النص المفهرس
صفحات 81-100
داود في (الصلاة)، والترمذي في (الزكاة)، والنسائي في (الصوم). والثالث: حديث أبي أيوب، وأخرجه البخاري في (الزكاة)، و(الأدب). والنسائي في (الصلاة)، و(العلم). والرابع: حديث أبي هريرة، والخامس: حديث جابر، وهما من أفراده. وأما التعريف بالرواة سوى ما مر. (أَبُو سُهَيْلٍ) نافعُ بنُ مالك بنِ أبي عامرِ الأصبحيُّ، عمُّ مالكِ بنِ أنسٍ. عن ابن عمر، وسهل بن سعد، وأنس، وابنه مالك، وجماعة. وعنه محمد بن طلحة، وإسماعيل بن جعفر، والدراوردي، وخلائق. وثقه القوم، وأخرج له الستة. وأما أبوه (مالك بن أبي عامر). روى عن طلحة، وعائشة، وأبي هريرة. وعنه محمد بن إبراهيم، وقاسم أبو النضر، وجماعة. وثقه النسائي، وغيره، وأخرج له الستة. وأما (طلحة)، فهو أبو محمد طلحةُ بن عُبيدالله بنِ عمرو بن كعب بن سعد بن تَيْم بن مُرَّة بن كعب التيميُّ، الصحابيُّ، المشهودُ له بالجنة، أحدُ السابقين إلى الإسلام، وأبلى يوم أحد بلاءً حسناً، ٨١ ومناقبهُ كثيرة، وسيجيء في الكتاب نبُّذٌّ منها. روي له عن رسول الله صل ثمانية وثلاثون حديثاً، اتفقا على حدیثین، وانفرد البخاري بحدیثین، ومسلم بثلاثة . وروی عنه بنوه: موسى، ويحيى، وعيسى، وعمران، وإسحاق، وآخرون. استشهد سنة ست وثلاثين في وقعة الجمل وفي هذا الإسناد تصريح بسماع مالك بن أبي عامر من طلحة بن عُبيدالله، وكذا أخرج البخاري، وأبو داود، والنسائي هذا الحديث من رواية نافع بن مالك، عن أبيه مالك بن أبي عامر، عن طلحة بن عُبيدالله، بتصريح سماع مالك عن طلحة، وصرح مالك - رحمه الله - في ((الموطأ)) بسماع جده مالك بن أبي عامر، عن طلحة بن عُبيدالله. وأورد المنذري عليه شكاً، وهو: أن مالك بنَ أبي عامر توفي سنة اثنتي عشرة ومئة، وعمره سبعون سنة، وقيل: اثنان وسبعون، على ما صححه أصحاب السِّير، فيكون مولده سنة أربعين من الهجرة، إن كان عمره اثنين وسبعين، أو سنة اثنتين وأربعين إن كان عمره سبعين، ولا شك أن طلحة بن عبيدالله قُتل يوم الجمل سنة ست وثلاثين من الهجرة، فكيف يمكن سماعه من الذي قُتل قبل ولادته بسنتين أو أربعة؟! وقال: الصحيح: أن سماعه من طلحة بن عبيدالله التيمي، وهو من ٨٢ الصحابة - أيضاً -، ويشارك طلحةَ المشهورَ في الاسم، واسم الأب، والنسبة إلى تيم، ويخالفه في الشهرة، والمشهودِ لهم بالجنة، والجد. وأجاب عنه بعض شارحي البخاري: أن الصحيح: أن مالك بن أبي عامر مات سنة اثنتي عشرة ومئة، وهو ابن تسعين سنة، فعلى هذا تكون ولادته سنة اثنتين وعشرين، ومقتل طلحة بن عبيدالله سنة ست و وثلاثين، وهو يومئذ ابنُ ثمان سنين، ومثلَه يسمع. هذا، وهو مع التكلف حصل فيه التقصي عن ورود الاعتراض على سماعه من طلحة، وجماعةٌ من المصنِّفين في بيان أحوال الرجال؛ مثل الشيخ عبد الغني المقدسي، وجمالِ الدين المِزِّيِّ، وشمس الدين الذهبيِّ، وغيرهم = صرحوا بسماع مالك بن أبي عامر عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان. وحكى الوليد بن مسلم، عن مالك: أنه قال: كان جدي مالكٌ ممن قرأ القرآن في زمن عثمان، وکان یکتب المصاحف، وقد فرض له عثمان. ولهذا قال بعض أصحاب السير: إنه مات سنة أربع وسبعين، وعمره سبعون سنة، وأما أن موته سنة اثنتي عشرة ومئة - وهو قول الواقدي - فهو خطأ. وربما يستدل بأن مالكَ بنَ أنس توفي سنة تسع وسبعين ومئة، وعاش تسعين سنة - على ما ذكره الواقدي وغيره -، فلو كان موت جده في سنة اثنتي عشرة ومئة، لكان لمالك يوم موت جده اثنتان ٨٣ وعشرون سنة، وقد اتفقوا على أن مالكاً ما رأى جدَّه، فتدبر، والله أعلم بحقيقة الحال. : قوله: (جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ) قال القاضي عياض: إن الرجل هو ضمامُ بنُ ثعلبةً أخو بني سعد بن بكر، مستدلاً بما ذكره البخاري في (باب: القراءة والعرض على المُحدِّث)، عن شريك، عن أنس: (بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ فِي الْمَسْجِدِ، دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ، فَأَنَاخَهُ فِي الْمَسْجِدِ ... ) الحديث، فإنه مذكور في آخره: (وأنا ضِمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر)، وتبعه في ذلك ابن بطَّال. وذكر القرطبي: أنه لا دليل على هذا؛ لأن سياق ذلك الحديث غيرُ سياق هذا الحديث، وزيادة الحج في حديث أنس؛ لبعد الجمع بینهما، فالأولی أن یقال: هما حديثان مختلفان، هذا كلامه. وينبغي أن يعلم أن القوم لما نظروا إلى تقارب مفهوم بعض إلى بعض، ظنوا أن القضية متحدة، والاختلاف إنما وقع من الرواة، وهذا مما لا ينبغي أن يذهب إليه الخائض في شرح السنة؛ إذ الأصل ضبطُ الرواة، ومحافظتهم على السماع ما أمكن، وإنما يصار إليه عند الضرورة وتحقق اتحاد القضية. وجعل ابنُ عبد البر هذا الحديثَ وحديثَ أنس الآتي بعده حديثاً واحداً، كما جعله القاضي عياض، وقال في ترجمة ضِمام بنِ ثعلبة : وروى حديث ابن عباس، وأبي هريرة، وأنس بن مالك، وطلحة بن عُبيدالله، ولم يسمعه طلحة، هذا كلامه. ٨٤ والحق أنهما حدیثان، لا حديث واحد، أو لا ضرورة فيه، بل ظاهر الروايات تدل على التغاير. وأما حديث ضِمام، فسيجيء الكلام عليه. * قوله: (ثَائِرُ الرَّأْسِ) روي بالرفع صفة للرجل، وبالنصب على الحال، ومعنى ثائر الرأس: شَعْثَ شعر الرأس، أوقع اسم الرأس على الشعر؛ إِمَّا لأن الشعر منه ينبت، كما يطلق اسم السماء على المطر؛ لأنه من السماء ينزل، وإما لأنه جعل نفس الرأس ذا ثوران مبالغةً، أو حذف المضاف؛ للعلم به . * قوله: (نَسْمَعُ دَوِيَّ صَوْتِهِ، وَلاَ نَفْقَهُ) الرواية المشهورة في (نَسْمَعُ)، و(نَفْقَهُ) بالنون، ويروى بضم الياء أيضاً، و(دَوِيَّ) على الأول منصوبٌ، وعلى الثانية مرفوعٌ، وهو الصوت الشديد. قال في ((الأساس)): يقال للنحل، والفحل الهادر، والريح، والموج دَوِيٌّ؛ أي: صوت شدید. والرواية هاهنا فتح الدال، وقد حكى صاحب ((المطالع)) الضم أيضاً. معنی سماعهم دويّ صوته، وعدم فهمهم كلامه: أنه يجيء صوته من بعيد، ولغاية بعده لا يعلم كلامه، والمراد: بيان شدة صوته، وفي اختيار هذا اللفظ على الشدة إيماء إلى كون الرجل من أهل البدو، وهي المَفَازة؛ إذ النسبة إليه بدوي - أيضاً - بينهما مناسبة، وإن كان في النسبة الياء مشددة، والواو مخففة، وفي الاسم بالعكس. ٨٥ · قوله: (إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ) الرواية المشهورة: تشديد الطاء، وروي بتخفيفها، والأولى بإدغام الباء الأولى، والثانية بحذفها، وهذا الاستثناء منقطع؛ أي: لكن إذا فعلت فعلاً حسناً من جنس الصلاة والصوم والزكاة، فهو خير لك، قال الله تعالى: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ﴾ [البقرة: ١٨٤]. وجَعْلُه متصلاً، والتمخُّل في أن المراد: الشروع في النوافل، فإنها بالشروع تصير واجبة الأداء ـ على ما ذهب إليه البعض -، والمعنى: ليس عليك شيء غير ذلك إلا باشتغالك في التطوع؛ فإنه يصير بالشروع لازماً = بعيدٌ، ومع ذلك لا يكاد يتضح في الزكاة عندهم - أيضاً -. وما قيل: إنه - عليه السلام - ففي وجوب شيء آخر إلا ما تطوع به، والاستثناء من الإثبات نفي، فيكون المثبت بالاستثناء وجوب ما تطوع به، وهو المطلوب = نوع مصادرة على المطلوب؛ لأن ذلك إنما يتم على تقدير الاستثناء متصلاً، وإنما يصير متصلاً إذا كان المستثنى من جنس المستثنى منه، ومع احتمال كونه منقطعاً، أو من قَبيل قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْنَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦]، والمعنى: لا يجب شيء إلا أن التطوع ليس بواجب، وقد علم أن التطوع ليس بواجب، فلا يجب شيء آخر، وهو ظاهر . * قوله: (أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ) الفلاح في الأصل: الشَّقُّ، والقَطْع. قال الشاعر : ٨٦ الحديدُ بالحدید یُفْلحُ ويقال لكل من أصاب خيراً، وأدرك مطلوبه: مُفْلِحٌ، كأنه قد قطع المصاعب حتى نال مطلوبه، ويستعمل الفلاح في البقاء أيضاً. قال : أَدْرَكَهُ مُلاعِبُ الرِّمَاحِ لَوْكَانَ حَيٌّ مُذْرِكَ الفَلاَح وقال الأعشى : مَا لِحَيٍّ يا لَقَوْمي مِنْ فَلَحْ وبالجملة: التركيب دالٌّ على معنى الشق والفتح، وكذلك أخواته في الفاء والعين؛ نحو: فلق، وفلذ، وفلا. والمراد بالفلاح: دخول الجنة؛ كما جاء مصرحاً في بعض الروايات قوله: (دَخَلَ الْجَنَّةَ) بدل: (أَفْلَحَ). واعترض عليه؛ بأن المذكور قبله ليس جميع الواجبات، بل بعضها، وليس فيه شيء من النوافل، فكيف يصح الفلاح بعمله ببعض الواجبات دونَ بعض، وتركه جميعَ النوافل، مع سماع صاحب الشرع قوله: (لاَ أَزِيدُ)، وهو في مقام الإرشاد، فينبغي أن ينكر عليه، أقل ذلك أن لا یحکم بفلاحه؟ وأُجِيبَ؛ بأن ذلك راجع إلى قوله: (وَلَ أَنْقُصُ مِنْهُ)؛ يعني: إتيانه بما أمر من غير نقص مُوجِب للفلاح. ٨٧ ورُدَّ؛ بأنه تخصيص بلا دليل، مع أن السياق ینفیه. وعلى تقدير التسليم لا يدفع السؤال؛ لأن فعل ما ذكر من غير تنقیص یکون فاعلاً لبعض الواجبات، فعاد السؤال كما هو. وقال القاضي عياض، والنووي: إن في هذا الحديث حذفاً، وقد أورد البخاري في أول (كتاب الصيام) - بعد أن أورد الحديث على هذا المنوال، وأخبره رسول الله ◌َّر بشرائع الإسلام -: (فأدبرَ الرجلُ وهو يقولُ: والله! لا أزيد، ولا أنقصُ مما فرضَ اللهُ عليَّ شيئاً)، ففيه: بيان إخبار النبي ◌َّير بشرائع الإسلام له، وقبوله ذلك، وقوله: (لا أغيِّر(١) مما فرض الله عليَّ بزيادة ونقصان)، يقتضي قبولَ فعل جميع الفرائض مما فُصِّلَ، ومِمَّا أُجْمِلَ تحتَ الشرائع، والقيامُ بعمل الفرائض جميعاً موجبٌ للفلاح. وأما تركُ ذكر النوافل، فلعل ذلك قبل شرعها، وإن سُلُّم أنه بعد شرعها، فتركُها مع المداومة على فعل الفرائض لا يقتضي عدمَ الفلاح، وإن اقتضى ردَّ الشهادة في الدنيا، ولحوقَ المذمة في العقبى، فيكون مفلِحاً ناجياً. هذا حاصل ما قالوا مع زيادة بسط، وهو مبني على تسليم ورود السؤال على رواية الكتاب، وإنما يدفع السؤال برواية أخرى مشتملة على تلك الزيادة، والحقُّ عدمُ ورود السؤال على رواية الكتاب أيضاً؛ (١) في الأصل: ((أتغير)). ٨٨ لأن الشرائع فُرضت تدريجاً، والعاملُ بما فُرض في زمانه مفلحٌ قطعاً، وإن نسخ بعض شرائط المفروض في زمانه؛ كما ورد في حديث من مات قبل تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة؛ حيث قالوا: ((كيفَ حالُ إخواننا الذين ماتوا قبلَ التحويل؟))، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] الآية، فالقول بكون الشرائع في زمان السائل هي التي بيَّنها الرسول - عليه السلام - له أقربُ إلى القبول من القول بأن غير المذكور مفروض - أيضاً -، وداخلٌ تحت الإجمال الوارد في رواية أخرى. وأما عدمُ ذكر النبي ◌َِّ السننَ، فلأجل أن السائلٌ سائل [عن] الفرائض، لا الشرائع، وأنواع البر جميعاً، فأخبره رسول الله وَلا مما فرض الله تعالى على عباده، وتحقق فرضيته عنده في ذلك الزمان، فلما سمع السائل ما فرض الله تعالى عليه، واعتقد ذلك جزماً، وقال: (لاَ أَزِيدُ عَلَى ذلك، وَلاَ أَنْقُصُ)، أي: لا أغير شيئاً من ذلك بإدخال شيء فيه على اعتقاد أنه فرض، أو إخراج شيء فيه على اعتقاد أنه غير فرض، فلما سمع النبي ◌َّهِ، حَكَمَ بنجاته على شريطة الوفاء بما ذكر. وفيه: إيماء إلى بيان النوافل - أيضاً -؛ إذ الفرض لابد من أن يقع التفريطُ فيه، فيجبره النفل، فتعلقُ الفلاح بشرط الصدق والسلامة من التفريط إشارةٌ إلى ذلك، وقد فُسِّر قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَاَلْإِحْسَنِ﴾ [النحل: ٩٠] بذلك، فقيل: العدل: الفرض، والإحسان: الندب. ٨٩ ويؤيد ما ذكرنا من أن المراد من قوله: (لاَ أَزِيدُ، وَلاَ أَنْقُصُ): لا أغير، ولا أعتقد غير ذلك، وأقوم بأدائه معترضاً - ما أخرجه النسائي بعد هذا الحديث، حديث أنس، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! كَمِ افْتَرَضَ اللهُ تَ عَلَى عِبَادِهِ مِنَ الصَّلَوَاتِ؟ قَالَ: ((افْتَرَضَ اللهُ عَلَى عِبَادِهِ صَلَوَاتٍ خَمْساً))، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! هَلْ قَبْلَهُنَّ أَوْ بَعْدَهُنَّ شَيْئء؟ قَالَ: ((افْتَرَضَ اللهُ عَلَى عِبَادِهِ صَلَوَاتٍ خَمْساً))، فَحَلَفَ الرَّجُلُ لاَ يَزِيدُ عَلَيْهِ شَيْئاً، وَلاَ يَنْقُصُ مِنْهُ شَيْئاً، قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِنْ صَدَقَ، لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ)). ففي هذا الحديث: التصريحُ أن المراد بالزيادة والنقصان هو: اعتقاد أن الفرض هو العدد المذكور بلا زيادة ولا نقصان، لا الامتناع عن الاشتغال بالنوافل والسنن قبل هذه الصلوات وبعدها، فتأمل. أما الزيادة التي تشبثوا بها من أنها مذكورة في الرواية الأخرى، فليست بزيادة، بل هي واردة في هذه الرواية بدل قوله: (وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﴿ِ الزَّكَاةَ) في الرواية الأولى، وظاهر سياق هذا: أن المراد بالشرائع في هذا الموضع هي: فرائض الزكاة، ولكثرة التفصيل فيها أجمل الراوي ذلك، وفصل الجواب في الصلاة والصوم، والدليل على أن المراد بالشرائع هاهنا: فرائضُ الزكاة: رواية البخاري، فقال: (أَخْبِرْنِي بِمَا افتَرض اللهُ عَلَيَّ مِنْ الزَّكَاةِ، فأخبره رسول الله ◌َّم بشرائع الإسلام، قال: قَالَ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ! لاَ أَتَطَوَّعُ شَيْئاً، وَلاَ أَنْقُصُ مِمَّا ٩٠ فَرَضَ اللهُ عَلَيَّ شَيْئاً)(١)، وإخراج البخاري هذا الحديث في (باب ترك الحيلة في الزكاة، ولا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين مفرق) - بعد حديث أنس -: (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَتَبَ لَهُ فَرِيضَةَ الصَّدَقَةِ الَّتِي فرض رسول الله (*) يؤيد هذا - أيضاً-، فتأمل. وما قيل: إن هذا الرجل كان رسولَ قومه، والمعنى: لا أزيد على ما سمعتُ، ولا أنقصُ منه، بل أَبَلُّغُ المسموعَ كما سمعتُ، وحُكْمُ النَّبِيِّ - عليه السلام - بفلاحه سببُ ذلك لا يدفع السؤال بالتزام ما قلنا من أن الفرائض في ذلك اليوم هي المذكورة لا غير، أو يضم تلك الزيادة . نعم، لو قيل: المراد بالفلاح هو: الحاصلُ له في التبليغ، لا مطلقُ الفلاح الذي هو النجاة الأخروي، يندفع أصل السؤال، فعلى ما ذكرنا من أن كل واحد من هذه الأحاديث حديث برأسه، وأن النبي ◌َّ إنما بيَّن لكل سائل ما فرض في ذلك الوقت، سقط ما ذكروا من أن الاختلاف في أجوبة النبي ◌َّ في بيان الفرائض؛ حيث ذكر الحج في موضع، ولم يذكره في موضع، وذكر صلة الرحم في مواضع دون موضع، إلى غير ذلك من التفاوت = محمولٌ على اختلاف ضبط الرواة، لا على اختلاف أجوبة النبي تقلي﴾. (١) في الأصل: ((والذي بعثك بالحق! لا أتطوع، ولا أزيد على ما فرض الله عليَّ شيئاً). ٩١ نعم، لو كان ذلك في قضية واحدة؛ كما في سؤال جبريل - عليه السلام -، وكما في حديث أنس الآتي بعد هذا؛ حيث ذكر فيه الحج في رواية ثابت، وهي رواية الكتاب، ولم يذكر في رواية شريك على ما في البخاري، لصح ذلك. وأما الحكم مطلقاً بأن [الاختلاف] في جميع الأحاديث المروية في بيان أركان عمدة الإسلام من التفاوت، محمولٌ على عدم ضبط الرواة، فَبَعِيدٌ جداً؛ إذ لا شك في أن فرضيتها على التدريج، فبيان كل فرض مع ما قبله في كل موضع، هو طريق الإرشاد، والله يهدي إلى السداد. ١١٠ - (١١ / ٩) - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، جَمِيعاً عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ طَلْحَةً ابْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ لَهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((أَفْلَحَ - وَأَبِيهِ - إِنْ صَدَقَ)). أَوْ: ((دَخَلَ الْجَنَّةَ - وَأَبِيهِ - إِنْ صَدَقَ)). * قوله: (حَدَّثَنِي يَحْتَى) هو أبو العباس يحيى بن أيوب الغافقي المصري، أحدٌ علماء مصر . عن جعفر بن ربيعة، وبكير بن الأشج، وابن طاوس، وجماعة. وعنه ابن جريج وهو من شيوخه، وجرير، والليث، وخلائق. ٩٢ وثقه أكثر القوم. وقال النسائي : ليس بالقوي. وقال أبو حاتم: محله الصدق، ولا يحتج به . وبالجملة: أخرج [له] الستة. توفي سنة ثمان وستين ومئة. وأما شيخه، فهو (إسماعيل بن جعفر) بن أبي كثير الزُّرقي، المدني، القارئ. عن عبدالله بن دينار، والعلاء بن عبد الرحمن، [و]حميد، وجماعة . وعنه علي بن حجر، ويحيى بن يحيى، ومحمد بن سلام، وآخرون. وثقه أحمد، وغيره، وأخرج له الستة. توفي سنة ثمان ومئة. * قوله: (أَفْلَحَ وَاَبِیهِ) اعتُرض علیه بأنه ليس بحلف، بل كلام جرى في مقاولات العرب مجرى التأكيد، ولا يقصدون به الحلف، والمَنْهِيُّ الذي يُقْصَدُ به الحَلْفُ، وبأنه قبل النهي، وفيه ضعف. وبأنه على حذف المضاف؛ أي: ورب أبيه، وهو - أيضاً - خلاف الأصل. ٩٣ وبأنه جائز للنبي - عليه السلام -، والنهي لغيره، وفيه - أيضاً -: ادعاء التخصيص، وأبعدُ منه: أن الرواية: (والله)، والكاتب سها، فقصَّر مدَّ اللامين، فصار: وأبيه. [٥ - باب فِي بَيَانِ الإِيمَانِ بِاللهِ، وَشَرَائِعِ الدِّينِ] ١١١ - (١٢ / ١٠) - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرِ النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللهِلَّهِ عَنْ شَيْءٍ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ الْعَاقِلُ، فَيَسْأَلَهُ وَنَحْنُ نَسْمَعُ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! أَثَانَ رَسُولُكَ، فَزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللهَ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: ((صَدَقَ)). قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَ: ((الله)، قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الأَرْضَ؟ قَالَ: (لله)، قَالَ: فَمَنْ نَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ، وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ؟ قَالَ: (الله)، قَالَ: فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ، وَخَلَقَ الأَرْضَ، وَنَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ! اللهُ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: (نَعَمْ))، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِنَا وَلَيْلَيْنَ، قَالَ: ((صَدَقَ))، قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ! اللهُ أَمْرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: ((نَعَمْ))، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا زَكَاةً فِي أَمْوَالِنَا، قَالَ: ((صَدَقَ))، قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ! اللهُ أَمْرَكَ ٩٤ بِهَذَا؟ قَالَ: (نَعَمْ))، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا صَوْمَ شَهْرٍ رَمَضَانَ فِي سَنَتِنَا، قَالَ: ((صَدَقَ))، قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ! اللهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: (نَعَمْ))، قَالَ، وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا حَجَّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً، قَالَ: ((صَدَقَ))، قَالَ: ثُمَّ وَلَّى، قَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ! لاَ أَزِيدُ عَلَيْهِنَّ، وَلاَ أَنْقُصُ مِنْهُنَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َحِ: ((لَئِنْ صَدَقَ، لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ». ١١٢ - (١٢ / ١١) - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمِ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَاَ بَهْزٌ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ أَنَسٌّ: كُنَّا نُهِينَ فِي الْقُرْآنِ أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللهِوَِّ عَنْ شَىْءٍ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ. * قوله: (حَدَّثَنَا هَاشِمُ) هو أبو النضر هاشمُ بن القاسم الليثيُّ الخراسانيُّ، أحدُ الحفاظ. عن شعبة، وأبي ذِئْبٍ، وعكرمة بن عمار، وخلائق. وعنه أحمد، وابن معين، وابن المديني، وآخرون. وثقه القوم، وأثنوا عليه، وأخرج [له] الستة . توفي سنة سبع وثمانين ومئة. وأما شيخه، فهو (أبو سعيد سليمان بن المغيرة القيسيُّ)، أحد أئمة البصرة. عن الحسن، وابن سيرين، وحميد بن هلال، وجماعة. وعنه سفيان الثوري مع تقدمه، وأبو أسامة، وزيد بن الحباب، وآخرون. ٩٥ وثقه القوم، واتفقوا على جلالة قدره، وأخرج له الستة . توفي سنة خمس وستين ومئة. وأما شيخه، فهو (أبو محمد ثابت بن أسلم البُناني مولاهم)، البصريُّ، أحدُ الأعلام. عن أنس، وابن عمر، وابن الزبير، وجماعة من الصحابة والتابعين. وعنه شعبة، والحمادان، وآخرون. وثقه القوم، واتفقوا على غزارة فضله، وجلالة قدره، وأخرج له الستة . توفي سنة سبع وعشرين ومئة. وأما (عَبْدُاللهِ) في الإسناد الآخر، فهو أبو عبد الرحمن عبدُالله بن هاشم بن حيان العبديُّ الطوسيُّ. عن سفيان بن عيينة، ويحيى القطان، ووكيع، وخلائق. وعنه مسلم، وإبراهيم بن أبي طالب، ومكي بن عَبْدان، وآخرون. وثقه صالح بن جزرة، وغيره، وأخرج له مسلم. توفي سنة خمسین ومئتين . وأما شيخه، فهو (أبو الأسود بهزُ بنُ أسدٍ العَمِّيُّ)، البصريُّ. عن شعبة، ويزيد بن إبراهيم، وحماد بن سلمة، وجماعة. ٩٦ وعنه أحمد، وبُندار، ويعقوب الدَّورقي، وغيرهم. وثقه القوم، وأخرج له الستة، وليس في هذا الكتاب بهزٌ غيرُه. وأما بهز بن حكيم، فقد أخرج له البخاري تعليقاً، وأخرج له الأربعة، ولم يخرج له مسلم شيئاً. قوله: (نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ ﴿)، وفي رواية أخرى: (نُهِينَا فِي الْقُرْآنِ)، وهو قوله تعالى: ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ﴾ [المائدة: ١٠١] الآية، والمراد: نهي السؤال عن أشياء لا تتعلق بأمور دينهم، وليس لهم في تكثير السؤال منه فائدة، على ما مرَّ، ووصف الرجل بالعاقل؛ لأنه يعرف طريقة السؤال، ويسأل عن أشياء يكون مطلوبهم السؤال عنها، لا عن أشياء لا يعبأ بالسؤال عنها، وأنه يراعي طريقة السؤال، وقد وقع في بعض النسخ: (الغافل) - بالغين المعجمة والفاء-، ووجهه: الغافل عن النهي عن السؤال، والأظهر أنه تصحيف . * قوله: (يَا مُحَمَّدُ!) اعتُرض عليه بأن النداء باسمه منهي، وأجيب؛ بأنه قبل إيمان السائل، أو قبل ورود النهي، أو قبل سماعه، أو بقاء جَفَاء الأعرابية فيه بعد الإسلام وسماع النهي. قوله: (فَزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ)، استدل النووي من إطلاق السائل الزعمَ على قول رسول الله وَّ﴾، وتصديق رسولِ الله ذلك، وعدم إنكاره، على: أن الزعم يستعمل في القول المحقّق الذي ٩٧ لا شك فيه، وقد جاء في الأحاديث - أيضاً -: ((زعم جبريل كذا))، فوقع في كتاب سيبويه في نقل قول الخليل: زعم أبو الخطاب، يريد: القول المحقق المرضيَّ. وهذا الذي ذكره - من إطلاق الزعم على القول - مما لا نزاع فيه، وقد مر القول فيه، لكن استدلاله من عدم إنكار النبي ◌َّر على السائل إنما يصح لو ثبت إسلامه، واعتقادهُ حقيقةَ قول الرسول. وقد استدل من قوله: (زَعَمَ رَسُولُكَ) بعضُ شارحي البخاري على أنه كان كافراً، وذكر أبو داود في (باب دخول الكافر المسجد) هذا الحديث، وفيه: دليل على أنه جزم على كفره، وأورد ابن إسحاق في آخر هذا الحديث: (حتى إذا فرغ السائل من جميع ذلك، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله)، فعلى هذا: عدمُ إنكار الرسول - عليه السلام - قولَه؛ لأجل أنه جارٍ على اعتقاده، وهو ظاهر. ولعل النووي بنى هذا على قول من يقول: إِنَّ السائل مُسْلِمٌ وقتَ مجيئه، وإنما جاء مستفسراً لأركان الدين، وهو قول جماعة من أهل العلم، واستدلوا بأن البخاري أورد هذا الحديث في (باب القراءة والعرض على المُحَدِّثِ)، وذلك يدل على إسلامه، وأنه جاء للعرض، وقراءة ما آمن به على الرسول، وبما جاء في ((البخاري)) في آخر هذا الحديث: (فَقَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ، وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي). ٩٨ وأجيب عن الأول: بأن صورة سؤاله صورة العرض؛ لأنه لمَّا سمع من رسول الله ◌َي الأحكام، جاء للفحص عن صدق ما سمع، ولم يقتصر على السؤال، بل أكَّدَ بالقسم، فبهذه المناسبة أورده في هذا الباب، ولا يلزم منه انشراح صدره بالإسلام، بحيث لا يبقى له إشکال قط . وعن الثاني: بأن قوله: (آمَنْتُ) الظاهر: أنه ابتداء إيمان؛ لأنه زال عنه الرَّيب بسماعه من رسول الله وَّر، لا أنه إخبار عن إيمانه سابقاً. ثم اعلم أن هذا الحديث أخرجه القوم من طريق أبي هريرة، و وأنس، وابن عباس، وأكملَها حديث ابن عباس، قال: بَعَثَ بَنُو سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ ضمَامَ بْنَ ثَعْلَبَةَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَهِ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ، فَأَنَاخَ بَعِيرَهُ عَلَى بابِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللهِ وَهُ جَالِسٌ فِى أَصْحَابِهِ - وَكَانَ ضَمَامٌ رَجُلاً جَلْداً، أَشْعَرَ، ذَا غَدِيرَتَيْنِ - حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللهِوَهِ، فَقَالَ: أَيُّكُمُ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ)). قَالَ: مُحَمَّدٌ؟ قَالَ: ((نَعَمْ)). قَالَ: يَا بْنَ عَبْدِ الْمُطَلِبِ! إِنِّي سَائِلُكَ، وَمُغَلِّظُ فِى الْمَسْأَلَةِ، فَلاَ تَجِدَنَّ فِي نَفْسِكَ. قَالَ: ((لاَ أَجِدُ فِي نَفْسِي، فَسَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ)). قَالَ: إِنِّي أَنْشُدُكَ بِاللهِ إِلَهِكَ وَإِلَهِ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ، وَإِلَهِ مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكَ! اللهُ بَعَثَكَ إِلَيْنَا رَسُولاً؟ قَالَ: ((اللَّهُمَّ نَعَمْ)). قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللهِ ٩٩ إِلَهِكَ وَإِلَهِ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ، وَإِلَهِ مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكَ! اللهُ أَمَرَكَ أَنْ نَعْبُّدَهُ وَحْدَهُ لاَ نُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، وَأَنْ نَخْلَعَ هَذِهِ الأَنْدَادَ الَّتِي كَانَتْ آبَاؤُنَا تَعْبُدُهَا مِنْ دُونِهِ؟ قَالَ: ((اللَّهُمَّ نَعَمْ)). قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللهِ إِلَهِكَ وَإِلَهِ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ، وَإِلَهِ مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكَ! آللهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّيَ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ؟ قَالَ: ((اللَّهُمَّ نَعَمْ)). قَالَ: ثُمَّ جَعَلَ يَذْكُرُ فَرَائِضَ الإِسْلاَمِ فَرِيضَةً فَرِيضَةً؛ الزَّكَاةَ، وَالصِّيَامَ، وَالْحَجَّ، وَشَرَائِعَ الإِسْلاَمِ كُلَّهَا، وَيُنَاشِدُهُ عِنْدَ كُلِّ فَرِيضَةٍ كَمَا نَشَدَهُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، حَتَّى إِذَا فَرَغَ، قَالَ: فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَسَأُؤَدِّي هَذِهِ الْفَرِيضَةَ، وَأَجْتَنِبُ مَا نَهَيْتَنِي عَنْهُ. ثُمَّ قَالَ: لاَ أَزِيدُ وَلاَ أُنْقِصُ. ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى بَعِيرِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلِ حِينَ وَلَّى: ((إِنْ يَصْدُقْ ذُو الْعَقِيصَتَيْنِ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ)). فَأَتَى إِلَى بَعِيرِهِ، فَأَطْلَقَ عِقَالَهُ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا تَكَلَّمَ أَنْ قَالَ: بِثْسَتِ اللَّتُ وَالْعُزَّى. قَالُوا: مَهْ يَا ضمَامُ! اتَّقِ الْبَرَصَ، وَاتَّقِ الْجُنُونَ، وَأَتَّقِ الْبُذَامَ. قَالَ: وَيْلَكُمْ! إِنَّهُمَا - وَاللهِ- مَا يَضُرَّانِ، وَلاَ يَتْفَعَانِ، إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ رَسُولاً، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَاباً اسْتَنْقَذَكُمْ بِهِ مِمَّا كُنْتُمْ فِيهِ، وَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَقَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِهِ بِمَا أَمَرَكُمْ بِهِ، وَنَهَاكُمْ عَنْهُ. قَالَ: فَوَاللهِ! مَا أَمْسَى مِنْ ذَلِكَ اليوم وفي حَاضِرِهِ رَجُلٌ وَلاَ امْرَأَةٌ إِلاَّ مُسْلِماً). ١٠٠