَّمَ خَالِداً مُخَلَّداً فِيهَا أَبَداً).
٣١٤ - (١٠٩ / ١٧٥) - وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ
ح، وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عَمْرٍو الأَشْعَنِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْثَرْحٍ، وَحَدَّثَنِي يَحْيَى
ابْنُ حَبِيبِ الحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِي: ابْنَ الحَارِثِ -، حَدَّثَنَا
٢٥١

شُعْبَةُ، كُلُّهُمْ بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ،
قَالَ: سَمِعْتُ ذَكْوَانَ.
أخرج - هاهنا - خمسة أحاديث:
الأوّل: حديثُ أبي هريرة، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنَ قَتَلَ
نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِداً مُخَلَّداً
فِيهَا أَبَداً، وَمَنْ شَرِبَ سَمّاً، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ
خَالِداً مُخَلَّداً فِيهَا أَبَداً، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ يَتَرَدَّى
فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِداً مُخَلَّداً فِيهَا أَبَداً» .
أخرجه البخاري في مواضع، والثلاثة في: (الطب)، وابن ماجه
في: (الجنائز).
إذا عرفت [هذا]، فنقول: قد مرَّ أن مَنْ أقدم على قتل نفسٍ
محرمةِ القتلِ، معصومةِ الدم بالإيمان، فهو مباشرٌ لأمر عظيم،
مستحقٌّ لوعيد شديد، فالمباشِرُ لإهلاك نفسه؛ إما صريحاً بحديدة، أو
سمّ، أو تردِّ من عُلُوٍ، أو ضمناً؛ مثل: يمين كاذب، ولعن مؤمن،
ونحوها، مرتكبٌ لأمر عظيم لا محالة.
وأمّا الوعيد بالخلود، فقيل: على سبيل التغليظ، وقيل: محمول
على المستحل، وقيل: جزاؤه ذلك، وقيل: المراد: المكث الطويل،
ويؤيده: حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((الَّذِي يَخْتُقُ نَفْسَهُ يَخْتُقُهَا فِي
النَّارِ، وَالَّذِي يَطْعُنُهَا يَطْعُنُهَا فِي النَّارِ)) أخرجه البخاري.
٢٥٢

ولما أخرج حديث أبي هريرة - على ما في الكتاب -، قال:
وروى محمد بن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن
النبيِ وَّ، قال: ((مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِسُمِّ، عُذِّبَ فِى نَارِ جَهَنَّمَ))، وَلَمْ يَذْكُرْ
فِيهِ: ((خَالِداً مُخَلَّداً فِيهَا أَبَداً).
وهكذا رواه أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي
- عليه السلام -، وهذا أصح؛ لأن الروايات إنما تخبر أن أهل التوحيد
يعذَّبون في النار، ثم يخرجون منها، فلا يذكر أنهم يخلدون فيها، وقد
مر الكلام على ذلك مبسوطاً.
* وقوله: ((يَتَوَجًا» - بالجيم، ثم همز -؛ أي: يطعن.
والتحسَّي - بالحاء والسين -: التجرع.
وفي سين (السم) الحركات الثلاث لغة، والفتحُ أشهر.
٣١٥ _ (١١٠ / ١٧٦) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا مُعَاوِيَةٌ
ابْنُ سَلَّمِ بْنِ أَبِي سَلَّمِ الدِّمَشْقِيُّ، عَنْ يَحْبَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ: أَنَّ أَبَا
قِلاَبَةَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ ثَابِتَ بْنَ الضَّحَّاكِ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ بَايَعَ رَسُولَ اللهِ وَوُ
تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ﴿ قَالَ: ((مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِنَّةٍ
غَيْرِ الإِسْلاَمِ كَاذِباً، فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ، عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ
القِيَامَةِ، وَلَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِي شَيْءٍ لاَ يَمْلِكُهُ».
٢٥٣

٣١٦ - (١١٠ / ١٧٦) - حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ المِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا
مُعَاذٌ - وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ-، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِيٍ، عَنْ يَحْبَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ،
قَالَ: حَدَّثَنِي أَبَّ قِلاَبَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّخَّاكِ، عَنِ النَّبِّ ◌َِ﴾
قَالَ: ((لَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ، وَلَعْنُ المُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ
قَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيًا، عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَة، وَمَنِ اذَّعَى دَعْوَى
كَاذِبَةً؛ لِيَتَكَثَّرَ بِهَا، لَمْ يَزِدْهُ اللهُ إِلاَّ قِلَّةً، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبٍْ
فَاجِرَةٍ».
٣١٧ - (١١٠ / ١٧٧) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ
مَنْصُورٍ، وَعَبْدُ الوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ كُلُّهُمْ، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ
الوَارِثِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ
الضَّخَّاكِ الأَنْصَارِيِّح.
٣١٨ - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ،
عَنْ خَالِدِ الحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّخَاكِ، قَالَ: قَالَ
النَّبِيُّ ◌َهُ: ((مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ سِوَى الإِسْلاَمِ كَاذِباً مُتَعَمِّداً، فَهُوَ كَمَا
قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ، عَذَّبَهُ اللهُ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ)). هَذَا حَدِيثُ
سُفْيَانَ. وَأَمَّا شُعْبَةُ، فَحَدِيثُهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلِ قَالَ: ((مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ
سِوَى الإِسْلاَمِ كَاذِباً، فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ ذَبَحَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ، نُبِحَ بِهِ
يَوْمَ القِيَامَةِ».
٢٥٤

الحديث الثاني: حديثُ ثابت بن الضحاك: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهـ
قَالَ: ((مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإِسْلاَمِ كَاذِباً، فَهُوَ كَمَا قَالَ،
وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ، عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِي
شَيْءٍ لاَ يَمْلِكُهُ)).
وفي رواية: ((لَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ، وَلَعْنُ المُؤْمِنِ
كَقَتْلِهِ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِى الدُّنْيَا، عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَمَنِ
اذَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً؛ لِيَتَكَثَّرَ بِهَا، لَمْ يَزِدْهُ اللهُ إِلَّ قِلَّةً، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى
يَمِينٍ صَبْرٍ فَاجِرَةٍ».
وأخرجه البخاري في (الأيمان والنذور)، وغيرِه، والأربعةُ.
وقال الترمذي: وفي الباب: عن عبدالله بن عمرو، وعمران
حصين .
وسيجيء في (كتاب الأيمان والنذور) - إن شاء الله تعالى -.
إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في مواضع:
الأول: في التعريف برواته سوى ما سلف.
(معاوية)، وهو أبو سلام، معاوية بن أبي سلام ممطور
الدمشقي.
عن أبيه، وعن أخيه زید، وجمع.
وعنه محمد بن شعيب، والوليد بن مسلم، وجماعة.
وَثَّقَهُ أحمد، وابن معين، والنسائي، وأخرج له الستة.
و(عبد الوارث)، وهو أبو عبيدة عبد الوارث [بن] عبد الصمد
٢٥٥

التَّنُّوري البصري.
عن أبيه، وأبي خالد الأحمر، وجماعة.
وعنه، مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأخرجوا له،
وخلق.
توفي سنة اثنتين وخمسین ومئتين.
و(ثابت)، وهو أبو زيد ثابتُ بنُ الضحاك بن خليفة الأنصاري،
الأشهري، بايع تحت الشجرة بيعة الرضوان، وأردفه رسول الله وَل قول
يوم الخندق، وکان دلیلَه إلى حمراء الأسد.
روى عن رسول الله له أربعة عشر حديثاً، اتفقا على هذا
الحدیث.
روى عنه عبدالله بن معقل، وأبو قلابة، وجمع.
توفي سنة خمس وأربعين.
والثاني: في قوله: (مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإِسْلاَمِ)؛
أي: من حلف على شيء، فالمراد من اليمين: المحلوفُ عليه؛ كما
في قوله - عليه السلام -: ((مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ، فَرَأَى غَيْرَها خَيْراً
مِنْهَا)) الحديث.
وقيل: (على) صلة، وينتصب (يميناً) على أنه مصدر من غير
الفعل المذكور لفظاً، بل بمعناه، مثل: قعدت جلوساً.
وقيل: الباء بمعنى (على).
٢٥٦

وقوله: (بِمِلَّةٍ) بدل من قوله: (عَلَى يَمِينٍ)، والغرض: تحذير
المؤمن من الحلف بها .
؛ وقوله: (كَاذِباً) إِمَّا أن يكون قيداً للمحلوف عليه؛ مثلَ أن
يحلف على أمر غير واقع يريد ترويجه، فيكون المعنى: من حلف
على شيء حالَ كونه كاذباً في حلفه، [يصير] كما قال، يعني: يصير
يهودياً إن حلف بملة اليهود، ونصرانياً إن حلف بملة النصارى،
والمراد: الوعيد بأنه يخرج من ملة الإسلام، فينبغي أن لا يحلف
المؤمن على شيء يعلمه أنه غير واقع، ولكن لا يدخل تحت الوعيد
الحالفُ الصادقُ، ويكون الوعيد مختصاً بالكاذب.
وفيه: بيان أن فاعل ذلك مرتكبٌ أمرين: الحلف بما لا ينبغي،
وهو الكذب، وتعظيم الملة التي ينبغي أن لا تُعظم.
وأما القيد، فبيان للواقع؛ فإن تعظيم الملة - غير ملة الإسلام -
كذبٌ، والمعظُّم له كاذبٌ.
* وأما قوله: (مُتَعَمِّداً) في رواية شعبة زائداً على قوله: (كَاذِباً).
إِمَّا أن يراد: أن تعظيمه ذلك عن عمد واعتقاد أنها مُعَظَّمَة واقعاً،
فيكون كفراً، والوعيد على ظاهره.
وإما أن يراد: أنه متعمد في الحلف، لا أنه يعتقد، فالوعيد على
نحو ما مر من أخواته؛ فإنه بذلك يصير فاسقاً.
وأما وجوب الكفَّارة وعدمُ وجوبها في تلك الصّورة، فسيجيء
٢٥٧

في (كتاب الأيمان والنذور) - إن شاء الله تعالى -.
والثالث: في قوله: ((وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا، عُذِّبَ بِهِ
يَوْمَ القِيَامَة))، وهذا يتناول أنواع وجوه القتل الصُّوري والمعنوي،
وإيراد هذا الحديث في هذا الباب لأجل هذه الجملة.
والرابع: في قوله: ((لَيْسَ عَلَى رَجُلِ نَذْرٌ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ))؛ يعني:
لا يصح النذر فيما لا يملك، ولا يلزم بهذا النذر شيء.
وأمّا وجه ارتباط هذا الكلام بما قبله، فقيل: المراد: النهي عن
نذر الرجل قتل نفسه، وإن نذر، لا يلزمه شيء؛ لأنه لا يملك ذلك؛
إذ الحياة والموت بقضاء الله تعالى وقدره، وهو الذي يحيي ويميت.
والحق: أنه عام، ولا دلالة على ما قيل من التخصيص، بل
الوجه أن يُحمل ذلك على عمومه، ویکون المعنی : ليس على شخص
نذرٌ فیما لا يملك؛ لیندرج تحته النذر بجميع ما لا يملك؛ کما يحمل
على العموم قوله: ((مَنِ اذَّعَی دَغْوَی کَاذِبَةً))، فيتناول کل دعوى، شأنه
کذلك من مال أو نسب، أو علم أو تقوى، أو غير ذلك مما ليس فيه،
ووجهُ الانتظام ظاهر، وهو بيان الأمور التي يستحق فاعلَها الوعيدَ
الشديد، ويجب على المؤمن الاحترازُ عنها.
٠
ومما يدل على أن المراد بالنذر المذكور ليسَ نذرَ قتل الشخص
نفسَه: ما جاء في ((سنن أبي داود)) في هذا الحديث: أن ثابت بن الضحاك
قال: نَذَرَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ أَنْ يَنْحَرَ إِبِلاً بِبُوَانَةً، فَأَتَى النَّبِيَّ ◌َه
فَقَالَ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَنْحَرَ إِلاً بِبُوَانَةَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهُ: ((هَلْ كَانَ فِيهَا
٢٥٨

وَثَنٌّ مِنْ أَوْثَانِ الجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟))، قَالُوا: لاَ، قَالَ: ((هَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ
أَعْيَادِهِمْ؟))، قَالُوا: لاَ. قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ ((أَوْفِ بِنَذْرِكَ، فَإِنَّهُ لَ وَفَاءَ
لِنَذْرِ فِى مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلاَ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ» .
ثم لا خلاف بين العلماء أنه لا يلزم الناذر إذا عَلَّق ذلك بملك
الغير؛ مثل أن يقول: لله علي عتقُ عبدٍ فلان، وهدي بدنته، ونحو
ذلك، ولم يعلق ذلك على ملکه.
أما إذا علَّق على الملك؛ مثل أن يقول: إن ملكت عبدَ فلان،
فهو حرّ، فذهب الشافعي إلى أنه لا يلزمه شيء، عمَّ أو خصّ،
متمسكاً بهذا الحدیث ونحوه.
وذهب أبو حنيفة إلى لزوم الوفاء به، ورأى عدمَ تناول هذا
الحديث للمعلق؛ لأنه إنما يلزمه عند حصول الملك، لا قبله، فيكون
نذراً فيما يملكه، ومبنى ذلك على كيفية نزول الشرط المعلق، وسيأتي
بیانه.
ووافق مالك فيما خَصَّ أبو حنيفة، وفيما عَمَّ الشافعيُّ؛ دفعاً
للحرج، وله قولٌ مثلُ الشافعي.
والخامس: في قوله: ((وَلَعْنُ المُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ))، وإنما جعل اللعن
كالقتل؛ إِمَّا لأنه مثله في التحريم، وإن كان متفاوتاً بالقوة.
وإِمَّا لأن اللعن طردٌ عن رحمة الله والزلفى؛ كما أنّ القتل طردٌ
عن دار الدنيا .
٢٥٩

وبالنظر إلى هذا الوعيد، قالوا: لا يجوز لعنُ أعيان الكفار، حيّاً
أو ميتاً، إلا أن يعلم أنه مات كافراً بنصّ أو غيره؛ كأبي لهب، وأبي
جهل، وأضرابِهما، ويجوز لعنُ النوع إجمالاً؛ مثل: لعنَ اللهُ الكفارَ،
ولعنَ الله اليهود والنصارى.
السادس: في قوله: ((وَمَنِ اذَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِهَا»
المشهور في الرواية بالثاء المثلثة، وفي بعض الأصول بالباء الموحدة،
والمعنيان متقاربان، إذ معنى يتكبر - بالموحّدة - أن يجعل ماله أو
جاهه كثيراً عظيماً، وهو - أيضاً - معنى التكثير.
غايته: أن هذه الرواية ناظرة إلى الكيفية، والمشهورة إلى
الكمية .
أو المراد: التكبُّر ليتكبّر على الناس بسبب هذه الدعوى، فیکون
من لوازم الرواية الأولى؛ إذ الكثرةُ سببُ التكبّ - غالباً -، وإنما ذكر
ذلك؛ لبيان ازدياد قبحه، فإن مدَّعي ما ليس فيه قبيح، فإذا كان ذلك
لأجل تكثير حطام الدنيا والجاه ونحوها، يكون أقبح، فبيَّنَ أن الله
تعالى جعل ذلك على عكس ما قدّره، زجراً له، وإرشاداً إلى الصبر
والقناعة بما آتاه الله تعالى، وإشعاراً بأن جريان الأمور بقضائه وقدره،
لا بسعي الشخص، بل إنما يفيد السّعي إذا قدر الله، على أن السعي
- أيضاً - مقدّر.
ويحتمل أن قوله: (لِيَتَكَثَّرَ) احتراز عن المدعي دعوى كاذبة
لضرورة؛ مثل: الخلاص من يد الظالم، فحينئذ لا يستحق الوعيد.
٢٦٠