النص المفهرس
صفحات 141-160
كتب من المسندات؛ إحداها (١) هذا الذي قَرأ على النَّاس، والثَّاني يُدخل فيه عكرمة وابن إسحاقَ صاحبُ المغازي وأمثالهما، والثَّالث يدخل فيه من الضّعفاء جماعة. وذكر القاضي أيضاً أنَّ الحاكمَ أبا عبدالله بن البَيِّع قال: إنَّ مسلماً أراد أن يُخرج الصَّحيح على ثلاثة أقسام وثلاث طبقات من الرُّواة، فلم يقدَّر له - رحمه الله - إلا الفراغُ من الطَّبقة الأولى، واخترمتْه المنيةُ قبل أن يتمَّ غرضه إلا من القسم المتفق عليه من الصَّحيح. ثمَّ قال القاضي: وهذا الذي ذكره الحاكم مما قَبِله الشَّيوخ وتابعه عليه النَّاس، وحكموا بأنَّ مسلماً لم يُكمِل غرضه إلا من الطَّبقة الأولى، ولا أَدخلَ في تأليفه سواها. وأنا أقول: ليس الأمر كذلك لمن حقق النَّظر، ولم يتقيد بالتَّقليد، فإنَّ مرادَ مسلم بيانُ تقسيم الأحاديث المخرَّجة في هذا الكتاب إلى ثلاثة أقسام، وأنَّ أورد القسم الأول الذي رواتُهُ ثِقاتٌ لا يوجد في رواياتهم اختلاف شديد ولا تخليط، فأَحسنَ أصلاً. والقسم الثّاني الذي في رواية جماعة من أهل السَّتْر متابعةً وشاهداً. والقسم الثَّالث الذي تكلّم قومٌ في رواته، وزَّاهم آخرون أيضاً متابَعة، فيكون كتابه مشتملاً على الأقسام الثَّلاثة، وأتى فيه بالطّبقات الثَّلاث، وكذلك فعل البخاري في صحيحه. (١) في الأصل: ((أحدهما)). ١٤١ وأمَّا ما أجمع النَّاس أو اتفق الأكثر على تُهْمته وهي الطَّقة الرّابعة = فتَرَكه وما أخرج منه شيئاً. هذا ملخَّص كلام القاضي عياض، وتبعه النَّووي على ذلك، وقال: الذي اختاره القاضي ظاهر جداً. وأمَّا القرطبي فلمَّا رأى أنَّ المذكور في كلام مسلم ثلاثةُ أقسام لا أربعة، وصريحُ كلامه ظاهر في أنَّه ترك أحاديث جمع هم عند أهل الحديث متَّهمون، أو عند الأكثر، قال: أدخل مسلم في كتابه الطَّقتين وطَرَح الثَّالثة. فحاصل كلام إبراهيمَ بنِ سفيان والحاكم أنَّ المذكور في هذا الكتاب القسمُ الأول فقط، وكلام القرطبي أنَّ المذكور قسمان، وكلام القاضي والنَّووي أنَّ المذكور الأقسامُ الثلاثة. وأقول: لا شكَّ أنَّ تقسيم الحديث باعتبار حال الرَّاوي يمكن أن يكون على أقسام بحسب الاعتبارات قلَّةً وكثرة، ولهذا قسّم بعض القوم إلى ثلاثة أقسام: صحيحٍ وحسنٍ وسقيم، وبعضهم إلى سبعة، وبعضهم إلى عشرة، وبعضهم إلى أكثرَ من ذلك، ولا حَجْرَ؛ لأنَّ المدار على تداخل الاعتبار وعدمه. والظَّاهر أنَّ مسلماً - رحمه الله - قسّم الأحاديث إلى ثلاثة أقسام كما صرَّح به، وأخرج القسم الأول في هذا الكتاب فقط، وأومى مع ذلك إلى أنَّ الحديث في الحقيقة ينقسم إلى قسمين: صحيحٍ وسقيم، وأنَّ لكلِّ واحدٍ منهما أصنافاً، وأنَّ الصَّحيح بأصنافه قسمٌ واحدٌ، بل ١٤٢ هو الذي يَستأهل أن يُسمَّى قسماً، وأنَّه إنَّما صرَّح بكون السَّقيم قسمين، وذكرَ من كلِّ قسم جماعةً، وأَرْمَز في الصَّحيح إيماءً إلى كثرة السَّقيم وقلَّة الصَّحيح بالنسبة إليه، وإن كان هو أيضاً في نفسه کثیر. بيان ذلكَ: أنَّ مسلماً - رحمه الله - ذكر قبل هذا بأنَّ ضبطَ القليلِ من هذا الشَّأن وإتقانه أيسرُ على المرء من معالجة الكثير منه. ثمَّ ذكر شريطة إخراجه الحديثَ في هذا الكتاب، فذكر أنَّ جملة ما أُسند من الأخبار عن رسول الله ◌َل ـ يعني جميع ما روي عنه من الأحاديث - ثلاثةُ أقسام: صحيحٌ، ومثَّهم بالوضع، ومنكر، وأنَّه أخرج الصَّحيح وترك المتَّهم والمنكر. ثُمَّ ذكر بأنَّ الصَّحيحَ الذي هو القسم الأول من الثَّلاثة صنْفان؛ بحسب حال الرُّواة، وذكر أنَّ الصنفَ المقدَّم الذي ناقِلُوه أهلُ استقامة وإتقان، وهم الذين لا يوجد في رواياتهم اختلاف شديد وتخليط فاحش، وأومى بتقييد الاختلاف بالشِّدَّة والتَّخليط بالفحش، إلى أنَّ وجود اختلاف وتخليط ما لا يخرجهم من الإتقان والاستقامة، فإنَّ الذي لا يوجد منه ذلك قطعاً لا يوجد؛ لأنَّ الإنسان لا يخلو من الخطأ والنِّسيان والزَّلل. وذكر أنَّ الصنف الثَّاني هو الذي في رواته جمع من أهل السَّتر، وأومأ بقوله: (أَتْبَعْنَاهَا) إلى أنَّ أحاديث الصِّنف الأول هي الأصول، وأحاديث الصِّنف الثَّاني شواهدُ ومتابعات، وأورد من كلِّ واحدٍ من ١٤٣ الصِّنفين جمعاً، وبيَّن التَّفاوت بينها، وذكر الفائدة في بيان المنزلة. ثُمَّ بعد ذلك قال: (فَعَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الوُجُوهِ نُؤَلِّفُ مَا سَأَلْتَ مِنَ الأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ﴿) وهذا صريحٌ في أنَّ المخرَّج في هذا الكتاب القسمُ الأول المنقسم إلى صنفين، وأومى بقوله: (تقدَّم) وبقوله: (أَتْبَعْنَاهَا) إلى أنَّ الصِّنفين من القسم الأول. ثمَّ ذكر بعد تمام هذا الكلام وبيان المخرَّج في الكتاب من الأقسام المتَّهَمين بالوضع، وأورد منهم جماعة، ثمَّ الذين الغالب على حديثهم المنكر، وعدَّ منهم جمعاً. ثمَّ ذكر أنَّه ما اشتغل بتخريج أحاديثٍ هذين القسمين. فكلامه ينادي بأعلى صوته بأنَّه أخرج في هذا الكتاب من جملة ما أُسند إلى رسول الله وَّهِ القسمَ الأول، وأنَّه ترك القسمين الباقيين، وما اشتغل بتخريج شيء منها، ولقد أحسن في هذا التّرتیب حیث ذكر . أولاً أنَّ الأخبار على ثلاثة أقسام. ثمَّ صرَّح بالقسم الأول بقوله: (فَأَمَّا الْقِسْمُ الأَوَّلُ)، وقسَّمه إلى صنفين وأخرجهما أصولاً ومتابعةً. ثمَّ ذكر مخاطباً صاحبه بأنَّه على هذا النحو ألَّف ما سأل، ثمَّ ذكر القسمين الباقيين، ولم يقل: أمَّا القسم الثّاني، وأمَّا القسم الثَّالث، كما ذكر في القسم الأول؛ إيماءً إلى أنَّهما ليسا من أقسام الحديث المسند إلى رسول الله ﴿ في الحقيقة، بل الحديث المسند إليه في ١٤٤ الحقيقة هو القسم الأول، وإنَّما قيل: لهما منه نظراً إلى الظَّاهر، فالأوّل يستأْهِل أن يصرَّح بالقسم دونهما. وقدَّم المتَّهَم على المنكر لأنَّه أقبحُ، وهو في مقابلة الصِّنف الأوَّل من الصَّحيح، ولأنَّه في بيان سببٍ ترْكِه، وأنَّه ليس من الحديث المسند إلى رسول الله وَّر في الحقيقة، وهو أَدْخَلُ في ذلك وأَظْهَرُ. وليت شعري كيف فُهمَ مِن كلامه هذا بأنَّه وعد إخراجَ الأقسام الثَّلاثة في هذا الباب حتَّى يَحتاج إلى أن يُعتذر عنه بأنَّه اخترمتْه المنيةُ قبل استيفاء غرضه من الكتاب، أو يلتزمَ بأنَّه أخرج الجميع أو الصِّنفين، وبأنَّ المرادَ من جملة ما أُسند الجملةُ الغالبة لا الجميع؛ لأنَّه ما أخرج الجميع ولا النِّصف إلى غير ذلك من التعسُّفات، مع أنَّ كلامه صريحٌ بأنَّ الأخبار ثلاثة أقسام، وأنَّه أخرج القسم الأوَّل وترك القسمين الباقيين، وأنَّه بالنّسبة إليهما قليل، وأنَّ إتقان القليل الصَّحيح أَولى من معالجة الكثير السَّقيم، فغرضه أنَّ كتابه هذا ملخّص منقَّح مخرّج من الأحاديث الكثيرة، مرتَّب على هذا التَّرتيب. كما نُقُل عنه أنه أخرج هذا الكتاب من ثلاث مئة ألف حديث، وكذلك شأنُ غيره من أصحاب السِّتَّة في كتبهم، إنَّما أخرج كلُّ واحدٍ منهم كتابه من أحاديث كثيرةٍ كما يُنقل عنهم، وهذا في غاية الوضوح لمن تأمَّل في كلام مسلم رحمه الله، وأخذ بالإنصاف، وتركَ الَّقليد والاعتساف. وإنَّما أطنبتُ الكلام في هذا الموضع؛ لأنَّه مع وضوحه قد خفيَ على المَهَرة، كما مرَّرنا عليكِ نُّذاً من كلامهم، والله الموفق. ١٤٥ ، قوله: (أَوْ إِسْنَادٌ يَقَعُ إِلَى جَنْبٍ إِسْنَادٍ) روي بالرفع عطفاً على قوله: (مَوْضِعٌ) فيكون قوله: (لِعِلَّةٍ) تعليلاً لإيراد الإسناد في جَنْب الإسناد، ويكون قوله: (لأَنَّ المَعْنَى الزَّائِدَ ... ) إلى آخره، تعليل لإيراد الحدیث المكرّر. والمراد بالحديث هو المتن دون الإسناد، وروي بالجرِّ عطفاً على قوله: (حدیث)، والمعنى: إلا أن يأتي موضع لابدّ فيه من ترداد إسناد، فيكون المراد بالحديث الأعم الذي يشمَل المتْنَ والسَّند، فإنَّ زيادة المعنى تارة في المتن وتارة في السَّند، فيجب الإعادة، وملخص المعنى: أنَّ إيراد المكرَّر؛ إمَّا لزيادةٍ معنّى في المتن أو الإسناد، أو المعنَى: يعسُر فصلُه من جملة الحديث. * قوله: (مِنْ أَنْ يَكُونَ نَقِلُوهَا أَهْلَ اسْتِقَامَةٍ) لفظة (من) ههنا للتَّعليل كما في قوله تعالى ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِيّ إِسْرَهِيلَ ﴾ [المائدة: ٣٢] الآية. * قوله: (وَأَنّقَى) بالنُّون عطف على (أَسْلَمُ)، وفي إيراد لفظَي: (أسلم) و(أنقى) إيماءٌ إلى أنَّ الصِّنف الثَّاني أيضاً سالم نقي، وإن كان في رواية جمع من أهل السَّتر؛ لأنَّ الأصل هو السّلامة، وأنَّه إنَّما قدَّم هذا الصِّنف لكونه أسلم وأنقى. قوله: (كَمَا قَدْ عُثِرَ) بضمّ العين المهملة وكسر المثلثة: اطّلع، وفي المثلثة منه إذا كان معلوماً بالحركات الثَّلاث، وهو بمعنى كبا، ويُستعمل في الاطلاع، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَ أَنَّهُمَا أُسْتَحَقًّا" ١٤٦ إِثْمًا﴾ [المائدة: ١٠٧] الآية، وفي اختيار هذه اللفظة رمزٌ إلى عَثْرة الرَّاوي في مشيه عن سَنن الاستقامة في الرِّواية، والضَّمير في قوله: (فيه) راجعٌ إلى الاختلاف والتَّخليط؛ لأنَّ المقصود منهما شيءٌ واحدٌ ههنا، أو أجرى الضَّميرَ مُجرى اسم الإشارة، والأصل: عُثِر في ذلك، كما في قوله: (بَانَ ذَلِكَ)، فإنَّ المرجعَ إذا كان اثنين فصاعداً، فالرَّاجع يكون اسم إشارة، قال الله تعالى: ﴿لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرُ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] الآية، ويحكي في إجراء الضَّمير مُجرى اسم الإشارة أبو عبيدة قال: قلتُ لرؤبةً بن العجاج في قوله: فيها خطوطٌ من سوادٍ وبَلَقْ كأنَّه في الجلدِ توليع البَهَقْ إنْ أردتَ الخطوط فقل: كأنَّها، وإن أردت السَّواد والبَلَقَ فقل: كأنَّهما، قال: أردتُ كأنَّ ذلك، ويلَك. وإنَّما يَحسُن هذا الإجراء في كلِّ موضع يتحد الغرض من الشَّيئين وإن اختلف مفهومهما. والمصنِّف - رحمه الله - أورد الضَّمير أولاً إيماءً إلى اتحاد الغرض، واسمَ الإشارة ثانياً بياناً لاختلاف المفهوم وأصل التّركيب، كما قد عثر عليه في كثير من المحدِّثين، فإنَّ المعثور عليه هو الاختلاف والتَّخليط لا المحدِّث، ولكنْ قَلَبَ التَّركيبَ إيماءً إلى أنَّ الغرض بيانُ حال المحدِّث، وأَنَّ العثور على ذلك عثورٌ على حاله، فتأمَّل. ١٤٧ * قوله: (فَإِذَا نَحْنُ تَقَصَّيْنَا أَخْبَارَ هَذَا الصِّنْفِ)، أي: بلغْنا أقصاها ونهايتها، يُقال: تقصَّى فلان الشَّيء: إذا بلغ أقصاه، ومنه الاستقصاء في المسألة، وهو من القُصُوِّ، وهو البعد، معتلُّ اللام واوي، لا مضاعَف من القصِّ كما زعم النَّووي، حيث يقال: اقْتَصَّ الحديث، وقَصَّهُ، وقَصَّ الرُّؤيا: أتى به بكماله، فإنَّه ليس منه، وهو ظاهرٌ. * قوله: (كَعَطَاءِ بنِ السَّائِبِ) هو أبو السَّائب، وقيل: أبو مُحمَّد، وقيل: أبو زيد عطاء بن السَّائب بن زيد الثّقفي الكوفي التَّابعي. روى عن أبيه، وعبدالله بن أبي أَوْفى، وأنس بن مالك، وجماعة. وعنه سفيان، وشعبة، وآخرون. كان من الحفّاظ، تغيَّر بأَخَرَةٍ، وساء حفظه. قال أحمد: مَن سمع منه قديماً فهو صحيح، ومن سمع منه حديثاً لم يكن بشيءٍ. وقال البخاري: أحاديث عطاء القديمةُ صحيحةٌ. وقال يحيى بن معين : لا يُحتجُّ به، ورُوي عنه أنَّه قال: لیث بن أبي سُلَيم ضعيف، مثل عطاء بن السَّائب، وقد [سمع] منه جرير ومَن بعدَه في الاختلاط، وقد سمع منه أبو عَوانةَ في الحالتين، ولا يُحتجُّ به . ١٤٨ وقال أحمد العِجْلِي: من سمع بأخَرَةٍ فهو مضطرب الحديث، منهم(١) هُشیم وخالد بن عبدالله. وبالجملة كلام القوم في شأنه كثيرٌ، وقد أخرج له الأربعة والبخاري متابعةً ولم يُخرج له مسلم. مات سنة ست وثلاثين ومئة. وأمّا يَزِيدُ بنِ أَبِي زِيَادٍ فهو أبو عبدالله الكوفي مولى عبدالله بن الحارث بن نَوْفَل الهاشمي. يروي عن مولاه، وأبي جُحيفة، وعبدالله بن شداد بن الهاد، وعبد الله بن مُغَفَّل المزني. وعنه الثَّوري، وابن عُيَينة، وشعبة، وأبو عَوانةَ، وجرير بن عبد الحمید، وابن مُسْهِر وآخرون. قال أحمد: لم يكن بالحافظ. وقال ابن معين: لا يُحتجُّ به، وقال مَرَّةً: ليس بالقوي. وقال العِجْلِي: جائز الحديث. وقال أبو زُرْعَة: لا أعلم أحداً ترك حديثه. وقال ابن عدي : مع ضعفه ◌ُکتب حديثه. 1 وقال ابن فُضَيل: كان من أئمة الشِّيعة. وكلام النَّاس فيه كثيرٌ. (١) في الأصل: ((منه)) بدل ((منهم)). ١٤٩ وبالجملة أخرج له الأربعة، والبخاري تعليقاً، ومسلم مقروناً بغيره. مات سنة سبع وثلاثين ومئة. وأمَّا ليثٌ فهو أبو بكر لَيْث بن أَبِي سُلَيْم بن زُنَيم القُرَشي ولاءٌ الكوفي، أحد العلماء، لا يُعلم له رواية عن صحابي، روى عن مجاهد وطاوسَ وعكرمةَ وعطاءٍ وعبد الرحمن بن الأسود وخلائق. وعنه مَعْمَرٌ وشعبة وسفيان وابن عُلَيَّةَ ومُعتمِر وآخرون. قال أحمد: مضطرب الحديث، ولكن حدَّث عنه النَّاس. وقال ابن مَعِین : ضعیف یُکتب حديثه. وقال أبو داود: سمعتُ یحیی یقول: ليس به بأس. وقال عيسى بن يونس: اختلط في آخره، كان يصعد المنارة ارتفاعَ النهار فيؤذّن. وقال فُضيل بن عياض: هو أَعْلمُ أهل الكوفة بالمناسك. وقال الدَّارَقُطْنِي: صاحب سنة يخرج حديثه. وقال عبد الوارث: كان من أوعية العلم. وبالجملة ثناء الناس عليه كثيرٌ، وأخرج له السِّتة. مات سنة ثمان وثلاثين ومئة، وقيل: سنة ثلاث وأربعين ومئة. وآخِرُ مَن حدَّث عنه عبدُ الوهاب الخَفَّاف. فهذا كلام القوم في شأن هؤلاء الثلاثة. ١٥٠ وبالجملة فهم ليسوا من المجروحين بالاتفاق، ولا من الثقات على الإطلاق، ولذلك أوردهم مسلم - رحمه الله - في الصنف الثاني، والمقام يقتضي تقديم ما هو أضعف، كما أنَّه في الموازن يقتضي تقديم ما هو أقوى، فلهذا رتَّب مسلم هذا الترتيب في الصنفين. قال عبد الرحمن بن مهدي: ليث بن أبي سُلَيم أحسن حالاً من عطاءٍ ویزید بن أبي زياد. وقال أبو حاتم: ليثُ أَحتُّ إليَّ من يزيد بن أبي زياد. وقال جرير: يزيد بن أبي زياد أحسَنُ حفظاً من عطاء بن السائب، فتدبر. وأما منصور فهو أبو عتَّاب منصور بن المُعْتَمر بن عبدالله بن ربيعة السُّلَمِي الكوفي، أحد الأعلام. روى عن إبراهيم، وأبي وائل، وزيد بن وهب، وسعيد بن جُبير، والشعبي، ومجاهد، وخلائق. وعنه أيوب، وشعبة، وسفيان، وحَمَّاد بن زيد، وآخرون. قال بشر بن المفَضَّل: لقيت سفيان الثوري بمكة فقال: ما خلَّفتُ بعدي بالکوفة آمن على الحدیث من منصور. وقال عبد الرّحمن بن مهدي: لم يكن بالكوفة أحفظُ من منصور. وقال ابن مَعين: إذا اجتمع الأعمش ومنصور فقدِّمْ منصوراً. ١٥١ وقال أبو حاتم: منصور متقِن لا يخلِّط ولا يدلِّس. وقال العِجْلِي: ثقة ثَبْت، أثبَتُ أهل الكوفة. وبالجملة: ثناء النَّاس عليه كثير، أخرج له السِّتَّة. توفي سنة اثنتين وثلاثين ومئة. وأما الأَعْمَشُ فهو أبو مُحمَّد سليمان بن مِهْران الكاهِلِيُّ مولاهم، الكوفي، أحد الأعلام، رأى أنس بن مالك. وروى عن عبدالله بن أبي أَوْفَى، وزيد بن وهْب، وأبي وائل، وزِرِّ ابن حُبيش، وإبراهيم النَّيمي، وسعيد بن جُبير، والشَّعبي، وجماعة . وعنه أبو إسحاق السَّبِيعي، والحكم، وزُبَيْدٌ اليَامِيُّ، وهم من شيوخه، وسليمان التَّيمي وهو من أقرانه، وشعبة، وسفيان، وزائدة، وأبو نُعیم، وآخرون. قال عاصم الأحول: مرَّ الأعمش بالقاسم بن عبد الرَّحمن فقال: هذا الشَّيخ أعلمُ النَّاس بقول ابن مسعود. وقال مُحمَّد بن خلَف التَّيمي، عن أبي بكر بن عَيَّاش: كنَّا نُسمِّي الأعمش سید المحدِّثین. وقال أحمد: أبو إسحاق والأعمش رجلا أهل الكوفة. وقال الفَلأَس: كان الأعمش يُسمَّى المصحفَ من صدقه. وقال العِجْلي: كان الأعمش ثقة ثبتاً، ظهر له أربعة آلاف حديث ولم یکن له كتاب. ١٥٢ وقال عيسى بن يونس: لم يرَ ولاة القرن الذين كانوا قبلنا مثل الأعمش، وما رأيت الأغنياء والسَّلاطين عند أحد أحقرَ منهم عنده مع فقره و حاجته. وقال وكيع: كان الأعمش قريباً من سبعين سنة لم يَفُتْه التَّكبيرة الأولى. وبالجملة ثناء النَّاس عليه كثيرٌ وأخرج له السَِّّة، وما نقَموا عليه إلا التَّدليس، وقالوا: متى قال: (حدَّثنا) ونحوَه فلا كلام، ومتى قال: (عن) وأمثالَه تطرّق إليه احتمال التَّدليس، إلا في شيوخ له أكثرَ الرِّواية عنهم؛ كإبراهيم وأبي وائل وأبي صالح السَّمَّان، فإنَّ روايته عن هذا الصنف بأيِّ وجهٍ كانت] محمولة على الاتصال. وليكن هذا الكلام على ذُكْر منك، ينفعْكَ في كثيرٍ من المواضع في هذا الكتاب، ويزيل الشُّبهة الواقعة من تأكيد مسلم بعض رواياته الواردة بـ (عن) بطريقة أخرى، وتركه البعضَ مع أنه معنعن أيضاً، فإنَّه إنَّما ترك في الموضع الذي حمل القوم روايته فيه على الاتصال، فتدبر . مات سنة ثمان وأربعين ومئة، وهو ابن ثمان وثمانين سنة . وأمَّا إسماعيل فهو أبو عبدالله إسماعيل بن أبي خالد البَجَلِيُّ مولاهم، الكوفي، واسم أبي خالد هُرْمُزُ، وقيل: سعيد، وقيل: كَثِير. ١٥٣ رأى سلمةَ بن الأَكْوَعِ وأنس بن مالك، وسمع عبدالله بن أبي أَوْفى وعمرو بن حُريث وأبا كاهل قيس بن عائذ وأبا جُحيفة السُّوائي، وهم من أصحاب النَّبِيِّ وَّ، وخلائق من التَّابعين. وعنه شعبة، والسفيانان، وعبدالله بن المبارك، وكثيرون. قال سفيان: أعلم النَّاس ثلاثة: إسماعيل بن أبي خالد، وعبد الملك بن أبي سليمان، ومُحمَّد بن سعيد الأنصاري، وإسماعيل أَعلمُ النَّاس بالشَّعبي وأَبتُهم. وقال أحمد بن حنبل: أصحُّ النَّاس حديثاً عن الشَّعبي إسماعيل ابن أبي خالد. وقال العِجْلِي : تابعيٌّ ثقةٌ، رجلٌ صالحٌ. وقال مروان بن معاوية: كان يُسمَّى الميزان. وثناء القوم عليه كثير، وأخرج له السَِّّة. توفِّي سنة ست وأربعين ومئة . وبالجملة أومى مسلم - رحمه الله - بهذا الترتيب إلى أنَّ العِبرة بالوثوق والتَّقديم بحسب مرتبة الرَّاوي فيه، فإنَّ منصوراً لما كان أشهرَ من صاحبه في الحفظ والإتقان قدَّمه، مع أنَّه من أتباع التَّابعين، وما روی عن صحابي. وقدَّم الأعمش مع أنَّه ما رأى من الصَّحابة إلا أنساً وابن أبي أَوْفِى، وأخَّر إسماعيل مع أنَّه رأى جماعة منهم. ١٥٤ * قوله: (وَازَنْتَ) الرِّواية بالنُّون من الموازنة، وهي المقابلة. ويُروى بالياء من الموازاة، وهي المقابلة أيضاً والمواجهة، ومنه ما جاء في حديث صلاة الخوف: (فَوَازَيْنَا العَدُوَّ وَصَافَفْنَاهُمْ)، والأصل فيه الهمزة، يقال: آزَيْتُه: إذا حاذيته. * قوله: (ابْنَ عَوْنٍ) هو عبدالله بن عون بن أَرْطبان، مولی عبدالله ابن مُغفَّل المُزَني، وقيل: مولى عبدالله بن دُرَّة المُزَني، أبو عون البصري، أحد الأعلام. روى عن مجاهد، وإبراهيم، وأبي وائل، وسعيد بن جُبير، والشَّعبي، والحسن، وابن سيرين، وجماعة. وعنه شعبة، والثّوري، ویزید بن زُریع، وابن عُليّة، ویحیی بن سعید القطّان، وآخرون. قال عليُّ بن المَدِيني: جُمع له ما لم يُجمع لأحدٍ . سمع بمكة من عطاء ومجاهد، وبالمدينة من سالم والقاسم، وبالبصرة من الحسن وابن سيرين، وبالكوفة من الشّعبي وإبراهيم، وبالشَّام من رجاء بن حيوة ومكحول. وقال معاذ بن معاذ: [سمعت] هشام بن حسَّان يقول: حدَّثني من لم تر عيناي مثله، وأشار إلى ابن عون وهو جالس. وقال عبدالله بن المبارك: ما رأيتُ أحداً ذكر لي قبل أن ألقاه ثم لقيته إلا وهو على دون ما ذكر لي، إلا حَيْوَة بن عون، فلوددتُ أني ١٥٥ لزمته حتَّی أموت أو يموت. وقال عبد الرَّحمن بن مهدي: ما كان أحد بالعراق أعلم بالسُّنَّة من ابن عون. وقال قُرَّة بن خالد: كنّا نتعجب من ورع ابن سيرين، فأنساناه ابن عون . وبالجملة ثناء النَّاس عليه كثير، وأخرج له السِّتَّة. توفي سنة إحدى وخمسين ومئة. وأما أيوب فهو أبو بكر أيوب بن أبي تَمِيمة، كَيْسان السَّخْتِياني البصري، أحد الأعلام، رأى أنس بن مالك، وروى عن عمرو بن سَلَمةِ الجَرْمي، وأبي رجاء العُطَارِدي، وعبدالله بن شقيق، وسعيد بن جبير، والحسن، ومجاهد، والقاسم، وخلائق. وعنه ابن سيرين أحد شيوخه، وشعبة، والسفيانان، والحمّادان، وعبد الوارث، وآخرون. قال الحسن البصري: أيوب سيد شباب أهل البصرة. وقال هشام بن عروة: لم أر في البصرة مثل أيوب. وقال شعبة: حدَّثنا أيوب، وكان سيد الفقهاء. - وقال حمّاد بن زيد: أيوب أفضل مَنْ جالستُه، وأشد اتِّباعاً للسُّنَّة. وقال ابن عيينة: ما لقيت مثله في التَّابعين. ومناقبه كثيرة، وأخرج له السِّتَّة. ١٥٦ وإذا أُطلق أيوب في الكتاب فهو المراد، وإن كان مسلم أخرج عن أربعة أيوب غيره. توفي سنة إحدى وثلاثين ومئة، وإنّما قيل له السَّخْتِياني؛ لأنَّه كان يبيع الجلود بالبصرة. وأما عوف فهو أبو سهل عوف بن أبي جَمِيلة العبْدي البصري الأعرابي، وهو لم يكن أعرابياً، وإنَّما هذا لقبٌ له، واسم أبي جَمِيلة: زرینة، وقيل: بندویه. روى عوف عن أبي العالية، وأبي رجاء العُطَاردي، وأبي عثمان النَّهدي، والحسن، وابن سيرين، وجماعة. وعنه شعبة، وابن المبارك، ويحيى القطان، وآخرون. قال أبو حاتم: صدوق صالح. وقال النَّسائي: ثبْت ثقة. وبالجملة أثنى القوم عليه وقبلوا روايته، وأخرج له السَِّّة، وإنَّما نقموا عليه في المذهب، فيقال: قَدَري، وقيل: شيعي. وروى عمر بن علي المُقَدَّمِي قال: رأيت عبدالله بن المبارك يقول: ما رضي عوف ببدعة حتَّی کانت فيه بدعتین؛ كان قدرياً وكان شيعياً. قال أبو داود: مات سنة سبع وأربعين ومئة. وأما أشعث فهو أبو هانئ أشعث بن عبد الملك البصري، روى ١٥٧ عن الحسن وابن سيرين وبكر بن عبدالله وغيرهم. وعنه شعبة، وحماد بن زيد، ويحيى بن سعيد القطَّان، وجماعة . قال القطّان: أشعث بن عبد الملك ثقة. وقال ابن معين، عن يحيى بن سعيد: لم أدرك أحداً من أصحابنا هو أثبتُ عندي من أشعث بن عبد الملك. وقال أبو حُرَّة: كان الحسن البصري إذا رأى الأشعث قال: هات أبا هانئ ما عندك أنشر بزك، أي: هات مسائلك. وقال النَّسائي: ثقة وقال الدَّارَقُطْني: هم ثلاثة يحدِّثون عن الحسن البصري؛ أحدهم حُمْراني، منسوب إلى حُمْران مولى عفان، والثاني أشعث بن سَوَّار الكوفي التوابيتي، فيه كلام، والثالث أشعث بن عبدالله بن جابر الحَرَّاني البصري الأعمى، وهو ضعيفٌ. وبالجملة ثناء القوم على أشعث الحُمْراني المذكور في الكتاب كثير، ووثقوه وما نسبوا إليه بدعة، وأخرج له الأربعة والبخاري تعليقاً، ولم يخرج له مسلم، وإنَّما الواقع في الكتاب ثلاثة، وهم غير الأشعث الكندي الصحابي، وأشعث بن أبي الشَّعْشاء المحاربي، وأشعث بن سوَّار الكندي الكوفي. مات الحُمْراني سنة ست وأربعين ومئة. ١٥٨ * قوله: (إِلاَّ أَنَّ الْبَوْنَ بَيْنَهُمَا)، أي: أنَّ التفاوت بين ابن عون وأيوب، وبين عوف وأشعث بعيدٌ. وفي إيراد لفظتي الكمال والصّحة، وتنكير لفظتي الصِّدق والأمانة إشارةٌ إلى أنَّ الفصل والنَّقل يعمُّهم، وإنَّما التَّفاوت في الكمال والصِّحة، وأنهما غير مدفوعَين عن صدق وأمانة، ولكنَّهما مدفوعان عن كمال الصِّدق ووفور الأمانة. قوله: (وَإِنَّمَا مَثَّلْنَا هَؤُلاءِ فِي التَّسْمِيَةِ)، لما كان القول بأنَّ فلاناً أعدل من فلان، وفلان ثقة، وفلان ليس كذلك، صورته صورة الغِيبة المنهية شرعاً، وقد صحَّ عن رسول الله وَّهِ أَنَّه قال في الطَّيبين: ((لولا غِيبتهما لأعلمتكما أيُّهما أطبُّ)). أراد مسلم - رحمه الله - أن يبيِّن أنَّ هذا ليس من ذلك القبيل؛ لأَنَّ الضَّرورة دعت إلى بيان هذا، إذ التَّرجيح عند تعارض الأخبار يكون في الأغلب بحسب حال الرَّاوي، وأورد النَّصَّ من الكتاب والسنة، ونقل الآثار الكثيرة عن السَّلف وبيَّنه غاية البيان. ثمَّ ذكر بعد ذلك أن السَّلف إنَّما ألزموا أنفسهم الكشفَ عن معايبٍ رواة الحديث وناقلي الأخبار، وأفتَوا بذلك حين سئلوا لِمَا فيه من عظيم الحظّ، إذ الإخبار في أمور الدِّين إنَّما يأتي لتحليل أو تحريم أو أمر أو نهي أو ترغيب أو ترهيب، فإذا كان الرَّاوي لها ليس بمعدن للصِّدق والأمانة، ثمَّ أقدم على الرِّواية عنه من قد عرفه، ولم یبیِّن ١٥٩ ما فيه لغيره ممن جهل معرفته، كان آثماً بفعله ذلك، غاشاً لعوام المسلمين، فكلامه هذا يدلُّ على أنَّ البيانَ واجبٌ والمخلَّ به آثمٌ؛ لأنَّه بيانٌ في حال الضَّرورة. ثمَّ ذكر أنَّ المتصدي لنقل الأخبار الواهية، وترَكَ بيان ما فيها من الوهْن والضَّعف هو المُتَصَلِّف الذي غرضُه التّكثير بذلك عند العوامِّ وأقرانهم، أنَّه جمع من الأخبار ما لم يجمعه غيره، ومن كان غرضه هذا فلا نصيب له من العلم، وكان بأن يُسمَّى جاهلاً أولى من أن يُنسب إلى علمٍ . ولعمري إنَّ في بيان حال الرَّاوي، وترك إخراج الأخبار الواهية، وبيان ما فيها من الضَّعف = فوائدَ جمَّة، ومصالح كثيرة، وهذا ليس من الغِيبة في شيءٍ. وأمَّا ترك رسول الله وَ له بيان حال الطَّبيبين فلعدم الاحتياج إليه، إذا يجوز استرشاد الطَّيب الموثوق بعلمه، المرجوِ النَّفع بمداواته، وإن كان هناك أوسع علماً منه في الطُّب، ولا يجوز الأخذ برواية النَّاقص في العدالة بحال، فالفرق ظاهر . على أنَّ رسول الله بَّه قال فيمن استشاره في نكاحه ((إِنَّهُ صُعْلُوٌ))، وقال في الآخر: (إِنَّهُ لاَ يَضَعِ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِه))، ولا يُعدُّ ذلك غِيبةً، إذ الضَّرورة دعت إلى البيان لكونه مستشيراً، ولا شكَّ أنَّ الضَّرورة في باب الجرح والتَّعديل أكثرُ وأمسُّ، فالبيان ألزمُ، وكونه من باب الغيبة أبعد. ١٦٠