النص المفهرس
صفحات 201-220
وأبي حَصِين، وسَلَمَة بن كُهَيْل، وعمرو بن مرة. وبالجملة ثناء الناس عليه كثير، وأخرج له الستة. توفي سنة سبع وعشرين ومئة. وأما شيخه فهو (أبو صالح) ذَكْوَان السَّمَّان، ويقال: الزيَّات، المدني، التابعي، مولى جُويرية الغَطَفانية. روى عن سعيد، وأبي الدرداء، وأبي هريرة، وعائشة، وأم حبيبة، وابن عباس، وجماعة. وعنه بنوه سهيل، وعبدالله، وصالح، وخلائق سواهم. قال أحمد: من أَجَلِّ الناس وأوثقهم. وقال ابن سعيد: ثقة كثير الحديث. وبالجملة فهو من الأثبات، وأخرج له الستة . توفي سنة إحدى ومئة. وأما (أبو هريرة) فقد اختلف القوم في اسمه ونسبه اختلافاً شديداً، والأصح: أنه عبد الرحمن بن صخر الدَّوْسي. وأما سبب التكنية بأبي هريرة فقيل: إنه وجد في الطريق ولد هرة، فحملها في كمِّه، فسئل عنه: ما هذه؟ فقال: هُريرة، فقيل: له أنت أبو هريرة. وبالجملة، هو أكثر الصحابة رواية عن رسول الله بصير، وهي منقبة جلیلة له لا يشار كه فيها أحد. ٢٠١ روي له عن رسول الله وَ لّ خمسة آلاف وثلاث مئة وأربعة وسبعون حديثاً، اتفقا على ثلاث مئة وخمسة وعشرين، وانفرد البخاري بثلاثة وتسعين، ومسلم بمئة وتسعين، وأخرج له الأربعة أيضاً. روى عنه جابر بن عبدالله، وأنس بن مالك، وابن عباس وخلائق من الصحابة والتابعين. قيل: روى عنه نحو من ثمان مئة رجل من الصحابة والتابعين. ومناقبه كثيرة، وسيجيء في الكتاب نبذ منها. توفي سنة سبع وخمسين بالمدينة، وله ثمان وسبعون سنة، ودفن بالبقيع . وأما (مُحَمَّد) في الإسناد الآخر، فهو أبو عبد الرحمن مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ نُمَيْرِ الهَمْداني، الكوفي، أحد الأعلام. روى عن أبيه، وأبي خالد الأصم، وابن عيينة، وخلائق. وعنه الستة؛ الأربعة بلا واسطة، والترمذي والنَّسائي بواسطة، وأبو زُرْعة، والذُّهْلي، وأبو حاتم، وآخرون. قال أحمد: محمد بن عبدالله [بن] نُمير دُرَّةُ العراق. وقال النَّسائي: ثقة مأمون. و ثناء الناس عليه کثیر. توفي سنة أربع وثلاثين ومئتين. ٢٠٢ وأما (أبوه) فهو أبو هشام عبدالله بن نُمير الهَمْداني، روى عن إسماعيل بن أبي خالد، وهشام بن عروة، والأعمش، وخلائق. وعنه أحمد، وابن مَعين، وابن المَدِيني، وآخرون. قال ابن مَعين: ثقة. وقال أبو نُعَيم: نِعْم الرجل عبدالله بن نمير. وثناء القوم عليه كثير، وأخرج له الستة. توفي سنة تسع وتسعين ومئة. وكثيراً ما يقول مسلم: ابن نمير، ويريد عبدالله، وتارة ابنه محمد، ولا يلتبس؛ فإن المقام یبينه . وأما شيخه فهو أبو الهُذَيل (سعيد بن عُبَيد) الطائي الكوفي. عن علي بن ربيعة، وسعيد بن جبير، وبشير بن يَسار، وجماعة. وعنه وکیع، ویزید بن هارون، ویحیی القَطَّان، وخلائق. وثَّقه أحمد وابن معين والنَّسائي. وقال أبو حاتم: يُکتب حديثه. وبالجملة أخرج له الستة إلا ابن ماجه. وأما شيخه فهو أبو المغيرة (علي بن ربيعة) بن نَضْلة الوالِي، الأسدي، التابعي. عن علي، وسلمان، والمغيرة بن شعبة، وجماعة. وعنه الحكم، وعثمان بن المغيرة، والسَّبيعي، وخلائق. ٢٠٣ وثَّقْه ابن مَعين والنَّسائي. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وبالجملة أخرج له الستة، وليس له في الصحيحين سوى هذا الحدیث. وأما (عَلِيٍّ) في الإسناد الآخر فهو أبو الحسن علي بن حُجْر بن إياس بن مقاتل السعدي، المَرْوَزي، الحافظ . عن شَرِيك، وابن مُسْهِر، وإسماعيل بن عيَّاش، وجماعة. وعنه الستة سوی ابن ماجه. قال النَّسائي: ثقة مأمون. وقال أبو بكر الأَعْين: مشايخ خراسان ثلاثة: قتيبة بن سعيد، ومحمد بن مِهْرَان، وعلي بن حُجْر. توفي سنة أربع وأربعين ومئة. وأما شيخه فهو أبو الحسن (علي بن مُسْهِر) القرشي، الكوفي، الحافظ . عن الأعمش، وابن أبي خالد، وهشام بن عروة، وجماعة. وعنه خالد بن مَخْلَد، وأبو بكر بن أبي شَيْبة، وهَنَّاد بن السَّرِيِّ، وخلائق. قال أحمد: أثبت من أبي معاوية . وقال ابن معين : ثقة. ٢٠٤ وبالجملة ثناء القوم عليه كثير، أخرج له الستة. توفي سنة تسع وثمانين ومئة. وأما شيخه فهو (مُحَمَّدُ بنُ قَيْسٍ) الأَسَدِيُّ، الوالِي، الكوفي. عن الشعبي، وعلي بن ربيعة، وأبي الضّحى، وجماعة. وعنه شعبة، ووکیع، وأبو نعيم، وخلائق. وهو قليل الرواية، له نحو عشرين حديثاً. وثَّقه أحمد وجماعة، وأخرج له مسلم وأبو داود والنَّسائي. هذا ما يتصل بإسناد هذا الباب، وإنما سردناها جملةً لاتفاق الأحاديث معنى وحكماً. وأما المتن : فحديث عليٍّ: أخرجه البخاري، والترمذي، وابن ماجه. وحديث أنس: البخاري، والنَّسائي. وحديث أبي هريرة: البخاري والنَّسائي أيضاً. وحديث المغيرة: البخاري، والترمذي. وأخرج البخاري وأبو داود والنَّسائي وابن ماجه عن الزبير بن العَوَّامِ أيضاً، ولم يخرج له مسلم، فقول النووي: اتفق البخاري ومسلم على إخراجه عن الزبير وَهْمٌ، وکذا إیراد الحُمیدي حديث أنس في أفراد مسلم، فإن البخاري أخرجه أيضاً كما عرفت. ٢٠٥ وبالجملة هذا الحديث جليل القدر، في نهاية من الصحة، حتى قیل إنه متواتر . قال البَزَّار في ((مسنده)): رواه أربعون صحابياً، وقيل: ستون، وقيل: اثنان وستون. وذكر المُزَنِيُّ أن رواته فوق سبعين من الصحابة، ومنهم العشرة المشهود لهم بالجنة، إلا عبد الرحمن بن عوف. وبلغ بهم الطَّبَرَاني وابن مَنْدَه سبعة وثمانين، منهم العشرة. وقال ابن دِخْية: رواه نحوٌ من تسعين صحابي. وأما قول بعض الحفاظ: لا يُعرف حديث اجتمع على روايته العشرةُ غير هذا الحديث [فِيوَهْمٌ، فقد اجتمعوا في حديث رفع اليدين، وحديث المسح على الخفين، على ما سيجيء إن شاء الله. والكذب: هو الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو به مطلقاً، وعند المعتزلة عمداً، وفحوى خطاب الحديث ردٌّ عليهم، فإن العَمْد لو كان مأخوذاً في تعريف الكذب لَمَا كان للتقييد فائدة. ثم المحرَّم منه شرعاً المستقبَح عادة هو العَمْد منه، وقد يجيء بمعنى الخطأ، ويجيء ذلك في الحديث كثيراً. وأصل الكذب في الماضي والخُلْف في المستقبل، وقد يُستعملُ الكَذِبُ في المستقبل أيضاً، ومنه قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَعْدُّ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ﴾[هود: ٦٥]. ويقال: كَذَبَ - بفتح العين - يَكْذِبُ - بكسرها - كَذِباً - بفتح الفاء ٢٠٦ وكسر العين-، وكِذْبَاً: بكسر الفاء وسكون العين. وتَبَوَّأَ: اتخذ، يقال: تَبَوَّأْتُ منزلاً: اتخذتُهُ، وبَوَّأَهُ مَنْزِلاً: أسكنه إياه، والمَبَاءَةُ: المنزل. ومعنى: ((فَلْيَتَبَوَّأْ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)) قيل: أمرٌ بمعنى التهديد، نحو أَعْمَلُواْ مَاشِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]. وقيل: بمعنى الدعاء، أي: بَوَّأَهُ الله ذلك. وقيل: خبرٌ أُخرِجَ في صورة الأمر، نحو: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨] الآية. ومعناه: فقد استوجب ذلك، فليوطِّن نفسه عليه، وكذا قوله: ((فَلْيَلِجِ النَّارِ))، ويؤيد هذا رواية الكتاب في حديث عليٍّ: ((يَلِج النَّار)). وبالجملة: الغرض بيان أن الكذب عليه - عليه السلام - سببٌ لدخول صاحبه النار، وقد جاء مصرَّحاً في حديث عليٍّ ما أخرجه ابن ماجه: ((لاَ تَكْذِبُوا عَلَيَّ، فَإِنَّ الكَذِبَ عَلَيَّ يُولِجُ النَّارَ)). ثم الظاهر من الحديث أن دخول النار حتمٌ على المفتري، وهو عند من لا يقول بكفره - كما يُحكى عن الشيخ أبي محمد الجُوَيني أنه قال: یکفُر، ویراق دمه - ظاهر . وعند من لا يقول به، وهم الجمهور، محمول على المُسْتَحِلِّ، أو على التغليظ، أو بأنه جزاؤه، ثم المشيئة إلى الله تعالى في أمره إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه، كما هو المذهب في غيره من الكبائر. ٢٠٧ ثم لا خلاف في أن من كذب عليه تلقي في حديث: أنه تُرد رواياته السابقة جميعاً، ويُترك الاحتجاج بها . أما لو تاب وحسنت توبته فقد اختلف العلماء في ذلك. فقال أحمد، وأبو بكر الحُمَيدي، وأبو بكر الصَّيْرفي: لا تؤثر توبته في ذلك، ولا تُقبل روايته أبداً، ويُحَتَّمُ جَرحه دائماً. وقال الآخرون: تُقبل روايته بعد التوبة، وهو المشهور من مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة. وقال النووي: المذهب الأول ضعيف، مخالف للقواعد الشرعية، وليس له دليل، فإنهم أجمعوا على صحة رواية من كان كافراً فأسلم، وعلى قبول شهادته. هذا كلامه، وفيه نظر، فإنَّ لِمَا ذهب إليه هؤلاء نظائرَ في الشرع. فمنه قول مالك في شهادة الزور: إذا تاب لا تقبل شهادته أبداً. وقول الشافعي فيمن رُدت شهادته بالفسق أو العداوة، ثم تاب وحسنت توبته: لا تقبل إن أعاد تلك الشهادة لما يلحقه من التهمة في تصدیق نفسه . وقول أبي حنيفة في القاذف إذا تاب: لا تقبل شهادته أبداً. وأيضاً فيه مفسدة عظيمة، فإن الكذب عليه ليس ككذب على غيره؛ لأنه يصير شرْعاً مستمراً إلى يوم القيامة، فجعل ذلك زجْراً له عقوبةً على قدر الجناية. ٢٠٨ قال عبدالله بن المبارك: من عقوبة الكذَّاب أن يُرَدَّ عليه صدقه. ثم الأحاديث الواردة في الباب، منها مطلقة كحديث عليٍّ على ما في الكتاب، وحديث الزبير: ((مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)) على ما في البخاري وغيره، وحديث سلمة بن الأَكْوَعِ: ((مَنْ يَقُلْ عَلَىَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)) على ما فيه، وحديث أبي قتادة، وأبي هريرة: ((مَنْ تَقَوَّلَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) على ما في «ابن ماجه)). ومنها مقيّدة بالتعمد كأحاديث الكتاب، عن أنس وأبي هريرة والمغيرة وحديث ابن مسعود وجابر وأبي سعيد الخدري على ما في ((ابن ماجه))، ومنها مقيّدة بعدم(١) التعمُّد بقوله: (لِيُضِلَّ النَّاسَ)) على ما أخرجه البزار في ((مسنده)) من طريق عبدالله بن مسعود. فلذلك اختلف القوم في ذلك. فقال بعضهم: هو عام شامل للسهو والعمد، ولأجل هذا هاب بعض السلف من الحديث عنه عليه السلام، فقلّلوا؛ كعمر والزبير وأنس، فإن هؤلاء سمعوا كثيراً وحدَّثوا قليلاً، كما صرح الزبير لمَّا قال له ابنه عبدالله: إِنِّي لا أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِِّكَمَا يُحَدِّثُ فُلانٌ وَفُلانٌ، قَالَ: أَمَا إِّي لَمْ أُفَارِقْهُ، وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)). (١) في الأصل: ((بعد قيد)) بدل ((بعدم)). ٢٠٩ وقال أنس: إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثاً كَثِيراً أَنَّ رَسول اللهِ وَه قَالَ: ((مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ)) الحديث. ومنهم من سكت، وما حدَّث عنه قط، كعبد الملك بن إياس ونحوه . وذهب الجمهور إلى أنه خاص بالتعمُّد للأحاديث الكثيرة الواردة من طرق مختلفة المقيدة بالتعمد، والمطلّق محمول في مثله على المقيّد، كما هو المقرر. والقواعد الشرعية أيضاً تدل على عدم المؤاخذة بالخطأ والنسيان، لاسیما بعد إتيان ما في وسعه من الاحتياط. وأما تقليل بعض الصحابة الروايةَ، لا لأجل أنهم فهموا دخول الساهي في الوعيد، بل لأجل أن في الإكثار ضرباً من التفريط والتكلَّف وقلة التوقّي، فيشبه العمد، وهو الرتوع حول حمى النهي، ومن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه، والتقوى في عدم مقاربة الحدود، قال الله تعالى ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]، وترْك الاعتداء عنها شامل له ولغيره، قال الله تعالى ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ولهذا ذمَّ السلف من الإكثار ونَهَوا عنه؛ لأنه قلَّ ما سَلِمَ مُكْثرٌ من الطعن عليه. وذهب قوم إلى أن الحديث وردَ في رجل بعينه كذب على النبي ◌َّل في حياته، وادعى لقوم أنه رسوله إليهم، فحكم في دمائهم وأموالهم، فأمر - عليه السلام - بقتله إن وُجد حياً، وإحراقه إن وجد ميتاً. ٢١٠ فإن ادَّعى هذا القائل التخصيصَ بهذا الرجل فهو باطل؛ لأن العِبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب. وتمشُّكُ الصحابةِ ومَن بعدَهم في ترك الإكثار بهذا الحديث شائع ذائع، وإن ادّعی بیان السبب وتعمیم الحکم فهو صحيح، لكنه مخالف لسوق كلامه. وذهبت طائفة ۔ منهم الگرّامیة - إلى أنه خاص بالأحكام، وجوزوا الوضع للترغيب والترهيب، متشبثاً بتلك الزيادة وهي: ((لِيُضِلَّ النَّاسَ))، ومتروِّجاً ذلك بأنه إذا كان في غير الأحكام فهو كذب له لا عليه. وهذا منهم تهافت عجيب، فإنهم زعموا أن المندوب ليس قسماً من الأحكام، حيث لم يجوِّزوا الكذب فيها، وجوزوا في الترغيب والترهيب، وليس كذلك، فإن الله تعالى وعد على فاعل المرغوب وتارك المرهوب الثوابَ، فالإخبار بأن رسول الله ◌َ﴾ [قال] كذا لِمَا لم يقله افتراء علیه، بل على الله تعالى. وأما الزيادة التي تمسكوا بها، فقال أبو عبدالله الحاكم المعروف بابن البيِّع: إنها واهية، ما ثبتت في طرق الثقات. وعلى تقدير الصحة فهي للتأكيد، كما في قوله تعالى ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَ النَّاسَ﴾ [الأنعام: ١٤٤]، أو لام الصَّيرورة، كما في قوله: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ﴾ [القصص: ٨]؛ لأن عاقبة ذلك الإضلال. وبالجملة: الكذب على الغير محرم، فكيف عليه - عليه السلام -، ٢١١ وقد نفى المقايسة في حديث المغيرة، وبيَّن أن الكذب عليه أعظم إثماً وأشد عذاباً ونكالاً، نعوذ بالله من التشبث بالأهْدابِ الكاسدة، والتتبع للأهواء الفاسدة. وأما وجه الترتيب فظاهر، فإنه قدم المطلَق - وهو حديث علي ظه - على المقيّد، فإنه في باب التغليظ أقوى، فبالتقديم أولى، وفيه ضميرُ الشأن - في قوله: (فإنه) - تقوية، وتأكيداً، والتصريحُ بولوج النار وهو الدخول في لُجَّتها ومعظمها، وهو أقوى من الدخول مطلقاً. ثم قدَّمَ حديث أنس على حديث أبي هريرة؛ لأن الغرض في إيراد هذه الأحاديث بعد المطلَق بيانُ أنه محمول على المقيَّد، ولاشك أن التقديم يفيد الاهتمام، وفي حديث أنس لفظُ التعمُّد مقدّم وأصل، والكذب قيدٌ له، وفي حديث أبي هريرة بالعكس، والمقام يقتضي تقديم ما فيه المقصود مقدَّماً بالذكر. وأيضاً، بالنظر إلى الإسناد حديثُ أنس رباعي، وحديث أبي هريرة خماسي، فيقتضي التقديم أيضاً. وأما حديث المغيرة ففيه زيادة ليسيت] في غيره، وقد مر أن تكرار الحديث إنما يجيء في هذا الكتاب لزيادة معنى لا يحسُن فصْلُه عن جملة الحديث، وهذا كذلك. ولمَّا كانت تلك الزيادة في بعض الروايات دون بعض أشار بقوله: ولم يذكر أن كذباً عليَّ ليس ككذب على غيره، فإن حديث المغيرة في الرواية التي ليست فيها تلك الزيادة مثل حديث أبي هريرة. ٢١٢ (٢) باب النَّهِي عَنِ الحَدِيثِ بِكُلِّ مَا سَمِعَ [٣ - باب الَّهْىِ عَنِ التحذُّثِ بِكُلِّ مَا سَمِعَ ] ٧ - (٥ / ٥) - وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُاللهِ بنُ مُعَاذِ العَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مَهْدِيٍّ قَالاَ: حَدَّثَنَاَ شُعْبَةُ، عَن خُبَيْبٍ بِنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصٍ بِنِ عَاصِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((كَفَى بِالمَرْءِ كَذِباً أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ)). ٨ - وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بِنُ أَبِي شَيْئَةَ، حَذَّثَنَا عَلِيُّ بِنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَن خُبَيْبٍ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَن حَفْصِ بنِ عَاصِمٍ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ وَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ. لما ذكر الحديث الدالّ على وعيد الكذب على رسول ◌َّار، و[أنَّ] التكثير في الرواية، والنقل لكل ما سمع مُوقعٌ للراوي في الكذب غالباً = أورد مسلم - رحمه الله - بعد ذلك الأخبار الدالة على النهي عن التحدث بكل ما سمع، لينزجر السامع عن التحدث بكل ٢١٣ مسموعاته، فيخلَص عن ورطة الكذب على رسول الله وَله . وقوله: (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُاللهِ) هو أبو عمرو عُبَيْدُاللهِ بنُ مُعَاذٍ العنبرِيُّ، البصري. عن أبيه، ومعتمِر بن سليمان، وبِشر بن المفضّل، ووكيع، وخلائق. وعنه مسلم، وأبو داود، وحمَّاد بن حُميد، وآخرون. وثَّقه القوم، وأخرج له الستة إلا الترمذي وابن ماجه. توفي سنة سبع وثلاثین ومئتين. وأما (أبوه) فهو أبو المثنَّى معاذ بن معاذ بن نصر بن حسان العَنْبَري، البصري، الحافظ . عن سليمان التَّيْمي، وابن عون، وشعبة، وخلائق. وعنه ابناه عبيدالله والمثنَّى، وأحمد، وإسحاق، وابن المَدِيني، وابن معين، وآخرون. قال أحمد: هو قرة عين في الحديث، وإليه المنتهى في التثبت بالبصرة . وقال يحيى بن سعيد: ما بالبصرة ولا بالكوفة ولا بالحجاز أَثبتُ منه . وبالجملة ثناء الناس عليه كثير، وهو ثقة بالاتفاق، وأخرج له الستة . ٢١٤ توفي سنة ست وتسعين ومئة. وأما (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مَهْدِيٍّ)، فهو أبو سعيد عبد الرحمن بن مهدي بن حسان الأزدي العنبري مولاهم، البصري، الإمام، العالم، الحجة. روى عن شعبة، وسفيان، وجرير بن أبي حازم، ومالك، وخلائق. وعنه ابن المبارك، وابن وهب، وهما أكبر منه، وأحمد، وابن مَعین، وابن المَدِیني، وابن راهَوَيْه، وآخرون کثیرون. قال أحمد: إذا حدث ابن مَهدي عن رجل فهو حجة. وقال ابن المَدِيني: إذا اجتمع يحيى بن سعيد القَطَّان وعبد الرحمن بن مهدي على ترك رجل = لم أحدث عنه، وإذا اختلفا أخذت بقول عبد الرحمن؛ لأنه أقصَدُهما، وفي يحيى بن سعيد شدة. وثناء القوم عليه كثير، وهو بالاتفاق ثقة، نقَّاد، ماهر، صيرفي الحديث، اعتبر القوم جَرحه وتعديله، ولهذا كثيراً ما يُذكر في أسماء الرجال قوله وقول يحيى القَطَّان؛ لأن أكثر الاعتبار بقولهما في باب الجرح والتعديل. وأخرج له الستة . توفي سنة ثمان وتسعين ومئة، وله ثلاث وستون سنة. وأما (خُبَيْبٌ) فهو أبو الحارث خُبَيْب بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن خُبيب ٢١٥ ابن يَساف الخزرجي، المديني. عن أبيه، وعبدالله بن محمد بن معن، وحفص بن عاصم، وغيرهم. وعنه عُمارة بن غَزْيَّة، وشعبة، ومالك، وجماعة. وثَّقه ابن مَعين والنَّسائي وغيرهما. وأخرج له الستة، توفي في حكومة مروان. وأما شيخه فهو (حَفْصُ بْنُ عَاصِم) بن عمر بن الخطاب، العَدَوي، المديني، التابعي. عن أبيه، وعمه عبدالله بن عمر، وعبدالله ابن بحينة، وأبي هريرة، وأبي سعيد بن المعلَّى، وغيرهم. وعنه بنوه؛ عمر، ورباح، وعيسى، وعمر بن محمد العمري، وجماعة. وثَّقه القوم، وأخرج له الستة. وأما (عَلِيٌّ) في الإسناد الآخر فهو أبو الحسن علي بن حفص المدائني. عن شعبة، وعكرمة بن عمار، والثوري، وجماعة. وعنه أحمد، وأبو بكر بن أبي شَيْبة، ومحمد بن رافع، وآخرون. وثَقه القوم. وقال أحمد: هو أحبُّ إليَّ من شَبَابة . واتفقوا على الاحتجاج به إلا أبا حاتم، فإنه قال: لا يحتج به. ٢١٦ وبالجملة أخرج له الستة إلا البخاري وابن ماجه. وهذا الحديث في أكثر روايات هذا الكتاب في الطريق الأول وقع مرسلاً، ووقع عند أبي العباس الرازي ذِكْر أبي هريرة في البين فيكون مسنداً، ولكنَّ الصحيح تركُه كما في غيره من الروايات، وإنما هو مذكور في الطريق الثاني، وهو رواية عليٍّ بن حفص، وإنما أخرج مسلم الحديث في المرسل وجعل المسند متابعاً؛ لأنه في هذا الموضع أقوى عند أهل النقل من المسند، فإن فرسان الحديث مثل معاذ بن معاذ وعبد الرحمن بن مهدي وغُنْدَر وغيرهم، رووا هذا الحديث عن شعبة مرسلاً، وإنما وقع مسنداً في طريق علي بن حفص، ولهذا قال الدارَقُطْني: الصواب المرسل عن شعبة. وأما (كَفَى بِالمَرْءِ كَذِباً) الباء في قوله: (بِالمَرْءِ) زائدة داخلة على مفعول، وقد تدخل على فاعل (كَفَى) نحو قوله: ﴿وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩]، و(كَذِباً) منصوب على التمييز، وكذا ﴿شَهِيدًا﴾ في الآية. والمعنى: أن مَن حدّث بكل ما سمع يحصل له الحظ الكافي من الكذب، فإن الإنسان يسمع الغَثَّ والسمين، والصحيح والسقيم، فإذا حدث بكل ما سمع حدَّث السقيمَ والكذبَ، ثم يُحمل عنه فيكذب في نفسه ویکذب بسببه، ولهذا قال مالك: ليس يسلم رجل يحدِّث بكل ما سمع. وقال العلماء: لابد للراوي أن يَنظر في الحديث الذي يرويه، ٢١٧ فإن كان صحيحاً أو حسناً وعُلم ذلك بالتتبع أو الأخذ من الكتب المعتمَدة الصحيحة مثل الكتب الستة وما يتصل بها= تحسُن الرواية بصيغة الجزم، مثل: قال، أو فعل، أو أمر، وما أشبهها. وإن عُرف كونه ضعيفاً، أو لم يُعرف حاله وما أَخذَه من الكتب المعتمدة، فالرواية ينبغي أن تكون بصيغة الظن والتمريض، مثل: رُوِيَ، وذُكِرَ، وبلغَنا، ونحوها. وبالجملة: باب الرواية ضيق المسلك، خصوصاً في الرواية عن رسول الله ﴾﴾ وإسنادِ الشيء إلیه. وأما إسناد الحُكّم القياسي إليه فقد جوّز بعض الفقهاء نسبة الحُكم الذي دل عليه القياس إلى رسول الله وَير، وتمسكوا بوقوع الأحاديث الكثيرة في كتب الفروع التي تَشهد ألفاظُها بأنها من كلام الفقهاء، ولا يَليق بجزالة لفظ سيّد الأنبياء. وذهب الجمهور إلى منع الإسناد إليه - عليه السلام -، وأجابوا عن تلك الأحاديث بأنها ثابتة معنًى، وإن لم تثبت لفظاً، ومبنى ذلك على جواز النقل بالمعنى، فمن جوَّزَ ذلك نقَل بالمعنى بأي لفظ خطر له، ومن لم يُجِزْ احترز عن ذلك أيضاً، ولم يورد إلا ما صح لفظه، ولهذا اختلفت كتب الفروع في وقوع أمثال هذه الأحاديث فيها قلةً وكثرةً، وكذا كتب التفاسير، فتدبر. ٢١٨ ٩ - وَحَذَّثَنَا يَحْيَى بِنُ يَحْبَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَن سُلَيْمَانَ التَّيِْيِّ، عَن أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: بِحَسْبِ المَرْءِ مِنَ الكَذِبِ أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ. * قوله: (حَدَّثَنَا یحیی بنُ یحیی) هو أبو زکریا یحیی بن یحیی ابن بكر بن عبد الرحمن بن حَمَّاد التميمي، الحَنْظَلي، النَّيْسابوري، الحافظ، أحد الأعلام. روى عن حمَّاد بن سَلَمة، ومالك، والليث، وزهير بن معاوية، وخلائق. وعنه أحمد، وابن راهَوَيْهِ، والذُّهْلي، والدارِمي، والبخاري، ومسلم، وآخرون. قال أحمد: يحيى بن يحيى ثقة وزيادة. وقال ابن راهَوَيْه: هو أَثْبتُ من عبد الرحمن بن المهدي. وقال محمد بن أسلم: رأيت النبي ◌ّ في المنام فقلت: عمَّن أکتب؟ قال: عن یحیی بن یحیی. وقال الحسن بن سفيان: كنا إذا رأينا ليحيى رواية عن يزيد بن زُرَيع قلنا: ريحانة أهل خراسان عن ريحانة أهل العراق. وبالجملة: ثناء الناس عليه كثير، ولا شك في وثوقه وجلالة قدره . أخرج له الستة إلا أبا داود وابن ماجه. توفي سنة ست وعشرين ومئتين. ٢١٩ وأما شيخه فهو أبو معاوية (هُشَيْم) بنُ بُشَيْرٍ - بالتصغير فيهما - ابن القاسم بن دينار الواسطي، الحافظ. عن الزُّهري، وعمرو بن دينار، وأبي الزبير، وحُصين، ومغيرة، وخلائق. وعنه شعبة، والثوري، وعبد الرحمن بن مَهدي، وابن المَدِيني، وابن معين، وآخرون. قال أحمد: أروى الناس عن يونسَ هُشیمٌ. وقال ابن مهدي: كان هُشيم أحفظَ للحديث من الثوري، وهو في حُصين أَثْبتُ من شعبة وسفيان. وقال أحمد الدَّوْرَقي: عنده عشرون ألف حديث. وقال ابن المبارك: من غيَّر الدهر حِفظه فلم يغيِّرِ حفظ هُشيم. وقال أبو حاتم: لا تسأل عن هُشيم في صلاحه وصدقه وأمانته. وبالجملة: ثناء الناس عليه كثير، وأخرج له الستة، وإنما نقَموا عليه كثرة التدليس. وقيل: مِن مذهبه جواز التدلیس بـ (عن)، وقد اشتهر عنه هذا، ولهذا احتاط القوم في أحاديثه، وفتشوا عن محل سماعاته، وهو ليِّنٌّ في الزُّهْري. وسلك مسلم - رحمه الله - في هذا الكتاب الطريقة العجيبة في الإخراج له، على ما سنبينه في كل موضع إن شاء الله تعالى. ٢٢٠