النص المفهرس

صفحات 421-440

تغيير السنة لأجل إدراكهم الصلاة، أو استماعهم الخطبة .
و- أيضاً -: إنكار ذلك الرجل، واستصواب أبي سعيد،
واحتجاجه بهذا دليلٌ على أن هذا الأمر ما وقع في زمان الخلفاء، وما
فعله خليفة، إذ لو وقع، وصار مما (١) اختلف فيه، لَمَا ساغ لأبي سعيد
ذلك، ويكون لمروان مَنْدوحة في الجواب، ولا يحتاج إلى أن يقول:
(قَدْ تُرِكَ مَا هُنَالِكَ)، وإنما وقع هذا الأمر في زمان بني أمية؛ لأنهم
ينالون من عليٍّ، ويريدون أن يُسمعوا ذلك للناس، وكان الناس إذا
صلوا معهم، انصرفوا عن سماع خطبهم لذلك، فلما رأی مروان، أو
من شاء الله من بني أمية، قدَّموا الخطبة؛ ليسمعوا الناس ما يكرهون.
والصواب: تقديم الصلاة على الخطبة، وحكى بعض العلماء
الإجماع عليه .
وبالجملة: فأكثر الروايات وأصحها: أن الصلاة مقدمة إلى آخر
زمان عثمان، وإنما وقع التغيير بعد قتله، فعلى هذا يمكن الجمع
بين ما روي أن البادئ معاوية، وبين أن يكون مروان - على ما في
الكتاب -؛ لأن مروان أمير المدينة من قِبَل معاوية، فأمره معاوية - على
ما في الكتاب -، فنسب إلى مروان بالفعل، وإلى معاوية بالأمر،
وسيجيء لهذا زيادة كلام في (كتاب العيد).
وأما مبادرة الرجل إلى الإنكار على مروان قبل أبي سعيد، فقيل:
لأنه ما كان حاضراً في الأوّل، ثم حضر.
(١) في الأصل: ((ممن)).
٤٢١

وقيل: كان يخاف المضرَّة، فلما رأى قيام ذلك الرجل به، تابعه
على المعاونة.
وقيل: ذلك الرجل من قِبَلِهِ، وهو قد أمره بالابتداء؛ ليكون
إتمام الكلام من عنده، ويدل عليه ما سيجيء في (باب صلاة العيد)
من أن أبا سعيد جَذَب مروان حين أراد صعود المنبر، وذلك أن أبا
سعيد لما سمع بفعل مروان قبل خروجه، أمر لذلك الرجل بالبداية،
فلما جاء، ورأى صعود مروان، جذبه، وذكر الرجل ذلك الكلام،
وأتم أبو سعيد القول.
وقيل: كان ذلك مرتين، ففي إحدهما الناهي أبو سعيد، وفي
الآخرة هذا الرجل، وأبو سعيد صوَّب فعله.
وقيل: القضية متحدة، والمباشرة من أبي سعيد وهذا الرجل
معاً، فروى بعض الرواة أحدَهما، وبعضهم الآخرَ، والوجه ما تقدم.
* قوله: (وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ) قيل: معناه: أقله ثمرة.
وقال القاضي عياض: هذا الحديث أصل في باب تغيير المنكر،
فحق المُغَيِّرُ أن يكون من أهل الصلاح والسَّداد، والرأي والفطنة، وأن
يعمل بقدر وسعه على ما يقتضيه الحال من الرفق والغلظة، والاشتغال
بنفسه أو بأمره، ويرفق في التغيير بالجاهل، وبذي العزة القاهر
الباطل، ويستعمل بقدر ما يليق من المنع بيده أو لسانه، فإن لم يقدر
على شيء من ذلك، فبقلبه، فإن وجد من يستعين به، استعان به؛
٤٢٢

ليكون نهيه على المرتبة الأعلى. فهذا حاصل كلامه.
ويحتمل أن يكون المراد بالإيمان هو: النهي عن المنكر الذي
هو الجهاد في الحقيقة على ما يدل عليه الحديث الآتي، من باب
إطلاق الكل؛ كالأصابع على الأنامل، فإن المراد بالإيمان - هاهنا -
هو: الكامل الذي له الأجزاء الكثيرة، كما مر من أن له بضعاً وسبعين
شعبة، وذلك يختلف بحسب المباشرة قوة وضعفاً، فأعلى الدرجات
هو المنع باليد الذي هو المجاهدة التامة المانعة، والأوسط باللسان،
والأدنى لاشك بالقلب، فالمنع بالقلب، وكراهيةُ المنكر أضعف
مراتب النهي عن المنكر المعبر بالإيمان، فيكون أضعف الإيمان.
ويحتمل أن يكون إشارة إلى تفاوت الزمان ومراتب أهله؛ فإن
الإيمان القويّ الكامل في الزمان الذي يقدر الناس على النهي عن
المنكر بيده، وليس له مانع عن ذلك، بل له أعوان وأنصار على ذلك،
وهو الصدر الأوّل وما يليه، وهو أعلى المراتب، وذلك الزمان خير
القرون، ثم تراجعَ أمرُه إلى أن زال الاقتدار عليه باليد، ويكون المنع
باللسان، وليس منه مانع، وجرى على ذلك أيضاً زمان، وهو أوسط
المراتب، ثم بلغ إلى حد لا يقدر أحد على النهي باللسان - أيضاً -،
بل كثير من الناس قد اشتغلوا بالمناكير والمناهي، ولا يكون لهم
انزجار عن ذلك، ولا التفات إلى أحد، فحينئذ تعيَّن الإنكار بالقلب،
والخروج من تلك الفاحشة إن أمكن، كما ورد في التنزيل في قوله:
٤٢٣

﴿فَلَا نَقْعُدُواْ مَعَهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠] الآية، وهذا أدنى المراتب، وأضعف
الإيمان، وكان هذا أول نقص يدخل في الدين؛ فعن (١) ابْنِ مَسْعُودٍ،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ أَوَّلَ مَا دَخَلَ النَّقْصُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ:
كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى الرَّجُلَ، فَيَقُولُ: يَا هَذَا! اتَّقِ اللهَ، وَدَعْ مَا تَصْنَعُ، فَإِنَّهُ
لاَ يَحِلُّ لَكَ، ثُمَّ يَلْقَاهُ مِنَ الغَدِ فَلاَ يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ
وَقَعِيدَهُ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ، ضَرَبَ اللهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، ثُمَّ قَالَ:
لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ بَنِي إِسْرَّهِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَىَ ابْنِ
مَرْيَزَّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْنَدُونَ (٦) كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن
◌ُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ [المائدة: ٧٨ - ٧٩]))، ثُمَّ
قَالَ: ((كَلاَّ وَاللهِ! لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ، وَلَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، وَلَتَأْخُذُنَّ
عَلَى يَدِ الظَّالِمِ، وَلَتَأْطُرُنَهُ عَلَى الحَقِّ أَطْراً، وَلَقْصُرُنَهُ عَلَى الحَقِّ
قَصْراً، وزاد في رواية: ((أَوْ لَيَضْرِيَنَّ اللهُ بِقُلُوبِ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ،
ثُمَّ لَيَّلْعَنَّكُمْ كَمَا لَعَنَهُمْ))، أخرجه أبو داود.
وفي الترمذي قال: قال رسول الله وَاله: ((فَجَالَسُوهُمْ في
مَجَالِسِهِمْ، وَوَاكَلُوهُمْ وَشَارَبُوهُمْ، فَضَربَ اللهُ قُلُوبَ بَعضِهِمْ
بِبِعْضٍ، وَلَعَنَهُمْ عَلَى لِسانِ دَاوُد وعِيسَى ابنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بما عَصَوا
وَكَانُوا يَعْتَدُونَ))، فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِنَّهِ وَكَانَ مُتَّكِئاً، فَقَالَ: ((لاَ والَّذِي
نَفْسِي بِيَدِهِ! حَتَّى تَاطِرُوهُمْ عَلَى الحَقِّ أطْراً).
(١) في الأصل: ((وعن)).
٤٢٤

وعن أبي عبيدة: أن رسول الله وَّه قال: ((إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا وَقَعَ
فِيهِمُ النَّقْصُ(١)، كَانَ الرَّجُلُ فِيهِمْ يَرَى أَخَاهُ عَلَى الذَّنْبِ، فَيَنْهَهُ عَنْهُ،
فَإِذَا كَانَ الغَدُ، لَمْ يَمْنَعْهُ مَا رَأَى مِنْهُ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَخَلِيطَهُ،
فَضَرَبَ اللهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وَنَزَلَ فِيهِمُ القُرْآنُ، فَقَالَ:
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ بَنِي إِسْرَِّيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَىَ ابْنِ
مَرْيَمَ﴾ إلى قوله: ﴿فَسِقُونَ﴾)). قَالَ: وَكَانَ مُتَّكِئاً فَجَلَسَ فَقَالَ:
((لاَ حَتَّى تَأْخُذُوا عَلَى يَدَيِ الظَّالِمِ فَتَأْطِرُوهُ عَلَى الحَقِّ أَطْراً)، أخرجه
الترمذي، وابن ماجه.
ثم لاشك في شدة ذلك في زمان فَشْوِّ الباطل، وقلةِ الحق
والمعین علیه، ولهذا كان من أفضل الجهاد.
وفيه: حديث أبي سعيد الخدري، مرفوعاً: ((أَفْضَلُ الجِهَادِ كَلِمَةُ
حَقٌّ عِنْدَ سُلْطَانٍ))، أخرجه الأربعة إلا النسائي.
وأخرجه من حديث طارق بن شهاب: عَرَضَ لِرَسُولِ اللهِ وَّل
رَجُلٌ عِنْدَ الجَمْرَةِ الأُولَى، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَيُّ الجِهَادِ أَفْضَلُ؟
فَسَكَتَ عَنْهُ، فَلَمَّا رَأَى الجَمْرَةَ الثَّانِيَةَ، سَأَلَهُ، فَسَكَتَ عَنْهُ، فَلَمَّا رَمَى
جَمْرَةَ العَقَبَةِ، وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الغَرْزِ لِيَرْكَبَ، قَالَ: ((أَيْنَ السَّائِلُ؟»،
قَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((كَلِمَةُ حَقِّ عِنْدَ ذِي سُلْطَانٍ جَائِرِ)).
ثم هذا في زمان قوة الإيمان، أما في غيره، فالأمر مشكل،
(١) في الأصل: ((لما وقع النقص في بني إسرائيل)).
٤٢٥

والكلمة بالحق صعبة جداً، فإن الإيمان صار غريباً، وكلمة الحق غير
مسموعة، وإلى هذا أشار في قوله: ((وَسَيَعُودُ غَرِيباً كَمَا بَدَأَ)).
ھے
وروي عن ابن مسعود: أنه سئل عن تفسير قوله: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ
لَا يَضُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا أَهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، فقال: ليس هذا زمان
تأويلها، قيل: فمتى؟ قال: إذا جعل دونها السيف والسجن والسوط.
وعَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ، قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ، قَالَ:
قُلْتُ: كَيْفَ تَصْنَعُ فِي هَذِهِ الآيَةِ؟ قَالَ: أَيَّةُ آيَةٍ؟ قُلْتُ: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَ مَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَن ضَلَّ إِذَا أَهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، قَالَ:
سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيراً، سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللهِ لَّهِ، فَقَالَ: ((بَلِ اثْتَمِرُوا
بِالمَعْرُوفِ، وَتَنَاهَوْا عَنِ المُنْكَرِ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحَاً مُطَاعاً، وَهَوَّى
مُتَّبَعاً، وَدُنْيًا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْبِهِ، فَعَلَيْكَ خُوَيْصَةَ
نَفْسِكَ، وَدَعْ أَمْرَ العَوَامِّ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ، الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ
قَبْضٍ عَلَى الجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلاً يَعْمَلُونَ بِمِثْلِ
عَمَلِهِ».
وعن أنس بن مالك: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَتَى نَّرُكُ الأَمْرَ
بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ؟ قَالَ: ((إِذَا ظَهَرَ فِيكُمْ مَا ظَهَرَ فِي الْأُمَمِ
قَبْلَكُمْ)). قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ! وَمَا ظَهَرَ فِي الأُمَمِ قَبْلَنَ؟ قَالَ: ((المُلْكُ
فِي صِغَارِكُمْ، وَالفَاحِشَةُ فِي كِبَارِكُمْ، وَالعِلْمُ فِي رُذَالَتِكُمْ»: إِذَا كَانَ
العِلْمُ فِي الفُسَّاقِ. أخرجه ابن ماجه.
٤٢٦

ثم لا يكون المراد: سقوط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
وعدم وجوبهما، وإنما المراد: عدم وقوعهما من قِبَلِ [أهل] ذلك
الزمان؛ لعدم المعاون، وعدم القدرة عليه.
وقد جاء عن أبي سعيد الخدري: أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَامَ خَطِيباً،
فَكَانَ فِيمَا قَالَ: ((أَلاَ لاَ يَمْنَعَنَّ رَجُلاً هَيْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا
عَلِمَهُ»، فَبَكَى أَبُو سَعِيدٍ، وَقَالَ: قَدْ وَاللهِ! رَأَيْنَا أَشْيَاءَ فَهِبْنَا.
وعنه - أيضاً -، مرفوعاً: ((لاَ يَحْقِرْ أَحَدُكُمْ نَفْسَهُ))، قَالُوا:
يَا رَسُولَ اللهِ! كَيْفَ يَحْقِرُ أَحَدُنَاَ نَفْسَهُ؟ قَالَ: ((يَرَى أَمْراً لِلَّهِ عَلَيْهِ فِيهِ
مَقَالٌ، ثُمَّ لاَ يَقُولُ فِيهِ، فَيَقُولُ اللهُوَكَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَقُولَ
فِي كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: خَشْيَةُ النَّاسِ، فَيَقُولُ: فَإِيَّايَ كُنْتَ أَحَقَّ أَنْ
تَخْشَى))، أخرجهما ابن ماجه.
وهذا إنما يكون في زمان القدرة وخشية الناس للرعاية فجانبهم،
أما عند عدم القدرة باليد واللسان، فتعين بالقلب لا غير، وعليه
حديث أبي سعيد - على ما في الكتاب -، وحديثه مرفوعاً: ((إِنَّ اللهَ
لَيَسْأَلُ العَبْدَ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يَقُولَ: مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَ المُنْكَرَ أَنْ
تُنْكِرَهُ؟ فَإِذَا لَقَّنَ اللهُ عَبْداً حُجَّتَهُ، قَالَ: يَا رَبِّ! رَجَوْتُكَ، وَفَرِقْتُ مِنَ
النَّاس)).
وحديث حذيفة، يرفعه: ((لا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ، قِيلَ:
يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ؟ قَالَ: أَنْ يَتَعَرَّضَ مِنَ البَلاءِ لِمَا
٤٢٧

لا يُطِيقُ))، أخرجهما ابن ماجه، لا يسقط بحال، ولكن يختلف ثمرةً
ومباشرةً وزماناً.
وعن علي - كرم الله وجهه -: أفضلُ الجهاد: الأمرُ بالمعروف،
والنهي عن المنكر، ومن شنا الفاسقين، وغضب لله، غضب الله له.
وعن حذيفة: يأتي على الناس زمان تكون فيهم جيفة الحمار
أحَبَّ إليهم من مؤمن يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر.
وعن الثوري: إذا كان الرجل مُحَيَّاً في جيرانه، محموداً عند
إخوانه، فاعلم أنه مداهن.
قوله: (عَنِ الْحَارِثِ) هو أبو عبدالله الحارث بن فضيل
الأنصاري الخطميُّ، المدنيُّ.
روى عن محمود بن لَبيد، وسفيان بن أبي العرجاء، والزهري،
وجماعة.
وعنه إبراهيم بن أبي يحيى، وفُليح، والدراوردي، وجمع.
وَثَقَهُ ابن معين، وغيره، وأخرج له الستة إلا البخاري والترمذي.
وأمّا شيخه، فهو (جعفر بن عبدالله) بن الحكم بن رافع
الأنصاري، المدني.
عن أنس، ومحمود بن لبيد، وجماعة.
وعنه ابنه عبد الحميد، وعمرو بن الحارث، والليث، وجمع.
وَثَّقَهُ القوم، وأخرج له الستة.
وأمّا (عبد الرحمن) فهو عبد الرحمن بن مِسْور بن مَخْرمة بن
٤٢٨

نوفل ابن أُهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مُرَّة القرشيُّ،
الزهريُّ، وكان أبوه مِسْوَر، وجده مُحْرِز صحابيين.
روی عن أبيه، وسعد بن أبي وقاص، وأبي رافع.
وعنه ابنه جعفر، والزهري، وجعفر بن عبدالله بن الحكم.
وَثَقَهُ ابن حبان، له في ((مسلم)) هذا الحديث فقط، وما أخرج له
من الستة غيره.
وأما (أبو رافع)، اسمه أسلم، وقيل: إبراهيم، وقيل: هرمز،
وقيل: يزيد، وقيل: ثابت، وكان مملوكاً للعباس، فوهبه لرسول الله وكلهم
لمَّا أسلم عباس، وأعتقه رسولُ الله، وزوَّجه مولاتَه سلمى، فولدت له
عبدالله بن أبي رافع، وشهد أبو رافع مع النبي - عليه السلام - الخندق،
والمشاهدَ بعدها.
روي له عن رسول الله ◌َّ ثمانية وستون حديثاً.
روى عنه أبناؤه: حسن، وعبيدالله، ورافع، وغيرهم.
مات بعد عثمان بقليل، وأخرج له الستة.
وفي هذا الإسناد أربعة تابعيون يروي بعضُهم عن بعض: صالح،
والحارث، وجعفر، وعبد الرحمن.
: قوله: (وَقَدْ تُحُدِّثَ) - بضم التاء وفتح الحاء -، يعني: أن هذا
الحديث رواه أبو رافع عن النبي ◌َّ بغير واسطة ابن مسعود، كذا ذكره
البخاري في ((تاریخه)».
٤٢٩

وقد أنكر أحمد بن حنبل - رحمه الله - هذا الحديث، وقال:
الحارث بن فضيل الخطمي ليس بمحفوظ الحديث، وهذا الكلام لا
يشبه كلام ابن مسعود؛ لأنه يقول: ((اصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي)).
وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: وقد روى عن الحارث
جماعة من الثقات، ولم نجد له ذكر[1] في الضعفاء.
وفي كتاب أبي حاتم: عن يحيى بن معين: أنه ثقة.
وذكر الدارقطني في كتاب «العلل)): أن هذا الحديث قد روي من
وجوه أُخَر، منها: عن أبي واقد الليثي، عن أبي مسعود.
وأمّا قوله: (اصْبِرُوا) فإنه لا يناقض هذا الحديث؛ فإن
المجاهدة باليد واللسان إنما تكون إذا لم يكن فيه مفسدة، فإذا كانت
فيه مفسدة، فالصبر مُعيَّن - على ما مر -.
وقال النووي: وقدحُ الإمامِ أحمد في هذا الحديث بهذا الكلام
عجبٌ، ولعل قدحه لأجل أنه صح عن ابن مسعود حديث الصبر
مطلقاً، من [دون] أن يكون فيه ذكر المجاهدة باليد واللسان، فعلى
هذا يقع التدافع بينهما، فإذا ثبت ذلك عنده، قدح في هذا.
* قوله: (مَا مِنْ نَبِيِّ بَعَثُ اللهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي) قد عرفت - فيما مر -:
أن النبي ◌َّرُ مَنْ(١) يخبر عن الله تعالى بالوحي النازل عليه، ويرادفه
الرسول، وقد يخص بما له كتاب وشريعة.
(١) في الأصل: ((ما)).
٤٣٠

وبالجملة: يطلق كل واحد منهما، ويراد الآخر، والمراد - هاهنا -
بالنبي: مَنْ بعثه الله إلى أمة مما هو مصرح في اللفظ، وقد يجتمع في
زمن واحد جماعة منهم، كل واحد يعاون الآخر، والكثيرُ واحداً منهم،
والباقي يجتمعون عنده، وينقادون لأمره فيما لا يجيء الوحي إليهم على
خلافه .
والمراد من الأصحاب المذكور - هاهنا - أعم من أن يكون أمته،
أو نبياً آخر في وقته يعاونه على أمره.
وأما المتابعة في حديث العرض الآتي: متابعة الأمة للنبي،
فيجوز أن يكون للنبي جمعٌ من الأنبياء في زمانه يعاونونه على
مقاصده، ويقومون بأوامره، ویکونون أمة دعوة، ولا یکون له أحد من
أمة الإجابة، وقد يكون له جماعة من أمة الإجابة.
فمعنى الحديث - إن شاء [الله] -: أنله] لكل نبي أعوانٌ في
وقته، وأنصار في دينه.
ولا تدافع بين هذا وبين حديث العرض حتى يحتاج إلى القول
بأن هذا ليس بعام، مع أن (من) الاستغراقية الداخلة على النكرة
تقتضي العموم، والمقام - أيضاً - يقتضيه، فتأمل.
قوله: (ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلَفُ) الواقع في الرواية: (إنها) - بهاء
التأنيث -، وهي إما [أن] ترجع إلى الأمة، أو إلى الحواريين، بتأويل
الطائفة، ويحتمل أن تكون للقصة، و(الخلوف): جمع خلف - بسكون
٤٣١

اللام -، وهو الخالف بِشَرِّ، وبالفتح: الخالف بخير، ومنهم من جَوَّز
الفتح في الشر، ولم يجوِّز الإسكان في الخير.
قوله: (بِقَنَاةَ) - بالقاف المفتوحة وتاء في آخرها -، وهو
الصحيح، وهو وادٍ من أودية المدينة، وفي بعض النسخ (بفناه) - بالفاء
والمد وآخره هاء الضمير -، كذا رواه أبو عوانة الإسفراييني، وقال
القاضي عياض: هذا تصحيف، والصواب هو الأوّل.
* قوله: (بِهَدْيِهِ) - بفتح الهاء وسكون الدال ـ: بطريقه وسَمْته.
ثم لا يخفى وجه الترتيب؛ فإن الأول أمر لهذه الأمة، والثاني
حكاية عن الأمم السالفة رأساً لهم بأن ذلك لم يزل موجوداً قبلهم في
الأمم.
٤٣٢

(١٥)
صفات الإيمان ورقة القلب،
وفيه ذكر أهل اليمن
[٢٣ _ باب
تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِيمَانِ فِهِ، وَرُجْحَانِ أَهْلِ الیَمَنِ فِيهِ ]
١٩٠ - (٥١/ ٨١) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو
أُسَامَةَ حِ، وَحَدَّثَنَا ابْنُ تُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِيٍ ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ،
حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ح، وَحَدَّثَنَا
يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ - وَاللَّفْظُ لَهُ -، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ
إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: سَمِعْتُ قَيْساً يَرْوِي عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: أَشَارَ
النَّبِيُّ ◌َهِ بِيَدِهِ نَحْوَ الْيَمَنِ، فَقَالَ: «أَلاَ إِنَّ الإِيمَانَ هَاهُنَا، وَإِنَّ القَسْوَةَ
وَغِلَظَ القُلُوبِ فِي الفَدَّادِينَ عِنْدَ أُصُولٍ أَذْنَبِ الإِبِلِ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَاً
الشَّيْطَانِ فِي رَبِيعَةً وَمُضَرَ).
١٩١ - (٥٢ / ٨٢) - حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، أَنْبَأَنَاَ حَمَّادٌ،
حَدَّثَنَا أَيُوبُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ:
(جَاءَ أَهْلُ اليَمَنِ، هُمْ أَرَقُّ أَفْتِدَةً، الإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالفِقْهُ يَمَانٍ،
وَالحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ».
٤٣٣

١٩٢ - (٥٢ / ٨٣) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ
ح، وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْرَقُ كِلاَهُمَا،
عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيه
بِمِثْلِهِ.
١٩٣ - (٥٢ / ٨٤) - حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ،
قَالاَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ -: حَدَّثَنَا أَبِيٍ، عَنْ
صَالِحٍ، عَنِ الأَعْرَجِ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َّ:
(أَتَكُمْ أَهْلُ اليَمَنِ، مُمْ أَضْعَفُ قُلُوباً، وَأَرَقُّ أَفْتِدَةً، الفِقْهُ يَمَانٍ،
وَالحِكْمَةُ بَمَانَِةٌ».
١٩٤ (٥٢ / ٨٥) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى
مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهَِّ
قَالَ: (رَأْسُ الكُفْرِ نَحْوَ المَشْرِقِ، وَالفَخْرُ وَالخُيَلاَءُ فِي أَهْلِ الخَيْلِ
وَالإِبِلِ الفَذَّادِينَ أَهْلِ الوَبَرِ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الغَنَمِ».
١٩٥ - (٥٢ / ٨٦) - وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ
حُجْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ - قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ -،
قَالَ: أَخْبَرَنِي الْعَلَءُ عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّـ
قَالَ: ((الإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالكُفْرُ قِبَلَ المَشْرِقِ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الغَنَمِ،
وَالفَخْرُ وَالرِّيَاءُ فِي الفَذَّادِينَ أَهْلِ الخَيْلِ وَالوَبَرِ».
٤٣٤

١٩٦ - (٥٢/ ٨٧) - وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَاَ ابْنُ
وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَتِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ
بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ لهِ يَقُولُ:
(الفَخْرُ وَالخُيَلاَءُ فِي الفَذَّادِينَ أَهْلِ الوَبَرِ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الغَنَمِ».
١٩٧ - (٥٢ / ٨٨) - وَحَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ،
أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ،
وَزَادَ: ((الإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ).
١٩٨ - (٥٢ / ٨٩) - حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَنَاَ
أَبُّ الْيَمَانِ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ:
أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ لَهَ يَقُولُ: ((جَاءَ أَهْلُ اليَمَنِ، هُمْ
أَرَقُّ أَفْئِدَةً، وَأَضْعَفُ قُلُوباً، الإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ،
السَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الغَنَمِ، وَالفَخْرُ وَالخُيَلاَءُ فِ الفَذَّادِينَ أَهْلِ الوَبَرِ
قِبَلَ مَطْلِعِ الشَّمْسِ».
١٩٩ - (٥٢/ ٩٠) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ،
قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((أَنَكُمْ أَهْلُ اليَمَنِ، هُمْ أَلْيَنُ قُلُوباً،
وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً، الإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالِحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ، رَأْسُ الكُفْرِ قِبَلَ
المَشْرِقِ».
٤٣٥

٢٠٠ (٥٢ / ٩٠) - وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ،
قَالاَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرُ: ((رَأْسُ
الكُفْرِ قِبَلَ المَشْرِقِ».
٢٠١ - (٥٢ / ٩١) - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي
عَدِيٍّ ح، وَحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ -
قَالاَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَ حَدِيثِ جَرِيرٍ،
وَزَادَ: ((وَالفَخْرُ وَالخُيَلاَءُ فِي أَصْحَابِ الإِبِلِ، وَالسَّكِينَةُ وَالوَقَارُ فِي
أَصْحَابِ الشَّاءِ».
٢٠٢ - (٥٣ / ٩٢) - وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَاَ عَبْدُاللهِ
ابْنُ الْحَارِثِ الْمَخْزُومِيُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ: أنَّهُ
سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لَهُ: ((غِلَظُ القُلُوبِ
وَالجَفَاءُ فِي المَشْرِقِ، وَالإِيمَانُ فِي أَهْلِ الحِجَازِ)).
لما أورد الأحاديث الدالة على ماهية الإيمان، وما يتعلق بها من
الأعمال والشعب والمحبة، والأمر والنهي، أراد إيراد الأحاديث
المشتملة على ثمرته؛ من لينِ القلب، وإفشاء السلام، وتركِ المناهي،
وابتداء تذكر تأثيره في القلب؛ لأنه الأصل، وبه الاعتداد، فأخرج
حديث أبي مسعود، قال: أَشَارَ النَّبِيُّ نَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْيَمَنِ، فَقَالَ: ((أَلاَ
إِنَّ الإِيمَانَ هَاهُنَا، وَإِنَّ القَسْوَةَ وَغِلَظَ القُلُوبِ فِي الفَدَّادِينَ عِنْدَ أُصُولٍ
٤٣٦

أَذْنَبِ الإِبِلِ؛ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَاَ الشَّيْطَانِ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ)) أخرجه
البخاري في مواضع [من] ((صحیحه)).
وحديث أبي هريرة، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((جَاءَ أَهْلُ اليَمَنِ،
هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً» .
وفي رواية: ((هُمْ أَضْعَفُ قُلُوباً، وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً)).
وفي رواية: ((هُمْ أَلْيَنُ قُلُوباً، وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً، الإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالحِكْمَةُ
يَمَانِيةٌ».
وفي رواية بزيادة: ((الفِقْهُ يَمَانٍ)).
وفي رواية: ((الإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالكُفْرُ قِبَلَ المَشْرِقِ، وَالسَّكِينَةُ فِي
أَهْلِ الغَنَمِ، وَالفَخْرُ وَالرِّيَاءُ فِ الفَدَّادِينَ أَهْلِ الخَيْلِ وَالوَيَرِ».
وفي رواية: ((وَالفَخْرُ وَالخُيَلاَءُ فِي أَصْحَابِ الإِبِلِ، وَالسَّكِينَةُ
وَالوَقَارُ فِي أَصْحَابِ الشَّاءِ»، وأخرجه البخاري، والترمذي.
وحديث جابر، قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((غِلَظُ القُلُوبِ وَالجَفَاءُ
فِي المَشْرِقِ، وَالإِيمَانُ فِي أَهْلِ الحِجَازِ»، وهو من أفراد مسلم.
ولما أخرج الترمذي حديث أبي هريرة، قال: وفي الباب: عن
ابن مسعود، وابن عباس.
وأقول: حديث ابن مسعود قد مر.
وحديث ابن عباس، قال: بَيْنَا رَسُول اللَّهُ بَّهِ بِالمَدِينَةِ، إِذْ قَالَ:
((اللَّهُ أَكْبَر! إِذَا جَاءَ نَصْر اللَّه وَالفَتْحِ، وَجَاءَ أَهْلِ اليَمَن نَقِيَّةً قُلُوبِهِمْ،
٤٣٧

حَسَنَةً طَاعَتُهُمْ))، أو كلمة ((الإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالفِقْهُ يَمَانٍ، وَالحِكْمَةُ
يَمَانِيَّةٌ)) رواه البزار، ورجاله ثقات.
وفي الباب: عن عبدالله بن عمر، مرفوعاً، ((الإِيمَانُ يَمَانٍ، وَهُمْ
مِنِّي وَإِلَيَّ، وَإِنْ بَعُدَ مِنْهُمْ المَرْبَعُ، وَيُوشِكُ أَنْ يَأْتُوكُمْ أَنْصَاراً وَأَعْوَاناً،
فَامُرُكُمْ بِهِمْ خَیْراً» رواه الطبراني، وإسناده حسن.
وعن عقبة بن عامر، يرفعه: ((أَهْلُ اليَمَنِ أَرَقُّ قُلُوباً، وَأَنْجَعُ
طَاعَةً)) رواه أحمد، ورجاله ثقات.
وعن عبدالله بن عمرو: خرج علينا رسولُ الله ێ﴿ ونحن جلوسٌ،
فأوسَعْنا له، فقال: ((أَيْنَ أَصْحَابِي الَّذِينَ أَنَا مِنْهُمْ وَهُمْ مِنِّي، وَأَدْخُلُ
الجَنَّةَ وَيَدْخُلُونَهَا مَعِي؟))، فقلنا: أخبِرْنا يا رسولَ الله، قال: ((نَعَمْ،
أَهْلُ الْيَمَنِ المُطَّرَحُونَ فِي أَطْرَافِ الأَرْضِ، المَدْفُوعُونَ عَنْ أَبْوَابِ
السُّلْطَانِ، يَمُوتُ أَحَدُهُمْ وَحَاجَتُهُ فِي صَدْرِهِ لَمْ يَقْضِهَا)) رواه
الطبراني.
وعن أنس عن زيدِ بنِ ثابت: نَظَرَ النَّبِيُّ وَ﴿ قِبَلَ الْيَمَنِ، فَقَالَ:
(«اللَّهُمَّ أَقْبِلْ بِقُلُوبِهِمْ، وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَمُدِّنَا)) أخرجه الترمذي.
إذا عرفت هذا، فالكلام هاهنا في مواضع.
الأول: في التعريف بالرواة سوى ما ذكر؛ قيس، وأبو مسعود،
وأبو الربيع، وإسحاق، وأبو اليمان وشيخه، وأبو بشر، وعبدالله.
أما (قيس)، فهو أبو عبدالله قيس بن أبي حازم البجليُّ، الأحمسيُّ،
٤٣٨

من كبار التابعين وأعيانهم، هاجر إلى النبي وَّ ليبايعه، فقَبض النبيُّ اَلِه
مُ
وهو في الطريق.
روى عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وجماعة من
الصحابة .
وعنه الحكم بن عتيبة، والمسيب بن رافع، وبيان بن بشر،
وخلائق.
وَثَّقَهُ القوم، وأخرج له الستة.
وقال أبو داود: أجود التابعين إسناداً قيسُ بنُ أبي حازم، روى
عن تسعة من العشرة، ولم يرو عن عبد الرحمن.
وعن شعبة: هو أوثق من الزهري.
وثناء الناس عليه كثير، توفي سنة ثمان وتسعين .
وأمّا (أبو مسعود)، فهو عُقبة بن ثعلبة بن عمرو بن أسيرة
الأنصاري، البدري، يقال: نزل ماء بدر، فنسب إليه، وقيل: شهد
بدراً، وبالاتفاق شهد العقبة مع السبعين، وهو أصغرهم.
روي له عن رسول الله بصير مئة حديث وحديثان، اتفقا على
تسعة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بسبعة، وأخرج له باقي
الأربعة.
روى عنه ابنه بشير، وأبو وائل، وربعي بن حِراش، وخلائق،
وكان من جِلَّة أصحاب رسول الله وَّه.
٤٣٩

توفي سنة أربعین
٠
وأما (أبو الربيع) في الإسناد الآخر، فهو سليمان بن داود العَتكيُّ،
الزهرانيُّ، الحافظُ.
عن فليح بن سليمان، ومالك، ومنصور، وخلائق.
وعنه ابن راهويه، وأحمد، والذهلي، وجماعة.
وَثَقَهُ القوم، وأخرج له الستة إلا الترمذي وابن ماجه.
وأما (إسحاق)، فهو أبو محمد إسحاق بن يوسف بن مِرْداس
المخزوميُّ، الأزرقُ، الواسطيُّ.
عن الأعمش، وابن غزوان، وابن أبي زائدة، وجماعة.
وعنه أحمد، وابن معين، وجمع.
وَثَّقَهُ القوم، وأخرج له الستة.
توفي سنة خمس وتسعين ومئة.
وأمّا (الأعرج)، فهو أبو داود عبد الرحمن بن هُرمز، المدنيُّ،
القاريُّ، مولى ربيعة بن الحارث.
عن أبي هريرة كثيراً، وعن عبدالله ابن بُحَينة، وأبي سعيد،
وجماعة.
وعنه الزهري، وأبو الزبير، وزيد بن أسلم، وخلائق.
وَثَّقَّهُ القوم، وأخرج له الستة، وهو من كبار أصحاب أبي هريرة.
توفي سنة سبع عشرة ومئة.
٤٤٠