النص المفهرس
صفحات 121-140
أَبِيِهِ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((يُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةٍ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامٍ الصَّلاَةِ، وَإِنَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمٍ رَمَضَانَ». ١٢٣ - (١٦ / ٢٢) - وَحَدَّثَنِي ابْنُ نُمَيْرِ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا حَنْظَلَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ بْنَ خَالِدٍ يُحَدِّثُ طَاؤُساً: أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: أَلَا تَغْزُو؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِلَ يَقُولُ: (إِنَّ الإِسْلاَمَ بُنِيَ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةٍ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصِيَامٍ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ)). وأما (عَاصِمٌ) في الإسناد الآخر، فهو ابْنُ مُحَمَّدٍ بنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِبْنِ عُمَرَ، العدويُّ. عن أبيه، وأخويه واقد وزيد، وجماعة. وعنه ابن عيينة، وقَبيصة، وشَبابة، وآخرون. وَثَّقَهُ القوم، وأخرج له الستة. وأما أبوه (محمدٌ) هو يروي عن جده عبدالله، وسعيد بن زيد، وابن عباس، وجماعة. وعنه بنوه عمر، وعاصم، وواقد، ومحمد، وغيرهم. وَثَّقَهُ أبو زرعة، وغيره، وأخرج له الستة. وأما (حنظلة)، فهو ابن أبي سفيان بن عبد الرحمن الجمحيُّ. ١٢١ عن طاوس، وسالم، والقاسم، وخلائق. عنه الثوري، والقطان، ووكيع، وآخرون. وَثَّقَهُ القوم، وأثنوا عليه، وأخرج له الستة . وأما شيخه، فهو (عكرمةُ بن خالد) بنِ العاصِ المخزوميُّ. عن ابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة، وجماعة. وعنه قتادة، وأيوب، والأوزاعي، وآخرون. وَثَّقَهُ ابن معين، وجماعة، وأخرج له الستة إلا ابنَ ماجه. الثاني: في الجمع بين الروايات: والمخرج في الكتاب أربع روايات، وفيها نوع اختلاف في بعض الألفاظ، فجاء في بعض الأصول في الرواية الأولى والرابعة: (على خمسة) بالهاء، وفي الباقيتين: (على خمس) بدونها، وفي بعضها بدون هاء في الجميع، والتقدير: في خمسة الأركان، وفي خمس الخصال، ونحوها. وجاء في الأولى: (أَنْ يُوَخَّدَ)، وفي الثانية: (أَنْ يُعْبَدَ)، وكلاهما متقاربان؛ لأن المراد بالعبادة هاهنا: التوحيد؛ بدليل عطف الطاعات عليه، = فهذا إما بحذف أحدهما اكتفاء بذكرها في الرواية الآخرة، وإِمَّا بسهو الراوي ونسیانه. وكذا وقع تقديم الحج وتأخيره. ثم اختلف القوم بأن سماع ابن عمر من رسول الله ( * مرتين أو ١٢٢ مرة واحدة، وبه يجاب عن إنكاره على من قال بالتقديم، وتعليله بأني سمعته مؤخراً. فمن قال بأنه سمعه مرتين قال: الترتيب الذي روي في هذا الطريق الحج مؤخر عن الصوم، وأراد الرجل - وهو يزيد بن بشر السَّكْسَكِيُّ - تقدیم الحج في هذه الراوية، وقد منعه عنه، وهو لا ینافي رواية في الطريق الثاني مقدماً؛ لأنه سمعه كذلك. وقيل: لعله نسي السماع ثانياً بالتقديم، فأنكر. وقال: أبو عمرو بن الصلاح: سمعه مرتین، وروى كما سمعه، وأنكر على من يريد التغيير. وما وقع في الطريق الآخر فَمِن الراوي الذي رأى جواز الرواية بالمعنى، واعترض عليه النووي؛ بأن القول بمثل هذا ممكن في جميع المواضع، وحينئذ يرفع الوثوق عن النقل. والجواب: أن ذلك لا يلزم؛ لأنه ما ذكر جواز ذلك في المواضع، بل في الموضع الذي تكون الطرق من شخص واحد بمعنى واحد، حتى يغلب على الظن أنه حديث واحد، وإنما الاختلاف من الرواة، وأما ما لا يكون كذلك، فلا يصار إليه؛ لعدم الضرورة. وأنت خبير بأنَّ المعترض - أيضاً - ذهب في مواضع إلى أمثال هذا، ثم طَعَنَ على الشيخ بذلك في هذا الموضع، فلعله نسي ذلك. ثم الظاهر: أن سماع ابن عمر ليس مرة واحدة، واختلاف الألفاظ ١٢٣ ليس من الرواة، بل جميع الروايات واردة عن النبي ◌َّ، والتعبير بحسب المقام والنظر إلى حال السامع. وأما إنكار ابن عمر على الرجل، فلأجل أنه يحفظ كل حديث بترتيبه، وحينئذ يتعين الأداء كذلك. وفيه فوائد من الإيماء إلى أن الترتيب على النظم [ ... ](١) في تقديم الأقوى؛ فإن الصلاة لا تسقط بحال، والصوم عبادة بدنية مثل الصلاة، والبدنية مقدمة على المالية، والحج مركب منهما، وهو - أيضاً - يقتضي شروطاً زائدة على شروط المذكورة قبله، فرتبته أن يكون مؤخراً. ويندرج تحت معرفة هذا الترتيب مسائل كثيرة من الفروع. الثالث: في معنى الحديث من قوله: وقيل: أراد أن ينبِّه على كيفية فرضية هذه العبادات، والوجهُ ما ذكرنا، وبه يخرج الجواب عن أن المذكور من حديث ابن عباس ثلاث أو خمس، فإنه ترك ذكر الزكاة والحج، وفي أبي العلاء بعد ذكر حديث ابن عباس(٢). ثم قال ابن عباس: ((تَجِدُهُ كَثِيرَ الْمَالِ لا يُزَكِّي، فَلا يَزَالُ بِذَاكَ كَافِراً، فَلا يَحِلُّ دَمُهُ، وَتَجِدُهُ كَثِيرَ الْمَالِ لَمْ يَحُجَّ، فَلا يَزَالُ بِذَاكَ كَافِراً، وَلا يَحِلُّ دَمُهُ)) . (١) كلمة غير واضحة في الأصل. (٢) كذا في الأصل، وثمة اضطراب في سياق الجمل. ١٢٤ وأخرج الطبراني حديث ابن عباس هذا بلفظ: ((بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍٍ: شَهَادَةٍ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَالصَّلاةِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، فَمَنْ تَرَكَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ، كَانَ كَافِراً حَلالَ الدَّمِ))، فاقتصر على ثلاثة فيها بعد ما ذكر أنها خمس؛ إشعاراً بالفرق بين هذه الثلاث وبين غيرها، وتقدم الثلاث، وتأكد أمرها على الاثنين الباقيين. (بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ) تشبيه الإسلام ببناء أقيمت على خمسة أعمدة، والذي يدور عليها الأركان هي: شهادة أن لا إله إلا الله، لهذا قدمها في الذكر، وجعلها أصل الباب، وبقية شعب الإيمان کالأوتاد للخباء. وهذه الاستعارة يحتمل أن يكون تبعية؛ بأن يقدر في (يُنِيَ)، والقرينة: الإسلام، شبه ثبات الإسلام واستقامته على هذه الأركان ببناء الخباء على الأعمدة الخمسة. وأن تكون مَكْنِيَّةٌ؛ بأن تقدر الاستعارة في الإسلام، والبناء تخییل. وأن تكون تمثيلية؛ بأن يعتبر التركيب في الطرفين. وأما وقوع الحديث جواباً لقول من قال: (أَلَا تَغْزُو)، فلأجل أنه لم يذكر فيه الجهاد، فلا يكون من دعائم الإسلام، بمعنى أنه لا يلزم على الأعيان، بل على الكفاية، وقد يستدل من هذا على ما نقل ابن عمر: أنه يرى سقوط فرضية الجهاد بعد فتح مكة، وقيل: إنه مذهب ١٢٥ الثوري، وابن شُبْرمة، وسُخْنون من المالكية، إلا إنْ نزل العدو بقوم، أو يأمر الإمام بالجهاد، ويستنفر الإمام الناس، فيلزمهم طاعته. وقال الراوي: لما فتحت مكة، سقط فرض الجهاد عَمَّنْ بَعُد من الكفار، وبقي فرضه على من يليهم، وكان أولاً فرضاً على الأعيان. والمختار في المذاهب الأربعة: أنه فرض على الكفاية، ويصير بحسب الأوقات والأحوال فرض عين - على ما سيجيء الكلام عليه مفصلاً في موضعه إن شاء الله تعالى -. * قوله: (يُحَدِّثُ طَاؤُساً) هذا هو الموجود في رواية الجُلُودِيّ، وقد وقع في نسخة ابن الحذاء عن أبي العلاء: سمعت عكرمةَ بنَ خالد يحدث عن طاوس، وهو وَهْمٌ، والصحيح الأول. ٠ ١٢٦ (٤) بيان أن الإيمان قول وعمل [٨۔باب الأَمْرِ بِالإِيمَانِ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَشَرَائِعِ الدِّينِ، وَالدُّعَاءِ إِلَيْهِ] ١٢٤ - (١٧ / ٢٣) - حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَام، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ حِ، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى - وَاللَّفْظُ لَهُ -: أَخْبَرَنَا عَبَّدُ بْنُ عَبَّدٍ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَدِمَ وَقْدُ عَبْدِ القَيْسِ عَلَى رَسُولِ اللهِلَّهِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ هَذَا الحَيَّ مِنْ رَبِيعَةَ، وَقَدْ حَالَتْ بَيْنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَرَ، فَلاَ نَخْلُصُ إِلَيْكَ إِلَّ فِي شَهْرِ الحَرَامِ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ نَعْمَلُ بِهِ، وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا. قَالَ: (آمْرُكُمْ بِأَرْبَعٍ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ؛ الإِيمَانِ بِاللهِ - ثُمَّ فَسَّرَهَا لَهُمْ، فَقَالَ -: شَهَادَةٍ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ، وَأَنّهَكُمْ عَنِ الدَُّاءِ، وَالحَنُمِ، وَالنَّقِيرِ، وَالمُقَّرِ». زَادَ خَلَفٌ فِي رِوَايَتِهِ: ((شَهَادَةٍ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَعَقَدَ وَاحِدَةً. ١٢٧ ١٢٥ - (١٧ / ٢٤) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ - وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ -، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، قَالَ: كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ يَدَيِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبَيْنَ النَّاسِ، فَتَهُ امْرَةٌ تَسْأَلُهُ عَنْ نَبِيذِ الجَرِّ، فَقَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ أَنَوْا رَسُولَ اللهِلَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَّهُ: ((مَنِ الوَقْدُ، أَوْ: مَنِ القَوْمُ؟))، قَالُوا: رَبِعَةُ. قَالَ: ((مَرْحَباً بِالقَوْمِ، أَوْ بِالوَقْدِ، غَيْرَ خَابًا وَلاَ النَّدَامَى)). قَالَ: فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّا نَأْتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ، وَإِنَّ بَيْنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الحَيَّ مِنْ كُفَّارٍ مُضَرَ، وَإِنََّ لاَ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلاَّ فِي شَهْرِ الحَرَامِ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا نَذْخُلُ بِهِ الجَنَّةَ، قَالَ: فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، قَالَ: أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ، وَقَالَ: ((هَلْ تَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللهِ؟))، قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُساً مِنَ المَغْنَمِ)، وَنَهَاهُمْ عَنِ الدُّبَاءِ، وَالحَنْتُمِ، وَالمُزَقَّتِ. قَالَ شُعْبَةُ: وَرُبَّمَا قَالَ: النَّقِيرِ. قَالَ شُعْبَةُ: وَرُبَّمَا قَالَ: المُقَّرِ، وَقَالَ: ((احْفَظُوهُ، وَأَخْبِرُوا بِهِ مِنْ وَرَائِكُمْ)). وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِي رِوَايَتِهِ: ((مَنْ وَرَاءَكُمْ)، وَلَيْسَ فِي رِوَايَتِهِ: المُقَّرِ . ١٢٦ - (١٧ / ٢٥) - وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ: حَدَّثْنَا أَبِي ح، ١٢٨ وَحَدَّثَنَا نَصْرُ ابْنُ عَلِيِّ الجَهْضَمِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالاَ جَمِيعاً: حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِهُ بِهَذَا الحَدِيثِ، نَحْوَ حَدِيثٍ شُعْبَةَ. وَقَالَ: (أَنْهَكُمْ عَمَّا يُنْبَذُ فِي الدُّجَاءِ وَالنَّقِيرِ وَالخَنْتُمِ وَالمُزَقَّتٍ)). وَزَادَ ابْنُ مُعَاذٍ فِي حَدِيثِهِ عَنْ أَبِهِ، قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ لِلِأَشَجِّ أَشَجِّ عَبْدِ القَيْسِ: ((إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الحِلْمُ، وَالأَنَاءُ). ١٢٧ - (١٨ / ٢٦) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْ لَقِيَ الوَقْدَ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِوَه مِنْ عَبْدِ القَيْسِ. قَالَ سَعِيدٌ: وَذَكَرَ قَتَادَةُ أَبَا نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ فِي حَدِيثِهِ هَذَا. أَنَّ أُنَساً مِنْ عَبْدِ القَّيْسِ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ! إِنََّ حَيٍّ مِنْ رَبِيعَةَ، وَبَيْنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَرَ، وَلاَ تَقْدِرُ عَلَيْكَ إِلاَّ فِي أَشْهُرِ الحُرُمِ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ نَأْمُرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، وَنَدْخُلُ بِهِ الجَنَّةَ إِذَا نَحْنُ أَخَذْنَ بِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ، وَأَنّهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ؛ اعْبُدُوا اللهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ، وَأَتُوا الزَّكَاةَ، وَصُومُوا رَمَضَانَ، وَأَعْطُوا الْخُمُسَ مِنَ الغَنَائِمِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنِ الدُّبَّاءِ، وَالخَنْتُمِ، وَالمُزَقَّتِ، وَالنَّقِيرِ)). قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ! مَا عِلْمُكَ بِالنَّقِيرِ؟ قَالَ: (بَلَى، جِذْعٌ تَنْقُرُونَهُ، فَتَقْذِفُونَ فِيهِ مِنَ القُطَيْعَاءِ - قَالَ سَعِيدٌ: أَوْ قَالَ: مِنَ الثَّمْرِ -، ثُمَّ تَصُبُّونَ فِيهِ مِنَ المَاءِ، حَتَّى إِذَا سَكَنَ غَلَيَانُهُ، شَرِئْتُمُوهُ، ١٢٩ حَتَّى إِنَّ أَحَدِكُمْ - أَوْ إِنَّ أَحَدَهُمْ - لَيَضْرِبُ ابْنَ عَمِّهِ بِالسَّيْفِ)). قَالَ: وَفِي القَوْمِ رَجُلٌ أَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ كَذَلِكَ. قَالَ: وَكُنْتُ أَخْبَؤُهَا حَيَاءً مِنْ رَسُولِ اللهِ وَهِ، فَقُلْتُ: فَفِيمَ نَشْرَبُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((فِي أَسْقِيَةِ الأَدَمِ الَّتِي يُلاَثُ عَلَى أَفْوَاهِهَا). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ أَرْضَنَا كَثِيرَةُ الجِرْذَانِ، وَلاَ تَبْقَى بِهَا أَسْقِيَةُ الأَدَمِ، فَقَالَ نَبِىُّ اللهِنَّهِ: ((وَإِنْ أَكَلَنْهَا الجِرْذَانُ، وَإِنْ أَكَلَنْهَا الجِرْذَانُ، وَإِنْ أَكَلَنْهَا الجِرْفَانُ)). قَالَ: وَقَالَ نَبِيُّ اللهِ ﴿ لَأَشَجِّ عَبْدِ القَيْسِ: ((إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الحِلْمُ، وَالأَنَاءُ). ١٢٨ - (١٨ / ٢٧) - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارِ، قَالاً: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ لَقِيَ ذَاكَ الوَفْدَ. وَذَكَرَ أَبَا نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ: أَنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ لَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِوَّهِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةً، غَيْرَ أَنَّ فِيهِ: ((وَتَذِيِفُونَ فِيهِ مِنَ القُطَيْعَاءِ أَوِ الثَّمْرِ وَالمَاءِ». وَلَمْ يَقُلْ: ((قَالَ سَعِيدٌ: أَوْ قَالَ: مِنَ الثَّمْرِ)). ١٢٩ - (١٨ / ٢٨) - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ البَصْرِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُّو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَتِي أَبُو قَزَعَةَ: أَنَّ أَبَا نَضْرَةَ أَخْبَرَهُ، وَحَسَناً أَخْبَرَهُمَا: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ أَخْبَرَهُ: أَنَّ وَقْدَ ١٣٠ عَبْدِ القَيْسِ لَمَّا أَتَوْا نَبِيَّ اللهِ، قَالُوا: يَا نَبِيَّ الهِ! جَعَلَنَا اللهُ فِدَاءَكَ، مَاذَا يَصْلُحُ لَنَا مِنَ الأَشْرِبَةِ؟ فَقَالَ: (لاَ تَشْرَبُوا فِي النَّقِيرِ)). قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ! جَعَلَنَا اللهُ فِدَاءَكَ، أَوَ تَذْرِي مَا النَّقِيرُ؟ قَالَ: ((نَعَمِ، الجِذْعُ يُنْقَرُ وَسَطُهُ، وَلاَ فِي الدَُّاءِ، وَلاَ فِي الحَنْتُمَةِ، وَعَلَيْكُمْ بِالمُوكَى)). لما كان الحديث السابق دالاً على أن أركان الإسلام خمس، أراد مسلم أن يورد بعد ذلك ما يدل على أن الأصل هو الشهادة، والباقي تبع لها، وأنها تختلف بحسب اختلاف حال المكلف من الوجوب والسقوط، بخلاف الشهادة؛ فإنها لا تسقط، وهي الأساس، وغيرها مبني عليها، وأعمال(١) لها، فأخرج حديث ابن عباس: أن امرأة أتت ابنَ عباس تسأله عن نبيذ الجَرِّ، فَقَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ أَتَوُا النَّبِيَّ وَِّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنِ الوَفْدُ، أَوْ: مَنِ القَوْمُ؟»، قَالُوا: رَبِيِعَةُ، قَالَ: ((مَرْحَباً بِالقَوْمِ أَوْ بِالوَفْدِ غَيْرَ خَزَايَا وَلاَ نِدَامَى))، قَالَ: فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّا نَأتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ، وَإِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الحَيَّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، وَإِنَّ لاَ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّ فِي شَهْرِ الحَرَامِ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَ نَدْخُلُ بِهِ الَنَّةَ، قَالَ: فَأَمَرَّهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ. قَالَ: أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ. وَقَالَ: ((هَلْ تَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللهِ؟))، قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ (١) بياض في الأصل بمقدار كلمة. ١٣١ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُساً مِنَ المَغْنَمِ)، وَنَهَاهُمْ عَنِ الدُّبَّاءِ وَالخَنْتُمِ وَالمُزَفَّتِ. وَقَالَ: ((احْفَظُوهُ، وَأَخْبِرُوا بِهِ مِنْ وَرَائِكُمْ)). وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِى رِوَايَتِهِ: ((مَنْ وَرَاءَكُمْ)، وَلَيْسَ فِى رِوَايَتِهِ: (المُقَيَِّ)). وزاد في رواية: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَهْ لِلأَشَجِّ أَشَجِّ عَبْدِ القَيْسِ: (إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الحِلْمُ، وَالأَنَاةُ» . وقد أخرج البخاري هذا الحديث في عشرة مواضع: في (كتاب الإيمان)، وفي (خبر الواحد)، وفي (العلم)، وفي (الصلاة)، وفي (الزكاة)، و(التوحيد)، وفي (الخمس)، وفي (مناقب قريش)، وفي (المغازي)، وفي (الأدب)؛ لمناسبة الأحكام المذكورة فيه لكل باب. ومُخَرَّج في صحيح مسلم هنا، وفي (كتاب الأشربة)، كان قد جعل الأوامر الباقية تبعاً للأمر بالإيمان والنواهي، كناية عن الشرب في الأسقية. وقد أخرجه أبو داود في (السُنَّة)، و(الأشربة). والترمذي في (الإيمان)، وفي (السنة) مختصراً. والنسائي في (العلم)، وفي (الإيمان)، وفي (الأشربة)، وفي (الصلاة). وحديث أبي سعيد الخدري: أَنَّ أُنَاساً مِنْ عَبْدِ القَيْسِ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ! إِنَّا حَيٍّ مِنْ رَبِيعَةَ، وَبَيْنَنَا ١٣٢ وَبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَرَ، وَلاَ نَقْدِرُ عَلَيْكَ إِلَّ فِي أَشْهُرِ الحُرُمِ، فَمُرْنَاً بِأَمْرِ نَأمُرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، وَنَدْخُلُ بِهِ الجَنَّةَ إِذَا نَحْنُ أَخَذْنَا بِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعِ: اعْبُدُوا اللهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ، وَأَتُوا الزَّكَاةَ، وَصُومُوا رَمَضَانَ، وَأَعْطُوا الخُمُسَ مِنَ الغَنَائِمِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنِ الذُّاءِ، وَالخَنْتَمِ، وَالمُزَفَّتِ، وَالنَّقِيرِ). قَالُوا: يَا نَبِيَّ الهِ! مَا عِلْمُكَ بِالنَّقِيرِ؟ قَالَ: ((بَلَى، جِذْعٌ تَنْقُرُونَهُ، فَتَقْذِفُونَ فِيهِ مِنَ القُطَيْعَاءِ - قَالَ سَعِيدٌ: أَوْ قَالَ: مِنَ الثَّمْرِ-، ثُمَّ تَصُبُّونَ فِيهِ مِنَ المَاءِ، حَتَّى إِذَا سَكَنَ غَلَيَانُهُ، شَرِئْتُمُوهُ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَكُمْ - أَوْ إِنَّ أَحَدَهُمْ - لَيَضْرِبُ ابْنَ عَمِّهِ بِالسَّيْفِ)». قَالَ: وَفِي القَوْمِ رَجُلٌ أَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ كَذَلِكَ. قَالَ: وَكُنْتُ أَخْبَؤُهَا حَيَاءً مِنْ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَقُلْتُ: فَفِيمَ نَشْرَبُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((فِي أَسْقِيَةِ الأَدَمِ الَّتِي يُلاَثُ عَلَى أَفْوَامِهَا)). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ أَرْضَنَا كَثِيرَةُ الجِرْذَانِ، وَلاَ تَبْقَى بِهَا أَسْقِيَّةُ الأَدَمِ، فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ وَّهِ: ((وَإِنْ أَكَلَتْهَا الْجِرْذَانُ، وَإِنْ أَكَلَتْهَا الْجِرْذَانُ، وَإِنْ أَكَلَتْهَا الجِرْذَانُ)). قَالَ: وَقَالَ نَبِيُّ اللهِ لَّهِ لِأَشَجِّ عَبْدِ القَيْسِ: ((إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الحِلْمُ، وَالأَنَاءُ)). وفيه رواية: أَنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ لَمَّا أَتَوا نَبِيَّ اللهِ وَهِ، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ! جَعَلَنَا اللهُ فِدَاءَكَ، مَاذَا يَصْلَحُ لَنَا مِنَ الأَشْرِبَةِ؟ فَقَالَ: ١٣٣ ((لاَ تَشْرَبُوا فِي النَّقِيرِ))، وساق الحديث، وقد أخرج النسائي بعضه. إذا عرفت هذا. * فقوله: (حَدَّثَنَا خَلَفُ) هو أبو محمد بن خلف بن هشام بن ثعلب البغدادي، الحافظ . عن مالك، وأبي عوانة، وحماد بن زيد. وعنه مسلم، وأبو داود، وإبراهيم الحربي. وَثَّقَهُ القوم، وأثنوا عليه، وأخرج له مسلم، وأبو داود. وأما (عباد) في الإسناد الآخر، فهو أبو معاوية عباد بن عباد بن حبيب بن المُهَلَّب بن أبي صُفْرة الأزديُّ. عن عاصم الأحول، وهشام بن عروة، وجماعة. وعنه أحمد، وابن معین، وجمع. وَثَّقَهُ ابن معين، وأبو داود، وأخرج له الستة. وأما شيخه، فهو (أَبُو جَمْرَةَ) - بالجيم والراء المهملة -، وليس في الكتب الستة و((الموطأ)) أبو جمرة - بالجيم والراء - غيره، وما سواه: بالحاء والزاي المعجمة، وما وقع في بعض الروايات: (أبو حمزة) هنا - بالحاء والزاي - وَهْمٌ، وهو نصر بن عمران بن عصام، وقيل: عاصم ابن واسع الضبعي - بضم الضاد والمعجمة -، نسبة إلى ضبيعة بن قيس ابن عُكَابة بن صعب بن علي بن بكير بن وائل. وأبو جمرة سمع خلقاً من الصحابة والتابعين، وسمع منه جمع كثير . ١٣٤ وثَّقَهُ أحمد، وغيره، وأخرج له الستة، وکان یسکن نيسابور، ثم انتقل إلى مرو، ثم إلی سرخس، وتوفي فيها. وقد اشتهر هو بالراوية عن ابن عباس حتى قيل: يروي شعبة عن سبعة نفر يروي كلهم عن ابن عباس، كنية كل واحد منهم: أبو حمزة - بالحاء والزاي -، إلا هذا، توفي سنة ثمان وعشرين ومئة. وأما (نَصْرٌ) في الإسناد الآخر، فهو ابن عَلِيٍّ بنِ نَصْرِ الأزديُّ الجَهْضَمِيُّ، الحافظُ. عن معتمر، ویزید بن زريع، وابن عيينة، وخلائق. وعنه: أحمد بن علي، وزكريا السِّجْزي، وابن أبي الدنيا، وآخرون. وَثَّقَهُ ابن خراش، وغيره، وأخرج له الستة بلا واسطة، والنسائي في بعض المواضع بواسطة زكريا . وأما أبوه، فهو (علي بن نصر بن علي البصريُّ)، الحافظُ. عن عبد الصمد، ويزيد بن هارون، ووهب بن جرير، وجماعة. وعنه الفریابي، وأحمد بن یحیی، وجمع. وَثَّقَهُ القوم، وأثنوا عليه، وأخرج له الستة إلا البخاريَّ وابنَ ماجه . وأما شيخه، فهو (أبو خالد قُرَّةُ بْنُ خَالِدِ السدوسيُّ، البصريُّ). عن الحسن، وابن سيرين، ومعاوية بن قرة، وخلائق. ١٣٥ وعنه شعبة، ويحيى بن سعيد القطان، وأبو عاصم، وآخرون. وَثَّقَهُ القوم، وأخرج له الستة. * قوله: (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى - وَاللَّفْظُ لَهُ -: أَخْبَرَنَا عَبَّادُ ابنُ عَبَّدٍ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ). اعترض هذا بأن في اللفظ تطويلاً، بل الواجب أن يقول: (حدثنا خلف بن هشام، قال: حدثنا حماد بن زيد، وحدثنا يحيى بن يحيى، قال: أخبرنا عباد بن عباد، كلاهما عن أبي جمرة، عن ابن عباس)؛ لأن الإسنادين لما اجتمعا في أبي جمرة، لا وجه لتكرار اسمه في السماع عن ابن عباس. وأجاب النووي بأن هذا من قلة مؤانسة السائل بقواعد هذا العلم، وشدة غباوته؛ لأن أبا جمرة في رواية حماد يقول: سمعت ابن عباس، وفي رواية عباد قال: عن ابن عباس، فكيف يجمع بينهما، وإذا جمع كيف يفرق بهذا الفرق وهو ظاهر؟! * قوله: (قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ القَيْسِ) الوفد: الجماعة من القوم المختارة للمصالح، وقيل: قوم يأتون الملوك ركباناً. وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥]: ركباناً. وقيل: قوم يجتمعون، فيرِدُون البلاد، والمعاني متقاربة، وهو جمع وافد، وقيل: اسم جمع. ١٣٦ ووفد عبد القيس أربعة عشر نفراً، ورئيسهم الأشجُّ العصريُّ، سمَّاه النبيُّ ◌َِّ: الأشجَّ؛ لأَثَرِ كان في وجهه، وهو المنذر بن عائذ - بالذال المعجمة -، بن المنذر بن الحارث بن النعمان بن زياد بن عصر ابن عوف بن عمرو بن عوف بن بكر بن عوف بن أنمار بن عمرو ابن وديعة بن لُكَيز بن أَفْصى - بالفاء والصاد المهملة - بن عبد القيس(١) بن دعمي بن جدیلة بن أسد بن ربيعة بن نزار. وسبب وفودهم: أن منقذ بن حَبَّانَ - بفتح الحاء المهملة وتشديد الموحدة - ختن الأشجِّ متجرُه يثربُ في الجاهلية، فجاء بعد هجرة النبي - عليه السلام - بملاحف وتمر وغيرهما من هَجَر، وباعها في المدينة، فبينما هو قاعد؛ إذ مر به النبي - عليه السلام -، فنهض إلى النبي - عليه السلام -، فدعاه النبي - عليه السلام - إلى الإسلام، وسأله عن أشراف قومه رجلاً رجلاً، فأسلم منقذ، وتعلّم الفاتحة، وسورة (اقرأ)، ثم توجه إلى قومه، فكتب رسول الله بَلجر معه إلى جماعة عبد القیس كتاباً، فذهب به، فلما بلغ إلى قومه، كتم الكتاب أياماً، وكان في بيته يشتغل بالصلاة، فأنكرت امرأته بنتُ الأشجِّ فعله، وقالت لأبيها: أنكرتُ بَعْلي منذ قدم من يثرب؛ لأنه يغسل أطرافه، ويستقبل الجهة - يعني: الكعبة -، فيحني ظهره مرة، ويضع جبينه مرة، وذلك دَيدنه منذ قدم، فلما سمع الأشجُّ من ابنته، طلب منقذاً، أو سأله، (١) في الأصل: ((وديعة بن الكثير بن قصي بن عبد القيس بن أفصى بالفاء والصاد المهملة))، والصواب ما أثبت. ١٣٧ فأخبره بحال رسول الله وَليه، وأظهر الكتاب، فوقع الإسلام في قلب الأشج، ثم بان بكتاب النبي ◌َّه إلى قومه: عَصَر، وَمُحَارِب، فقرأه عليهم، فوقع الإسلام في قلوبهم، واجتمعوا على إرسال جمع، فوجهوا هؤلاء إلى النبي ◌َله، فلما قربوا المدينة، قال رسول الله وَلو لأصحابه: (أَتَاكُمْ وَفْد عَبْدِ القَيْس خَيْرِ أَهْلِ المَشْرِقِ، وَفِيهِمُ الأَشَجُّ العَصَرِيُّ، غَيْرَ نَاكِثِينَ، وَلاَ مُبَدِّلِينَ، وَلاَ مُرْتَابِينَ)). وقال القاضي عياض: كان وفودهم عام الفتح قبل خروج النبي وَل إلى مكة. قوله: (إِنَّا هَذَا الحَيّ) بالنصب على الاختصاص، والخبر قوله: (مِنْ رَبِيعَة)؛ [أي] إِنَّا هَذَا الحَيَّ حِيٍّ مِنْ رَبِيعَة، وقد جاء في الرواية الثانية: (إِنَّا حَيٍّ مِنْ رَبِيعَة) بحذف: (هَذَا الحَيَّ). : قوله: (بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَرَ)؛ يعني: كانوا في طريقنا في وقت مجيئنا إليك؛ لأن مضر كانوا بين بلادهم. ومعنى (لاَ نَخْلَصُ): لا نصل، يعني: لا نقدر إلى الوصول إليك خوفاً من هؤلاء الكفار، (إِلاَّ فِي الشَهْرِ الحَرَام)، فإنهم لا يتعرضون لنا فيها، على ما كانت عادة العرب في ترك التعرض والقتال في الأشهر الحرم، واللام في الشهر للجنس، والمراد: الأربعة المعروفة، ويدل عليه الرواية الأخرى: (أَشْهُرِ الحُرُم)، وذهب القرطبي إلى أنها للعهد، والمراد: رجب، وعلله بأنها منفردة، وثلاثة مسرودة. وأنت خبير بأن هذا لا يصلح للتعليل؛ فإن الحرمة دائرة في ١٣٨ الجميع، و- أيضاً - مخالف لرواية الجمع، والتنكير في لفظة (الشهر)، يدل على الجنس - أيضاً -، وهذه الإضافة عند الكوفيين على بابها، وعند البصريين مقدَّرة لشهر الوقت الحرام ونحوه. وغرضهم: إظهار شَغَفهم بصحبة النبي ◌َّ، وأخذ الدين منه، وأنهم إن قدروا في المجيء إليه في كل وقت، لا یتخلفوا عن خدمته، ولكن لما كانت بلادهم بعيدة، وبينها وبين المدينة جماعة من أعدائهم، كان ذلك سبب حرمانهم من شرف المصاحبة . وفيه - أيضاً -: التماس أن يبين لهم رسول الله وَّلقول البيان الشافي فيما يحتاجون إليه في أمور دينهم، ولذلك فرَّعوا عليه قولهم: (فَمُرْنَا بِأَمْرٍ)، والتنكير للتعظيم، وفي الرواية الثانية: (بِأَمْرٍ فَصْلٍ)؛ أي: ظاهر بيِّنِ لا خفاءَ فيه، ولا ريبَ، وفي تسميتهم بني مضر كفاراً إيماءٌ إلى اعتقادهم حسنَ الإسلام وقبحَ الكفر، حتى وصفوا به أعداءهم. والأشهر الحرم أربعة كما وقع في التنزيل: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةُ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦]، وقد اختلف في ترتيب عددها؛ فقال قوم: المحرم، ورجب، وذو القعدة، وذو الحجة. وقال أهل المدينة: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب. واعترض بأن الأول أولى؛ لأنه في سنة، وهذا في سنتين. وأجيب؛ بأن هذا على تقدير اعتبار أخذ السنة من أول المحرم، وهو اعتباري لا عبرة فيه. ١٣٩ وميل أهل الحديث إلى الثاني؛ لأن هذا الترتيب كثيراً ما وقع في الأحاديث الصحاح، وميلُ الكُتَّاب إلى الأول؛ لما قلنا من وقوعه في سنة . قوله: (آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَع)، اتفقت(١) ألفاظ ے الرواة في ((الصحيحين)) على الأربع في الأمر والنهي، واختلفت في تفسير الأوامر الأربع لفظاً وعدداً. ففي الكتاب في الرواية الأولى: ((الإِيمَانِ بِاللهِ - ثُمَّ فَسَّرَهَا لَهُمْ فَقَالَ -: شَهَادَةٍ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ». وفي الثانية: بزيادة: و(عقد واحداً). وفي الثالثة: أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ، وَقَالَ: ((هَلْ تَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللهِ؟»، وزيادة: (الصوم) التي ليست في الأوليتين. وفي الرواية الأولى عن أبي سعيد الخدري: ((اعْبُدُوا اللهَ، وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً) مع زيادة (الصوم). وفي ((صحيح البخاري)) في موضع: ((شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَّهُ))، وفي موضع ((والإِيمَان شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ الله) بزيادة الواو، وفي موضع: ((الإيمان بالله، وشهادة أن لا إله إلا الله))، وفي موضع حذف (الشهادة)، وفي موضع حذف (الصوم). والتفاوت في الألفاظ من الرواة؛ إذ القضية واحدة؛ كما ذكرنا (١) في الأصل: ((اتفق)). ١٤٠