النص المفهرس

صفحات 401-420

وقال ابن معين: ليس بشيء.
وقال الجُوْزَجَاني: كذّاب.
وقال أبو حاتم: منكر الحديث.
وقال النَّسائي: ليس بالقوي.
وقال الدَّارَقُطْني: متروك.
وقيل لشعبة: لم تركتَ الحديث عنه؟ قال: خوفَ النار.
وبالجملة ضعَّفَهُ أكثرُ القوم، ومع هذا فقد أخرج له الأربعة.
وأما (عَبْدُ الأَعْلَى) فهو ابن عامر الثعلبي.
عن ابن الحَنَفِيَّةِ، وشَرَيْح القاضي، وسعيد بن جُبير، وجماعة.
وعنه ابن جُرَيج، وشعبة، والثوري، وغيرهم.
ضعَّفَهُ القوم، وأخرج له الأربعة.
مات سنة تسع وعشرين ومئة.
وعَبْدُ الأَعْلَى بن أبي المُسَاوِر الكوفي أيضاً، وأخرج لهما ابن
ماجه، والمراد هاهنا ابنُ عامر .
وأما (مُوسَى بن دِينَارٍ)، فمَكُّيُّ يروي عن سعيد بن جُبَيْر،
وجمع.
وقال البخاري: ضعيف، كان حَفْص بن غِيَاث يُكذِّبه.
وقال ابن المَدِيني: سمعت يحيى القَطَّان يقول: دخلتُ على
موسى بن دينار أنا وحفص، فجعلتُ لا أُريدُه على شيء إلا لقُّنْه.
وقال أبو حاتم: مجهول.
٤٠١

وقال الدَّارَقُطْني: ضعيف.
وبالجملة اتفقوا على ضَعْفه، ولم يخرج له أحد من الستة.
وأما (مُوسَى بن دِهْقَانَ)، فتابعي يروي عن أبي سعيد الخُدْرِي،
وابن عمر، وجمع.
وعنه عثمان بن عمر بن فارس، وغيره.
قال ابن معين: ليس بشيء، وقال غيره: ضعيف.
وبالجملة لم يخرج له من الستة أحد.
وأما (عِيسَى بن أَبِى عِيسَى)، فهو الغِفَاري، المَدَني، الخَيَّط،
وهو أيضاً الحَنَّاط، والخَيَّاط لأنه يعمل الخياطة أولاً، ثم اشتغل ببيع
الحنطة .
يروي عن أبيه، وأنس بن مالك، والشعبي، وجمع.
وعنه مروان بن معاوية، ووَكِيع، وابن أبي فَدَيك، وجماعة.
قال أحمد: لا يُسوِّي شيئاً.
وقال ابن معين : ليس بشيء.
وقال أبو داود: متروك.
وقال أبو حاتم: مضطرب الحديث، ليس بقوي.
وبالجملة ضعَّفَهُ أكثر القوم، ومع هذا هو أَمْثَلُ من موسى بن
دینار وموسی بن دِهْقَان، وأخرج له ابن ماجه.
٤٠٢

ثم الواقع في الأصول لفظة (ابن) في قوله: (وضعف یحیی موسی
ابن دينار) بين يحيى وموسى، وأَطْبَقَ الشَّارحون على أنها سهوٌ وَقَعَ من
الناسخ، والواجب حذفها؛ لأن المعنى: أن يحيى بن سعيد القَطَّان
ضَعَّفَ موسى بن دينار، ويحتمل أن تكون لفظة (سعيد) ساقطة، وفي
الأصل يحيى بن سعيد، والقول بترك شيء وتقديره لإصلاح الكلام أولى
من القول بزيادة شيء، كما هو المقرَّر في التصحيح.
* وقوله: (قَالَ: وَسَمِعْتُ الحَسَنَ) القائل: هو مسلم صاحب
[الصحيح].
والحسن هو أبو عليَّ الحسن بن عيسى (١) بن ماسَرْجَس
النيسابوري المَاسَرْ جَسِيُّ، كان من أهل الثروة في النصارى، أسلم على
يد ابن المبارك ورَحَل في طَلَب العلم .
روى عن ابن المبارك، وأبي الأحوص، وابن عُيَينة، وخلائق.
[روى عنه]: أحمد بن حنبل مع تقدُّمه، وزكريا السِّجْزي، وأبو
يَعْلَى المَوْصِلي، وآخرون.
وثَّقه القوم، وأخرج له مسلم، وأبو داود، والنَّسائي.
توفي سنة أربعین ومئتين.
* وقوله: (إِذَا قَدِمْتَ عَلَى جَرِيرٍ) المراد جرير بن عبد الحميد،
وقد مرَّ .
(١) في الأصل: ((علي)) وهو خطأ.
٤٠٣

* وقوله: (إِلَّ حَدِيثَ ثَلاَثَةٍ) يُعلم منه أن المراد بقوله: (فَاكْتُبْ
عِلْمَهُ كُلَّهُ): عِلْمُ الحديث.
وأمَّا (عُبَيْدَة) فبضم العين المهملة وفتح الموحدة: ابنُ مُعَتُّبٍ -
بضم الميم وفتح العين المهملة وكسر المثناة الفوقانية وآخره موحدة -
أبو عبد الكريم الضَّبِيِ الكوفي.
عن إبراهيم النَّخَعِي، والشَّعبي، وأبي وائل، وجماعة.
وعنه شعبة، وهشیم، ووَكِيع، وخلائق.
قال شعبة: أخبرني عُبَيدة قبل أن يتغيَّر.
وقال أحمد: تَرَكَ الناس حديثه.
وقال ابن معين: ليس بشيء.
وقال ابن عدي : مع ضَعْفِهِ يُکتب حديثه.
وبالجملة وثَّقه بعض القوم قبل التغيُّر، وأخرج له البخاري
تعليقاً، والأربعة، ولم يخرج له مسلم شيئاً.
وأمَّا (السَّرِيُّ)، فهو ابن إسماعيل الهَمْدَاني ابن عمِّ الشعبي
وصاحبه.
يروي عنه، وعن قيس بن أبي حازم، وسعيد بن وهب، وجمع.
وعنه إسماعيل بن أبي خالد، مع تقدُّمه، وابن فُضَيل، ومَكِّي بن
إبراهيم، وجماعة.
قال أحمد: تَرَكَ الناس حديثه.
٤٠٤

وقال ابن معين: ليس بشيء.
وقال النَّسائي: متروك.
وبالجملة ضعَّفَهُ أكثر القوم، وأخرج له ابن ماجه.
وأما (مُحَمَّدٌ) فهو أبو سهل محمد بن سالم الهَمْدَاني، الكوفي،
صاحب الشعبي، يروي عنه وعن عطاء بن أبي رباح، وأبي إسحاق،
وجمع .
وعنه جرير، وابن فُضَيل، ويزيد بن هارون، وجماعة.
وثَّقه حَفْص بن غياث، وابن معين.
وقال أبو حاتم: شِبْه المتروك.
وقال القَطَّان: ليس بشيء.
قیل: کان الثوري يدلِّسه بکنیته.
وبالجملة ضعَّفَهُ بعض القوم ووثَّقه بعض، وأخرج له الترمذي.
* وقوله: (قَالَ مُسْلِمٌ: وَأَشْبَاهُ مَا ذَكَرْنَا) غرضُه بيان طريقة القوم
في كشف معايب الرواة، والحُكّم عليهم بالضَّعْف إذا كانوا من أهله،
وبيان سبب ذلك وحاصله: أن مبنى الدين على الحديث، ومبناه على
الإسناد.
وأيضاً نُصْحُ الأخ المسلم من الدين، فالواجب على مَن رُزِق
معرفةَ شيءٍ يكون سبباً لتقوية أمرٍ من أمور الدِّين، وفيه منفعةٌ لأخيه
المسلم = أن يبينه غاية البيان، حتى يكونَ من جملة الشاكرين لنعمة
٤٠٥

الله تعالى، وبيانُ حالِ الرواة من هذا القبيل.
وقد صنَّف الفضلاء فيه كتباً جمَّة، وبيَّنوا حال الكلِّ، ولمَّا كان
الغرضُ من هذا الكتاب بيانَ الأحاديث الصحيحة لا بيانَ حال الرواة =
اقتَصرَ على هذا القَدْر، ليكون سَبْقَ معرفةٍ لمن تأمَّل كتبَ القوم،
وإيماءً إلى أنَّ تَرْكَه بعضَ الأحاديث المخرَّجة في بعض الكتب لأجل
كلامٍ في الراوي، ثم إنه - رحمه الله - كرَّرَ بيانَ جوازِ الجَرْحِ، وبالَغَ فيه
حتى أدخله في حدِّ الوجوب حيث قال: إن تاركه يكون آثماً بفعله
ذلك، غاشّاً لعوامٌ المسلمين. وهذا الذي قاله مثَّفَق عليه؛ لأن صيانةَ
الدين بمعرفة حال رواة الحديث.
ولم يزل السَّلَف مع غاية تقواهم ونهاية احترازهم عن شيء
يكرهُه مسلمٌ يبيّنون حال الرواة، ويضعِّفون الضعفاء منهم، وبالغوا فيه
حتى تكلَّموا بألفاظ دالَّةٍ على المبالغة، إذا حصل لهم الاطّلاع على
شيء منهم، وهذا من النصيحة الواجبة لا من الغِيْبة.
ويُشترط في الجارح أن يكون من أهل المعرفة والقَبُول، فإنَّ غير
العارف بأحوال الرجال لا يجوز له الجَرْح، بل الواجب عليه الكفُّ،
وترك الخَوْض؛ لأنه غِيْبة، كالشاهد يجوز جَرْحه لأهل الجَرْح ولا
یجوز لغيرهم.
وكذا من يَعْرِف، ولكن ليس من أهل القَبُول لا يجوز جَرْحه؛
لأنه لا فائدة فيه .
ويشترط للجارح العارف أن يعتمد التثبُّت والسَّقَط فيما يقول، فإنه
٤٠٦

أمر عظيم واقع بين أمرين كلٌّ منهما خَطِرٌ؛ إخراجُ الثقة عن درجة القَبُول
وهي غِيبة مؤبَّدة، مُبْطِلة لجميع روايته، مسقط لسنة رسول الله وَ لتر،
موجبة لزوال حُكْم من أحكام الدين، أو إدخال مجروح في جملة
الثِّقات.
وفيه أيضاً رفعُ مرتبةٍ مَنْ لا يستحقُّ ذلك، ونسبة سنَّة رسول الله وَّهِ،
وإثبات حكم شرعي أو إبطال حكم منه بغير طريقه، وكلا الأمرين من
عظائم الأمور، فعليه التيقّظ والحذر والتبُّع البليغ، فهو مَسْلكٌ دقيق لا
يسلكه إلا الماهر.
وهل يُشترط في الجارح العدد؟
فيه خلاف، والصحيح عدم الاشتراط؛ لأنه خبر، فيُقبل قول
الواحد فيه.
وفي ذِكْر سبب الجَرْح أيضاً خلاف.
والصحيح الاشتراط لخَفَاء أسباب الجَرْح، واختلاف العلماء
فيها .
وقيل: الاشتراط مطلقاً.
وقيل: لا يُشترط من العارف الكامل المشهور بالمعرفة،
ويشترط من غيره.
وما وقع في كتب القوم من ذِكْر الجَرْح مطلقاً بدون ذكر السبب،
فإنما هو لأجل الاختصار، فإنَّ الأسبابَ مذكورة في كتب الجماعة الذين
٤٠٧

جَرَحُوا الرجال، وإنما يَنْقُل القومُ خلاصةَ كلامهم، وبيان مذهبهم.
وإذا تعارض الجَرْح والتعديل قُدِّم الجَرْح، على المختار من
المذاهب؛ سواء كان عددهما مساوياً، أو كان عدد الجارحين أقل،
وقيل الأكثر من كلِّ واحد أَرْجَحُ، وأمَّا عند التساوي فقيل: الجَرْح
أَوْلى، وقيل: يجب التوقُّف.
وأما رواية السلف عن المجروحين فليس بتعديل؛ لأنه قد يكون
للمتابعة والاستشهاد، وقد يكون لأجل استقراء جميع خبره، حتى
يتميّز الصحيح من السقيم، وقد يكون في الترغيب والترهيب لا في
التحليل والتحريم، فإن التشدُّدَ في ذلك أقلُّ.
وأما رواية بعض الفقهاء منهم واحتجاجهم بخبرهم فغير
صحيح، فإن السلف ما احتجُّوا برواية ضعيف منفرداً في حكم من
الأحكام، فلا يجوز الاحتجاج بذلك.
ثم لا يخلو من أن يكون الفقيه الذي يَحتجُّ برواية الضعيف عارفاً
بكونه ضعيفاً أو لا، فإن كان عارفاً فلا يجوز الاحتجاج قطعاً، وكذا لو
لم يكن عارفاً يَلزمُه تَرْكُ الاحتجاج، والإقبال على معرفة الحال.
ثم الكاذبون ضربان :
ضَرْبٌ عُرِف كذبهم في حديث النبي ◌َّر.
إما بوضع ما لم يقَلْه استخفافاً، كالزنادقة وأشباههم ممن لم يَرْجُ
وقاراً.
٤٠٨

وإِمَّا دعوةً إلى بِدْعتهم، كدعاة المبتدعة ومتعصِّبي المذاهب.
وإمّا اتباعاً لهوى أهل الدنيا واستغناء بحظ من حطامها،
كالملازمين الظلمةَ وأضرابهم.
وإمَّا رياء وسمعة كفقهة المحدثين.
وإمَّا حسبةً وتديُّناً بزعمهم، كحِيْلةِ المتعبِّدين.
ومن نَسَبَ كلامَ الصَّحابة أو الحكماء أو غيرهما إلى النبي ◌َّ،
أو وَضَعَ سند المتن وإن كان المتن صحيحاً، أو يَقلِب الأسانيد، أو
ادَّعى السماع ممن لم يَسْمع من المشايخ = فمنخرط في سلك الفقه من
المحدِّثين، ولا يجوز التحدُّث عن هؤلاء الفِرَق الذين ذكرْنا فيما مرَّ.
والضرب الثاني: من عُرِف كذبُه في حديث الناس ولا يُعرَف في
حديث النبي ◌َّهر، فهو أيضاً في عدم قَبُول قوله وروايته، وعدم جواز
التحدُّث عنه مثل الضَّرْب الأول عند المحقّقين، ولكنْ وِزْرُه أقلُّ،
وتنفعه التوبة بالاتفاق، ويَرجِع إلى القَبُول.
وأمَّا من يَنْدُر عنه ذلك [فـلمَعْفوٌّ، ولا يصير بذلك مجروحاً،
بخلاف النُّدْرة في الضَّرْب الأول، فإنه بصدور الكذب عنه يصير
مجروحاً، ولا يُقْبَل قوله قطعاً.
وأما المعاريض فلا تَدْخُل تحت الكذب، وإن كان في صورته،
فإنه ليس في معناه، وقد ثَبَتَ صدورها عن الكلِّ على ما سيجيء بيانه
إن شاء الله .
فهذا نُبُّدٌّ من الكلام المحتاج إليه في هذا المقام، ولأجل أنَّ مَدار
٤٠٩

الأمر في هذا العلم على معرفة الرجال.
والجَرْح والتعديل إنما يُعتبران من العارف الكامل، يريد أن يذكر
حالَ جميع رجال الكتاب، وما ذكر الكل في شأن كلِّ واحد منهم
مختصراً ليكون الناظر في هذا الكتاب لا يحتاج إلى كتاب آخر،
فلنرجع إلى شرح الألفاظ.
، قوله: (لِمَنْ تَفَهَّمَ وَعَقَلَ) الرواية (تَفَهَّمَ) وروي: (فَهِم
وعَقَل)، وهو ظاهر.
أمَّا على الأول ففيه إيماءٌ إلى أن مجرَّد الفهم لا يفيد، بل لابد
من زيادةٍ ممارسةٍ وتمرين في الفهم.
وفيه إشعارٌ بأن معرفة مذهب القوم لا تَحصُل بسهولة، بل لابد
من السعي البليغ والتتبُّع الكثير.
* قوله: (غَاشّاً لِعَوَامُ المُسْلِمِينَ) ليس المرادُ العَوَامَّ الذين
لا يعرفون شيئاً قط، بل ما وراءَ الخواصِّ المَهَرَة من أهل الحديث،
سواء كانوا من الذين لم يشتغلوا بهذا العلم، أو اشتغلوا ولم يَبلَغوا
٩
مَبْلَغَ الخواصِّ.
* قوله: (وأقلها أو أكثرها) هذه رواية بعض المغاربة، عن
العَدَوي، عن الرازي، عن الجُلُودِيِّ.
ورواية الفَرَاوي، عن الفارسي، عن الجُلُودِيِّ: (لَعَلَّهَا) بدل
(أقلها)، وحَكَمَ القاضي عِيَاض بتصحيف الأولى وقال: وأظنُّ اللام
٤١٠

انفصلت عما بعدَها فقرأه: (أقلها)، وعنه ذُكر أكثرُها بعده. هذا كلامه.
والحق أن لها مَحْملاً ظاهراً، وإن كانت المشهورةُ روايةً
الفَرَاوي، إذ لا شكَّ أن الواو للحال، والمعنى: لا يؤمَنُ على بعض
مَنْ سمعَ تلك الأخبار أن يَستعملَها أو يَستعمل بعضها، والحال أنَّ
(أقلها) أو (أكثرها) أحاديث لا أصل لها، ففي هذه الرواية نوعُ مبالغة،
وهي أنَّ ما يستعملها الجاهل لو كان (أقلها) كذباً لكفى في وجوب
نصحه بيانُه، فكيف إذا كان (كلها) أو (أكثرها) كذلك، وهي أيضاً
مناسبةٌ لدخول لفظة (لعل)، مع أن المقام مقام الجزم، هذا وجهه،
ولكن الرواية المشهورة أظهر.
* قوله: (وَأَهْلِ القَنَاعَةِ) قال النووي: أي: الذين يُقْنَع بحديثهم
لكمال حفظهم وإتقانهم وعدالتهم. هذا كلامه.
فعلى هذا عَطْفُه على الثقات عَطْفٌ تفسيري، وأنت خبير بأن
لفْظَ الثقات أوضَحُ من هذا، والوجه أن هذا المراد بأهل القناعة:
المستورون، كما أن المراد بالثقات: الكاملون، فيكون إشارة إلى
الصنفين اللذين ذكرهما أولاً، وبيَّنَ أن الكتاب مشتمِلٌ على روايتهما،
وتكريره في قوله: (وَلاَ مَقْنَع) يومى إلى ذلك أيضاً.
والمعنى أن الأحاديث التي يرويها الثقات وأهل السَّتْر كافٍ في
تحصيل المرام، فلا حاجة إلى نقل كلام الضعفاء الذين ليسوا من
الثقات ولا من المستورین .
وفي لفظة (القناعة) أيضاً إيماءٌ إلى أنهم قَنِعُوا بنقل ما حفظوا،
٤١١

ولا يتجاوزون إلى النقول والافتراء لأجل الشهرة وتحصيل الجاه
والمال، ويدل على ذلك سياق كلامه من مَذَمَّته للذين يروون الأحاديث
الضعاف، ويريدون بذلك الشهرة وتحصيل الجاه عند الجهال.
٤١٢

(٥)
بيان شرط صحة الاحتجاج
بالمعنعن
[٧ _ باب
مَا تَصِحُّ بِهِ رِوَايَةُ الرُّوَاةِ بَعْضِهِمْ عن بَعْضٍ
وَالتَّنْبِهِ عَلَى مَنْ غَلِطَ فِي ذَلِكَ ]
وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ مُتَجِلِي الحَدِيثِ مِنْ أَهْلِ عَصْرِنَاَ فِي تَصْحِيحِ
الأَسَانِيدِ وَتَسْقِيمِهَا بِقَوْلٍ لَوْ ضَرَبْنَا عن حِكَايَتِهِ وَذِكْرٍ فَسَادِهِ صَفْحاً
لَكَانَ رَأْباً مَِيناً وَمَذْهَباً صَحِيحاً، إِذِ الإِعْرَاضُ عَنِ القَوْلِ المُطَّرَحِ
أَحْرَى لِإِمَاتَتِهِ وَإِخْمَالِ ذِكْرٍ قَائِلِهِ، وَأَجْدَرُ أَنْ لاَ يَكُونَ ذَلِكَ تَنْبِهاً
لِلْجُمَّالِ عَلَيْهِ، غَيْرَ أَنَّا لَمَّا تَخَوَّفْنَا مِنْ شُرُورِ العَوَاقِبِ، وَاغْتِرَارِ الجَهَلَةِ
بِمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، وَإِسْرَاعِهِمْ إِلَى اعْتِقَادِ خَطَأْ المُخْطِئِينَ، وَالأَقْوَالِ
السَّاقِطَةِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ - رَأَيْنَا الكَشْفَ عنِ فَسَادِ قَوْلِهِ وَرَدَّ مَقَالَتِهِ، بِقَدْرِ
مَا يَلِقُ بِهَا مِنَ الرَّدِّ، أَجْدَى عَلَى الأَنَامِ وَأَحْمَدَ لِلْعَاقِبَةِ إِنْ شَاءَ اللهُ.
وَزَعَمَ القَائِلُ الذِي افْتَتَحْنَاَ الكَلَاَمَ عَلَى الحِكَابَةِ عن قَوْلِهِ، وَالإِخْبَارِ
عن سُوءٍ رَوَِّتِهِ، أَنَّ كُلَّ إِسْنَادٍ لِحَدِيثٍ فِيهِ فُلاَنٌ عن فُلاَنٍ، وَقَدْ أَحَاطَ
٤١٣

العِلْمُ بِأَنَهُمَا قَدْ كَانَا فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ، وَجَائٌِ أَنْ يَكُونَ الحَدِيثُ الَّذِي
رَوَى الرَّاوِي عَمَّنْ رَوَى عَنْهُ قَدْ سَمِعَهُ مِنْهُ وَشَافَهَهُ بِهِ، غَيْرَ أَنَّهَ لاَ نَعَلَمُ لَهُ
مِنْهُ سَمَاعاً، وَلَمْ نَجِدْ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُمَا الْتَّقَيَا قَطُّ أَوْ تَشَافَهَا
بِحَدِيثٍ - أَنَّ الحُبَّةَ لاَ تَقُومُ عِنْدَهُ بِكُلِّ خَبَرٍ جَاءَ هَذَا الْمَجِىءَ، حَتَّى
يَكُونَ عِنْدَهُ الْعِلْمُ - بِأَنَّهُمَا قَدِ اجْتَمَعَا مِنْ دَهْرِهِمَا مَرَّةً فَصَاعِداً، أَوْ تَشَافَهَا
بِالحَدِيثِ بَيْنَهُمَا، أَوْ يَرِدَ خَبَرٌ فِيهِ بَنُ اجْتِمَاعِهِمَا وَتَلَفِيهِمَا مَرَّةً مِنْ
دَهْرِهِمَا فَمَا فَوْقَهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمُ ذَلِكَ، وَلَمْ تَأْتِ رِوَايَةٌ
صَحِيحَةٌ تُخْبِرُ أَنَّ هَذَا الرَّاوِيَ عن صَاحِبِهِ قَدْ لَقِيَهُ مَرَّةً وَسَمِعَ مِنْهُ شَيْئاً،
لَمْ يَكُنْ فِي نَقْلِهِ الخَبَرَ عَمَّنْ رَوَى عَنْهُ ذَلِكَ، وَالأَمْرُ كَمَا وَصَفْنَا حُجَّةٌ،
وَكَانَ الْخَبَرُ عِنْدَهُ مَوْقُوفاً حَتَّى يَرِدَ عَلَيْهِ سَمَاعُهُ مِنْهُ لِشَيْءٍ مِنَ الْحَدِيثِ،
قَلَّ أَوْ كَثُرَ فِي رِوَايَةٍ مِثْلِ مَا وَرَدَ.
*
[٨۔باب
صِحَّةِ الإِحْتِجَاجِ بِالحَدِيثِ المُعَنْعَنِ ]
وَهَذَا الْقَوْلُ - يَرْحَمُكَ اللهُ - فِي الطَّعْنِ فِي الأَسَانِيدِ قَوْلٌ مُخْتَرَعٌ
مُسْتَحْدَثٌ، غَيْرُ مَسْبُوقٍ صَاحِبُهُ إِلَيْهِ، وَلاَ مُسَاعِدَ لَهُ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ
عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّ القَوْلَ الشَّائِعَ المُتَّفَقَ عَلَيْهِ بَيْنَ أَهْلِ العِلْمِ بِالأَخْبَارِ
وَالرِّوَايَاتٍ قَدِيماً وَحَدِيثاً، أَنَّ كُلَّ رَجُلٍ ثِقَةٍ رَوَى عن مِثْلِهِ حَدِيثاً،
٤١٤

وَجَائِزٌ مُمْكِنٌ لَهُ لِقَاؤُهُ وَالسَّمَاعُ مِنْهُ لِكَوْنِهِمَا جَمِيعاً كَانَا فِ عَصْرٍ
وَاحِدٍ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ فِي خَبَرٍ قَطُّ أَنَّهُمَا اجْتَمَعَا وَلاَ تَشَافَهَا بِكَلاَمِ،
فَالرِّوَايَةُ ثَابِتَّةٌ وَالحُبَّةُ بِهَا لاَزِمَةٌ، إِلَّ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ دَلاَلَةٌ بَيَّةٌ أَنَّ هَذَا
الرَّاوِيَ لَمْ يَلْقَ مَنْ رَوَى عَنْهُ، أَوْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئاً، فَأَمَّا وَالأَمْرُ مُبْهَمٌ
عَلَى الإِمْكَانِ الَّذِي فَسَّرْنَا، فَالرِّوَايَةُ عَلَى السَّمَاعِ أَبَداً، حَتَّى تَكُونَ
الدَّلاَلَةُ الَّتِي بَيَنَّا.
فَيُقَالُ لِمُخْتَرِعِ هَذَا القَوْلِ الَّذِي وَصَفْنَا مَقَالَتَهُ أَوْ لِلذَّابِ عَنْهُ: قَدْ
أَعْطَيْتَ فِي جُمْلَةٍ قَوْلِكَ أَنَّ خَبَرَ الوَاحِدِ الثَّقَةِ عَنِ الوَاحِدِ الثَّقَةِ حُجَّةٌ
يَلْزَمُ بِهِ العَمَلُ، ثُمَّ أَدْخَلْتَ فِيهِ الشَّرْطَ بَعْدُ فَقُلْتَ: حَتَّى نَعْلَمَ أَنَّهُمَا قَدْ
كَانَ الْتَّقَا مَرَّةً فَصَاعِداً، أَوْ سَمِعَ مِنْهُ شَيْئاً، فَهَلْ تَجِدُ هَذَا الشَّرْطَ الَّذِي
اشْتَرَطْتَهُ عن أَحَدٍ يَلْزَمُ قَوْلُهُ: وَإِلَّ فَهَلُمَّ دَلِيلاً عَلَى مَا زَعَمْتَ.
فَإِنِ اذَّعَى قَوْلَ أَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ بِمَا زَعَمَ مِنْ إِذْخَالِ
الشَّرِيطَةِ فِي تَثْبِيتِ الخَبَرِ، طُولِبَ بِهِ، وَلَنْ يَجِدَ هُوَ وَلاَ غَيْرُهُ إِلَى
إِيجَادِهِ سَبِيلاً، وَإِنْ هُوَ اذَّعَى فِيمَا زَعَمَ دَلِيلاً يَحْتَجُّ بِهِ، قِيلَ لَهُ: وَمَا
ذَاكَ الدَّلِيلُ؟ فَإِنْ قَالَ: قُلْتُهُ لأَنِّي وَجَدْتُ رُوَاةَ الأَخْبَارِ قَدِيماً وَحَدِيثاً
يَرْوِي أَحَدُهُمْ عَنِ الآخَرِ الحَدِيثَ، وَلَمَّا يُعَايِنْهُ وَلاَ سَمِعَ مِنْهُ شَيْئاً
قَطُ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمُ اسْتَجَازُوا رِوَايَةَ الحَدِيثِ بَيْنَهُمْ هَكَذَا عَلَى الإِرْسَالِ
مِنْ غَيْرِ سَمَاعٍ - وَالمُرْسَلُ مِنَ الرِّوَايَاتِ فِي أَصْلِ قَوْلِنَا وَقَوْلِ أَهْلِ
العِلْمِ، بِالأَخْبَارِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ -، احْتَجْتُ لِمَا وَصَفْتُ مِنَ الْعِلَّةِ إِلَى
٤١٥

الْبَحْثِ عن سَمَاعٍ رَاوِي كُلِّ خَبَرٍ عن رَاوِيِهِ، فَإِذَا أَنَا هَجَمْتُ عَلَى
سَمَاعِهِ مِنْهُ لِأَدْنَى شَيْءٍ ثَبَتَ عِنْدِي بِذَلِكَ جَمِيعُ مَا يَرْوِي عَنْهُ بَعْدُ،
فَإِنْ عَزَبَ عَنِّي مَعْرِفَةُ ذَلِكَ، أَوْقَفْتُ الْخَبَرَ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدِي مَوْضِعَ
حُجَّةٍ، لإِمْكَانِ الإِرْسَالِ فِهِ.
فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنْ كَانَتِ الْعِلَّةُ فِي تَضْعِيفِكَ الْخَبَرَ وَتَرْكِكَ الإِحْتِجَاجَ
بِهِ، إِمْكَانَ الإِرْسَالِ فِيهِ، لَزِمَكَ أَنْ لاَ تُثْبِتَ إِسْنَاداً مُعَنْعَناً حَتَّى تَرَى
فِيهِ السَّمَاعَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ.
وَذَلِكَ أَنَّ الْحَدِيثَ الْوَارِدَ عَلَيْنَا بِسْنَادِ هِشَامٍ بن عُرْوَةَ، عن
أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ، فَبِيَقِينٍ نَعْلَمُ أَنَّ هِشَاماً قَدْ سَمِعَ مِنْ أَبِهِ، وَأَنَّ أَبَاهُ
قَدْ سَمِعَ مِنْ عَائِشَةَ، كَمَا نَعْلَمُ أَنَّ عَائِشَةَ قَدْ سَمِعَتْ مِنَ النَّبِيِّ ◌َِ﴾
وَقَدْ يَجُوزُ إِذَا لَمْ يَقُلْ هِشَامٌ فِي رِوَايَةِ يَرْوِهَا عن أَبِهِ: (سَمِعْتُ) أَوْ
(أَخْبَرِي)، أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِهِ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ إِنْسَانٌ آخَرُ أَخْبَرَهُ
بِهَا عن أَبِيِهِ، وَلَمْ يَسْمَعْهَا هُوَ مِنْ أَبِهِ لَمَّا أَحَبَّ أَنْ يَرْوِيَهَا مُرْسَلاً وَلاَ
يُسْنِدَهَا إِلَى مَنْ سَمِعَهَا مِنْهُ، وَكَمَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي هِشَامٍ، عن أَبِهِ،
فَهُوَ أَيْضاً مُمْكِنٌ فِي أَبِهِ عن عَائِشَةَ، وَكَذَلِكَ كُلُّ إِسْنَادٍ لِحَدِيثٍ لَيْسَ
فِيهِ ذِكْرُ سَمَاعِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ عُرِفَ فِي الْجُمْلَةِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَدْ سَمِعَ مِنْ
صَاحِبِهِ سَمَاعاً كَثِيراً فَجَائِرٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَنْزِلَ فِي بَعْضٍ
الرِّوَابَةِ، فَيَسْمَعَ مِنْ غَيْرِهِ عَنْهُ بَعْضَ أَحَادِيثِهِ، ثُمَّ يُرْسِلَهُ عَنْهُ أَحْيَاناً،
٤١٦

وَلاَ يُسَمِّيَ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ، وَيَنْشَطَ أَحْيَاناً فَيُسَمِّيَ الرَّجُلَ الَّذِي حَمَلَ عَنْهُ
الْحَدِيثَ، وَيَتْرُكَ الإِرْسَالَ.
وَمَا قُلْنَا مِنْ هَذَا مَوْجُودٌ فِي الْحَدِيثِ، مُسْتَفِيضٌ مِنْ فِعْلِ ثِقَاتٍ
الْمُحَدِّثِينَ وَأَئِمَّةِ أَهْلِ العِلْمِ.
وَسَنَذْكُرُ مِنْ رِوَايَاتِهِمْ عَلَى الْجِهَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاَ، عَدَداً يُسْتَدَلُّ بِهَا
عَلَى أَكْثَرَ مِنْهَا إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى .
فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيَّ وَابْنَ الْمُبَارَكِ وَوَكِيعاً وَابْنَ نُمَيْرِ
وَجَمَاعَةً غَيْرَهُمْ، رَوَوْا عن هِشَامٍ بن عُرْوَةَ، عن أَبِهِ، عن عَائِشَةَ
رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ وَ﴾ لِحِلِّهِ وَلِحُرْمِهِ
بِأَطْيَبٍ مَا أَجِدُ.
فَرَوَى هَذِهِ الرِّوَايَةَ بِعَيْنِهَا اللَّيْثُ بن سَعْدٍ، وَدَاوُدُ الْعَطَّارُ، وَحُمَيْدُ
ابن الأَسْوَدِ، وَوُهَيْبُ بن خَالِدٍ، وَأَبُّو ◌ُسَامَةَ، عن هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَبِي
عُثْمَانُ بن عُرْوَةَ، عن عُرْوَةَ، عن عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِّ ◌َِلِ.
وَرَوَى هِشَامٌ عن أَبِهِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِّ وَّهِ إِذَا
اعْتَكَفَ يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ فَأُرَجَّلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ.
فَرَوَاهَا بِعَبِهَا مَالِكُ بِن أَنَسٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عن عُرْوَةَ، عن عَمْرَةَ،
عن عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َلَ.
وَرَوَى الزُّهْرِيُّ وَصَالِحُ بِن أَبِي حَسَّانَ، عن أَبِي سَلَمَةَ، عن
٤١٧

عَائِشَةَ كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ. فَقَالَ يَحْيَی بن أبي کَثِيرٍ فِي
هَذَا الْخَبَرِ فِي الْقُبْلَةِ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عُمَرَ بن
عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُرْوَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َلِ كَانَ
يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ.
وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُهُ، عن عَمْرٍو بن دِينَارٍ، عن جَابِرٍ قَالَ:
أَطْعَمَنَا رَسُولُ اللهِوَاهِ لُحُومَ الخَيْلِ، وَنَهَانَاً عن لُخُومِ الْخُمُرِ الأهلية.
فَرَوَاهُ حَمَّادُ بن زَيْدٍ، عن عَمْرٍو، عن مُحَمَّدٍ بن عَلِيٍّ، عن جَابِرٍ،
عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴾.
وَهَذَا النَّحْوُ فِي الرِّوَايَاتِ كَثِيرٌ يَكْثُرُ تَعْدَادُهُ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْهَا
كِفَائَةٌ لِذَوِي الْفَهْمِ.
فَإِذَا كَانَتِ الْعِلَّةُ عِنْدَ مَنْ وَصَفْنَا قَوْلَهُ مِنْ قَبْلُ فِي فَسَادِ الْحَدِيثِ
وَتَوْهِينِهِ إِذَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ الرَّاوِيَ قَدْ سَمِعَ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُ شَيْئاً إِمْكَانَ
الإِرْسَالِ فِيهِ، لَزِمَهُ تَرْكُ الإِحْتِجَاجِ فِي قِيَادِ قَوْلِهِ بِرِوَايَةٍ مَنْ يُعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ
سَمِعَ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُ، إِلاَّ فِي نَفْسِ الْخَبَرِ الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ السَّمَاعِ، لِمَا
بَيَّّا مِنْ قَبْلُ عَنِ الأَئِمَّةِ الَّذِينَ نَقَلُوا الأَخْبَارَ، أَنَهُمْ كَانَتْ لَهُمْ تَارَاتٌ
يُرْسِلُونَ فِيهَا الْحَدِيثَ إِرْسَالاً، وَلاَ يَذْكُرُونَ مَنْ سَمِعُوهُ مِنْهُ، وَتَارَاتٌ
يَنْشَطُونَ فِيهَا، فَيُسْنِدُونَ الْخَبَرَ عَلَى هَيْئَةٍ مَا سَمِعُوا، فَيُخْبِرُونَ
بِالْتُّزُولِ فِيهِ إِنْ نَزَلُوا، وَبِالصُّعُودِ إِنْ صَعِدُوا، كَمَا شَرَحْنَا ذَلِكَ عَنْهُمْ.
وَمَا عَلِمْنَا أَحَداً مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ مِمَّنْ يَسْتَعْمِلُ الأَخْبَارَ وَيَتَفَقَّدُ
٤١٨

صِحَّةَ الأَسَانِيدِ وَسَقَمَهَا، مِثْلَ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ وَابْنِ عَوْنٍ وَمَالِكِ بن
أَنَسٍ وَشُعْبَةَ بن الْحَجَّاجِ وَيَحْتَى بن سَعِيدٍ الْقَطَّانِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بن
مَهْدِيٍّ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، فَتَنُوا عن مَوْضعِ السَّمَاعِ فِي
الأَسَانِيدِ، كَمَا اذَّعَاهُ الَّذِي وَصَفْنَا قَوْلَهُ مِنْ قَبْلُ.
وَإِنَّمَا كَانَ تَفَقُّدُ مَنْ تَفَقَّدَ مِنْهُمْ، سَمَاعَ رُوَاةِ الْحَدِيثِ مِمَّنْ رَوَى
عَنْهُمْ إِذَا كَانَ الرَّاوِي مِمَّنْ عُرِفَ بِالتَّدْلِسِ فِي الحَدِيثِ وَشُهِرَ بِهِ،
فَحِينَئِذٍ يَبْحَثُونَ عن سَمَاعِهِ فِي رِوَايَتِهِ، وَيَفَقَّدُونَ ذَلِكَ مِنْهُ كَيْ تَنْزَاحَ
عَنْهُمْ عِلَّةُ التَّدْلِيسِ.
فَمَنِ ابْتَغَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مُدَلِّسٍ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي زَعَمَ مَنْ حَكَيْنَاً
قَوْلَهُ، فَمَا سَمِعْنَا ذَلِكَ عن أَحَدٍ مِمَّنْ سَمَّيْنَا وَلَمْ نُسَمِّ مِنَ الأَئِمَّةِ.
فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ عَبْدَاللهِ بن يَزِيدَ الأَنْصَارِيَّ وَقَدْ رَأَى النَّبِيَّ لَهُ قَدْ
رَوَى عن حُذَيْفَةَ، وَعَنْ أَبِي مَسْعُودِ الأَنْصَارِيِّ، وَعَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا
حَدِيثاً يُسْنِدُهُ إِلَى النَّبِيِّ ◌َهُ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْهُمَا ذِكْرُ السَّمَاعِ
مِنْهُمَا، وَلاَ حَفِظْنَا فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ أَنَّ عَبْدَاللهِ بن يَزِيدَ شَافَهَ
حُذَيْفَةَ وَأَبَا مَسْعُودٍ بِحَدِيثٍ قَطُ، وَلاَ وَجَدْنَا ذِكْرَ رُؤْيَتِهِ إِيَّاهُمَا فِي
رِوَايَةٍ بِعَيْنِهَا .
وَلَمْ نَسْمَعْ عن أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِمَّنْ مَضَى، وَلاَ مِمَّنْ أَدْرَكْنَا
أَنَّهُ طَعَنَ فِي هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ اللَّذَيْنِ رَوَاهُمَا عَبْدُاللهِ بن يَزِيدَ، عن
حُذَيْفَةَ وَأَبِي مَسْعُودٍ بِضَعْفٍ فِيهِمَا، بَلْ هُمَا وَمَا أَشْبَهَهُمَا عِنْدَ مَنْ
٤١٩

لاَقَيْنَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ مِنْ صِحَاحِ الأَسَانِيدِ وَقَوِيَّهَا يَرَوْنَ
اسْتِعْمَالَ مَا نُقِلَ بِهَا وَالإِحْتِجَاجَ بِمَا أَتَتْ مِنْ سُنَّنٍ وَآثَارٍ.
وَهِيَ فِي زَعْمٍ مَنْ حَكَيْنَا قَوْلَهُ مِنْ قَبْلُ وَاهِيَةٌ مُهْمَلَةٌ، حَتَّى يُصِيبَ
سَمَاعَ الرَّاوِي عَمَّنْ رَوَى.
وَلَوْ ذَهَبْنَا نُعَدِّدُ الأَخْبَارَ الصِّحَاحَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِمَّنْ يَهِنُ
بِزَعْمِ هَذَا الْقَائِلِ وَنُخْصِيهَا، لَعَجَزْنَا عِن تَقَصِّي ذِكْرِهَا وَإِحْصَائِهَا
كُلِّهَا، وَلَكِنَّا أَحْبَيْنَا أَنْ نَنْصِبَ مِنْهَا عَدَداً يَكُونُ سِمَةً لِمَا سَكَثْنَا عَنْهُ
مِنْهَا .
وَهَذَا أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ وَأَبَّو رَافِعِ الصَّائِعُ، وَهُمَا مِمَّنْ أَدْرَكَ
الْجَاهِلِيَّةَ وَصَحِبَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﴿ مِنَ الْبَدْرِيِّينَ هَلُمَّ جَرََّ،
وَتَقَلاَ عَنْهُمُ الأَخْبَارَ حَتَّى نَزَلاَ إِلَى مِثْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ
وَذَوِبِهِمَا، قَدْ أَسْنَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِنْ أُبَّيِّ بن كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴾
حَدِيثاً، وَلَمْ نَسْمَعْ فِي رِوَايَةٍ بِعَيْنِهَا أَنَّهُمَا عَايَنَا أُبَيّاً أَوْ سَمِعَا مِنْهُ شَيْئاً.
وَأَسْنَدَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ، وَهُوَ مِمَنْ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّ وَكَانَ فِي
زَمَنِ النَّبِّ ◌َ﴿ رَجُلاً، وَأَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللهِ بنِ سَخْبَرَةَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا،
عن أَبِ مَسْعُودِ الأَنْصَارِيِّ عَنِ النَّبِّ ◌َ﴿ خَبَرَيْنِ.
وَأَسْنَدَ عُبَيْدُ بن عُمَيْرٍ، عن أُمّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِّ ◌ِ لِ، عَنِ النَّبِيِّ وَهُ
حَدِيثاً، وَعُبَيْدُ بن عُمَيْرٍ وُلِدَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ◌َِ﴾.
وَأَسْنَدَ قَيْسُ بِن أَبِيٍ حَازِمٍ، وَقَدْ أَدْرَكَ زَمَنَ النَّبِيِّ لَهُ، عن أَبِي
٤٢٠