النص المفهرس
صفحات 1-20
عَالمَسََّةِ التَّوَ فضل المنحَ فِي سَرْج ٨ تَأْلِيُفُ اَلْقَاضِى شَمْسِ الدِّيْنِ الهَرَوِيِّ إِي عَبْدِاللهِ مُحَدِ بْنِ عَطَاءِ اللَّهِ بنِ مُحمَّدٍ الْهَرَوِيِّ الْحَنَّفِيِّ ثُمَّالشَّافِيِّ المولود بهراة سنة ٧٦٧ هـ والمتوفى بالقدس سنة ٨٢٩ هـ رحمه الله تعالى من المحققين تَحْقِيْق وَدِرَاسَة مختصَّّةٍ مِنَ أ بإشراف تُورُ الدُّنْ طَالِبُ المُجَلَّد الأَوَّلُ لِلْبُحُوثِ وَالدِّرَاسَاتِ قَطَرْ دَارُ التَّوَااده E C ـر السَّنَةِ التُّوَيَّة قُوْسوء 13 13 لِلْبُحُوثِ وَالذِرَاسَاتِ قطرْ دَارُ الَوالاد® ◌َةُ التَّبَوَيَّة مُؤْسوة فَضْلِ المُعَز فِ سَزج صحيحٌ مُسُنَا (١) لِلْمُحُوثِ وَالدِّرَاسَاتِ قطر دَارُ التَّوَارِ® عَالسَة التََّوَيَّةِ جَميعُ الحُقُوقِ مَخْفُوظَة اُلْطَّبْعَةُ الْأُولَى ١٤٣٣هـ-٢٠١٢م ردمك: ٧ - ٤٣ -٤١٨ - ٩٩٣٣ _٩٧٨ :ISBN 9789933459437 لِلْبُحُوثِ وَالدِّرَاسَاتِ قطر - الدوحة فاكس: ٠٠٩٧٤٤٤٤٤١٨٧٠ Email : arraqeem@gmail. com دَارُ التَّواال® سورية - لبنان - الكويت مُؤْسَّسَةِ دَارِ النَّوَادِرِ م. ف - سُورِيةٍ * شَرِكَّةِ دَارِ النَّوَادِ الْنَائِيَّة ش.م.م .- لُبْنَانِ) شَرِكَة دَار النَّوَادِ الكُوَيَّةِ ذ.م.م.الكُوُّيتُ سورية - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ - هاتف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١) لبنان - بيروت - ص. ب: ٥١٨٠/١٤ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١) الكويت - الصالحية - برج السحاب - ص. ب: ٤٣١٦ حولي - الرمز البريدي: ٣٢٠٤٦ هاتف: ٢٢٢٧٣٧٢٥ - فاكس: ٢٢٢٧٣٧٢٦ (٠٠٩٦٥) www.daralnawader.com info@daralnawader.com تُودُ الدُّ ◌ُنْظَالِبِ الْنِالعَام ◌َرِيِ الشَّيْرِي أسَّسَهَا سَنّة: ١٤٢٦هـ-٢٠٠٦°م لِلْبُحُوثِ وَالدِّرَاسَاتِ قطرْ مؤسِّوْ عَرْ بَة ◌ُوْعَ الَسَنَةِ الثََّوَيَّة المُشْرِفُ العَام تُرُ الدُّنْطَ الِ اَلْنَةُ الْعِلْمِيَّةُ الَِّ شَارَكَتْ فِي تَتْقِيْقِ هَذَا الْكَتَابِ محمد فَلَّوف العبد اللَّه عبد الرحمن محمد الكشك علاء الدين بدران 5 مُقَدِّمَة التَّحْقِيْق الحمد لله مُنزل الشرائع والأحكام، وجاعلٍ سنةَ نبيِّه وَهُ مبينةً الحلال والحرام، والهادي من اتّبع رضوانَهَ سُبلَ السَّلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةَ تحقيقٍ على الدوام، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، أرسله رحمةً للأنام، وعلى آله وصحبه الكرام. أمّا بعد: فإنَّ الأمة مجمعةٌ على أنَّ الأخبار التي اشتمل عليها صحيحا الإمامينِ البخاريِّ ومسلمٍ مقطوعٌ بصحة أصولها ومتونها؛ إذْ سَبَرَ هذان الإمامان من هذا الأمرِ ما لم يَسْبُر غيرُهما، واستبكراه فجلَّيا للناس ما عرفاه، وألغيا ما استنكراه، وليس لغيرهما ما لهما من السَّبْق في ذلك، سبق إليه البخاريُّ، وصلَّى مسلمٌ، ومَنْ قال لك: إن مثلُّئاً تلاهما فلا تصدّقْه(١). قال أبو عبد الله بنُ البَيِّع: أهل الحجاز والعراق والشام يشهدون (١) انظر: ((جامع الصحيحين)) لأبي نعيم الحداد (١ / ٨). 7 لأهل خراسان بالتقدُّم في معرفة الحديث، لسبق الإمامين البخاريِّ ومسلمٍ إليه، وتفرُّدِهما بهذا النوع(١). وإنَّ صحيح الإمام أبي الحسين مسلمٍ أمتنُهما روايةً وتقريراً، وأحسنُهما ترتيباً وتحريراً، وأكثرُهما تفريقاً وتحقيقاً، وأقلُّهما تقطيعاً وتعليقاً، في كلِّ سِفْر منه عِقْدٌ من الدُّرِّ، وفي كلِّ سطر منه روضٌ من . (٢) المُنَى(٢) . فقد حكى القاضي عياض الإجماعَ على إمامته وتقديمه، وصحةٍ حديثه وتميُّزِه، وثقته وقبول كتابه(٣). وكان أبو زرعةَ وأبو حاتمٍ يقدِّمانه في الحديث على مشايخ عصرهما . وقال أبو علي النَّيسابوري: ما تحت أديمِ السَّماء أصحُ من كتاب مسلم . وقال أبو مروان الطَّبْني: كان من شيوخي من يفضِّل كتابَ مسلم على كتاب البخاري. وقال مَسْلمة بن قاسم في ((تاريخه)): مسلم جليل القدر، ثقة، (١) انظر: ((المدخل إلى كتاب الإكليل)) (ص: ٣٢). (٢) انظر: ((فضل المنعم شرح صحيح مسلم)) للمؤلف (١ / ٥). (٣) انظر: ((إكمال المعلم)) للقاضي عياض (٧٩/١). 8 من أئمة المحدثين، وذكر كتابَه الصحيح فقال: لم يصنعْ أحدٌ مثلَه. وقال مسلم: لو أنَّ أهلَ الحديث يكتبون الحديث مئتي سنة، فمدارهم على هذا المُسْند، ولقد عرضت كتابي هذا على أبي زرعةَ الرازيٌّ، فكلُّ ما أشار إلى أن له علة تركْتُه، وما قال هو صحيح ليس له علة أخرجْتُه (١). قال أبو العباس القُرطبيُّ: هذا مع أنَّ الكتاب أحسنُ الأحاديث مساقاً، وأكمل سياقاً، وأقلُّ تكراراً، وأتقنُ اعتباراً، وأيسرُ للحفظ، وأسرع للضبط، مع أنه ذكر صَدْراً من علم الحديث، وميَّز طبقاتٍ المحدثين في القديم والحديث. ولمَّا كان هذا الكتاب بهذه الصفة، ومصنَّفه بهذه الحالة، ينبغي أن يُخصَّ بفضلٍ عنايةٍ من تصحيحِ وضبطٍ ورواية، وحفظٍ وتفقُّهِ ودراية(٢). ومِنْ هنا اعتنى الأئمة المتقنون بهذا الكتاب العظيم، وبَرَزَ لنا من الشروح الحافلةِ شرحُ الإمام أبي عبد الله المازَرِيِّ في كتابه («المُعْلم)). ثم شرحُ تلميذِه القاضي أبي الفضل عياضٍٍ الذي أتمَّ شرح شيخه في ((إكمال المُعْلم)) . وشرحُ الإمام أبي العباس القرطبيِّ الذي وسمه بـ ((المُفْهم في (١) انظر ((إكمال المعلم)) للقاضي عياض (٨٢/١)، و((تلخيص صحيح مسلم)) للقرطبي (١ / ١٠٠ - ١٠١). (٢) انظر: ((تلخيص صحيح مسلم)) للقرطبي (١/ ١٠١ - ١٠٢). 9 شرح تلخیص مسلم)) . ثم شرحُ الإمام النوويُّ الذي سار في الآفاق، وحاز قصب السَّبْق بالاستحقاق. إلى غيرِ ذلك من الشَّروح والتعاليق، وقد امتاز كثيرٌ منها بالفوائد والعوائد التي لا توجد في الشروح الأخرى، وقلّ شرحٌ منها يخلو عن فائدة عزیزة، أو تنبيهٍ مهم، أو استنباط مَلیح، أو إرشاد بليغ. ومِنْ هنا عُنينا بشروح هذا السِّفر الجليل عنايةً خاصةً في مشروعنا ((موسوعة شروح السنة النبوية)) التي نسألُ اللهَ تعالى أن يكتبَ لها القَبول والتَّمام، وأن يوفقنا لإصدارها كما أرادها مؤلّفوها أن تخرجَ لأهل الإسلام، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه. وقد تناولنا في تحقيقنا جملةً من الشُّروح النفسية التي لم ترَ النورَ بعد، وألفينا فيها علوماً جَمَّة لا يستغني عنها مَنْ تشرَّب لِبِانَ السنةِ النبوية، وحَرَصَ على أخذها روايةً ودرايةً. وكان من بين تلك الشروح شرحُ الإمام شمسِ الدِّين الهرويِّ الذي نقوم بإصداره لأول مرة. وقد اشتمل على شَرح ما يقاربُ التسعَ مئةٍ حديثٍ من أحاديث صحيح مسلم، شملت مقدمةَ الصحيح وكتابَ الإيمانِ والطهارةِ والوضوءِ. وقد شرحه شرحاً جامعاً لفوائد المتقدمين، حاوياً على فرائد 10 المتأخِّرين، مشتملاً على ما في شروح الأئمة الأعلام: القاضي عياض والقُرطبي والنَّووي. مُنْطوياً على تحقيقات خَلَت عنها الكتبُ بأرشق الإشارة. كاشفاً حالَ جميع رجال الإسناد، وما قيل في كلِّ واحد منهم من المَذَمَّة والإحماد. مبيّناً طرقَ كلِّ حديث من أحاديث الكتب المخرَّجة في الكتب الخمسة الباقية من الستة، ومواقع التعريج، وما تفرَّد به المصنفُ مِنْ بينهم بالتخريج. مُضيفاً إلى ذلك كلَّ ما في الكتب الخمسة من الأحاديث التي ليست من الكتاب، مبيّاً ما فيها من الكلام والأبواب، ليكون الكتابُ شرحاً للكتب الستة التي عليها مدارُ الإسلام، راوياً كلَّ زيادة واقعةٍ في مسند الإمام أحمد والمعاجم الثلاث للطبرانيِّ ومسند البَزَّار وأبي يعلى الذي يتعلق به من الأحكام، أو يكون مظِنّةً لورود شيئ من الكلام، وتاركاً كلَّ زيادة ليس لها مدخل أو تعلُّق بالحديث بجملته. كما نبَّه على ترتيب الأحاديث والروايات من الأصل والمتابعة والشاهد، وفوائد اختيارِ المصنف الألفاظ . وأورد فيه كلَّ كلام يليق بالكشف والتبيان، وأفرغَ فيه المباحث في قوالب المعاني والبيان. هذا وقد تم - بفضل الله وتوفيقه - تحقيقُ هذا الكتاب على 11 النسخة الخطية المحفوظة بمكتبة فيض الله بتركيا، والتي انتسخها تلميذُ المصنفِ عبدُ الله بنُ محمود بن حسين المكراني سنة (٨٤٦هـ). وتمَّ التقديم للكتاب بترجمة الإمام شمس الدين الهرويِّ، ثم تلاه تعريفٌ بمنهج المؤلف في هذا الشرح. وتم تذييلُ الكتاب بفهرس أطراف الأحاديث النبوية الشريفة التي شرحها المؤلف، ثم فهرس لعناوين الكتب والأبواب. اللهمّ اجعلنا ممن يستنهجُ كتابَك وسنةَ نبيِّك محمدٍ ێ، واجعل نيَّتنا خالصةً لوجهك الكريم في نشر السنةِ المُطهرة، يدومُ الأجرُ فيها بعد الممات، ونبلغ بها منزلة مرضيةً عندك، إنك وليُّ ذلك والقادر عليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وصلى الله على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين، والحمدُ لله ربِّ العالمين. حَزَّرَهُ ◌ُ الدُّنْظَ الِ ٥/ رمضان المعظم / ١٤٣٢هـ 12 الفَصْلُ الأَوَّلُ تَرجَمَةُ المُؤْلِّف العَلَّمَة شمْس الدّيْن الْهَرَوِيّ(١) هو محمدُ بن عطاء الله بن محمد، واختلف فيمن بعده، فقيل: أحمد بن محمود بن الإمام فخر الدين محمد بن عمر، وقيل: محمود ابن أحمد بن فضل الله بن محمد الشمس أبو عبد الله بن أبي الجود وأبي البركات الرازي الأصل الهروي. هكذا كان يزعمُ أنه من بني الفخر الرازي، قال شيخُنا - أي الحافظ ابن حجر -: ولم نقف على صحة ذلك، ولا بَلَغنا من كلام أحدٍ من المؤرخين أنه كان للإمام (١) نقلاً عن ((الضوء اللامع)) للسخاوي (٨ / ١٥١ - ١٥٥) باختصار، وانظر ترجمته في: ((درر العقود الفريدة)) (٣/ ٤٦٠)، و((السلوك)) كلاهما للمقريزي (٧ / ١٤٤)، و((المجمع المؤسس)) (٣/ ١٢٤) و((إنباء الغمر)) (٨/ ١١٣)، و((ذيل الدرر الكامنة)) (ص: ٣٠٦)، و((رفع الإصر)) أربعتها للحافظ ابن حجر (ص: ٣٩٢)، و((النجوم الزاهرة)) لابن تغري بردي (١٤ / ٣٠٧)، و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (٤ / ١٣٤)، و((بغية الوعاة)) للسيوطي (٢/ ٥)، و((الأنس الجليل)) للعليمي (٢ / ١١١)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (٧/ ١٨٩)، و((البدر الطالع)) للشوكاني (٢/ ٢٠٦)، و((هدية العارفين)) للبغدادي (٢/ ١٨٥)، و((الأعلام)) للزركلي (٦/ ٢٦٩)، و((معجم المؤلفين)) لكحالة (٤٨٩/٣). 13 ولدٌ ذَكَر، فالله أعلم. ولد بِهَرَاة سنةَ سبع وستين وسبع مئة، واشتغل في بلاده حنفياً، ثم تحوَّل شافعياً، وأخذ عن التَّفتازاني وغيرِهِ، واتصل بتمرْلَنْك على هيئة المباشِرین، ثم حصل له منه جَفاء، فتحوَّل لبلاد الروم مملكةِ ابنِ عثمان، فقام عليه ابن الفنري حتى انفصل عنها بعدَ يسير . وقَدِمَ القدس سنةَ أربع عشرة، فحجَّ وعاد إليه في التي بعدها، فاتفق قدومُ نوروز صاحبُ مملكةِ الشام القدسَ فيها، وقد اشتهر أمرُه بها، وأشاع أتباعُه أنه يحفظ الصحيحين، وأنه إمامُ الناسِ في المذهب الشافعيِّ والحنفي، وفي غيره من العلوم على جاري عادةِ العَجَم في التَّفخيم والتهويل، بحيث كان حاملاً لنوروز على الاجتماع به، فراجَ عليه سيما لمَّا حدثه عن ملوك الشرق، فولاه تدريسَ الصلاحيّة به بعد الشهاب ابن الهائم، فباشرها، ولم يلبث أنْ دخل المؤيدُ القدسَ بعد قتله نوروز، فراج أمرُه عليه أيضاً وعظُم في عينيه، فأقرَّه على الصلاحيَّة، ولما رجع لمصر هاداه الهرويُّ وكاتبه، وسأله في القدوم عليه، فأذن له، فقدم القاهرة في صفر سنة ثماني عشرة بعد أن خرج الُنبغا العثماني لتلقِيه، وصَعِدَ به إلى القلعة، وبالغ السلطانُ في إكرامه وأجلسه عن يمينه، ثم أنزله بدارٍ أُعِدَّت له. وحدَّث في بيت المقدس بصحيح مسلم عن نور الدین أبي زكريا يحيى بن حسن بن أحمد النَّيسابوري قراءةً وسماعاً، عن شمس الدين أبي القاسم محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن الإسحاقاباذي النَّيسابوري 14 سماعاً، ثنا أبو الفتح منصور الفُراوي بسنده، وقال: إنه في غاية العلو، ءُ فإن بيننا وبين مسلم سبعة، وكلهم نيسابوريون. ثم وليَ نَظَرَ القدسِ والخليلِ مع تدريس الصلاحيَّة، وتوجَّه لمباشرة ذلك، ثم قدم في سَلْخ ربيع الأول سنةً إحدى وعشرين، واجتمع بالسُّلطان، فأكرمه وأجرى عليه راتبه، وأتته الهدايا من الأمراء ونحوِهم؛ ولم يلبث أنْ غَضِبَ السلطانُ على الجلال البُلْقيني، فاستقرَّ بالهرويِّ في يوم الثلاثاء تاسع عشري جمادى الأول منها عِوَضَه، ونزل معه جَقْمق الدَّوَادار وقَطْلُوبغا التَّنمي رأسُ نوبة في آخرين من الأمراء وغيرهم من القضاة والأعيان حتى حكم بالصالحية على العادة، وتوجَّه لداره، فسار سيرةً غيرَ مرضية، وظهرت منه في القضاء أمورٌ كثيرة. قال ابن قاضي شُهبة: وتعصَّب عليه جماعة البُلْقيني، فصُرِفَ قبل استكمال سنةٍ في ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين مع إهانته وجمع من الخاصة بحيث لزِمَ بيتَه لا يجتمع بأحد إلى أنْ رُسِمَ له بالعَود إلى القدس على تدريس الصلاحية، فسافر في عاشر ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين، ثم قدِمَ القاهرة بعد موت المؤيد، ولم تَطَلْ إقامتُه، ورجع إلى القدس، ثم سعى حتى قدِم القاهرة أيضاً في صفر سنةً سبع وعشرين فولي في تاسع ربيع الآخر منها كتابةَ السرِّ عوضاً عن الجمال يوسف الكركي، ولم يلبث أن انفصلَ في حادي عشر جمادى الآخر عنها، وأُعيد بعد أشهر لقضاء الشافعية، ثم صُرِفَ في ثالث رجب سنة ثمان وعشرین، ورجع إلى بيت المقدس، فاستمر به على تدريس الصلاحية، 15 وحَجَّ فيها، ثم عاد إلى بيت المقدس حتى توفي فيها في يوم الإثنين تاسع عشر ذي الحجة، سنة تسع وعشرين، وقد جاز الستين بقليل. وقد ذكره شیخُنا في ((معجمه)) فقال: قد سمعت من فوائده کثیراً، لكنه كان كثير المُجازفة جداً، اتفق كلُّ مَنْ عرفه أنهم لم يَروا أسرعَ ارتجالاً منه للحكايات المختلفة، ووصفه في ((فتح الباري)) بالعالم. وقال ابن قاضي شُهبة: كان إماماً عالماً، غَوَّاصاً على المعاني، يحفظ متوناً كثيرة، ويسْرُد جملةً من تواريخ العجم، مع الوَضَاءة والمَهَابة وحُسْنِ الشَّكَالة والفَخَامة ولينِ الجانب، على ما فيه من طَبع الأعاجم، ولقد سمعت الشهابَ بن حِجِّي يُثني عليه ويتعجَّب مِنْ سرده لتواريخ العجم. وقال الجمال الطيماني: إنه يُحِلُّ الكتبَ المُشكلة، ويتخلص فيها، وصنف ((شرح مسلم)) وغيره، وبنى بالقدس مدرسةً ولم تتم. وقال العيني: كان عالماً فاضلاً متفنِّناً، له تصانيف كـ((شرح مشارق الأنوار))، و((شرح صحيح مسلم))؛ يعني: المسمى: ((فضل المنعم))، وشَرَحَ ((الجامع الكبير)) من أوئله ولم يُكْمِلْه، وكان قد أدرك الكبار مثلَ التفتازاني والسيد، وصارت له حُرمة وافرة ببلاد سَمَرْقند وهَرَاة وغيرهما حتى كان اللَّنْك يعظِّمه ويحترمه ويميزه على غيره؛ بحيث يدخل عنده في حريمه ويستشيرُه، وربما كان يرسله في مهمّاته، ولذا قيل: إنه وزیرُه، ولیس کذلك، وقدم زمنَ الناصرِ فرجِ، وتوطّن المقدس وكان صاحبَ حُرمة وسَطْوة في وظائفه، غير أنه لم يكن مشكوراً من غير عِلَّة ظاهرة فيه. 16 وقال المَقْريزي: إنه ولي القضاء وكتابةَ السرِّ فلم ينجب، وكان يُقْرئ في المذهبين، ويَعْرِف العربية وعلمَي المعاني والبيان، ويُذاكر الأدب والتاريخ، ویستحضر كثيراً من الأحاديث، والناس فیه بین غالٍ ومقصِّر، وأرجو أن يكون الصوابُ ما ذكرتُه. وقال غيره: كان شيخاً ضخماً طويلاً، أبيضَ اللحية، مليحَ الشَّكْل، إلا أن في لسانه مسكة، إماماً بارعاً في فنونٍ من العلوم، له تصانيف تدل على غزير علمه، واتساع نظره وتبُّره في العلوم، مُنصفاً للحنفية إلى الغاية، صادعاً بالحق، تاركاً للتعصُّب، وكان يركب بعد ولايته البَغْلة بهيئة الأعاجم بفرجة وعَذْبة مرخية على يساره، فأقام مدة ثم لبس زِيَّ قضاة مصر، ثم ذَكَرَ أنَّ غالبَ الفقهاء تعصّبوا عليه، وبالغوا في التشنيع، ورمَوْه بعظائم، الظنُّ براءتُه عن أكثرها، واذُّعي عليه بمالٍ بعض الأوقاف، وتوجّهوا به ماشياً ومنعوه من الركوب، إلى غير ذلك مما بسط في الحوادث، وكان معدوداً من أعيان الأئمة العلماء، لكنه لم يُرزق السعادة في مناصبه لأنه كان ظنيناً بنفسه، مُعْجَباً بها إلى الغاية، فعجزه الله. قلت: وقد قرئ عليه شرحه لمسلم، وكذا صنف شرحاً على ((المصابيح))، وثنا عنه غيرُ واحد منهم الأُّبِي، وسمع منه ابنُ موسی وغيره، وحكى لنا الزين البوتيجي من مباسطاته، وهو في ((عقود المقريزي)» مبسوطاً، رحمه الله وإيانا . 17 الفَصْلُ الَّاني دِرَاسَة الكِتَاب * أولاً - تحقيق اسم الكتاب وصحة نسبته لمؤلفه: ذكر المؤلفُ - رحمه الله - في مقدمة شرحِه هذا اسمَ كتابهِ فقال: وسميتُه: ((فضل المنعم في شرح صحيح مسلم)) . وكذا جاء في خاتمة الجزءِ الأوَّل من النسخة الخطيّة لمكتبة فيض الله بتركيا وهي المعتمدة في التحقيق. وكذا سمَّاه السخاويُّ وغيرُه من المترجمين له بـ ((فضل المنعم)). وقد جاء على طُرَّة الجزء الأول والثاني من النسخة الخطية المشار إليها اسم الكتاب: ((شرح صحيح مسلم))، وفيه نسبتُه للإمام شمس الدین الهروي رحمه الله تعالی . وقد ذكره له أكثرُ المترجمين، وذكر السخاويُّ أنه قد قُرئ على المصنف شرحُه على مسلم. * ثانياً - منهج المؤلف في كتابه: عَرَضَ المؤلفُ - رحمه الله - في ديباجة مؤلّفه هذا إلى المنهج 19 الذي نَشَدَه في شرح أحاديث هذا الكتاب، وبيَّن فيها السببَ الذي حَدَاه إلى التأليف، فذكَر رحمه الله: أنَّ الشروحَ الثلاثة المنسوبةَ إلى الأئمَّة العِظام والفحولِ الكرام القاضي أبي الفضل عياض، وأبي العباس القرطبي، وأبي زكريا النوويٍّ قد سارت في الآفاق، وإنهم بَذَلوا جهدَهم، وأفرغوا وسعَهم في الإيضاح والتبيين، وأودعَ كلُّ واحد منهم في شرحه خُلاصةَ الأنظار ونتائجَ الأفكار. لكن تلك الشروح قد خلت عن جملة من المهمات منها: ١ - عدم تبيين حالِ رجالِ الأسانيد في أكثر المواضع. ٢ - عدم التعرض لطرق ورود الحديث. ٣ - عدم ذكر وجه الترتيب والترجيح والتفضيل. ٤ - بُعدهم عن تناول دقائق المعاني والبيان الحاصلة في الأحاديث بالجملة والتفصيل. ثم لما كان مِنْ فضل الله تعالى على المؤلف أن وفَّقه لحفظ هذا الكتاب، وإجالة النظر في الكتب المصنفة في هذا الباب، أراد أن يشرحه شرحاً جامعاً لفوائد المتقدمين، حاوياً على فرائد المتأخرين. - مشتملاً على ما في الشروح الثلاثة المذكورة بألطف العبارة. - منطوياً على تحقيقاتٍ خَلَت عنها الكتبُ بأرشق الإشارة. - وكاشفاً حالَ جميع رجال الإسناد، وما قيل في كلِّ واحد منهم من المذَمَّة والإحماد. 20 ـ ومبيناً طرقَ كلِّ حديث من أحاديث الكتاب المخرجة في الكتب الخمسة الباقية من الستة، ومواقع التعريج، وما تفرَّد به المصنفُ من بينهم بالتخريج. ـ ومضيفاً إلى ذلك كلَّ ما في الكتب الخمسة من الأحاديث التي ليست من الكتاب، ومبيناً ما فيها من الكلام والأبواب، وليكون هذا الكتابُ شرحاً للكتب الستة التي عليها مدارُ الإسلام، راوياً كلَّ زيادة واقعة في مسند الإمام أحمد والمعاجم الثلاث للطبراني ومسند البزار وأبي يعلى الذي يتعلق به من الأحكام، أو يكون مظِنّة لورود شيء من الكلام. - تاركاً كلَّ زيادة ليس لها مدخل في هذا الخطاب، أو الحديث بجملته غير مخرج في الكتاب خوفاً من التطويل. - ومنبهاً على ترتيب الأحاديث والروايات من الأصل والمتابعة والشاهد . - وذاكراً فوائد اختيار المصنف الألفاظ. ـ ومورداً كلَّ كلام يليق بالكشف والتبيان، وأفرغ المباحث في قوالب المعاني والبيان. هذا ما اشتمل عليه قصدُ الشارح - رحمه الله - في شرح هذا الكتاب، وقد كان - رحمه الله - عَقَدَ قبلَ الشروع في شرحه ثلاثةَ أبواب: الباب الأول: في بيان المصنّف والمصنَّف، حيث عرض لترجمة الإمام مسلم رحمه الله، وشيوخه، والآخذين عنه، وثناء العلماء علیه، ومصنفاته . 21 ثم بيَّن روايةَ الكتاب وانتشارها في الآفاق من طريق الفُراوي، ٩ عن الفارسي، عن الجُلُودي، عن إسحاق بن إبراهيم الفقيه، مترجِماً لکلِّ واحدٍ منهم. ثم عَرَضَ لحال المصنَّف، وثناء العلماء عليه، وطريقة تصنيف مؤلِّفه له، والموازنة بينه وبين صحيح البخاري، وحال أحاديثه، وعدد الأحاديث المخرجة فيه على التفصيل في الكتب والأبواب، ومَنْ صنف كتباً على صحيح مسلم من أصحاب المستخرجات والمسانيد. وفي الباب الثاني: ذكر المؤلِّفُ - رحمه الله - قواعدَ أرباب أهل الفن واصطلاحاتهم في الحديث فيما يتعلَّق بحال الحديث والراوي والرواية . أما الباب الثالث والأخير، فجعله لبيان المختلف والمؤتلف في الكتاب، حيث رتّب الأسماء الأشد ارتياباً وأكثر وروداً على حروف المعجم على وجه الإيجاز. ثم بعد ذلك شرع في شرح مقدمة الإمام مسلم في ((صحیحه))، فتناولها بالشرح جملةً جملة، مُورداً أكثرَ كلامَي الإمامين عياضٍ والنّوويِّ - رحمهما الله - في شرحَيهما. ثم أتى على شرح أحاديث الصحيح على الترتيب، فكان يبتدأ الأحاديث بعَقْد ترجمةٍ لها مناسبةٍ، ثم يسوق الأحاديثَ المخرَّجة في ذلك الباب، فيذكر مَنْ أخرج الحديثَ مِنْ أصحاب الكتب الستة مع ذكر الكتب والأبواب التي أخرجوها في الغالب، كقوله مثلاً: وقد 22