النص المفهرس

صفحات 381-400

لا يسعني فيه مَلَكٌ مقرَّب، ولا نبيٌّ مرسَل.
وحالة إنسية، وهي حالة إرشاد الخلق إلى الحق، وهذه الحالة
دون تلك الحالة؛ لأن الأولى نظر إلى الذات، والثانية إلى الغير.
ولما كانت مراتب الناس مختلفة في الإدراك، وما جعل الله في
الدين من حرج، وبعث الأنبياء ميسِّرين غيرَ معسرين، طووا ذكر
الحالة الأولى رأساً، ولم يأمروا بالفحص عنها، بل ربما نَهَوْا من رأوا
المصلحة في نهيه، وأقبلوا على بيان ما يليق بهم من ترك اللذات
الدنيوية، وبیان فنائها، والتوجه إلى طلب نعیم دار البقاء وذکر بقائها،
ثم في بيان ترغيبهم إلى الأمور(١) الباقية الملائمة، والترهيب عن
التعرض للأمور الفانية المنافرة، المانعة عن حصول تلك المطالب،
والبلوغ إلى تلك المراتب، بيان كون الخالق ربّاً منعماً، مالكاً للأمر
في يوم الجزاء، متصرفاً في ملكه وملكوته كيف يشاء، فتجب محبته
نظراً إلى كمال ذاته وصفاته، وطلباً لنعيمه وثوابه، وهرباً من جحيمه
وعقابه .
ولما كان هذا الإدراك المستلزم للكمال بسبب النبي - عليه
السلام -، وهو حاصل له أتم، ومنه یفیض إلى غيره، ويحصل بسبب
ذلك البقاء في النعيم السَّرْمد، والخلاص من عذاب الجحيم المخلد،
وهذا الفيض مختص به، لا يشاركه فيه غيره، وذاته بالنسبة إلى غيره
(١) في الأصل: ((المأمور)).
٣٨١
٠

من نوعه، بل بالنسبة إلى جميع المخلوقات أكمل، وصفاته أجمل،
وإحسانه أتم، وإنعامه أعم، كانت محبته واجبة، وميلان القلب نحو
ملاحظة كمال ذاته وصفاته لازمة، كما تجب محبة الله تعالى نظراً إلى
ذاته الكاملة، ونعمه الشاملة، فالكمال المطلق، والمنعم بالأصالة هو
الله تعالى، والكمال بالنسبة إلى سائر المخلوقات، والواسطة بحصول
هذه لأهل الإيمان هو النبي ◌َّر، فتجب محبة الله ورسوله، بالذات؛
لكمال ذات الله تعالى مطلقاً، وكمال ذات النبي - عليه السلام - من بين
الخلق، وبالغير؛ لأنه مولى النعم، كأنها أصالة، والنبي - عليه السلام -
مولی إيصالاً ووساطة.
ولما كانت المحبة - كما قلنا - تابعةً لإدراك الكمال، وهو قد
یکون حسیاً، وقد يكون عقلياً، وقد يكون طبيعياً، وقد يكون حقيقياً،
وقد يكون مجازياً، إلى غير ذلك من الأقسام بحسب الاعتبارات، ذُكر
أن كمال الإيمان إنما يحصل إذا كان الله ورسوله أحبَّ إلى الشخص
مما سواهما؛ لأن بواسطة كمال إدراكه يحصل له كمالُ الإيمان، فإذا
علم ذات الله تعالى، وكمال رسوله، وما حصل له منهما من النعم،
يحب أن تكون محبتهما أقوى جهات المحبة وأعلاها، وأولها
وأولاها؛ فإن من تصور مِنَّةَ الله تعالى عليه في الإنعام بالإسلام،
والانتظام في سلك أمة خير الأنام، ونعمته عليه في أن حبَّب إليه
الإيمان والمؤمنين، وبغَّضَ إليه الكفر والكافرين، وأَنْجَاهُ من قبيح
٣٨٢

فعالهم، وركاكة أحوالهم، طار قلبه فرحاً وسرور، وامتلأ(١) إشراقاً
ونوراً، فيا لها من حلاوة ما ألذَّها! وحالة ما أشرفها! ونسأل الله تعالى
أن يَمُنَّ بدوامها وكمالها، كما مَنَّ بابتدائها وحصولها؛ فإن المؤمن
عند تذكُّر تلك النعم، وملاحظة تلك المنن، لا يخلو عن إدراك تلك
الحلاوة، غير أن المؤمنين في تمكنها ودوامها مختلفون، وما منهم إلا
وله منها شِرْب معلوم.
وإذا عرفت هذا، عرفت أن محبة الله ورسوله كما كان حاصلاً
للمؤمن ينبغي أن تكون محبة أخيه المسلم أيضاً حاصلاً، ويجب أن
يحبه لا لأجل غرض من الأغراض الدنيوية، بل لأجل اتصافه بالإيمان،
ودخوله في سلك الإخوان، وأن يحب الخصلة التي بسبب حصولها
حصل له تلك المحبة، وهو الإيمان، ويبغض الحالة التي كانت أولاً
المانعة عن إدراك ذلك الكمال الموجب للمحبة، وهو الكفر.
والحاصل: أن على المؤمن محبةَ الله، ومحبة رسوله، ومحبةً
المؤمنين لأجل إيمانهم، وكراهة الكفر، والاعتداد بالنعمة الحاصلة
له، وهو الخلاص منه.
ولما كانت محبةُ الرسول لذاته وكماله، ويحصول النعمة منه أصالةً
ووساطة، وغيرها من جهات المحبة، محبةً لله تعالى، ومؤثراً في إكمال
الإيمان، أطلق محبته، كما أطلق محبة الله تعالى؛ بخلاف محبة غيره؛
فإن محبته إنما تكون من الإيمان إذا كان لله تعالى، لا إذا كان بشيء آخر،
(١) في الأصل: ((يمتلىء)).
٣٨٣

وجمع في الضمير، وجعل ما سوى الله تعالى ورسوله متميزاً عن هذا
الحكم، وهما متحدان فیه، وبخلاف العصيان؛ فإنّ عصیان كل واحد
منهما عن هذا الحكم على حِدَة، ولهذا أرشدَ الخطيبَ في عدم الجمع
بينهما، وحَكَم بأنه بئس الخطيب، لَمَّا جمع بين ضميريهما.
والثالث: في الأحاديث الواردة في هذا الباب، ووجه الجمع
بینھا :
فقد جاء في الحديث الأول في [الباب]: ((ثَلاَثُ مَنْ كُنَّ فِيهِ،
وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاَوَةَ الإِيمَانِ))، وطعمه: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه
مما سواهما، وأن يحبّ في الله، ويبغض في الله، وأن يوقد ناراً عظيمة
ويقع فيها أحبّ إليه من أن يشرك بالله شيئاً.
وفي هذه الرواية: بيان أن المراد بقوله في رواية الكتاب: ((وَأَنْ
يُحِبَّ المَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلَّ لِلّهِ»: الحبُّ في الله، ولما كان الحب في الله
من استكمال الإيمان، ولا يتم إلا بالبغض في الله، عطف على ذلك؛
ليعلم أن الكمال إنما يحصل بهما، وهذا باب عظيم في الاستكمال
يندرج تحته أنواع المكملات.
فعن أبي أمامة، مرفوعاً: ((مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ، وَأَنْغَضَ لِلَّهِ، وَأَعْطَى
لِلَّهِ، وَمَنَعَ لِلَّهِ، فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ)) أخرجه أبو داود.
وعن مُعاذِ بنِ أنسٍ الجهنيِّ، يرفعه: ((مَنْ أَعْطَى لِلَّهِ، وَمَنَعَ لِلَّهِ،
وَأَحَبَّ لِلَّهِ، وَأَبْغَضَ لِلَّهِ، فَقَدِ اسْتَكْمَلَ إِيمَانً)) أخرجه الترمذي.
٣٨٤

وعن عمرو بن الجموح، مرفوعاً: ((لاَ يَحِقُّ العَبْدُ صَرِيحَ
الإِيمَانِ، حَتَّى يُحِبَّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَيُبْغِض لِلَّهِ، فَإِذَا أَحَبَّ لِلَّهِ - تَبَارَك
وَتَعَالَى -، وَأَبْغَضَ لِلَّهِ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى -، فَقَدِ اسْتَحَقَّ الوَلاَءَ(١) مِنَ اللهِ،
وَإِنَّ أَوْلِيَائِي مِنْ عِبَادِي، وَأَحِبَّائِي مِنْ خَلْقِي الَّذِينَ يُذْكَرُونَ بِذِكْرِي،
وَأُذْكرُ بِذِكْرِهِمْ» رواه أحمد.
وعن البراء بن عازب، قال: كُنَّا جُلُوساً عِنْدَ النَّبِيِ﴾
فَقَالَ: ((أَيُّ عُرَا الإِسْلاَمِ أَوْتَقُ؟)). قَالُوا: الصَّلاَةُ. قَالَ: ((حَسَنَةٌ،
وَمَا هِيَ بِهَا))، قَالُوا: الزَّكَاةُ، قَالَ: ((حَسَنَةٌ، وَمَا هِيَ بِهَا))، قَالُوا:
صِيَامُ رَمَضَانَ، قَالَ: ((حَسَنَةٌ، وَمَا هِيَ بِهِ))، قَالُوا: الحَجّ. قَالَ:
(حَسَنَةٌ، وَمَا هِيَ بِهِ)، قَالُوا: الجِهَادُ، قَالَ: ((حَسَنَةٌ، وَمَا هِيَ بِهِ»،
قَالَ: ((إِنَّ أَوْسَطَ عُرَا الإِيمَانِ: أَنْ تُحِبَّ فِي اللهِ، وَتُبْغِضَ فِي اللهِ»
رواه أحمد .
وفيه: دلالة على أن للحب في الله، والبغض في الله مدخلاً
عظيماً في هذا الباب، وليس سائر الأشياء بمنزلته، وحب الرسول العقد
والمؤمنين داخل في الحبِّ في الله، وكذا بغض الكفر والكفرة، في
البغض في الله، ففي الحقيقة الأصلُ هو شيء واحد، لا ثلاث، وإنما
قال: (ثَلاَثٌ)؛ إيماء إلى فضيلة بعض أفراده، كما يذكر الخاص بعد
العام لذلك.
(١) في الأصل: ((الولاية)).
٣٨٥

وأمّا حديث عبدالله بن مُعاوية العامريِّ، مرفوعاً: ((ثَلاَثٌ مَنْ
فَعَلَهُنَّ، فَقَدْ طَعِمَ طَعْمَ الإِيمَانِ: مَنْ عَبَدَ اللهَ وَحْدَهُ، وَأَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ
اللهُ، وَأَعْطَى زَكَاةَ مَالِهِ طَيَِّةً بِهَا نَفْسُهُ، رَافِدَةً عَلَيْهِ كُلَّ عَامِ، وَلاَ يُعْطِي
الهَرِمَةَ، وَلاَ الدَّرِنَةَ، وَلاَ المَرِيضَةَ، وَلاَ الشَّرَطَ اللَّتِيمَةَ، وَلَكِنْ مِنْ
وَسَطِ أَمْوَالِكُمْ؛ فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَسْأَلَّكُمْ خَيْرَهُ، وَلَمْ يَأْمُرُكُمْ بِشَرِّهِ» أخرجه
أبو داود.
فالحب في الله، والبغض فيه داخل في قوله: (مَنْ عَبَدَ اللهَ
وَحْدَهُ)، والغرض في هذا الحديث: تعظيم أمر الزكاة، والتنويه بها،
حتى جعلها عديلة لأهل العبادة لله تعالى، لما كان من محبة النفس
للمال، والشح به، ولهذا ذكر ما يتعلق بها من إخراجها بطيبة النفس،
ثم أكد بقوله: (رَافِدَةً عَلَيْهِ)؛ من الرِّفْدِ، وهو الإعانة؛ أي: معينة له
على أدائها، غير محدثة نفسه بمنعها، ثم ذكر المُخرِج بصفاته، فإن
الشح في الغالب يقع على نفائس الأموال، والشحيح يريد أن يُخرج
ما لا ينتفع [به] من الأشياء، فقال: (وَلاَ يُعْطِي الهَرِمَةَ)(١)، وهي
المُسِنَّةُ، الكبيرة السن من كل حيوان عرماً، ثم قال: (وَلاَ الدَّرِنَةَ)؛ أي
الدَّرِنَةُ: من الدرن، وهو الوسخ، وجعل الدرن في المال كالوسخ من
الأشياء.
وفيه: إيماء إلى أن الزكاة بمنزلة الظُّهرة للأموال، فينبغي أن
(١) في الأصل: ((ولم يعط الهرمة)).
٣٨٦

يخرج ما يصلح لها، لا(١) أن يخرج ما هو بمنزلة الوسخ لا يطهِّر شيئاً،
وإنما یوسّخه.
ثم قال: (وَلاَ الشَّرَطَ) - بفتح الشين المعجمة والراء المهملة -،
وهي الرذيلة من المال؛ كالصغيرة، والمُسِنَّة، والعَجْفاء، ونحو ذلك،
ووصفه باللئيمة، وهي أرذل المال وأرذله، فوقع قوله: (وَلاَ الشَّرَطَ
اللَّئِيمَةَ) بمنزلة العام الشامل لجميع أنواع الرداءة بعد ذكر الأوصاف
الخاصة، ولهذا أردفه بقوله: (وَلَكِنْ مِنْ وَسَطِ أَمْوَالِكُمْ)؛ يعني: ليس
أدونها، ولا من خيارها، فليس بين هذا الحديث وبين أحاديث المحبة
منافاة، بل موافقة بأن المال محبوب للنفس، فإذا أخرج الزكاة امتثالاً
لأمر الله تعالى، فيكون ذلك من باب الحب في الله، وإيثار حب الله
على حب المال، ولهذا جاء ذكر حب المال في الأحاديث، وذكره مع
حب الوالد والولد.
ولما كانت مراتب المحبين مختلفة، أرشد صاحب الشرع - عليه
السلام - بحسب حال كل طائفة، فعلَّق الإيمان بكونه أحبَّ من الأهل
والمال والناس تارة، وهي المرتبة الوسطى، وبكونه أحب من نفسه -
أيضاً -، وهي المرتبة الأولى، كما قال لعمرظه: ((فالآن يا عمر)) -
على ما سيأتي -.
هذا نبذ من الكلام في هذا المقام؛ ليكون أساساً لِمَا يَرِدُ عليه،
ومقياساً لما يوازن به، فلنرجع إلى الكتاب.
(١) في الأصل: ((إلا)).
٣٨٧

* قوله: (وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاَوَةَ الإِيمَانِ)، وفي الأخرى: (وَجَدَ
طَعْمَ الإِيمَانِ) قد قدمنا لك: أن حمل الروايات على الأصالة، وبيان
الفائدة في تغيير الألفاظ، هو الأصل، ما لم يدعُ إلى ذلك داعٍ من
العلم باتحاد المجلسِ، والقضيةِ، ونحوه من القرائن؛ إذ الأصل في
الرواة الموثوقين: الضبطُ والإتقان، وقد علمت أن زيادة اللفظ لها
تأثير في زيادة المعنى، وأن تقديم الذكر، وإن كان بحرف الجمع
كالواو، له مدخل في بيان الاهتمام، فلأجل ذلك لمَّا ذكر في الحديث
الأول الحلاوة، وهي أخصّ من مطلق الطعم، وبدأ بذكر محبة الله
ورسوله من بين الأمور، أورد الظرف ردماً للاختصاص؛ كأنه قال:
وجد بهذه الأشياء الثلاث - لا بغيرها - حلاوة الإيمان.
: قوله: (لاَ يُؤْمِنُ عَبْدٌ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ، وَمَالِهِ،
وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) لما ذكر في الحديث المقدم وجوبَ محبته، ذكر في
هذا الحديث مقدارَها، وذكر جميع أصناف المحبة؛ لأنها إِمَّا محبة
إجلال وتعظيم؛ كمحبة الوالد، والعلماء، والفضلاء، ومحبةُ رحمة
وإشفاق؛ كمحبة الوالد، ومحبةُ مشاكلة واستحسان؛ كمحبة غير مَنْ
ذکرنا.
فهذه أصناف المحبة، ومحبة رسول الله وَط فيه يجب أن تكون
راجحة على الكل؛ لما ذكرنا أن الكمال فيه أتم، ووصول النعمة منه
أعم.
وإذا عرفت أن المحبة تابعة لإدراك الكمال، ناشئة من تصور
٣٨٨

الجمال، وأن النبي - عليه السلام - أكمل الخلق، وأجمل مخلوقات
الحق، فإنه أكمل من وطئ الثَّرى، وأفضل من ركب ومشى، وأكرم
من وافى يوم القيامة، وأعلاهم منزلة في دار الكرامة = عرفت أن
محبته لأجل تصور كمال ذاته، وتحقق جمال صفاته، وهذا معنى قول
القاضي أبي الفضل عياض؛ حيث قال: لا يصح الإيمان إلا بتحقق
إنافةِ قدرِ النبي - عليه السلام - ومنزلته على كل والد وولد، ومحسن
ومفضل، ومن لم يعتقد هذا، واعتقد سواه، فليس بمؤمن. فإن
غرضه: بيان سبب محبته - عليه السلام -، وهي إنافة قدره على
الجميع، فيجب أن تكون محبته أقوى من محبة الكل، إلا أن تصوُّرَ إنافة
قدره هو معنى المحبة .
والعجب من القرطبي كيف حمل كلامه على ذلك، واعترض بأن
المحبة ليست اعتقاد التعظيم، بل هي الميل إلى المعتقَد تعظيمه،
وتعلق القلب به، وكيف ادعى خفاء هذا الفرق على كثير من الناس،
وتعرض بكون القاضي منهم، وكلام القاضي ينادي بأعلى صوته بأن
المحبة هي الميل الحاصل من تصور الإجلال، وملاحظة صفات
الكمال؛ حيث قال في هذا الموضع: وأصل المحبة: الميل إلى ما
يوافق المحبوب، وهو قد يكون لما به يستلذه بحاسة عقله من المعاني
الجميلة، والأخلاق الرفيعة؛ كمحبة الصالحين والعلماء، ثم ذكر هذا
من المعاني، قال: وهذه المعاني كلها موجودة في حق النبي - عليه
السلام -، فيجب حبّه؛ لما خُلق عليه من كمال الصورة والباطن،
٣٨٩

وكمال جلال الخصائل، وجماع الفضائل، وإحسانه إلى جميع
المسلمين بهدايته إياهم إلى الصراط المستقيم. هذا كلامه.
وهو صريح - كما ترى - أن المحبة ليست هي تصور التعظيم،
بل الميل الحاصل منه، ومن تصور خصال الكمال وصفات الجمال،
ولعمري! إن هذا الفرق أظهرُ من أن يلتبس على السالك في البداية،
فضلاً من أن يشتبه على الفاضل إلى النهاية .
٣٩٠

(١٣)
باب
ما يجب على المؤمن
من مراعاة الحقوق
[١٩ -باب
الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مِنْ خِصَالِ الإِيمَانِ:
أَنْ يُحِبَّ لأَخِيهِ المُسْلِمِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِنَ الخَيْرِ ]
١٧٩ - (٤٥ / ٧١) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارِ، قَالاً:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ جَعْفَرِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ
أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﴿ُ، قَالَ: ((لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ
لأَخِيهِ - أَوْ قَالَ: لِجَارِهِ - مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)).
١٨٠ - (٤٥ / ٧٢) - وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا بَحْيَى بْنُ
سَعِيدٍ، عَنْ حُسَيْنِ الْمُعَلِّمِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ِ﴾،
قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لاَ يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُحِبَّ لِجَارِهِ - أَوْ قَالَ:
لأَخِیهِ - مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ».
لمَّا ذكر ما يدل على وجوب محبة الله تعالى ورسوله، وينبغي أن
یکون ذلك أتم وأکمل من سائر الأشياء، أراد أن یذکر ما يدل على وجوب
محبة غيرهما - أيضاً - بعد محبتهما، فأخرج حديث أنس: ((لاَ يُؤْمِنُ
٣٩١

أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ - أَوْ قَالَ: لِجَارِهِ - مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ».
وقد أخرجه البخاري، والنسائي، وابن ماجه في: (الإيمان)،
والترمذي في: (الزهد).
[٢٠ - باب
بَيَانِ تَحْرِیمٍ إِذَاءِ الجَارِ]
١٨١ - (٤٦ / ٧٣) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ،
وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ جَمِيعاً، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ - قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ:
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ -، قَالَ: أَخْبَرَنِي العَلاَءُ عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ:
أَنَّ رَسُولَ اللهِ﴿ِ قَالَ: ((لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ لاَ يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ)).
وحديث أبي هريرة: ((لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ لاَ يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ)).
وأخرجه البخاري في (الأدب).
*
[٢١ - باب:
الحَثِّ عَلَى إِكْرَامِ الجَارِ وَالضَّيْفِ، وَلُزُومِ الصَّمْتِ إِلَّ مِنَ الخَيْرِ،
وَكَوْنِ ذَلِكَ كُلُّهِ مِنَ الإِيمَانِ]
١٨٢ - (٤٧ / ٧٤) - حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْبَى، أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ،
قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ،
٣٩٢

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ، قَالَ: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ
الآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْراً، أَوْ لِيَصْمُتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ،
فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلْبُكْرِمْ ضَيْقَهُ».
وحديثه: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْراً، أَوْ
لِيَصْمُتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ
يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ)) وأخرجه البخاري، وأبو داود،
والترمذي في (الأدب)، وابن ماجه في (الفتن).
١٨٥ - (٤٧ / ٧٦) - حدثنا زُهَيْرُ بن حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بن عبد اللهِ
ابن نُمَيْرٍ، جميعاً، عن ابن عُبَيْنَةَ، قال ابن نُمَيْرٍ: حدثنا سُفْيَانُ، عن
عَمْرٍو: أَنَّهُ سمع نَفِعَ بن جُبَيْرٍ بُخْبِرُ عن أبي شُرَيْحِ الْخُزَاعِيِّ: أَنَّ
النبيَّ وَ﴿ قال: ((من كان يُؤْمِنُ باللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إلى جَارِهِ،
وَمَنْ كان يُؤْمِنُ بِاللهِ والْيَوْمِ الأُخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كان يُؤْمِنُ بِاللهِ
وَالْيُؤْمِ الأُخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أو لِيَسْكُتْ)).
وحديث أبي شُريح الخزاعي: ((وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ
الآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْراً، أَوْ لِيَسْكُتْ)).
أخرجه أبو داود في (الأطعمة)، والترمذي في (البِر)، وابن
ماجه في (الأدب).
٣٩٣

وفي ((البخاري)) من حديث أبي شريح: أن رسول الله وَله قال:
((وَاللهِ لاَ يُؤْمِنُ، وَاللهِ لاَ يُؤْمِنُ، وَاللهِ لاَ يُؤْمِنُ))، قِيلَ: وَمَنْ يَا رَسُولَ
اللهِ؟ قَالَ: ((الَّذِي لاَ يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ»
ولما أخرجه الترمذي [من] حديث أبي شريح، قال: وفي الباب:
عن عائشة، وأبي هريرة.
وأقول: حديث أبي هريرة قد مرَّ، وأما حديث عائشة في الوصية
بالجار، فسيجيء - إن شاء الله تعالى -.
إذا عرفت هذا، فالكلام في مواضع.
الأول: التعريف بالرواة سوی ما ذکر.
(الحسين بن ذكوان المعلم)، العوذيُّ، البصريُّ.
عن ابن بريدة، وعطاء بن أبي رباح، وعمرو بن شعيب،
وجماعة.
وعنه شعبة، وإبراهيم بن طهمان، وآخرون.
وثقه القوم، وأخرج له الستة.
وأما (نافع) في الإسناد الآخر، فهو أبو محمد نافعُ بنُ جُبير بن
مُطعم النوفليُّ، المدنيُّ.
عن أبيه، وعلي، والعباس، وعائشة، وجماعة من الصحابة
والتابعين.
وعنه الزهري، وعمرو بن دينار، وأبو الزبير، وآخرون.
٣٩٤

وكان من أجلة التابعين وخيارهم، اتفق القوم على وثوقه،
وأخرج له الستة.
توفي سنة تسع وتسعين .
وأما (أبو شريح) خُويلدُ بنُ عمرو عبدِ الرحمن، وقيل: هانئ،
وقيل: كعب الخزاعي، المشهور بكنيته، العدويُّ، الکعبيُّ، أسلم يوم
فتح مكة، أو قبله، روي له عن رسول الله وَ ل﴿ عشرون حديثاً، اتفقا
على حديثين، وانفرد البخاري بحديث، وأخرج له الأربعة.
روی عنه جمع.
توفي سنة ثمان وستين.
والثاني: فيما يتعلق بالمعنى :
قوله: (لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ - أَوْ قَالَ: لِجَارِهِ -
مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ). لمَّا ذكر وجوب محبة الله تعالى، ومحبة رسوله،
وأنَّ محبة غيرهما ينبغي أن تكون لأجل محبة الله تعالى، وذكر أن
محبة الرسول - عليه السلام - يجب أنْ تكون أقوى من محبة جميع
الناس، انتقل إلى إيراد الأحاديث الدالّة على ما يجب على المؤمن من
رعاية حقوق المسلمين، وهي لما كانت فعلية وتَرْكِيَّة، وكل واحد منها
بالقلب واللسان وسائر الجوارح، ذكرها على الترتيب؛ فبدأ بالفعلية؛
لأنها أدخلُ في تحصيل المثوبة، واستكمالِ الإيمان، وبفعل القلب؛
إذ به ملاكُ الأمر.
٣٩٥

ثم المراد مما يحب لنفسه: إِمَّا جميع الخيرات، وحصول كل
المرادات من نعم الدنيا والآخرة، والفوز والنجاة والخلاص من
العقاب، وغير ذلك على ما هو الظاهر من تعميم (ما)، فالمراد: نفي
کمال أن يوجد الإیمان بدون وجود تلك.
والمعنى: لا يكمل إيمان أحدكم حتى يحب لأخيه جميعَ ما
يحب لنفسه، وهو اختيار القوم، وذلك حث على إخراج البغض
والحقد والحسد وسائرِ الأمراض القلبية عن القلب، وتوطين النفس
على المحبة والصداقة وما يفضي إلى ذلك، ويتضمن ذلك: أن يفضل
الشخصُ غيرَه على نفسه، وهي مرتبة الكمال؛ لأن كل أحد يحب أن
يكون أفضل من غيره، فإذا أحب لغيره ما يحب لنفسه، فقد أحب أن
یکون غيره أفضل منه.
وإلى هذا المعنى أشار الفضيل بن عياض لمَّا قال لسفيان بن
عُيينة: إن كنت تريد أن يكون الناس مثلك، فما أديت الله الكريم
النصيحة، فكيف وأنت تريد أنهم دونك؟ !.
وأما الإيمان نفسه بدلالة قوله: لا يؤمن أحدكم حتى يحبَّ
دخولَ أخيه أو جاره في الإيمان كما يحب ذلك لنفسه، ففيه بيان
محبتين: إحداهما: محبة الإنسان الإيمان، وحصوله لنفسه.
والثانية]: محبة حصوله لأخيه، فمن أحب لنفسه الإيمان،
وأحب لأخيه الكفر، يكون محباً للكفر، وراضياً لحصوله لأخيه،
وهو كفر، ومن أحب لنفسه الكفر، وأحب لأخيه - أيضاً - ذلك،
٣٩٦

فكذلك، فحصول الإيمان للمرء بمحبة الإیمان لنفسه بعد دخوله فيه،
ومحبة حصوله لأخيه، ويدل على هذا التأويل: ما جاء في رواية
النسائي: ((حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مِنْ الخَيْر))؛ فإن الخير كثيراً ما يطلق على
الإيمان؛ إذ هو الخير المطلق، المستأهل بأن يسمى به، وقد جاء بهذا
المعنى في قوله - عليه السلام -: ((يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّ
اللّهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرِ)) الحديث.
والحاصل: أن المراد بما يحب: إن كان جميع الأشياء
المحبوبة، فالمنفي كمال الإيمان، وإن كان الإيمان فقط، فالمنفي
مطلقه .
قوله: ((أَوْ قَالَ: لِجَارِهِ» في الروايتين الشك من الراوي،
والظاهر: أنه في الرواية الأولى من شيخَي مسلم، أو من محمد بن
جعفر، وفي الثانية من شيخه زهير بن حرب؛ لأن البخاري أخرجه عن
مسدد، عن يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس: ((لأَخِيهِ))
بلا شك، وكذا عن حسين المعلم، عن قتادة، عن أنس، كذلك،
وقدم هذا الحديث على أحاديث (باب حب الرسول من الإيمان)،
وفيه إيماء إلى أنه فهم من قوله: ((مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)): الإيمانَ، فتأمل.
قوله: (لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ) لَمَّا ذكر وجوبَ محبة ما يحب لنفسه
لأخيه أو جاره، أورد ما يجب عليه من ترك إيذائه مطلقاً، سواء كان
بقلبه، أو لسانه، أو سائر جوارحه، وإنما أخَّرَ؛ لأن الأمن من إيصال
المكروه من ثمرات المحبة، فيكون بعدها، ولهذا قال ثمة:
٣٩٧

(لاَ يُؤْمِنُ)، وهنا: (لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ)؛ لأن دخول الجنة من ثمرات
الإيمان.
والبوائق: جمع بائِقَة، وهي الداهية، والغائلة، والقتل، فمعنى:
(لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ): لا يدخلها أبداً، فيكون المراد بإيذاء الجار: أنه
يؤذي جارَه المؤمنَ لأجل إيمانه، فيكون منكِراً للإيمان وحصوله
لجاره، أو يؤذيه معتقداً حلَّ الإيذاء، مع العلم بحرمته، مستحلاً أمراً
محرماً مجمعاً علیه، فیکون كافراً على التقدیرین.
أَو: لا يدخلها ابتداءً؛ لأنه بتلك الجريمة انخرط في سلك
الفساق، فلا يدخلها ابتداء، أو جزاؤه عدمُ دخولها ابتداء، وإن دخل،
فبفضل الله تعالى.
والحاصل: أن رعاية الجار المسلم، وحرمةَ أذيته آكدُ من رعاية
المسلم مطلقاً، وتحريم إيذائه، لأن فيه حقين: حق الجار، وحق
الإسلام، فمن كان مع هذا التأكيد الشديد مضراً بجاره، كاشفاً
لعوراته، حريصاً على إنزال البوائق به، كان ذلك دليلاً؛ إِمَّا على فساد
اعتقاد ونفاق، فيكون كافراً، وإِمَّا على امتهانه ما عَظْمَ اللهُ تعالى من
حرمة الجار، فيكون فاسقاً.
ثم المُصِرُّ على ذلك يُخاف عليه أن تُختم عاقبته بالكفر؛ فإن
المعاصي بَريدُ الكفر، فيكون من الصنف الأوّل، وإن سلم من ذلك،
ومات غير تائب، فيكون فاسقاً، وأمرُه في المشيئة - كما مرَّ -.
٣٩٨

* قوله: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْراً، أَوْ
لِيَصْمُتْ)؛ يعني: من كان يؤمن بالله الإيمانَ الكاملَ المُنجِي من
عذاب الله تعالى، الموصلَ إلى رضوانه؛ لأن من آمن بالله حق إيمانه،
وخاف وعيدَه، ورجا وعده، ومن آمن باليوم الآخر، استعدَّ له،
واجتهد في فعل ما يدفع به أهواله ومكارهه، فيأتي بما أمر به، وينتهي
عما نُهي عنه، ويتقرب إلى الله تعالى بفعل ما يقرِّب إليه، ويعلم أن من
أهم ما عليه: ضبطَ جوارحه التي هي رعاياه، وهو مسؤول عنها
جارحة جارحة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ
عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦].
ومَنْ عَلِمَ ذلك، اتقى الله في لسانه، فيتكلم إذا غنم، ويسكت
إذا سلم.
ولما عُلم ــ مما مرَّ -: أن الإيمان يحصل أو يتم بمحبة المؤمن
لأخيه ما يحب لنفسه، وأنه إنما يدخل الجنة إذا أمن جاره من غوائله،
ذكر هاهنا: أن الإيمان بالله واليوم الآخر بإيصال النفع، وترك الضرر،
ولما كان في كل واحد في الأوليتين شيء واحد، ذكر شيئاً واحداً.
ولما كان في هذا الحديث شيئان، وهما: ترك الإيذاء،
والإكرام، ذكر الإيمان بالله، والإيمان باليوم الآخر.
و- أيضاً -: لما كان في الأوليتين فعل القلب؛ إِمَّا صريحاً للفاعل،
وهو المحبة، وإِمَّا حصولاً للواصل، وهو الأمن، وهاهنا فعل اللسان،
وهو التكلم بالخير، وتركه وهو الصمت، وفعل الجوارح، وهو
٣٩٩

الإكرام، وخَّدَ فيهما، وثنَّى هاهنا.
ولما كان أمر اللسان فعلاً وتركاً أشنعَ وأدلَّ على ما في الضمير،
وأنفع حصولاً، وأكثر ضرراً، قدَّمه في الذكر في رواية.
ولما كان الإكرام مشتملاً عليه وعلى غيره من أفعال الجوارح،
ذکر العام أولاً، ثم خصه بالذكر بعده في رواية.
فبالجملة: تخصيصه بالذكر مقدماً أو مؤخراً إشعارٌ بأن فعله
دخل في هذا الأمر عن غيره، إذ العبرة به في الظاهر، وهو ترجمان
عن الباطن.
ثم المراد بالإيمان: إمّا حصوله، أو كماله - على نحو ما مر -.
* قوله: (فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ) الضيف: هو القادم على القوم، النازل
بهم، ويقال: ضيف على الواحد والجمع، ويجمع على أضياف،
وضيوف، وضيفان، والمرأة ضَيْف، وضَيْفة، والضيافة من مكارم
الأخلاق، ومن محاسن الدين، ومن خلق النبيين، فلهذا أمر النبي
- عليه السلام - به، ويندرج في الإكرام جميع الأنواع؛ من المحبة،
والثناء، والذكر الجميل، والعطاء، والتوقير، والتعظيم، وغير ذلك
مما یطول ذكرها.
وقد استدل الليث بهذا الحديث؛ حيث علَّق الإيمان بإكرام
الضيف، وبقوله: لَيْلَةُ الضَّيْفِ حَقٍّ(١) عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، وبقوله: إِنْ نَزَلْتُمْ
(١) في الأصل: بزيادة: ((واجب)).
٤٠٠