النص المفهرس

صفحات 341-360

فالمشهور كسر الباء، وقد جاء الفتح، وهذا في العدد.
وأما بَضْعَة اللحم؛ أي: القطعة منه، فبالفتح لا غير. وفي
((القاموس)): وقد يكسر بضعة.
وبضعة عشر بالتاء في المذكر، وبدونها في المؤنث، وقد وردت
الرواية بهما في الحدیث.
وأما معنَى، فقيل: ما بين ثلاث إلى العشرة، وهو المشهور،
وقيل: إلى التسعة، وقيل: من الواحد إلى الأربعة، وقيل: الثلاث إلى
السبع، وقيل: ما بين خمس إلى سبع.
وفي ((المحكم)): البضع: ما بين الثلاث إلى العشر، وبالهاء من
الثلاثة إلى العشرة.
وفي ((المثلث)): البضع: ما بين واحد إلى خمسة، في قول أبي
عبيدة، وقال غيره: ما بين واحد إلى عشرة. وذكر المطرِّز في ((شرح
المختار)): النيف من واحد إلى ثلاثة، والبضع: من أربعة إلى تسعة،
وقيل: أکثر ما یستعمل في السبع، واستدل بقصة يوسف - عليه السلام -،
وليس بدليل؛ لأنه استعمال في بعض مدلولاته.
وقال الخليل: البضع: السبع، وقيل: ما بين اثنين إلى عشرة،
وما بين اثني عشرة إلى عشرين، ولا يقال: في أحد عشر، ولا في اثني
عشر: بضع.
وحكم النووي بکونه أشهر وأظهر، وفيه نظر .
٣٤١

وقال قُطْرب: أخبرنا الثقة عن النبي ◌َّ: أنه قال في ﴿بِضْعَ
سِنِينَ﴾ [يوسف: ٤٢]: ((ما بين خمس إلى سبع)).
وأما الاستعمال، فذهب أكثر أهل اللغة على أنه يستعمل فيما
دون عشرة إلى عشرين، ولا يستعمل في عشرين وما فوقها.
قال في ((الصحاح))، فإذا جاوزت لفظ العشرة، ذهب البضع،
وقال الفراء: البضع يستعمل من العشرة إلى التسعين فقط، لا يقال:
بضع ومئة، ولا بضع وألف.
وأما الشُّعْبَةُ - بضم الشين -: غصن الشجرة، وجمعها الشُّعَبُ -
بالضم - أيضاً، وأما شَعْبُ القبائل، فيقال فيه: شُعُوبٌ، واحدها
شَعْبٌ - بالفتح -، وكذا شَعَبَ الإناءَ بمعنى: صدعَه.
وبالجملة: يستعمل في القطعة من الشيء، والفرقة منه.
وقال في ((القاموس)): الشَّعْب؛ كالمَنْع: الجمع والتفريق،
والإصلاح والإفساد، والصدع والتفرق، والقبيلة العظيمة، والجبل،
ومَوْصِل قبائل الرأس، و[البعد والبعيد، وبطن من هَمْدانَ].
وبالكسر: الطريق في الجبل، ومَسِيل الماء في بطن أرض [أو ما انفرج
بين الجبلين]، وسمة للإبل، والشعبة - بالضم - ما بين القرنين
والغصنين، والطائفة من الشيء، وطرف الغصن، والمسيل في الرمل،
وما صغر من التلعة، وما عظم من سواقي الأودية، وصدع في الجبل
یأوي إليه المطر .
٣٤٢

وبالجملة: المراد بالشعبة هاهنا: الخصلة منه، والمعنى: أن
الإيمان ذو خصال معدودة، ولهذا جاء في بعض الروايات بدل
الشعبة: (الباب) - على ما مر -.
واعلم أن المراد بالإيمان المذكور في هذا الحديث هو الإيمان
الكامل، المشتمل على جميع حقوق الله، وحقوق الناس، المنطوي
تحته الإقرار، والتصديق، والأعمال جميعاً، ولهذا جعل التوحيد
الذي هو أصل الإيمان حقيقة شعبة منه؛ كما في حديث حذيفة:
((الإِسْلاَمُ ثَمَانِيةُ أَسْهُمٍ: الإِسْلاَمُ سَهْمٌ، والصَّلاَةُ سَهْمٌ))؛ حيث جعل
كل واحد من هذه الحقوق شعبة منه.
ولما كانت منقسمة إلى قسمين: حق الله، وحق العبد، والأوّل
أقوى وأقدم من الثاني، أورد من كل واحد منهما على غيرها، وقدم
الأوّل، وأورد منها: التوحيد الذي هو أساس الكل، ورأس الجميع،
وسمَّاه: أفضل وأعلى؛ نظراً إلى أدائه، وإلى قسمه، وأورد من
الثاني: إماطة الأذى، وسماه: أدنى كذلك.
وإنما نبّه بهذا النسق على أنّ المذكور من حقوق الله تعالى ينبغي
أن يكون أشرفها وأعظمها، ومن حقوق العباد ما هو أخسها وأدونها؛
مناسبة لما له الحق، وإيماء إلى استغناء جانب الحق، حتى لا يعد من
حقوقه إلا ما هو الأساس، ولا يلتفت إلى ما سواه، فإذا حصل هذا،
يرجى من عفوه وفضله أن يتجاوز عن غيره، وإلى احتياج جانب
العبد، حتى يجب الإتيان بأدونه، فإن وقع في حقوقه تقصير يطالب
٣٤٣

البتة، وهذا معنى قولهم: حقوق الله مبنية على المسامحة، وحقوق
العباد على المضايقة.
وإشعاراً بأن المذكور طرق الشعب الأعلى، والأسفل، والمطوي
ما بينهما، وهذا الإبهام أوصل إلى الغرض من البيان، وتفصيل الجميع؛
لأنه يجعل المكلف على الحذر من ترك كل خصلة حسنة، وفعل كل
بدعة سيئة، فيستكمل نفسه بالقيام على جميع الأوامر والآداب
والمستحبات، والاحتراز عن جميع النواهي المحرمات والمكروهات،
في جميع الأوقات والساعات، وهذا هو السبب - أيضاً - في إخفاء
الساعة، والأَجَل، وساعة الليل، والجمعة، ونحوها، وكذا وردت
الروايات عن صدر الرسالة مختلفة قلةً وكثرة، وكذا في عدد الكبائر،
فعلم من ذلك: أن تَعداد الشعب وتعيينها تكلّفٌ، والحكم بأن المراد
هذا، تعشُّفٌ.
وإنما ذكر الحياء من بين سائر الشعب، وصرّح بأنه شعبة من
الإيمان، أو من الإيمان بدون ذكر الشعبة؛ لأنه لما ذكر من الفعل ما
يتعلق بكل واحد من الحقَّين، ونبه على الأعلى والأسفل، أشار إلى ما
هو سبب جميع المتروك في الحقين، وهو الحياء، فإنه تغيُّر وانكسار
يعتري الإنسان من تحدُّث ما يعاب ويذم، وقيل: انقباض النفس عن
القبائح، ويستعمل بمعنى الترك؛ لأنه نهايته.
والوارد في شأن الباري عن اسمه بهذا المعنى، على ما قُرر من أن
الأوصاف التي تطلق على الخالق والمخلوق؛ كالرحمة، والغضب،
٣٤٤

والحياء، ونحوها يُحمل فيه على نهايات الأغراض، وفي المخلوق
على الأعراض.
وأصلُه غريزي في الفطرة، ومنه مكتسَب الإنسان، وهذا المكتسَب
هو الذي جعله الشارع من الإيمان، وهو الذي يكلف به، وأما الغريزي،
فلا يكلف به؛ إذ ليس ذلك في وسع الإنسان ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا
وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، غير أنّ الغريزي يُحمل على المكتسب، ویعین
عليه .
وأوّل الحياء وأولاه: الحياء من الله تعالى، وهو أن لا يراك حيث
نهاك، لا يكون إلا عن معرفة بالله تعالى كاملة، ومراقبة له حاصلة،
وهو المعبر [عنه] بالإحسان - على ما مر -.
وقد روى الترمذي من حيث ابن مسعود: أن النبي وَليّ قال:
((اسْتَحْيُوا مِنَ اللهِ حَقَّ الحَيَاءِ))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّا لَنَسْتَحْيِي
وَالحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ: ((لَيْسَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ مَنِ اسْتَحْيَا مِنَ اللهِ حَقَّ الحَيَاءِ،
فَلْيَحْفَظِ الرَّْسَ وَمَا حَوَى، وَالبَطْنَ وَمَا وَعَى، وَلْيَذْكُرِ المَوْتَ وَالبِلَى،
فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللهِ حَقَّ الحَيَاءِ».
وبالجملة: هو سبب عن الاحتراز من كل ما لا يليق بالمسلم؛
من هتك حرمة حقوق الله، وحقوق العباد، فاستحق أن يُفْرَد بالذكر
بعد ذكر ما هو الدال على العقل بكل شيء يوجد بسببه هو خير
لا محالة، ولهذا قال: ((الحَيَاءُ لا يَأْتِي إِلا بِخَيْرِ)»، و «الحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ».
٣٤٥

وأهل المعرفة في الحياء منقسمون، كما أنهم في أحوالهم
متفاوتون، وقد كان النبي - عليه السلام - جمع له نوعي الحياء، فكان
في الغريزي أشدَّ حياء من العذراء في خِدْرها، وفي الكَسْبي كان في
ذروتها .
ولما كان سبب قلة الكلام في الغالب الحياء، وسبب كثرته
عدمه، جاء في حديث ابن مسعود: ((إِذَا لَمْ تَسْتَحِ، فَافْعَلْ مَا شِئْتَ)).
وفي حديث أبي أمامة: ((الحَيَاءُ وَالِعِيُّ شُعْبَتَانِ مِنَ الإِيمَانِ،
وَالبَذَاءُ وَالبَيَانُ شُعْبَتَانِ مِنَ النِّفَاقِ))، والمراد بكونهما شعبتين من
النفاق: أن الباعث عليهما الشيطان؛ كغيرهما من أفعال المنافقين.
ولما كان البيان ينقسم إلى ما هو حق، وهو من أحسن الكلام،
وأجمله، ومن خصال أهل العلم والدين - على ما سيجيء بيانه -،
وإلى ما هو باطل، وهو ما يرتكبه المدَّاحون وأشباههم = فسّره
الترمذي بالقسم الثاني؛ لإزالة الالتباس، وقد جاء في حديث أبي
أمامة، مرفوعاً: ((إِنَّ الحَيَاءَ وَالعِيَّ مِنَ الإِيمَانِ، وَهُمْا يُقَرِّبَانِ مِنَ
الجَنَّةِ، وَيُّبَاعِدَانِ مِنَ النَّارِ، وَالفُحْشُ وَالبِذَاءُ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَهُما
يُقَرِّبَانِ مِنَ النَّارِ، وَيُبَاعِدَانِ مِنَ الجَنَّةِ»، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ لِأَبِي أُمَامَةَ:
إِنَّا لَتَقُولُ فِي الشِّعْرِ: إِنَّ العِيَّ مِنَ الحُمْقِ، فَقَالَ: تَرَانِي أَقُولُ: قَالَ
رَسُولُ اللهِو ◌َ﴾، وتجيُي بِشِعْرِكَ النَِّنِ؟! رواه الطبراني.
وفي هذه الرواية ذكر الفحش بدل البيان.
٣٤٦

وفيه: أن المراد من البيان في الرواية الأولى هو الفحش، سمي
بیاناً؛ لأن قائله يزعم أنه بيان.
: قوله: (يَعِظُ أَخَاهُ فِي الحَيَاءِ)؛ أي: يعذُله على كثرته، وينهاه
عنه، ويقول له: إنه من العجز، فقال النبي - عليه السلام -: ((دَعْهُ)) زجراً
للواعظ، وبياناً بأن الحياء لا يضره، بل ينفعه؛ لأنه من كمال الإيمان،
ويكمل إيمانه، ولفظة (دَعْهُ) غير مخرجة في الكتاب، ومخرجة في
«البخاري».
قوله: (سَمِعْتُ أَبَا السَّوَّارِ) هو مشهور بكنيته، قيل: اسمُه
حسّان بن حُريث، وقيل: منقذ، وقيل غير ذلك.
روی عن عمران بن حصين، وجماعة.
وعنه ابن عون، وقرّة بن خالد، وقتادة، وآخرون.
وثقه أبو داود، وغيره، وأخرج له الشيخان، والنسائي.
وأما (یحیی)، فهو أبو زكريا يحيى بن حبيب بن عربي الحارثي،
البصريُّ.
عن حماد بن زيد، ويزيد بن زريع، ومعتمر، وجماعة.
وعنه مسلم، والأربعة، وقد أخرجوا له، وثقه النسائي.
توفي سنة ثمان وأربعين ومئتين.
وأمّا (إسحاق)، فهو ابن سويد بن هُبيرة العدويُّ، البصريُّ.
عن يحيى بن يعمر، ومعاذة العدوية، وجمع.
٣٤٧

وعنه ابن عُلَيَّة، والحمادان، وجمع.
وثقه أحمد، وجماعة، وأخرج له الستة، إلا الترمذي، وابن
ماجه .
وأما شيخه، فهو (أبو قتادة) تميم بن نذير، وقيل: تميم بن
الزبير، وقيل: نذير بن منقذ، له في الكتب حديثان، وقال ابن منده:
وقيل: له صحبة.
روی عن عمر، وعمران، وهشام بن عامر، وجمع.
وعنه حمید بن هلال، وجماعة.
أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي.
وأما (عمران)، فهو أبو نجيد عمران بن الحُصين بن عُبيد بن
خلف الخزاعي، أسلم هو وأبو هريرة عام خيبر، وهو من فضلاء
الصحابة وفقهائهم.
روي له عن رسول الله وي ليه مئة وثمانون حديثاً، اتفقا على ثمانية،
وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بتسعة.
روى عنه الحسن، وابن سيرين، والشعبي، وخلائق، وأخرج له
الأربعة .
توفي سنة اثنتين وخمسين
وأما غضبُ عمران بن حصين، فقيل: لقوله: (وَمِنْهُ ضَعْفٌ) بعد
سماعه قولَ النبي: إنه ((خَيْرٌ كُلُّهُ)).
٣٤٨

وقيل: أنكر عليه؛ لأنه خاف أن يخلط بالسنّة ما ليس منها،
فشدد عليه ذلك بالإنكار.
والظاهر: أن غضبه كان لأجل معارضةٍ بشير كلامَ النبي - عليه
السلام - بكلام الغير، وجعل كلام الغیر شاهداً علیه، مع أنه شاهد على
الكل، فلذلك قال في الرواية الأولى: (أُحَدِّئُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ وََّ،
وَتُحَدِّثُنِي عَنْ صُحُفِكَ؟!)، ويدل عليه: قوله في الرواية الثانية - أيضاً -: (أَلاَ
أُرَانِي ◌ُحَدِّئُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ، وَتُعَارِضُنِي فِيهِ؟!)، وأن عمران لما
أعاد الحديث، أعاد بشير كلامه، فهذا ظاهر في أن غضبه للمعارضة.
وفيه: إيماء إلى أنّ الأدب أن لا یذکر کلام الغير عند ورود كلام
النبي - عليه السلام - على جهة المقابلة، وإن كان صحيح المعنى؛ فإن
كلام بشير معناه صحيح؛ فإن من الحياء ما يحمل صاحبه على أن يوقّ
الناس، ويتوقر هو في نفسه.
ومنه ما يحمله على أن يسكن عن كثير مما يتحرك الناس إليه من
الأمور التي لا تليق بذوي المروءات، وقد ينتهي التوقر والسكون إلى
الضعف إلى أداء الحقوق، والجبن عن القيام بالمصالح، وهذا ليس
بحسن .
* وقوله: (يَا أَبَا نُجَيْدٍ!) يريد: عمران؛ لأنه كني بابنه نُجيد،
تصغیر نجد.
* وقوله: (احْمَرَتَا عَيْنَاهُ) من باب: أكلوني البراغيث، ومنه قوله
٣٤٩

- عليه السلام - ((يَتَعَاقَبُونَ فِيَكُمْ مَلاَئِكَةٌ)) الحديث، وعليه قوله تعالى:
﴿وَأَسَرُواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ [الأنبياء: ٣].
قوله: (إِنَّهُ لاَ بَأْسَ بِهِ)؛ أي: ليس به بأس من نفاق وزندقة
وبدعة ونحوها، والغرض: تطييب قلب عمران، وأن ذكره كلام الحكمة
في مقابلة كلام النبي - عليه السلام - ليس لأجل أن اعتقاده أن هذا مذكور
قبله، وليس في هذا الكلام زيادة فائدة، بل ذكر ذلك تأكيداً وتحسيناً
وبياناً بأن ذلك كلام معتد مقرر في قواعد الحكمة، وكذا معاودته الكلام
لأجل حَمِيَّة أخذته في معاودة عمران، لا لأجل التعنُّت.
وبالجملة: الغرض: تسكين ثائرة الغضب، وإصلاح ذات
البَیْن.
قوله: (أَبُو نعَامَةَ العَدوُّ) ۔ بفتح النون۔: عمرو بن عیسی بن
سويد، وهو من الثقات الذين اختلطوا في آخر عمرهم، وأما ما وقع
في ((الصحيحين))، فمأخوذ منه قبل الاختلاط.
يروي عن خالد بن عمير، والبراء بن نوفل، وجبير بن حبيب،
وجماعة .
وعنه القطان، ووكيع، ومکي بن إبراهيم.
وثَّقَةُ القوم قبل اختلاطه، وأخرج له مسلم، وابن ماجه.
وأما شيخه، فهو (حجیر بن الربيع العدوي)، قيل: إنه أبو سوار
العدوي .
٣٥٠

عن عمر، وعمران، وجمع.
وعنه حُميد بن هلال، وغيره، أخرج له مسلم فقط.
وأما بيان الترتيب: فواضح؛ لأنه لما ذكر شعب الإيمان، وأفرد
الحياء بالذكر، أورد الأحاديث الواردة في فضيلته، فذكر أوّلاً ما يدل
على أنه سبب الخير؛ لأنه أَدْخَلُ في بيان الغرض؛ إذ المراد: ما يترتب
عليه من المثوبة على ترك القبيح ورعاية الحقوق، لا نفسه، ثم ذكر أنه
خیر في نفسه - أيضاً - وسبب للخير.
٣٥١

(١١)
باب
بيان أفضل شعب الإسلام
[١٥ - باب
جَامِعٍ أَوْصَافِ الإِسْلاَمِ ]
١٦٨ - (٣٨/ ٦٢) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ،
قَالاَ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرِحِ، وَحَدَّثَنَا قُتَنْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ
جَمِيعاً، عَنْ جَرِيرٍحٍ، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُّو أُسَامَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ
هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِالثَّفِيِّ، قَالَ: قُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللهِ! قُلْ لِي فِي الإِسْلاَمِ قَوْلاً لاَ أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَداً بَعْدَكَ - وَفِي
حَدِيثِ أَبِيٍ أُسَامَةَ: غَيْرَكَ -، قَالَ: ((قُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ، فَاسْتَقِمْ)).
ذكر هاهنا أحاديث :
الأول: حديث سفيان بن عبدالله الثقفي، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ
اللهِ! قُلْ لِي فِي الإِسْلاَمِ قَوْلاً لاَ أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَداً بَعْدَكَ - وَفِي حَدِيثٍ
أَبِي أُسَامَةَ: غَيْرَكَ -، قَالَ: ((قُلْ: آمَنْتُ بِالهِ، فَاسْتَقِمْ)).
أخرجه أبو داود، والترمذي في (الزهد)، والنسائي في (التفسير)،
٣٥٣

وابن ماجه في (الفتن).
[ ١٦ - باب
بَيَانِ تَفَاضُلِ الإِسْلاَمِ، وَأَيِّ أُمُورِهِ أَفْضَلُ ]
١٦٩ - (٣٩/ ٦٣) - حَدَّثَنَا قُتَيْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ ح،
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ المُهَاجِرِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي
حَبِيبٍ، عَنْ أَبِيِ الخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو: أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ
رَسُولَ اللهِ﴿هَ: أَيُّ الإِسْلاَمِ خَيْرٌ؟ قَالَ: ((تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ
عَلَى مَنْ عَرَفْتَ، وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ)).
وحديثُ عبدِ الله بنِ عمرو بن العاص: أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللهِ إِلّهِ:
أَيُّ الإِسْلاَمِ خَيْرٌ؟ قَالَ: ((تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ،
وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ)).
أخرجه البخاري، والنسائي في (الإيمان)، وأبو داود في (الأدب)،
وابن ماجه في (الأطعمة).
١٧٠ - (٤٠ / ٦٤) - وَحَدَّثَنَا أَبُوَ الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ
عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو ابْنِ سَرْحِ المِصْرِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ
٣٥٤

الحَارِثِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الخَيْرِ: أَنَّهُ سَمِعَ
عَبْدَاللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ يَقُولُ: إِنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللهِ: أَُّّ
المُسْلِمِينَ خَيْرٌ؟ قَالَ: ((مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ) .
وحديثه - أيضاً -: أنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللهِ نَّهِ: أَيُّ المُسْلِمِينَ
خَيْرٌ؟ قَالَ: ((مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ)) .
وأخرجه البخاري، وأبو داود، والنسائي بلفظ: ((المُسْلِمُ مَنْ
سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ)) .
وفي رواية البخاري: ((مَنْ هَجَرَ مَا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ)).
وأخرج ابن ماجه من حديث فَضالَةَ بنِ عُبيد مرفوعاً: ((المُؤْمِنُ
مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ الخَطَايَا
وَالذُّنُوبَ)) .
١٧١ - (٤١ / ٦٥) - حَدَّثَنَا حَسَنُ الحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ
جَمِيعاً، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ - قَالَ عَبْدٌ: أَنْبَنَا أَبُو عَاصِمٍ -، عَنِ ابْنِ
جُرَيْجٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبًا الزُّبَيْرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِراً يَقُولُ: سَمِعْتُ
النَّبِيَّ ◌َ﴿ يَقُولُ: ((المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ)).
وحديثُ جابرٍ: سَمِعْتُ جَابِراً يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيِّ ◌َهِ يَقُولُ:
((المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ)). وهو من أفراد مسلم.
٣٥٥

١٧٢ - (٤٢ / ٦٦) - وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ الأُمَوِيُّ،
قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِاللهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي
مُوسَى، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ!
أيُّ الإِسْلاَمِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ).
١٧٣ - وَحَدَّثَنِيهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدِ الجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ،
قَالَ: حَدَّثَنِي بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِاللهِ بِهَذَا الإِسْنَادِ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ◌ِّى:
أيُّ المُسْلِمِينَ أَفْضَلُ؟ فَذَكَرَ مِثْلَهُ.
وحديث أبي موسى: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أيُّ الإِسْلاَمِ أَفْضَلُ؟
قَالَ: ((مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ)).
وفي رواية: أَيُّ المُسْلِمِ أَفْضَلُ؟ فذكر مثله، أخرجه البخاري،
والنسائي، والترمذي في (الإيمان)، والترمذي في (الزهد) - أيضاً -.
وأخرج النسائي، والترمذي من حديث أبي هريرة، مرفوعاً:
((المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ
عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ))، ثم قال الترمذي: وفي الباب: عن جابر،
وأبي موسى، وعبدالله بن عمرو.
وأقول: قد مر حديثهم.
وفي الباب: عن أنس بن مالك، مرفوعاً: ((المُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ
النَّاسُ، وَالمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُهَاجِرُ مَنْ
٣٥٦

هَجَرَ السُّوءَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ عَبْدٌ لاَ يَأْمَنُ جَارُهُ
بَوَائِقَهُ))، رواه أحمد، وأبو يعلى، والبزار، ورجاله ثقات.
وعن سَهْل بنِ مُعاذ، عن أبيه، يرفعه: ((إِنَّ السَّالِمَ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ
مِنْ يَدِهِ وِلِسَانِهِ))، رواه أحمد، والطبراني.
وعن عَمْرِو بْنِ عَسَةَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَيُّ الإِسْلاَمِ أَفْضَلُ؟
قَالَ: (مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ»، قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ الإِيمَانِ
أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((خُلُقٌ حَسَنٌ)). قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ الصَّلاَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ:
(طُولُ القُنُوتِ). قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ الِهِجْرَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((أَنْ تَهْجُرَ مَا
كَرِهَ رَبُّكَ رَّتْ))، رواه أحمد، والطبراني.
إذا عرفت هذا، فالتعريف بالرواة سوى ما ذكر:
(سُفْيَانُ)، وهو أبو عمرو سفيان بن عبدالله بن ربيعة الثقفيُّ،
الطائفيُّ، عامل الطائف لعمر بن الخطاب به، استعمله بعد عزل
عثمان بن أبي العاص الثقفي، له صحبة ورواية.
يروي عنه بنوه: عاصم، وعبدالله، وعمرو، وعروة بن الزبير،
وجماعة.
أخرج له مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وليس له في
الکتب سوی حدیثین، وفي مسلم سوی هذا.
قوله: (قُلْ آمَنْتُ بِاللهِ، فَاسْتَقِمْ) لمَّا ذكر الأحاديث الدالة على
الإيمان شُعباً، أراد أن يذكر الأحاديث الواردة في تفاصيل شعبة، فأورد
٣٥٧

أوّلاً هذا الحديث الدال على الإيمان والاستقامة عليه؛ أي: الثبات
والدوام من غير اختلاج رَيب، ولا خُطورِ شك؛ إذ هو أقوى طبقات
الإيمان، وأشرف صفات الإسلام، وهو [من] جوامع الكلم، ومطابق
لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللّهُ ثُمَّ أَسْتَقَدَمُواْ﴾ [فصلت: ٣٠]
الآية؛ أي: داموا على الإيمان، ولم يَحِيدوا عن التوحيد، والتزموا طاعة
الله تعالى إلى أن تُوُقُوا على ذلك.
وعن أبي بكر الصديق ظه: استقاموا فعلاً، كما استقاموا قولاً.
وعنه: أنه تلاها، ثم قال: ما تقولون فيها؟ قالوا: لم يذنبوا،
قال: حملتم الأمر على أشده، قالوا: فما تقول؟ قال: لم يرجعوا إلى
عبادة الأوثان.
وعن عمر ظه: استقاموا على الطريقة، لم يروغوا روغان
الثعالب .
وعن عثمان ظه: أخلصوا العمل.
عن علي ظه: أدّوا الفرائض.
وقال الواسطي: الاستقامة: الخصلة التي بها جملت المحاسن،
وبفقدها قبحت المحاسن.
وقال أبو القاسم القشيري: هي درجة كمال الأمور وتمامها،
وبوجودها حصول الخيرات ونظامها، ومن لم يكن مستقيماً في
حالته، ضاع سعيه، وخاب جهده.
٣٥٨

وبالجملة: الاستقامة على الإيمان درجة عالية، ومرتبة سَنِيّة،
لا يطيقها إلا الأكابر، بل ربما يستعظمونها، ويشق عليهم الخروجُ عن
لوازمها، ولذلك لما سئل النبي - عليه السلام - عن إسراع الشيب فيه،
قال: ((شَئِبَتْنِي هُودٌ» .
وعن ابن عباس: يعني: قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾
[هود: ١١٢].
وعنه: ما نزلت على رسول الله و ﴿ آية أشد منها، ولا أشق عليه.
وعن بعضهم: أنه رأى النبي - عليه السلام - في المنام، فقال:
أقلت: ((شيبتي هود)»؟، قال: نعم، فقال: ما الذي شيبك منها،
أقصص الأنبياء وهلاك الأمم؟ قال: لا، ولكن قوله: ﴿فَأَسْتَقِمْ كَمَآ
أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢]؛ أي: افتقر إلى الله بصحة العزم.
وروى الترمذي، وابن ماجه في آخر هذا الحديث: قال الراوي
- يعني: سفيان بن عبدالله الثقفي -: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا أَخْوَفُ مَا
تَخَافُ عَلَيَّ؟ فَأَخَذَ بِلِسَانِ نَفْسِهِ، ثُمَّ قَالَ: ((هَذَ))، فثبت أن هذا
الحديث من جوامع الكلم، وينابيع الحِكم، وقد أمر النبي - عليه
السلام - بالکمال الذي ليس وراءه کمال.
واعلم: أن مسلماً لم يرو في ((صحيحه)) عن سفيان بن عبدالله
الثقفي غير هذا الحديث، ولم يرو البخاري عنه شيئاً.
* قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) هو: أبو عبدالله مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ
المُهَاجِرِ بْنِ المحرر التجيبي، المصريُّ، الحافظ.
٣٥٩

عن مفضل بن فَضالة، ومسلمة بن علي، وابن لهيعة، وجماعة.
وعنه بقي بن مخلد، والحسن بن سفيان، وخلق.
وثقه القوم، وأخرج له مسلم، وابن ماجه.
توفي سنة اثنتين وأربعين ومئتين.
وأما (يَزِيدُ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ)، فهو أبو رجاء يزيدُ بنُ سويدٍ
المصريُّ، التابعيُّ، شيخُ لَيْثِ بنِ سعدٍ وغيرِه من أئمة مصر، وكان
حليماً، عاقلاً، وهو أول من أظهر العلم والفقه في مصر، وقبل زمانه
كانوا يتحدثون بالفتن والملاحم، والترغيب والترهيب.
وقال ليث بن سعد: يزيدُ بنُ أبي حبيب سيدُنا وعالمُنا.
يروي عن أبي الطفيل الكناني، وعبد الرحمن بن شماسة،
وعِراك بن مالك، وخلائق.
وعنه حَيوة بن شَريح، وسعيد بن أبي أيوب، وآخرون.
وثقه القوم، وأثنوا عليه، وأخرج له الستة.
توفي سنة ثمان وعشرين ومئة.
وأمّا (أبو الخير)، فهو مرثد بن عبدالله اليَزْنِيُّ - بفتح الياء
التحتانية وسكون الزاي المعجمة -، نسبة إلى یزن بطنٍ من حِمْیَر.
عن عمرو بن العاص، وولده عبدالله، وعقبة بن عامر، وجماعةٍ
من الصحابة والتابعين .
وعنه كعب بن علقمة، وجعفر بن ربيعة، وآخرون.
٣٦٠