النص المفهرس

صفحات 161-180

عن أبي الأحوص، وابن المبارك، وجمع.
وعنه أبو زرعة، ومُطَين، وجماعة.
وَثَقَهُ القوم، وأخرج له مسلم.
الثاني : فيما يتعلق بالمعنی :
لاشك أن الكِبْر على إطلاقه من أقبح الأشياء، وتركه وعدم الإقدام
عليه من المحاسن، وقد فسّره الشارع بيطر الحق، والبَطَر في اللغة:
مجاوزةُ الحدِّ في المزح، وخفة النشاط، والدَّغَل، ويستعمل بمعنى:
كفران النعمة، يقال: بَطِرَ فلان نعمةَ الله؛ أي: استخفّها، فكفرها، ومنه:
﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ [القصص: ٥٨]، فيكون بطر [الحق]: الاستخفاف به،
ولا خفاء أن الاستخفاف بالحق وعدم الاعتداد به كفرٌ، ومن كان في قلبه
شيء من الكفر لا يدخل الجنة أصلاً .
وحاصل هذا: أن السبب في دخول النار، وعدم دخول الجنة،
هو الكفر، وإنما عبّر عنه بالكبر، ثم فسره بما هو كفر؛ إيماءً إلى قبح
إعجاب المرء بنفسه، واستصغار الناس، وعدم استماعه لكلام الحق،
وأن ذلك سبب الحرمان من ثواب الله تعالی ونعيمه.
فالواجب على العبد: القيامُ بالعبودية، والاعترافُ بها، والإذعان
للحق، والانقياد بجميع الأوامر، والانتهاء عن جميع الزواجر، والنظر
إلى الكلام لا المتكلم؛ لأن قبوله يفيده، لا المتكلم، فلو أنّ عبداً حبشياً
أمره بطاعة الله، وجبَ الإذعانُ له، وقبولُ قوله؛ لأنه في الحقيقة قبولُ
كلام الله تعالى، والإطاعةُ له، لا للعبد، فمن أذعن للحق، ونظر إلى
١٦١

الناس بعين الإجلال، فقد راعى حق الله تعالى، وحقَّ الناس، ومن أخل
بالأوّل فقد أخل بأداء حق الله تعالى، وصار بذلك كافراً مستحقاً لدخول
النار، ومن أخل بالثاني صار فاسقاً، وأمرُه في المشيئة - على ما مّر-،
ومن أخلَّ بهما، فقد جمع الكفرَ مع الفسق، فيكون المتكبر أقبحَ حالاً
من الكافر؛ لأنه جمع مع الكفر كفرانَ نعمة الأخوة، ولذلك نيط به
الوعيدُ الشديد، وهو: أن من يكون في قلبه مثقال ذرة أو حبة خردل منه،
يدخل النار، ولا يدخل الجنة .
ثم المستعمَلُ في اللغة الكِبْرُ بمعنى: العظمة، يقال: كُبُرَ الشيء
- بالضم -؛ أي: عَظُمَ، فهو كبير وكُبار، فإذا أفرط، قيل: كُبَّار
۔ بالتشدید -.
والظاهر من الاستعمال في لسان الشرع: أن بينهما فرقاً، قال
- عليه السلام - حكاية عن ربّه: ((الكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالعَظَمَةُ إِزَارِي)»،
فلذلك قيل: التغاير بالاعتبار، وهو أن في التكبر يلاحظ المتكبِّرُ المتكَبَّرَ
عليه، وفي العظم لا يلاحظ ذلك، فالمتكبر يلاحظ ترفيع نفسه على غيره
بسبب مزية يراها في نفسه، والمتعظّمُ يلاحظ كمالَ نفسه من غير ملاحظة
ترفيع لها على غيره، وهذا هو المسمى بالعُجْبِ في حق المخلوق.
ولَمَّا كانت أوصاف الله تعالى واجبة لذاته من ذاته، دائمة البقاء،
لا يجوز عليه نقض ونقيض، كان الكمال والجمال في الحقيقة له،
لا لغيره، وهو الموصوف بتلك الصفات حقيقة، وأوصاف المخلوق
فائضة من عنده، معرّضة للفناء والزوال، فالتعاظم والتكبر خرقٌ منه،
١٦٢

وجهلٌ بنفسه وبربه، مغير بما لا أصل له، وهي الصفة الحاصلة لإبليس
من قوله: ﴿أَنَأْ خَيْرٌمِّنْهُ﴾ [الأعراف: ١٢]، والحاملةُ لفرعونَ على قوله:
﴿أَنَاْ رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، فالواجب على العبد معرفةُ نفسه بكونه
مخلوقاً عاجزاً، ليس فيه صفة البقاء، بل هو وجميع أوصافه للفناء، وأن
الصفات الجميلة، والخلال الحميدة الموجودة فيه راجعة للفيّاض صفة
له في الحقيقة؛ فإن الخلق كلهم قوالبُ تجري عليهم أحكام القدرة، فمن
خَصَّهُ الله بكمال، يكون ذلك راجعاً إلى المكمِّل الجاعل، لا إلى الفاعل
القابل؛ فإنه هو المعطي والمانع، والمبتلي والمعافي.
وقد ورد في الخبر: أن الله تعالى يقول: أنا اللهُ خالقُ الخير
والشرّ، فطوبى لمن خلقتُه للخير، وقدرتُه عليه، والويلُ لمن خلقتُه
للشرّ، وقدرته عليه. فلا حيلة بعمل مع قهر [من] ﴿لَا يُسْئَلُ عَمَّا
يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣].
ولما كان الكبر عند العرب يستعمل في الترفّع، وعدم الاعتداد
بالناس، والإعجاب بالنفس، وهو المشهور من معانيه، حتى إنه لا
يستعمل بمعنى إنكار الحقِّ والكفرِ به، ظن السامع: أن المراد من
الكبر هو المتعارَفُ بينهم، فتعجَّب من الوعيد المنوط به، فسأل عن
ذلك، وذكر ما كان سببه، وهو محبة كونِ الأشياء مستحسنةً، فإن ذلك
سببُ التكبر الذي فهمه، فبيَّن النبيُّ رَّ: أن ذلك ليس بتكبر، بل إن
كان ذلك لأجل محبة الجمال، فهو مستحْسَن، لا يتعلق به شيء من
الوعيد؛ لأنه في الحقيقة التخلقُ بأخلاق الله تعالى، بل الكبرُ الذي
١٦٣

يراد به ويستحق أن يسمى كبراً على الإطلاق هو الاستخفافُ بالحق،
وعدمُ رعاية حقوق الإخوان، فالمستعملُ في لسان الشرع المستحقُّ
لأن یسمی به، هو هذا، لا ذلك.
ففي التعبير بالكبر - مع ما ذكرنا من الفائدة - التعليمُ والإرشاد،
وإلى معنى هذا اللفظ في لسان الشرع؛ كما في قوله: ((مَا تَعُدُّونَ
الرَّقُوبَ فِيكُمْ)) على ما سيجيء.
ثم قابل الكبرَ بالإيمان، وبيّن أن من كان فيه شيء من الكبر،
لا يدخل الجنة، كما أن من كان فيه شيء من الإيمان، لا يدخل النار؛
ليكون دليلاً على أن المراد بالكبر هو: الجمعُ بين كفران حقّ الله
تعالى، وحقّ الناس، وهذا هو ما أشار إليه الخطابي بقوله: إن المراد:
التكبر على الإيمان، ولما كان في تقديره نوعُ خفاء، طعن عليه الناس
بأن المراد: الزجرُ عن الكبر مطلقاً، ولو كان المراد الكفر، لما كان في
التعبير عنه بالكفر فائدة، وذهب إلى أن المعنى: أنه لا يدخل الجنة
أوّل وهلة، أو أن جزاءه دخولُ النار نظراً إلى فعله، وإن دخل الجنة
من غير دخول النار، فبعفو الله تعالى وفضله، أو أن في وقت دخول
الجنة ليس في قلبه شيء من الكبر، بل ينزع أوّلاً، ثم يدخل، فيكون
بياناً لحال الداخل في الآخرة، لا بياناً لسبب الدخول، إلى غير ذلك
من الوجوه التي لا دلالة في الحديث عليه، أو لا حاجة إليها.
وأنت بعد تأمل ما أوصلنا لك لا يخفى عليك شيء من ذلك،
وتحقق عندك الفائدة في التعبير عن الكفر بالكبر، وأن الكلام واقع في
١٦٤

مجرى البلاغة، من غير احتياج إلى تأويل، وصرف عن الظاهر.
* وقوله: (وَغَمْطُ النَّاسِ) الرواية في نسخ مسلم والبخاري وأبي
داود: ((وَغَمْظُ النَّاسِ)) - بالظاء -، وفي ((مسند الترمذي)): ((غَمْضُ))
- بالضاد -، والمعنيان متقاربان، يقال: غَمَظَ النعمةَ: احتقرها، ولم
يشكرها، والناس يغمضُ بعضُهم بعضاً؛ أي: يحتقر، والأوّل أشهر
روایة، وأقوى دراية.
الثالث: من قوله: (إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ) في هذا
الجواب إيماءٌ إلى أن ذلك ليس من الكبر شيء، بل هو صفة جميلة؛ لأن
محبة الجميل جميل، فيكون إرشاداً للسائل بأن ما زعمه أنه الكبر، أو
سبب له، لیس کذلك، بل هو من مستحْسَنات الأمور، ثم أرشد إلى
بیان الکبر، وبيِّنه له .
ثم لمَّا كانت أسماء الله تعالى توقيفية على ما عُرف في موضعه،
ومذهب الجمهور من القائلين به: أن المجوِّزَ للإطلاق هو نصُّ الشارع
على ذلك قصداً لبيان ذلك، وأما ما وقع في كلام الشارع من الصفات
لأجل بيان حكم أو فعل، فليس ذلك من قبيل النصِّ المجوِّزِ
للإطلاق، فلا يجوز إطلاقُ الجميل عليه تعالى؛ لما ورد في هذا
الحديث، ولا إطلاق الرفيق بما ورد في قوله: ((إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ
الرِّفْقَ)) الحديث.
ومنهم من قال: إذا وجد ذلك في كلام الشارع بأيّ وجه كان، يجوز
الإطلاق، فيجوِّزون إطلاقَ الجميل عليه تعالى، وإليه مال بعضُ أهل
الحديث، وقد يستدل على وجوده في الأسماء الحسنى في بعض الروايات.
١٦٥

ورُدَّ بأن في سند تلك الرواية مقالاً - على ما سيجيء إن شاء الله
تعالى -.
ثم معنى الجميل في صفاته تعالى بمعنى: المجمل؛ کالسميع،
والكريم، وقيل: معناه: الجليل.
وقيل: ذو النور والبهجة؛ أي: مالكهما.
وقيل: المنزَّه عن النقائص، الموصوف بصفات الكمال، الأمر
بالتحلِّي له بنظافة الثياب والأبدان، والنزاهة عن الرذائل والطغيان.
وقيل: جميل الأفعال لكم، والنظر إليكم، يُكَلَفكم اليسير،
ويُعين عليه، ويُثيب عليه الجزيل.
وقيل: يحب التَّجَمُّلَ مِنْكُمْ في قلة إظهار الحاجة إلى غيره.
والرابع في قوله: (إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَناً) قيل:
هو مالك بن مُرارة - بضم الميم -، الرَّهاوي - بفتح الرّاء -، وفي
((الصحاح)) بضمها، نسبة إلى حيّ من مذحج، وقيل: عبدالله بن عمرو
ابن العاص، وقيل: معاذ بن جبل، وقيل: خريم بن مالك، وقيل:
ربيعة بن عامر، وقيل: سواد - بالتخفيف - ابن عمرو، وقيل: أبو
ريحانة شمعون - بالشين المعجمة والعين المهملة -، وقيل المعجمة.
وحديث عقبة على ما مر يؤيد هذا.
١٦٦

(٢٩)
بب
بيان حال الموت على الإسلام
وعلى الكفر
[٤٢ - باب
مَنْ مَاتَ لاَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً، دَخَلَ الجَنَّةَ،
وَمَنْ مَاتَ مُشْرِكاً، دَخَلَ النَّارَ]
٢٧٨ _ (٩٢ / ١٥٠) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرِ، حَدَّثَنَا
أَبِي، وَوَكِيْعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ وَكِيعٌ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ، وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ: ((مَنْ
مَاتَ بُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً، دَخَلَ النَّارَ). وَقُلْتُ أَنَا: وَمَنْ مَاتَ لاَ يُشْرِكُ
بِاللهِ شَيْئاً، دَخَلَ الجَنَّةَ .
لما أورد الحدیث الدالّ علی أن الکبر موجبٌ لدخول النار، کما
أن الإيمان موجبٌ لدخول الجنة، أورد الأحاديثَ المشتملةَ على أن
من مات على الشرك، يدخل النار، ومن مات على الإيمان، يدخل
الجنة، فموجبُ دخول الجنة: الموتُ على الإيمان، وموجب دخول
النار: الموتُ على الكفر، فأخرج - هاهنا - ثلاثة أحاديث:
١٦٧

الأول: حديث ابن مسعود: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهَ يَقُولُ: ((مَنْ
مَاتَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً، دَخَلَ النَّارَ)). وَقُلْتُ أَنَا: وَمَنْ مَاتَ لاَ يُشْرِكُ بِاللهِ
شَيْئاً، دَخَلَ الجَنَّةَ .
وفي رواية بالعكس: أن رسول الله وَ لّه قال: ((مَنْ مَاتَ لاَ يُشْرِكُ
باللّهِ شَيْئًا)، وَقُلْتُ أَنَا: وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً، دَخَلَ النَّارَ. أخرجه
البخاري في: (الجنائز)، و(التفسير)، والنسائي في: (التفسير).
إذا عرفت هذا، فاعلم: أن في هذا الحديث، والذي يليه بيان
دخول الجنة بالموت على الإيمان، ودخول النار بالموت على الكفر،
فناسبَ إيرادُهما معاً، وقدم هذا الحديث على الذي يليه؛ لأن في
الحديث ذكرَ الموجبة، وهو أخصّ، ورتبته التأخير.
ثم أورد حديث أبي ذَرّ محقِّقاً للموجب الأول؛ إذ لا نزاع في أن
الموت على الكفر موجبٌ لدخول النار، وأن من كان في قلبه شيء من
الكفر، لا يخرج من النار أبداً، ولا ينفعه شيء من الطاعات وغيرها،
ولا فرق فيه بين الكتابيِّ واليهوديِّ والنصرانيِّ وعَبَدَةِ الأوثان، وسائر
الكفرة، وإنما النزاع في أن مجرد الإيمان بدون الأعمال هل ينفع
صاحبه في أحكام الآخرة حتى يستحقَّ دخول الجنة أم لا؟ فأورد
الحديث الدالَّ على أنه ينفعه، فيكون الحديث الأوّل مؤكداً لما مر من
حديث الكبر، والثاني للموجب الأوّل المذكور فيه.
وقد يستدل من قوله: ((مِنْ أُمَّتِكَ)): أن اقتران المعاصي مع
١٦٨

الإيمان إنما لا يضر الضررَ التامّ المقتضيَ للخلود في النار لهذه (١) الأمة
- دون غيرها من الأمم - تخفيفاً عليهم ورحمة.
وربما يجاب بحديث أبي ذر؛ فإن فيه: ((مَا مِنْ عَبْدٍ))، وهو
يتناول الجميع .
والظاهر: أن الحكم عام متناولٌ على الإيمان بالله، وبما جاء به
رسول الله وَله، وسائر الرسل الذين قبل رسوله، وإن كان الغرض من
سَوق الكلام بيانَ حال هذه الأمة؛ إذ المراد: الترغيب، والرجاء بوعد
الله تعالى، والاعتداد بنعمة الإيمان، وبأنها توجب الدخول في الجنة،
ولا يضرّهم الإخلال ببعض الواجبات، والإتيان ببعض المحرّمات،
وصرّح بالزنا والسرقة من بينها؛ لاشتمالهما على حق الله تعالى، وحق
العبد .
و - أيضاً -: حقوق العباد تنقسم إلى: النفسي، والمالي، وهما
يشملهما .
ثم لا يخفى ما في الحديث من الدلالة على دخول صاحب
الكبيرة في الجنة، والتخصيصُ بالتائب خلافُ الأصل، مع أنه ينافي
فائدة الإخبار بالوعد؛ إذ الغرضُ المسوقُ له الكلامُ: أن الإيمانَ
المجردَ عن الأعمال كافٍ في دخول الجنة، وأنه إذا حصل الموت
عليه، يستحق ذلك، وإن صدر عنه إخلال ببعض الأمور، فإذا ثبت
(١) في الاصل: ((فهذه)).
١٦٩

ذلك في البعض، بطل به مذهب الخصم؛ إذ لا قائل بالفصل.
وما قيل: من أنه مخالف لمذهب أهل السنة أيضاً؛ لأنه يدل
على دخول الفُتَّاق في الحديث في الجنة، من غير دخولهم في النار
بقدر معاصيهم، على ما هو مذهبهم = غيرُ وارد؛ لأن دخولهم في
النار ليس بواجب، بمعنى: أنهم البتة يدخلون فيها، بل المذهب: أن
أمرهم مفوَّض إلى مشيئة الله تعالى، إن شاء غفره بلا دخول النار
بفضله، وإن شاء أدخلهم النار بقدر معاصيهم بعدله، وهو لا ينافي
الدخول في الجنة بعد ذلك، ودلالة الحديث عليه، نعم، لو قيل:
لا يدخل النار، أو يخلد في الجنة، لربما أعرض على ذلك، وله مع
ذلك مخرج على ما لا يخفى.
، قوله: (قَالَ وَكِيْعٌ: قَالَ رَسُولُ اللهِ﴾﴾؛ يعني: قال وكيع في
روايته عن ابن مسعود: أنه قال: قال رسول الله وَلّهِ، وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرِ في
روايته عنه: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ ﴿)، وهذا من جملة احتياط مسلم
- رحمه الله -؛ لأن الرواية بـ (سَمِعْتُ) متصلٌ بلا خلاف، وأما
بـ (قال) فعند الجمهور يُحمل على الاتصال - أيضاً - مثل (سمعت)،
وعند جماعة يحمل عليه - أيضاً - مثل (سمعت)، وعند جماعة يحمل
على الإرسال، وقد علمتَ حكم المرسَل، والخلافَ فيه، فلأجل هذه
الدقيقة نبه مسلم - رحمه الله - في هذا الموضع على ذلك.
* قوله: (وَقُلْتُ أَنَا: وَمَنْ مَاتَ ... ) إلى آخره، المشهور من
الرواية في «صحيحي البخاري ومسلم)): ((قُلْتُ أَنَا: وَمَنْ مَاتَ
١٧٠

لاَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً، دَخَلَ الجَنَّةَ))، وفي بعض الروايات في ((مسلم)) هذا
الحرف مرفوع، والذي رفع في المشهورة، وهو: ((مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ باللهِ
شَيْئاً دَخَلَ النَّارَ)) منسوبٌ إلى ابن مسعود بقوله: ((وَقُلْتُ أَنَا))، وكذا
أورده الحميدي في ((الجمع بين الصحيحين))، وأبو عوانة في ((المخرج
على صحيح مسلم))، وقد صح الحرفان مرفوعاً في حديث جابر
- أيضاً - في بعض الكتب.
أما اقتصاره على أحدهما في رواية الأصول، فقيل: كان ذلك
في وقتين، في أحدهما اقتصر النبيُّ - عليه السلام - على أحدهما،
وضم ابنُ مسعود الآخرَ إليه من نفسه؛ لما علمه من كتاب الله تعالى،
ومن كلام النبي - عليه السلام - بدليل صحة التقسيم؛ لأنه لما قال:
(مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً، دَخَلَ النَّارَ))، وقد صح أنه ليس ثَمَّةَ منزلٌ
ثالث سوى الجنة والنار، ويعلم بهذا اللفظ نازل أحدهما، بقي الصنف
المخالف للمنزل الآخر. وفي وقت آخر ذكر النبي - عليه السلام -
الحرفين جميعاً، فروى كما سمع، وقيل: نسي في الرواية أحدهما ثم
تذكر، وهذا اختيار البعض، والأوّل أقرب.
٢٧٩ - (٩٣/ ١٥١) - وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ،
قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ،
قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ◌َهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا المُوجِبَتَانِ؟ فَقَالَ:
١٧١

(مَنْ مَاتَ لاَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً، دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً،
دَخَلَ النَّارَ)).
٢٨٠ - (٩٣ / ١٥٢) - وَحَدَّثَنِي أَبُو أَّوبَ الغَيْلاَنِيُّ سُلَيْمَانُ بْنُ
عُبَيْدِ اللهِ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، قَالاَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا
قُرَّةُ، عَنْ أَبِ الزُّبَيْرِ، حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِاللهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَل
يَقُولُ: ((مَنْ لَقِيَ اللهَ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَهُ يُشْرِكُ بِهِ،
دَخَلَ النَّارَا. قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: عَنْ جَابِرٍ .
٢٨١ _ (٩٣ / ١٥٢) - وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا مُعَاذٌ
- وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ -، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ:
أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﴿ قَالَ بِمِثْلِهِ.
الحديث الثاني: حديثُ جابر، قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ وَّهِ رَجُلٌ،
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا المُوجِبَتَانِ؟ فَقَالَ: ((مَنْ مَاتَ لاَ يُشْرِكُ بِاللهِ
شَيْئاً، دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً، دَخَلَ النَّارَ)).
وفي رواية: ((مَنْ لَقِيَ اللهَ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ
لَقِيَهُ يُشْرِكُ بِهِ، دَخَلَ النَّارِ))، وهو من أفراد مسلم.
والمراد بالموجبات: ما يوجب دخول الجنة، وما يوجب دخول
النار.
قال الهروي: الموجبتان: الأمور التي أوجب الله عليها النار أو
الرحمة .
١٧٢

* قوله: (قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: قَالَ أَبَو الزُّبَيْرِ: عَنْ جَابِرٍ)، وهذا - أيضاً -
من جملة الاحتياط، والمعنى: أن حَجَّاج بن الشاعر روى عن أبي الزبير
بأنه قال: (حدثنا جابر)، وأیوب روی بأنه قال: (عن جابر).
وقد عرفت في أول الكتاب اختلافَ القوم في قبول المعنعن
وشرائطه، واعترض بأن أبا الزبير مدلِّس، وروايته بـ (عن) لا تُقبل،
ولم يرو عنه البخاري في ((صحيحه)) منفرداً، بل مع آخر.
وأجيب: بأن هذا واقع في المتابعة، فروی في رواية حَجَّاج بن
الشاعر بصريح السماع، والحق أن أبا الزبير ثقة، وقد ورد الرواية عنه
في ((مسلم)) في غير المتابعة - أيضاً -، وعدمُ إيراد البخاري روايته
منفرداً لا يدل على شيء من الضعف، كيف وقد روى عنه الأَعْلاَم؛
مثل: هشام بن عروة بن الزبير، والزهري، وعبدالله بن عون، ويحيى
الأنصاري، وابن جريج، وسفيان الثوري، وابن عيينة، ومالك،
وغيرهم؟ وأثنوا عليه.
قال يحيى بن معين: هو ثقة، وأثبتُ من أبي سفيان.
وقال أحمد بن حنبل: أبو الزبير أعلم بالحديث من أبي سفيان.
ولا يوجد من الثقات [من] امتنع عن الرواية عنه، أو شكك في
الثناء عليه .
وأما حديث التدليس، فغير مختص به، بل قَلَّ مَنْ يخلو عنه من
فرسان الكتب.
١٧٣

٢٨٢ - (٩٤ / ١٥٣) - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارِ،
قَالَ ابْنُ المُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاصِلٍ
الأَحْدَبِ، عَنِ المَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يُحَدِّثُ عَنِ
النَّبِيِّ ◌َِّ: أَنَّهُ قَالَ: ((أَثَانِي جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَبَشَّرَنِي أَنَّهُ مَنْ
مَاتَ مِنْ أُمَتِكَ لاَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً، دَخَلَ الجَنَّةَ». قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ
سَرَقَ؟ قَالَ: ((وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ)).
الحديث الثالث: حديثُ أبي ذرّ عن النبي - عليه السلام -: أَنَّهُ
قَالَ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَبَشَّرَنِي أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لاَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيئاً،
دَخَلَ الجَنََّ». قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: ((وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ)).
وفي رواية: أَتَيْتُ النَّبِيَّ لَ﴿ وَهُوَ نَائِمٌ عَلَيْهِ ثَوْبٌ أَنْيَضُ، ثُمَّ أَتَيُهُ
فَإِذَا هُوَ نَائِمٌ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَقَدِ اسْتَيْقَظَ، فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: ((مَا مِنْ عَبْدٍ
قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ، إِلَّ دَخَلَ الجَنَّةَ». قُلْتُ: وَإِنْ
زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: ((وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ)). قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ
سَرَقَ؟ قَالَ: ((وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ)). ثَلاَثاً، ثُمَّ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ: ((عَلَى
رَغْمٍ أَنَّفِ أَبِي ذَرِّ». قَالَ: فَخَرَجَ أَبُو ذَرٍّ وَهُوَ يَقُولُ: وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ
أَبِي ذَرِّ» .
أخرجه البخاري في (الجنائر)، والترمذي في (الإيمان)، ثم قال
الترمذي: وفي الباب: عن أبي الدرداء.
وأقول: حديث أبي الدرداء، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ قَالَ
١٧٤

لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، دَخَلَ الجَنَّةَ)). قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ
سَرَقَ؟ قَالَ: ((وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ))، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ:
(وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ)). قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: ((وَإِنْ زَنَى وَإِنْ
سَرَقَ، عَلَى رَغْمٍ أَنْفٍ أَبِيِ الدَّرْدَاءِ». قَالَ: فَخَرَجْتُ لِأُنَادِيَ بِهَا فِي
النَّاسِ، فَقِي عُمَرُ، فَقَالَ: ارْجِعْ؛ فَإِنَّالنَّاسَ إِنْ عَلِمُوا بِهَذِهِ، اَنَّكَلُوا
عَلَيْهَا. فَرَجَعْتُ فَأَخْبَرْتُهُ نَّهِ، فَقَالَ: ((صَدَقَ عُمَرُ)) .
رواه أحمد، والبزار، والطبراني، وإسناد أحمد حسن.
وعن معاذ بن جبل: أَنَّهُ إِذْ حُضِرَ قَالَ: أَدْخِلُوا عَلَيَّ النَّاسَ.
فَأُدْخِلُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((مَنْ مَاتَ لاَ
يُشْرِكُ بِاللّهِ شَيْئاً، جَعَلَهُ اللهُ فِي الجَنَّةِ». وَمَا كُنْتُ أُحَدِّثُكُمُوهُ إِلاَّ عِنْدَ
المَوْتِ، وَالشَّهِيدُ عَلَى ذَلِكَ عُوَيْمٌِ أَبُو الدَّرْدَاءِ. فانطلقوا إلى أبي
الدَّرْدَاءِ، فَقَالَ: صَدَقَ أَخِي، وَمَا كَانَ يُحَدِّثُكُمْ بِهِ إِلاَّ عِنْدَ مَوْتِهِ. رواه
أحمد، ورجاله ثقات.
إذا عرفت هذا، فالكلام - هاهنا - في مواضعه.
الأوّل: في التعريف برواته سوى ما سلف.
(وَاصِلٌ)، وهو ابن حيان الأحدبُ، الأسديُّ، الكوفيُّ.
عن شريح القاضي، وأبي وائل، وإبراهيم النخعي.
وعنه مسعر، وشعبة، والسفيانان، وآخرون.
١٧٥

وَثَّقَهُ ابن معين، وأبو داود، وأخرج له الستة.
توفي سنة عشرين ومئة.
و(شيخه)، وهو أبو أمية المعرورُ بن سُويد الكوفيُّ.
عن عمر، وابن مسعود، وجمع.
وعنه سالم بن أبي الجعد، والأعمش، وجماعة.
وَثَّقَهُ ابن معين، وأبو حاتم، وأخرج له الستة .
قال الأعمش: رأيته وهو ابنُ مئة وعشرين سنة، أسودَ الرأس
واللحية.
وأما (أحمد) في الإسناد الآخر، فهو أبو عاصم أحمدُ بنُ جَوَّاسِ
الحنفيُّ، الكوفيُّ.
عن أبي الأحوص سلام بنِ سليم، وابن المبارك، وابن عُيينة،
وجماعة.
وعنه مسلم، وأبو داود أخرجا له، وجمع.
توفي سنة ثمان وثلاثین ومئتين.
والثاني : فيما يتعلق بالمعنی، وقد مر.
* وفي قوله: (نشدني أشعار) نشدهم النبي ◌َّر بأمر أمته، وغاية
شفقته على دخول الزلفى لهم، وسيجيء مصرحاً في حديث عبدالله بن
عمرو من بكائه - عليه السلام - عند تلاوة قول الله تعالى حكاية عن
إبراهيم عليه السلام: ﴿فَمَنْ تَبِّعَنِى فَإِنَّهُ مِنّ﴾ [إبراهيم: ٣٦] الآية، ونزول
١٧٦

جبريل - عليه السلام - مخبراً بأن الله تعالى يقول: ((إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي
أُمَّتِكَ، وَلا نَسُوءُكَ))، وهذا منه بَّه مقتضى ما جبله الله عليه من الخلق
الکریم، وأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم.
والثالث في قوله: (عَلَى رَغْمٍ أَنْفِ أَبِي ذَرَّ)، وهو بفتح الراء
وضمها وكسرها، من الرَّغَام - بالفتح -، وقيل: التراب، يقال: ألصقه
بالرغام: إذا أذله وأهانه، وإنما ذكر هذا؛ لأن أبا ذر ه لمَّا بالغ في
السؤال، وأظهر استبعاد شمول المغفرة للزاني والسارق، أومأ إلى أن
هذا واقع على ذلة منه وكراهة له.
وقيل: معناه: وإن اضطرب أنفه؛ يعني: لكثرة ترداده وسؤاله، ومنه
قوله تعالى: ﴿مُرَغَمَا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٠٠]؛ أي: اضطراباً في الأرض.
وأما خروج أبي ذر بهذه الكلمة، فلأجل بشاشته بحصول يقين له
في المسألة المشبهة عليه، وبشارته لإخوانه المؤمنين، وانقياده للحقِّ
بعدَما تبيَّن.
وبالجملة: ففي الحديث إشعارٌ بوقوع المغفرة، وأنها كائنة
لا محالة، ورمز إلى غاية تقوى أبي ذر، وشدة نفرته من معصية الله
تعالى، وكثرة بغضه للعصاة، وغاية شفقته على المؤمنين، وبلوغهم
الدرجة القصوى في دار البقاء، على ما مر مثله في ضرب عمر أبا
هريرة في حديث النعل، وقد مر نبذ من الكلام من تصلب أبي ذرّ في
الدین، وارتقائه في مسالك الیقین في ترجمته
١٧٧

(٣٠)
بيان تحريم قتل القائل بالشهادتين،
وإن كان بخوف
[ ٤٣ _ باب
تَحْرِيمٍ قَتْلِ الكَافِرِ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ]
٢٨٤ _ (٩٥ / ١٥٥) - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ ح،
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ - وَاللَّفْظُ مُتَقَارِبٌ -: أَخْبَرَنَاَ اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ
شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَِّيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَدِيٍّ بْنِ الخِيَارِ،
عَنِ المِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ: أَنَُّ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَرَأَيْتَ إِنْ
لَقِيتُ رَجُلاً مِنَ الكُفَّارِ، فَقَاتَلَنِي، فَضَرَبَ إِحْدَى يَدََّ بِالسَّيْفِ،
فَقَطَعَهَا، ثُمَّ لاَذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ، فَقَالَ: أَسْلَمْتُ لِلَّهِ، أَفَأَقْتُهُ يَا رَسُولَ اللهِ
بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟ قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: ((لاَ تَقْتُلْهُ)). قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ
اللهِ! إِنَّهُ قَدْ قَطَعَ يَدِي، ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ قَطَعَهَا، أَفَأَقْتُلُهُ؟ قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لاَ تَقْتُلُهُ، فَإِنْ قَلْتَهُ، فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ،
وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ».
٢٨٥ - (٩٥ / ١٥٦) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ
١٧٩

حُمَيْدٍ، قَالاَ: أَخْبَرَنَاَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَاَ مَعْمَرٌ ح، وَحَدَّثَنَا
إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ
ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ
جَمِيعاً، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ، أَمَّا الأَوْزَاعِيُّ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، فَفِي
حَدِيثِهِمَا: ((قَالَ: أَسْلَمْتُ لِلَِّ»؛ كَمَا قَالَ اللَّيْثُ فِي حَدِيثِهِ. وَأَمَّا
مَعْمَرٌ، فَفِي حَدِيثِهِ: ((فَلَمَّا أَهْوَيْتُ لِأَقْتُلَهُ، قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّ الله).
٢٨٦ - (٩٥ / ١٥٧) - وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْبَى، أَخْبَرَنَاَ ابْنُ
وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بُ
يَزِيدَ اللَّيِيُّ ثُمَّ الجُنْدَعِيُّ: أَنَّ عُبَيْدَاللهِ بْنَ عَدِيٌّ بْنِ الخِيَارِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ
المِقْدَادَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الأَسْوَدِ الكِنْدِيَّ - وَكَانَ حَلِيفاً لِيَتِي زُهْرَةَ، وَكَانَ
مِمَّنْ شَهِدَ بَدْراً مَعَ رَسُولِ اللهِ وَهِــ: أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَرَأَيَتَ إِنْ
لَقِيتُ رَجُلاً مِنَ الكُفَّارِ. ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ.
لمَّا أوردَ الأحاديث الدالةَ على نفي الإيمان في الآخرة، ناسب أن
يورد نفعَها في الدنيا، وهو حقنُ الدم، وحفظُ المال، وقدَّم الأوّل؛
لأنه المقصود الأصل، والترافع فيه الإيمان الكامل، ونفعه في الدنيا
أمر سهل بالنسبة إلى الأوّل، ويحصل من الإيمان الظاهري - أيضاً -،
فأخرج فيه ثلاثة أحاديث:
الأول: حديثُ المقدادِ بنِ الأسود: أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ!
١٨٠