النص المفهرس

صفحات 121-140

الصانع أخصُّ من العامل؛ إذ كل عامل لا يسمى صانعاً إذا لم يكن له
تدرب وتمكن في تلك الصناعة، وقد روى بعضَ الرواية في ((مسلم))
هشامُ بن عروة بالضاد المعجمة والياء؛ من الضياع في الموضعين.
قال ابن المديني: إن هشاماً صحّف ذلك.
وقال الدارقطني: وكذلك رواه أصحاب هشام عنه بالمعجمة،
وهو تصحيف .
وقال القاضي عياض: روايتنا في ((مسلم)) في رواية هشام في
جميع الطرق بالمعجمة، إلا من رواية أبي الفتح الشاشي، عن عبد
الغافر الفارسي، فإن شيخنا أبا بحر حدثنا عنه بالصاد المهملة، وهو
الصواب؛ لمقابلته بالأخرق.
وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: في رواية هشام بالصاد
المهملة والنون في الموضعين في أصل الحافظين؛ أبي عامر
العبدري، وأبي القاسم بن عساكر، وهذا هو الصحيح في نفس الأمر،
لكنه ليس رواية هشام بن عروة، وإنما روايته المعجمة.
وبالجملة: قوله: (فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ) راجع إلى السؤال عن الرقاب،
لا على الجميع، فإن تمكنه على الإيمان لا يزول بحال، وأعمال
الصانع لا يقوم مقامه، والمعنى: فإن لم أقدر على عتق الرقبة، أو
الإقدام على الحج الذي من جملتها الأضحية، أو على سَوْق الهَدْي،
أو على الجهاد - على ما مر في تفسير الرقاب -، فما أفعل؟ فأجابه
١٢١

بإعانة الصانع، وذلك بتحريضه على ذلك، ودلالته عليه، وبيان
فضيلته، ويبلغ هذا الحديث إليه، وغير ذلك من أنواع المعونة، فإن
العاجز عن فعل الخير لمانع إذا كانت نيته الإقدام عليه عند القدرة،
ودأبه إعانة الفاعل قلباً ولساناً ويداً، كان له مثلُ أجره، على ما نطقت
به الأحاديث التي يجيء ذكرها.
وإنما أبرز الأمر في صورة الخبر؛ إيماءً إلى أن المخاطب كأنه
فعل ذلك، فهو يخبر عنه، وإظهاراً إلى أن هذا أمر ينبغي أن يتسارع
في قبوله، والقيام به، وإنما نكَّرَ الصانع؛ إشعاراً إلى أن إعانته لصانع
ما، أيَّ صانع كان، محصِّلٌ للمثوبة، وإيماء إلى أن معاونته غير
المتعين المتعارف أولى من معاونة المتعين؛ كما أشار في قوله:
((وَتَفْشِيَ السَّلامَ عَلى مَنْ عَرَفْتَ، وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ)).
والأخرق: الذي لا يقدر على الصنعة، وقيل: الذي ليس [له]
صنعة في مقام الصانع، والمعنى: إذا وجدت صانعاً يعمل ذلك
العمل، کُنْ مُعیناً له، وإذا رأیت أخرق لا یعمل ذلك، کُنْ دالاً له علی
ذلك؛ فإن دلالته على ذلك، وتحصيل ذلك الطلب في باطن الأخرق
بمنزلة الصنعة له .
وقيل: المعنى: فإن لم أفعل الجهاد والحج، وسائرَ ما يكون فيه
احتياج إلى زيادة الأسباب والعدة، فأيَّ شيء أفعلُ يكون بدلاً عنها؟
فأجاب بأن معونة الصانع، وعملَ الصنعة للذي لا يقدر عليها، أَيَّ
صنعة كانت من حوائج الإنسان، يكون عملاً له أجر؛ لأن إعانة العامل
١٢٢

على الخير، والعمل للعاجز من فضائل الأعمال.
ويحتمل أن يكون المعنى: فإن لم أفعل الإعتاق لاحتياجي إلى
الخادم، فما أفعل؟ فقال: ((تُعِينُ صَانِعاً، أَوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَ))؛ يعني: إن
كان عندك صانع تعينه على صنعته، والإعانة قد تكون بالعمل معه،
وقد تكون بالتخفيف عليه، وقد تكون بتفريغ بعض الأيام أو الساعات
لاستراحته، إلى غير ذلك من أنواع الإعانة.
والصنعة لأخرق - أيضاً - تكون بالتعليم له إلى كيفية العمل،
والرفق معه في ذلك.
وبالجملة راجع إلى ما سيجيء من قوله - عليه السلام - لأبي ذر
- أيضاً -: ((هُمْ إِخْوَانُكُمْ وَخَوَلُكُمْ)) الحديث.
ويحتمل أن يكون الأخرق ضد الرقيق، والمعنى: تعين الصانع؛
أي: الرقيق من خُدَّامك أو أصحابك على الرفق، ليصدر عنه أكثر
ما كان؛ فإن الرفق خير كله، (أَوْ تَصْنَعُ): أن ترفق لأخرق، لمن لا رفق
له، والمقصود: الأمر بالرفق وحسن المعاشرة مع من يصدر عنه الرفق،
ومع من لا يصدر ليريد بتركه إرشاده في العمل، وبتعليم العاطل.
، قوله: (تَكُفُّ شَرَّكَ عَنِ النَّاسِ؛ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ)
فيه دليل على أن الكف فعل اللسان داخل تحت كسبه، ويؤجر عليه،
ويعاقب على تركه، وإنما يثاب إذا قارنته النية، وأمّا مع الغفلة
والذهول، فلا .
١٢٣

وذهب بعض أهل الأصول إلى أنّ الكف نفي محض، لا يدخل
تحت التكليف.
والمنازعة سهلة، وموضع كشفها الأصول.
وبالجملة: الأمر بكف شَرِّه عن الناس ينبني عن أن الأوّل أمرٌ
بإيصال النفع، والمعنى: إن ضعفت عن إيصال النفع، فالواجب
عليك منعُ نفسك عن الشر؛ فإن ترك السوء والإيذاء خيرٌ وصدقة،
ولما كان نفعه راجعاً إليه في الحقيقة، وإن كان في الظاهر يرجع إلى
الناس، أبرزَ المعنى الحقيقي؛ تحريضاً له على فعله، فقال: ((صَدَقَةٌ
مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ))؛ لأن الشر الواصل منك إلى غيرك تُسأل عنه،
وتؤاخذ به، فتركُه صدقة على نفسك، وأنَّثَ الضمير؛ نظراً إلى الخبر
كما قيل في: من كانت أمك؟
ويحتمل أن يراد بها: الأعمال، وتكون تعليلاً للجميع، ويتم
الجواب عند قوله: ((تَكُفُّ شَرَّكَ عَنِ النَّاسِ))، والمعنى: إن ضَعُفتَ عن
القيام ببعض الأعمال؛ مثل: الجهاد، وعتق الرقاب، وغيرهما، فاترك
إيذاء الناس؛ فإن الأعمال المذكورة كلها - الفِعْلية والتَّرْكِية - صدقةٌ منك
على نفسك، فلابد لك من الإتيان بها، ووحَّد الخبر؛ نظراً إلى كل واحد.
٢٦٢ - (٨٥/ ١٣٧) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، حَدَّثْنَا عَلِيُّ بْنُ
مُسْهٍِ، عَنِ الشَّنْيَائِيِّ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْعَيْزَارِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِيَاسٍ أَبِي
عَمْرِو الشَّيْيَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِوَلِ: أَيُّ
١٢٤

العَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((الصَّلاَةُ لِوَقْتِهَا)). قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: ((ِرُّ
الوَالِدَيْنِ». قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: (الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ». فَمَا
تَرَكْتُ أَسْتَزِيدُهُ إِلَّ إِرْعَاءً عَلَيْهِ.
٢٦٣ - (٨٥ / ١٣٨) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ،
حَدَّثَنَا مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو يَعْفُورٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْعَيْزَارِ، عَنْ
أَبِي عَمْرِو الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ!
أُّ الأَعْمَالِ أَقْرَبُ إِلَى الجَنَّةِ؟ قَالَ: ((الصَّلاَةُ عَلَى مَوَاقِتِهَا)). قُلْتُ:
وَمَاذَا يَا نَبِيَّ اللهِ؟ قَالَ: (بِرُّ الوَالِدَيْنِ). قُلْتُ: وَمَاذَا يَا نَبِيَّ اللهِ؟ قَالَ:
((الچِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ».
الحديث الثالث: حديثُ ابن مسعود، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ:
أُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((الصَّلاَةُ لِوَقْتِهَا)). قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَّ؟ قَالَ: ((بِؤُ
الوَالِدَيْنِ)). قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَّ؟ قَالَ: ((الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ). فَمَا
تَرَكْتُ أَسْتَزِيدُهُ إِلَّ إِرْعَاءٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ! أيُّ الأَعْمَالِ أَقْرَبُ إِلَى الجَنَّةِ؟
قَالَ: ((الصَّلاَةُ عَلَى مَوَاقِيتِهَا)). قُلْتُ: وَمَاذَا يَا نَبِيَّ اللهِ؟ قَالَ: ((بِرُّ
الوَالِدَيْنِ)». قُلْتُ: وَمَاذَا يَا نَبِيَّ اللهِ؟ قَالَ: ((الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ».
٢٦٤ - (٨٥ / ١٣٩) - وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُاللهِ بْنُ مُعَاذِ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثْنَا
أَبِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْعَيْزَارِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ
١٢٥

قَالَ: حَدَّثَنِي صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ - وَأَشَارَ إِلَى دَارِ عَبْدِ اللهِ - قَالَ: سَأَلْتُ
رَسُولَ اللهِ وَ﴾ِ: أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: ((الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا)).
قُلْتُ: ثُمَّ أَّ؟ قَالَ: (ثُمَّبِرُّ الوَالِدَيْنِ). قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: (ثُمَّ الجِهَادُ
فِي سَبِيلِ اللهِ». قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ، وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ، لَزَادَتِي.
٢٦٥ _ (٨٥/ ١٣٩) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. وَزَادَ: وَأَشَارَ إِلَى دَارِ عَبْدِاللهِ،
وَمَا سَمَّاهُ لَنَا.
٢٦٦ _ (٨٥/ ١٤٠) - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، حَدَّثْنَا جَرِيرٌ،
عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِاللهِ، عَنْ أَبِي عَمْرِو الشَّيْيَانِيِّ، عَنْ عَبْدِاللهِ، عَنِ
النَّبِيِّ وَ﴿، قَالَ: (أَفْضَلُ الأَعْمَالِ - أَوِ العَمَلِ - الصَّلاَةُ لِوَقْتِهَا، وَيِرُّ
الوَالِدَیْنِ».
وفي رواية: (سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ: أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟
قَالَ: ((الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا)). قُلْتُ: ثُمَّ أَيِّ؟ قَالَ: (ثُمَّ بِرُّ الوَالِدَيْنِ)).
قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: ((ثُمَّ الِجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ). قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ،
وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ، لَزَادَنِي.
وأخرجه البخاري في (الصّلاة)، وغيرها، والترمذي في (الصّلاة)،
و(البِر)، والنسائي في (الصّلاة).
إذا عرفت هذا، فالكلام - هاهنا - في مواضع:
١٢٦

الأول: في التعريف برواته سوى ما سلف.
(الشَّيْیَانِيُّ)، وهو سليمان بن أبي سليمان فيروز، وقيل: خاقان،
أبو إسحاق الشيباني، مولاهم، الكوفي.
عن عبدالله بن أبي أوفي، وِزِرٌّ، والشعبيِّ، وخلائق.
وعنه عاصم الأحول، والسَّبيعي مع تقدمهما، وشعبة، والسفيانان،
وآخرون.
وَثَقَهُ القوم، وأثنوا عليه، وأخرج له الستة.
(الْوَلِيدِ) هو ابْنُ الْعَيْزَارِ بنِ حُريث العبدُّ، الكوفيُّ.
عن أنس، وأبي عمرو الشيباني، وغيرهما.
وعنه مالك بن مِغْول، وشعبة، وإسرائيل.
وَثَّقَهُ ابن معين، وأبو حاتم، وأخرج له الستة إلا أبا داود، وابن
ماجه .
(وشيخه) أبو عمرو سعد بن إياس الشيباني، أدرك النبيَّ - عليه
السلام-، ولم يره.
عن علي، وحذيفة، وأبي مسعود، وجماعة.
وعنه سلمة بن كُهيل، ومنصور، والأعمش، وخلائق.
وَثَّقَهُ القوم، وأثنوا عليه، وأخرج له الستة.
توفي سنة ثمان وتسعين، وعاش مئة وعشرين سنة.
و[أما] (أبو يعفور)، فهو عبد الرحمن بن عبيد بن نسطاس
التغلبيُّ، البكائيُّ.
عن أبيه، والشعبي، والنخعي، وجماعة.
١٢٧

وعنه الثوري، وابن عيينة، وابن المبارك، وخلائق.
وَثَّقَهُ أحمد، وابن معين، وأخرج له الستة.
و(الحسن)، وهو أبو عروة الحسن بن عبيدالله بن عروة النخعيُّ
الکوفيُّ.
عن أبي وائل، وزيد بن وهب، وجماعة.
وعنه شعبة، والثوري، وآخرون.
وَثَّقَهُ القوم، وأخرج له الستة إلا البخاري.
والثاني: فيما يتعلق بالمعنى، وقد مر الكلام عليه.
والثالث: في قوله: (فَمَا تَرَكْتُ أَسْتَزِيدُهُ) هكذا في الأصول
بدون (أن)، وهي مرادة، والتقدير: فما تركت أن أستزيده؛ أي:
ما تركت طلبَ الزيادة في السؤال إلا رفقاً به، والمعنى: أنه - عليه
السلام - ملاطف صبور على السؤال، ولو سألت عن أشياء أخر،
لأجابني بها، ولكن ما تركت السؤال عنها إلا رفقاً وإبقاء عليه، وكذا
معنى قوله: (وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ)؛ أي: في السؤال عن أشياء، (لَزَادَنِي)
في الجواب عنها.
يقال: أَرْعَى عليه؛ أي: يبغي إرعاء؛ أي: إبقاء.
وأما بيان ترتيب الأحاديث، فقد مر.
١٢٨

(٢٧)
باب
بيان أعظم الكبائر
٢٦٧ - (٨٦ / ١٤١) - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَاَ جَرِيرٌ، وَقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ
مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ:
سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِوَّهِ: أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ؟ قَالَ: ((أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ
نِدّاً، وَهُوَ خَلَقَكَ)). قَالَ: قُلْتُ لَهُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ
أَيُّ؟ قَالَ: (ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ)). قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ
أَّ؟ قَالَ: (ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةً جَارِكَ)).
٢٦٨ _ (٨٦ / ١٤٢) - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ جَمِيعاً، عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثْنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ،
عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، قَالَ: قَالَ عَبْدُاللهِ: قَالَ رَجُلٌ:
يَا رَسُولَ اللهِ! أيُّ اللَّنْبِ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ؟ قَالَ: ((أَنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدّاً، وَهُوَ
خَلَقَكَ)). قَالَ: ثُمَّ أَمَّ؟ قَالَ: ((أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ)).
قَالَ: ثُمَّ أَّ؟ قَالَ: (أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ))، فَأَنْزَلَ اللهُ أَكْ تَصْدِيقَهَا:
١٢٩

﴿وَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَاءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ اَلَِّى حَرَّمَ اللَّهُ إِلََّ بِآلْحَقِّ
وَلَا يَزْنُونَّ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْوَ أَنَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨].
لما أورد ما يدل على أفضل الأعمال، أردفه بإيراد ما يدل على
أنه أكبر الكبائر، وبضدها تتبين الأشياء، فأخرج - هاهنا - خمسة
أحادیث :
الحديث الأول: حديثُ ابن مسعود، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهْ:
أُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ؟ قَالَ: ((أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِنِدّاً، وَهُوَ خَلَقَكَ)). قَالَ:
قُلْتُ لَهُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌّ، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَّ؟ قَالَ: (ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ
مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ)). قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: (ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةً
جَارِكَ). فَأَنْزَلَ اللهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - تَصْدِيقَهَا: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ الَهِ
إِلَهَاءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اَللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ
يَلْوَ أَثَامًا ﴾ [الفرقان: ٦٨] الآية.
أخرجه البخاري، والأربعة سوی ابن ماجه.
إذا عرفت هذا، فالكلام فيه في مواضع :
الأول: التعريف برواته سوى ما ذكر.
(عمرو)، وهو أبو ميسرة عَمْرُو بْنُ شَرَحْبِيلَ الهمدانيُّ،
الكوفيُّ.
عن علي، وعمر، وعائشة، وجماعة.
وعنه الشعبي، والقاسم بن مخيمرة، وأبو إسحاق، وآخرون.
١٣٠

وَثَّقَهُ القوم، وأثنوا عليه كثيراً، وأخرج له [الستة] إلا ابن ماجه.
وعن أبي وائل: ما اشتملت همدانية على مثل أبي ميسرة، قيل
له: ولا مسروق؟ قال: ولا مسروق.
والثاني : فيما يتعلق بالمعنی :
قد مر أن الشيء قد يكون أعظم وأفضل بالنظر إلى ذاته، وقد
يكون بالنظر إلى غيره، ولاشك أن الإشراك أعظمُ الذنوب، فالشرك
الذي هو أقبحُ أنواعه أشدُّ قبحاً، وأعظم وزراً، ثم النِّدُّ في اللغة:
المِثْلُ، ولا يستعمل إلا في المثل المخالف المعادي. قال جرير:
وَهَلْ تَيْمٌ لِذِي حَسَبِ نَدِيدُ
أَتَيْمٌ يَجْعَلُونَ إِلَيَّ نِدّاً
ونادَدْتُ الرجلَ: خالفتُه، ونافرتُه، من نَدَّ نُدُوداً: إذا نفر.
ومعنى قولهم: ليس لله نِدٌّ ولاضِدٌّ: نفيُ ما يسدُّ مَسَدَّهِ، ونفيُ ما
ينافيه، فجعلُ مثل لله تعالى يساويه، ويسد مسده في الألوهية - مع أن
الله تعالى خالقُ الأشياء كلها، ولا شيءَ سواه قادرٌ على خلق شيء -
شركٌ عظيم، وافتراء شنيع، فلذلك قال: ((أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدّاً، وَهُوَ
خَلَقَكَ)).
وكثير من المشركين، وإن لم يعتقدوا كون آلهتهم نداً لله تعالى
على هذا المعنى، بل اعتقادهم: كانوا شفعاءهم عند الله تعالى، ولكن
لما كان الواجب عليهم التوحيد، وجعل جميع المخلوقات - خصوصاً
التي لا حياة فيها، ولا اعتبار - عند كمال الألوهية، وعظمة صفات
١٣١

جلاله وجماله عبداً مملوكاً له، وأن لا يسمى شيء من الأشياء باسم
الألوهية سواه، فضلاً أن يُعبد، ويُجعل ذريعة إلى الشفاعة، ويتجلى
بالتعظيم، والسجود له، والخضوع عنده، جعل فعلهم ذلك فعلَ
المعتقد أن له نداً يساويه في القدرة، ويمكنه المنازعة في الألوهية؛
تقبيحاً لفعلهم، وتسجيلاً عليهم بالغفلة، فقال: ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ لِلّهِ
أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]، فمن اعتقد موثراً سوى الله تعالى
في أمر من الأمور بإيجادٍ أو فناء، أو إيصال نفع، أو دفع ضرر، جاهلٌ
بالله تعالى، وجاعلٌ له شريكاً، وداخلٌ تحت هذا الوعيد، ولما كان
الجعلُ أعمَّ من الادعاء؛ لأنه ربما يخصّ بما يظهر، فالجعل أعم لما
يظهر وما يخفى في الباطن = قدم الحديث المشتمل على الجعل على
الادعاء، مع أن الثاني فيه زيادة، والمشتمل على الزيادة يؤخر.
* قوله: (قَالَ)؛ أي: الراوي، وهو عبدالله بن مسعود: (قُلْتُ
لَهُ)؛ أي: لرسول الله ◌َ له: (إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ) فيه تلميح إلى قوله
تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: ١٣]؛ يعني: لما قال
رسول الله ◌َ: ((أَعْظَمُ الذَّنْبِ أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدّاً وَهُوَ خَلَفَكَ))، قال
الراوي تصديقاً له ذلك.
ولَمَّا كانت الحقوق تنقسم إلى ما يكون حقاً لله تعالى، وإلى
ما يكون حقاً للعبد، وقد مر أن حقوق الله تعالى أعظمُ؛ نظراً إلى من
له الحق، ولكن لما كان منزهاً عن الاحتياج، مستغنياً على الإطلاق،
لا يذكر من حقوقه إلا ما هو الأعظم، والذي كالعنوان لما سواه، ومن
١٣٢

حقوق العباد تارة يذكر ما هو الأدنى؛ إشعاراً بوجوب محافظتها،
وإيماء إلى أن الأدنى يسأل عنه، فضلاً عن الأعلى، وتارة الأعلى؛
مناسبة لذكر حق الله تعالى، أورد في هذا الحديث الأعلى، وهو قتل
النفس؛ لأنه لما سُئل عن أعظم الذنب، وأعظمُه في هتك حقوق الله
تعالى الشركُ، وفي حقوق العباد القتلُ، الذي هو الإفناء الكلي،
والإعدام الخلقي، ثم الزنا الذي هو - أيضاً - مُفْضٍ إلى نفي نسب
الولد، وهو قتلٌ له في الحقيقة.
وقيل: القتل بالوأد؛ لأن ذلك أكثر قبحاً؛ لأن قتل النفس
المحرمة قبيح جداً، فقتل من يجب عليه التربية والشفقة يكون أقبح.
و- أيضاً -: البهائم - مع عدم تمييزها - كانت لهم الشفقة، والذبُّ عن
أولادها، حتى إنها تقتحم المهالك، وترمي نفسها فيها؛ محافظة على
أولادها، فإذا كان الإنسان - مع تمييزه وعقله - يقُدِم على قتل الولد،
كان أضلَّ من البهائم، وأقبح حالاً منها: ﴿أُوْلَئِكَ كَالْأَنْعَمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾
[الأعراف: ١٧٩].
ثم قيَّد القتل بكونه لأجل الخوف من الأكل معه؛ لأن فيه إشعاراً
إلى إنكار كونه خالقه، ولذلك جاء في الرد عليه في الأول: (وَهُوَ
خَلَقَكَ)، وفي الثاني: ﴿فَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١]،
فيكون في قتله ولدَه لأجل ذلك الجهلُ بكمال قدرة الله تعالى، وكون
الرزق مقسوماً مقدَّراً لا يزيد بقتل ولده، ولا ينقص بإبقائه، وجهلٌ
بحق الشفقة عليه، ففيه إبطالُ الحقين، والخسارة بالصفقتين، ولذلك
١٣٣

وسَّطه بين الشرك والزنا بحليلة الجار، الذي هو إبطال حقِّ الجوار
- أيضاً - الواجب عليه رعايتُه، وإيصالُ النفع إليه، فإذا صدر منه ما
يكون خلافَ المتوقَّع، يكون قبيحاً، والزنا لأجل أنه محرم، وصَبٌّ
للنطفة في غير محلها، وتركُ التخيُّر لها، وسبب لزوال النسب، قبيحٌ،
فمع حليلة الجار الواجبِ عليه رعايتُه أقبحُ، وقد كانت العرب في
الجاهلية يحترزون عن ذلك، ويعرفون حقَّ الجار، ويمتدحون بذلك،
قال عنترة :
وَأَغُضُّ طَرْفِي مَا بَدَتْ لِي جَارَتِي
حَتَّى يُوارِي جَارَتِي مَأْوَاهَا
وورد في حديث المقداد: ((لأَنْ يَزْنِيَ الرَّجُلُ بِعَشْرَةِ نِسْوَةٍ أَيْسَرُ
عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَزْنِيَ بِامْرَأَةِ جَارِهِ» .
وفي (تُزَانِيَ) - أيضاً -: إيماء إلى كثرة الفعل؛ لأن إخراج الفعل
إلى هذه الصيغة إذا كان الفاعل واحداً فيه بيانٌ لكثرة الفعل؛ فإن الفعل
إذا وقع من فاعلين، يكون أكثرَ صدوراً من أن يكون من واحد.
وقيل: فيه معنى رضاها؛ لأن لفظة (زنى) تستعمل فيما إذا كان
الطلب من جانبه، و(زانى) لِمَا يكون من جانبين، وهذا أقبح؛ لأن فيه
ارتكابَ القبيح، وإفسادَها على زوجها، واستمالة قلبها إلى الزنا.
وفي لفظة (الحليلة) - أيضاً - نوع تقريع بأن الشيء الذي يريد هذا
الشخص الزنا معها [لأجله] قادر على تحصیل مثله حلالاً كما يكون
١٣٤

لجاره، وهو - مع تمكن التوصل بوجه الحلال - يرتكب مثل ذلك
الفعل المحرم الشنيع .
الثالث: في قوله: (فَأَنْزَلَ اللهُ تَصْدِيقَهَا)؛ أي: تصديق كون
المذكورات من أعظم الذنوب؛ حيث اقتصر على ذكرها، وذكر أن
فاعلها يستحق الوعيد الشديد، ولم يقل: فأنزل الله تصديقه؛ إيماء إلى
أن كلام النبي - عليه السلام - حق ويقين بلا ريب، حتى لا يحتاج إلى
التصديق، ولكن إنما أنزل تصديقاً لما أخبر به من انخراط القتل والزنا
في سلك الشرك.
ثم المذكور في الآية دعوة إلهٍ آخر مع الله، وهو أعم من جعله
نِدّاً؛ أي: خالقاً مساوياً في القدرة، وكذلك القتل والزنا مذكوران على
الإطلاق، وفي الحديث تقيد الولد وحليلة الجار، لكان النص مبيناً
كونَ المذكورات من الذنوب العظام، والحديث لكونها من أعظمها؛
إذ التقييد في كل واحد بنوع قيد يؤثر في زيادة قبحه، وتكون الآية
مصدقة لما في الحدیث.
وأما استثناء قوله: ﴿إِلَّا پآلحيّ﴾، فسيجيء بيانه في موضعه - إن
شاء الله تعالى -.
٢٦٩ - (٨٧ / ١٤٣) - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ بُكَيْرِ بْنِ
مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ، حَدَّثَنَا
١٣٥

عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَِّ،
فَقَالَ: (أَلَا أُنَّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟ - ثَلَاثاً -: الإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ
الوَالِدَيْنِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَوْ قَوْلُ الزُّورِ)). وَكَانَ رَسُولُ اللهِهِ مُتَكِثاً،
فَجَلَسَ، فَمَازَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ.
الحديث الثاني: حديثُ أبي بكرة، قال: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَِّ،
فَقَالَ: ((أَلَا أُنَُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟ - ثَلاَثً -: الإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ
الوَالِدَيْنِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَوْ قَوْلُ الزُّورِ)). وَكَانَ رَسُولُ اللهِ لِ مُتَّكِئاً،
فَجَلَسَ، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ.
أخرجه البخاري، والترمذي، ثم قال الترمذي: وفي الباب: عن
أبي سعيد.
وفي الباب: عن أبي الدرداء، مرفوعاً: ((أَلاَ أَنْبَتُكُمْ بِأَكْبَر
الكَبَائِرِ؟ الإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ))، وكان النبي - عليه السلام -
محتبياً، فحلَّ حبوته، فأخذ النبي وَّهِ بطرف لسانه، وقال: ((أَلاَ وَقَوْلُ
الزُّورِ)).
وعن عمر: أن النبي - عليه السلام - قال: ((أَرَأَيْتُمُ الزَّانِيَ
وَالسَّارِقَ وَشَارِبَ الخَمْرِ ما تَقُولُونَ فِيهِمْ؟))، قالوا: الله ورسوله أعلمُ،
قال: ((هُنَّ فواحِشُ، وفيهنَّ، أَلاَ أَنَبِّئُكُمْ بأكبرِ الكبائِرِ؟ الإشراكُ باللهِ،
ثم قرأ: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ اُفْتَرَ إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨]، وعُقُوقُ
الوالدَيْنِ، ثم قرأ: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِيِ وَلِوَلِدَيْكَ إِلَىَّ الْمَصِيرُ ﴾ [لقمان: ١٤]،
١٣٦

وكان متكئاً فأصغر وقال: ((أَلاَ وَقَوْلُ الزُّورِ))، رواهما الطبراني.
إذا عرفت هذا، فالكلام - هاهنا - في مواضع :
الأوّل: في التعريف برواته سوى ما مر، وهو (أبو مسعود)
سعيد ابن إياس الجُريريُّ البصري.
عن أبي الطفيل، وأبي عثمان النهدي، وأبي نضرة، وخلائق.
وعنه شعبة، والثوري، وَوُهَيْبٌ، وآخرون.
وَثَّقَهُ القوم، وأخرج له الستة.
قال النسائي: أنكر أيام الطاعون.
وقال أبو حاتم: تغير حفظه قبل موته، وآخِرُ من حدث عنه
الأنصاريُّ.
توفي سنة أربع وأربعين ومئة.
و(شيخه) عبدُ الرحمن بنُ أبي بكرة الثقفيُّ، أولُ من ولد بالبصرة.
يروي عن أبيه، وعلي، والأسود بن سريع، وجماعة.
وعنه ابن سيرين، وقتادة، وعبد الملك بن عمير، وآخرون.
ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وأخرج له الستة .
الثاني: في تعريف الكبيرة:
قد اختلف القوم فيه، فقيل: كلُّ ما نهى الله عنه فهو كبيرة، وهو
قول الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، ويروى عن ابن عباس
،
وأخرجه الطبراني عنه، وإسناده جيّد، وحكاه(١) القاضي عياض عن
(١) في الأصل: ((وحكى)).
١٣٧

جمع من المحققين .
وذهب جمع من الجمهور بأنها كل ذنب ختمه الله بنار، أو
غضب، أو لعنة، أو عذاب، وهو قول الحسن البصري، ويروى عن
ابن عباس.
وقيل: كل ما أوعد الله تعالى [عليه] بنار، أو حَدٍّ في الدنيا.
وقال الغزالي: الضابطُ الشاملُ [المعنوي] في ضبط الكبيرة: أن
كل معصية يقدم المرء عليها من [غیر) استشعار خوف، وحذار ندم،
كالمتهاون، فهي كبيرة، وما يحمل على فلتات النفس، وفترة مراقبة
التقوى، ولا ينفك عن تندم يمتزج به تنغيص التلذذ بالمعصية، فهذا لا
يمنع العدالة، وتكون صغيرة.
وقال أبو عمرو بن الصلاح: كل ذنب كَبُر وعَظُم يصح أن يُطلق
عليه اسمُ الكبيرة، ويوصف بكونه عظيماً على الإطلاق.
وهذا حد الكبيرة، ثم لها أمارات، منها: إيجاب الحد، ومنها:
الإيعاد عليها بالعذاب بالنار، ونحوها في الكتاب والسنة، ومنها:
وصف فاعلها بالفسق نصاً، ومنها: باللعن؛ كلعنِ اللهِ مَنْ غَيَّرَ مَنارَ
الأرضِ.
وقال أبو محمد بن عبد السلام: إذا أردتَ معرفة الفرق بين
الصغيرة والكبيرة، فاعرض مفسدَ الذنب على مفاسد الكبائر
المنصوص عليها، فإن نقصت عن أقل مفاسدها، فهي من الصغائر،
وإن ساوت أدنى مفاسد الكبائر، أو زادت عليه، فهي من الكبائر،
١٣٨

فمن شتم الربَّ سبحانه، أو رسولَه، أو كذَّب واحداً من الرسل، أو
ضمَّخ الكعبة بالعذرة، أو ألقى المصحف في القاذورات، فهي من
الكبائر، وإن لم يصرح الشرع بأنها كبيرة؛ لأن مفاسدها أعظمُ من
مفاسد بعض الكبائر المنصوص عليها، ومن دلَّ الكفار على جمع من
المسلمين، مع علمه أنهم يقتلون رجالهم، ويَسْبُون حريمهم
وأطفالهم، ويغنمون أموالهم، فهو كبيرة؛ لأن ذلك أعظمُ مفسدةً من
التولي يوم الزحف بغير عذر، مع أنه من الكبائر، والحكمُ بغير حَقِّ
كبيرةٌ؛ لأن شهادة الزور من الكبائر المنصوص عليها، مع أن الشاهد
ء
متسببٌ، والحاكم مباشِرٌ، فيكون فعله أولى بأن يسمَّى كبيرة.
وقال الواحدي: الصحيح: أن حدَّ الكبيرة غير معروف، بل ورد
الشرع بوصف أنواع من المعاصي بأنها كبائر، وأنواع منها صغائر،
وأنواع لم توصف، وهي مشتملة على صغائر وكبائر، والحكمة في
عدم بيانها: أن يكون العبد ممتنعاً عن جميعها؛ مخافة أن تكون من
الكبائر؛ كإخفاء ليلة القدر، وساعة الجمعة، والليل، واسم الله
الأعظم، ونحو ذلك.
وقال المحققون: لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار،
وروي ذلك عن عمر، وابن عباس
والإصرار: أن يتكرر منه الذنب تكرراً يُشعر بقلة مبالاته بذنبه،
إشعار ارتكاب الكبيرة بذلك، وكذلك إذا اجتمعت صغائر مختلفة
الأنواع؛ بحيث يُشعر مجموعها بما يُشعر به أصغر الكبائر.
١٣٩

وقيل: المُصِرُّ: من تَلَبَّسَ من أضداد التوبة باستمرار العزم على
المعاودة، أو باستدامة الفعل؛ بحيث يدخل به ذنبه فى حيز ما يطلق
علیه الوصف بصيرورته كبيراً عظيماً، وليس لزمان ذلك وعدده حصرٌ.
وبالجملة: فهذه الأقوال ترشدك إلى أن الكبائر لا تحصر في
عدد معين في لسان الشرع، وما جاء أنها سبع، أو ثلاث، أو أربع،
فالمراد: بيانُ بعضها بحسب المَحَالِّ، أو أنها من الكبائر على ما مرّ
مثله في أفضل الأعمال.
وعن ابن عباس ظم: أنه قيل له: الكبائر سبعٌ؟ قال: إلى سبعين
- ويروى إلى سبع مئة - أقربُ.
الثالث: في معنى الحديث:
فقوله: (أَلَا أَنَُّكُمْ) تنبيه لهم بأن الذي أخبرهم به شيء
عظيم، ينبغي أن ينتبه السامع له قبل وروده؛ ليكون أشد تمكناً في
نفسه، وأحسنَ فهماً، وكذا تكرير هذا الكلام ثلاثاً لأجل ذلك،
ويحتمل أن يكون قوله: (ثَلاَئاً) حالاً عن أكبر الكبائر؛ يعني: حالة
كونها ثلاثاً، أو بتقدير: (أعني)، وحذف الراجع أعني: (ثلاثاً) منها،
وتكون قرينة على أن أكثرها كثير، وإنما أخبر عن ثلاث منها .
ثم لاشك أن الشرك أكبر الجميع، كما أن الإيمان أفضل
الأعمال.
وأما عقوق الوالدين، فمأخوذ من العَقَقِ، وهو القَطْع، يقال:
عَقَّ والده يَعُقُّهُ - بضم العين - عَقّاً وعُقُوقاً: إذا قطعه، ولم يَصِلْ
١٤٠