النص المفهرس

صفحات 41-60

البَابُ الَّنِي
في قواعد أرباب هذا الفن
واصطلاحاتهم
وهي إِمَّا أنْ تتعلَّق بحال الحديث، أو بحال الرواية، أو بحال
الراوي فأوردناها في ثلاثة أبحاث:
* الأول: فيما يتعلق بالحديث:
اعلم أنهم قسموا الحديث إلى ثلاثة أقسام وأكثر، والاختلاف
بالاعتبار.
قال أبو سليمانَ أحمدُ بن محمد بن إبراهيمَ الخطَّابي: الحديث
ثلاثة أقسام :
صحيح: وهو ما اتصل سنده، وعُدِّلت نقلته.
والحسن: ما عُرف مخرجُه، واشتهرت رجالُه، وعليه مدار أكثر
الحديث والمستعمل عند أكثر العلماء.
وسقيم: ويقال له: الضعيف أيضاً، وهو ما عُدم فيه شروط
الصحة والحسن، وهو أنواع:
شرُّها الموضوع، ثم المقلوب، ثم المجهول، ثم الشاذ، ثم
المنكر، ثم المعلِّل، ثم المضطرب، إلى غير ذلك.
٤١

ونُقُل عن أبي عيسى الترمذي التقسيمُ إلى ثلاثة أقسام، وتعريف
الصحيح على ما مرّ.
وقال: والحسن: ما ليس في إسناده من يُتهم، وليس بشاذ،
وروي من غير وجه، وهذا أعمُّ من تفسير الخطَّابي.
وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: الحسَن قسمان :
أحدهما: الذي لا يخلو إسناده من مستور لم تتحقق أهليته،
وليس كثيرَ الخطأ فيما يرويه، ولا ظهَرَ منه تعمُّدُ الكذب، ولا أمرٌ
مفسِّق، ويكون متن الحديث قد عرف بأن يُروى مثله، أو نحوُه من
وجه آخر.
والثاني: أن يكون رواته من المشهورين بالصدق والأمانة، ولم
يبلغوا درجة رجال الصحيح؛ لقصورهم في الحفظ والإتقان، إلا أنه
مرتفع عن حالٍ مَن بعُدَ تفرُّده منكراً.
وعلى الأول ينزل كلام الترمذي، وعلى الثاني كلام الخطابي.
ومراده: أن الحسَن يُطلق على معنيين: أعمَّ، وأخصَّ، فأراد
الترمذي الأول، والخطَّابي الثاني، وهو ما زاد على قيود القسم الأول
قيدَ الشهرة في الراوي، لا أنَّ كلام كل واحد منهما تفسيرٌ لقسم من
قسميه حتى يحتاج المقسم إلى تفسير آخر، وإن كان يسبق إلى الوهم
من ظاهر كلامه ذلك، فإنه ليس كذلك، فتدبر.
وبالجملة بحسب الراوي تتعدَّدُ الأقسام :
٤٢

فإنه إذا كان ثقة كاملاً في الشهرة، فالحديث صحيح.
وإذا كان مشهوراً ولكن لا يبلُغِ حدَّ الأول في الشهرة، والضبط،
والإتقان، فالحدیث حسن.
وإن لم تكن له شهرة ولا تهمة؛ فمنهم مَن سمَّاه حَسَناً أيضاً،
ومنهم من ألحقه بالضعيف، والمبهم ضعيف بلا خلاف.
وكذا يختلف أنواع الصحيح والحسنِ بحسب الراوي قوياً وأقوى،
ولهذا اختلف القوم في أصح الأسانيد:
فقال أحمد، وإسحاق: أصُّها: الزُّهرُّ، عن سالم، عن أبيه.
وقال أبو بكر بنُ أبي شيبةَ: الزُّهريُّ، عن علي بن الحسين، عن
أبيه، عن علي.
وقال البخاري: مالك، عن نافع، عن ابن عمر.
وقال ابن معين: الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن
مسعود.
وقال ابن المَدِيني: محمد بن سِيرين، عن عَبيدَةَ السَّلْماني، عن
علي.
وقال جمعٌ غیرَ ذلك.
والحَسَنُ أيضاً أنواعٌ مترتبة بعضها فوق بعض .
وأَمَّا جمعُ الترمذي الصحيحَ مع الحسنِ في حديث واحد في
((جامعه)) فذلك بالنظر إلى الإسناد، فإنه صحيح بإسناد حسنٍ آخر، أو
٤٣

يريد بالحسَن: المعنى اللغوي.
وقال أبو علي الغَسَّاني: الناقلون سبع طبقات: ثلاث مقبولة،
وثلاث متروكة، والسابعة مختلف فيها:
فالأولى: أئمة الحديث وحُفّاظهم، وهم الحُجة على مَن خالفهم،
ويُقبل انفرادهم.
الثانية: دونهم في الحفظ والضبط، والغالب على حديثهم
الصحةُ، وربما يقع في بعض رواياتهم وَهْمٌ أو غلطٌ.
والثالثة: قوم مالوا إلى بعض المذاهب الباطلة غيرَ غالين فيه،
ولا داعين إليه، وثبت صدقهم وقلَّ وهْمُهم.
فهذه الطبقات الثلاث احتمَل أهل الحديث الرواية عنهم، وعليها
يدور نقل الحديث بحسب المراتب.
والثلاث التي أسقطها أهل الحديث عن درجة الاعتبار:
الأولى: من وُسِمَ بالكذب وَوَضْعِ الحديث.
والثانية: طائفة غلت في البدعة، ودعت إليها، وحرَّفت الروايات،
وزادت فيها للاحتجاج بها .
والثالثة: من غلَب عليه الوهم والغلط.
والرابعة: المختلف فيها، قوم مجهولون انفردوا بروايات لم
يتابعوا عليها، فقبلهم قوم، وردّهم آخرون.
وقال الحاكم: الصحيح من الحديث عشرة أقسام؛ خمسة متفق
عليها، وخمسة مختلَف فيها :
٤٤

فالأول من المتفَق: اختيار البخاري، ومسلم، وفسَّره بما مر من
اشتراط الشهرة في الصحابي، والتثنية في الرواة، وقال: وهي الدرجة
الأعلى من الصحيح.
والثاني: مثل الأول إلا أن راويَه من الصحابة ليس له إلا رَاوٍ
وَاحدٌ .
والثالث: مثل الأول إلا أن راويَه من التابعين ليس له إلا راوٍ
واحد .
الرابع: الأحاديث الأفراد التي رواها الثقات العدول.
الخامس: جماعة من الأئمة عن آبائهم، عن أجدادهم، ولم يبلغ
التواترَ والشهرة كصحيفة عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، ورواية
بَهْزِ بن حَكيم، عن أبيه، عن جده، وإيَاس بن معاويةَ بن قُرَّةَ، عن
أبيه، عن جده.
قال الحاكم: فهذه الأقسام الخمسة مخرجة في كتب الأئمة
يُحتج بها، وإن لم يخرج منها في الصحيحين إلا القسمُ الأول.
وأما الخمسة المختلف فيها:
فمنها المرسَل، وأحاديث المدلِّسين إذا لم يذكروا سماعَهم، وما
أسنده ثقة، وأرسله جماعة من الثقات، ورواياتُ الثقات عن الحفاظ
العارفين، وروايات المبتدعة إذا كانوا صادقين، هذا كلامه.
وقد عرفتَ أن الاختلاف والتعدد في الأقسام بحسب الاعتبار،
٤٥

وأن مدار أمر الحديث على معرفة حال الراوي، ولأجل هذا نريد أن
نبيِّنُ حال جميع رجال هذا الكتاب، ورجال طرق أحاديث الكتاب
المخرجة في سائر الكتب الخمسة، فإنه] بهذا يُعرف القوي من
الضعيف، ويحصُل الترجيح عند التعارض.
وقد ◌ُقسم الحدیث باعتبار آخر إلی:
مسنَد: وهو ما اتصل سنده إلى رسول الله وَله .
منقطع: وهو ما انقطع سنده بأي طريق كان، ولمَّا كان الانقطاع
يكون بواحد أو أكثر، والمتروك في البَين صحابيٍّ أو غيره = عبَّر القوم
عن كل قسم بعبارة، فقالوا:
المرسَل: ما أخبر التابعي عن رسول الله وَّ، وشرَط بعضهم أن
يكون تابعیاً كبيراً.
والمعضَل - بفتح الضاد -: مَن سَقط مِن الإسناد رجلٌ أو أكثر،
وقد يُسمَّى إذا كان الساقط من أول الإسناد تعليقاً؛ تشبيهاً بتعليق
الجدار في قطع الاتصال، ولا يقال إذا كان الساقط في الوسط أو في
الآخر ذلك.
والمرفوع: ما أضيف إلى رسول وَّهِ خاصَّةً قولاً أو فعلاً أو
تقريراً، متصلاً كان، أو منقطِعاً، أو مرسلاً.
وقال الخطيب: هو ما أضافه الصحابيُّ. فخرَج مرسَل التابعي.
والموقوف: ما أضيف إلى الصحابة كذلك، ويُستعمل في
غیرهم مقيّداً، يقال: وقفه فلان على فلان مثلاً.
٤٦

والمقطوع: ما أضيف إلى تابعي، أو مَن هو دونه كذلك.
فهذا اصطلاح القوم في تخصيص الألفاظ.
وأما الواقع في الأصول من البحث في قَبول المرسَل، وعدم
قبوله، وسيجيء في ديباجة الكتاب نبّذ منه أيضاً = فالمراد به ضد
المسند، وتندرج تحته هذه الأقسام.
ثم ههنا کلام للقوم لابد من معرفته.
فنقول: إذا روى بعض الثقات الحديث متصلاً، وبعضُهم
مرسلاً، أو بعضهم مرفوعاً، وبعضهم موقوفاً، أو وصَله شخصٌ في
وقت، وأرسله في آخر = فالصحيح الذي عليه الفقهاء وأكثرُ أهل
الأصول والمحققون من أهل الحديث أنه يُحكم بالوصل، والرفع؛
لأنه زيادةُ ثقة، وهي مقبولة على ما سيجيء حكمه إن شاء الله تعالى.
ونقل الخطيب عن أكثر المحدِّثين أنه يُحكم بالإرسال، وهو
الأحوط.
وقيل: يؤخذ برواية الأحفظ.
وقيل: الأكثر.
وإذا قال الصحابي: أُمرنا بكذا، أو نُهينا عن كذا، أو من السنَّة
كذا، أو أُمر بلال أن يَشْفع الأذان، أو نحوَ ذلك من الألفاظ =
فالصحيح الذي عليه الجمهور أنَّه مرفوعٌ، سواء قال ذلك في حياة
رسول الله آل، أو بعده.
٤٧

وقيل: موقوف.
ونصَّ الإمام الشافعي تظُ في ((الأم)): بأن مثل ذلك مرفوع،
حيث قال في باب (عدد ما كفن الميت)، بعد ذكّر ابن عباس
والضَّّاك: أنَّ ابن عباس، والضخَّاك رجلين من أصحاب النبي ◌ِّ،
لا يقولان السنَّة إلا سنَّةَ رسول الله وَطِّ.
ونقل ابن داود من أصحاب الشافعي ظرائه في شرحه للمختصر:
أن الشافعي ظه رجع عن هذا، وقال: قد يُطلِقون السنّة ويريدون به
سنة البلد. والمشهور من مذهبه: هو الأول.
وإذا قال التابعي هذه الألفاظ، فالصحيح أنه موقوف.
وقيل: مرفوع موقوف، وهو شاذ.
وإذا قيل عند ذكر الصحابي: يرفعه أو يَنميه، أو يبلُغ به، أو
وإذا قال الراوي: عن التابعي يرفعه، أو يبلغ به، فمرفوع
و
رواية، فمرفوع بالاتفاق.
مرسل.
وإذا قال الصحابي: كنا نقول، أو نفعل، أو كانوا يقولون، أو
يفعلون كذا، أو لا يرون بأساً بكذا، إن لم يضفه إلى حياة رسول الله وَله
أو عهده، أو نحو ذلك = فموقوف.
وإن أضافه بأن قال: كنا، أو كانوا يفعلون في حياة رسول الله وَله،
أو عهدِه، أو هو فينا، أو بين أظْهُرِنا = فمرفوع على الصحيح.
وقيل : موقوف.
٤٨

وقيل: إن كان أمراً يظهر غالباً فمرفوع، وإلا فموقوف.
وقيل: إن كان الراويَ أبو بكر الصديق فمرفوع، وإن كان غيرُه
من الصحابة فموقوف، وهو غريب.
وأما قول التابعي: كانوا يقولون، أو يفعلون= فلا يدلّ على فعل
جميع الأمة، بل على البعض، فلا حجة فيه إلا أن يصرِّح بنقله عن
أهل الإجماع.
وهل يثبت الإجماع بخبر الواحد؟ فيه خلاف، والمشهور: أنه
لا يثبت به، ثم لا خلاف في حجية المرفوع.
وأما الموقوف فقد اختلف فيه، والمشهور من مذهب الشافعي
أنه ليس بحجة، فالقياس مقدّم عليه، ويجوز للتابعي مخالفته، وذهب
في القديم على أنه حجةٌ مقدَّمٌ على القياس، ولزم التابعيَّ وغيرَه العملُ
به، ولم يجز مخالفته.
وهل يخصُّ به العموم؟ فیه وجهان.
وأما إذا اختلفت الصحابة على قولين.
قيل: لم يَجز تقليد واحد من الفريقين بل يُطلب الدليل، وهو
المشهور من مذهب الشافعي
وقيل: دليلان تعارضا فرجح بكثرة العدد، وبوجود إمام في
أحدهما عند استواء العدد، وبوجود أحد الشيخين عند استواء العدد،
والأئمة.
هذا إذا لم ينتشر، أو انتشر وخولف، فإن لم يخالف فالمشهور
٤٩

أنه حجة، وإجماع.
وقیل عکسُه.
وقيل: إن کان فتوی فقيه فحجة، وإن کان حكمَ إمام، أو حاكم
فلا، وقيل بالعكس.
وقيل: حجة، ولیس بإجماع.
وقول التابعي إذا لم ينتشر، أو انتشر، وخولف، فليس بحجة بلا
خلاف.
وإن لم يخالَف، فهو مثل قول الصحابي من الأقوال المذكورة
فیه، وقيل: ليس بحجة.
وتفاصيل هذه الأبحاث في كتب الأصول.
ثمَّ قد يعرضُ في الأحاديث التعارض، فحكمه: أنه إن أمكن
الجمع يجمع بينهما، ويُحمل كلام الشارع على وجه يكون أعمّ فائدة،
فإن لم يكن، يُرجح بكثرة الرواة وقوتهم إن لم يُعلم نسخ، فإن عُلم
ھُیِّر إلیه.
وهو في اللغة يطلق على الإزالة، يقال: نسخت الشمسُ الظلَّ،
ونسخت الريحُ آثار القدم.
وعلى النقل يقال: نسختُ الكتاب، ونسخت النخل، ومنه
المناسخات في المواريث.
واختلف في أنه مشترَك بينهما، أو حقيقة في أحدهما، مَجاز في
الآخر.
٥٠

وفي الاصطلاح: رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر،
ويعرف ذلك بتصريح الشارع، وقول الصحابي. والتاريخ، وغير ذلك
مما ذكر في كتب الأصول، وسيجيء في كل حديث من أحاديث
الكتاب ما یلیق إن شاء الله تعالى.
ثمَّ أكثرُ الأبحاث السابقة تتعلق بمعرفة الصحابي، والتابعي.
واختلف القوم في التعريف، والصحيح: أنَّ الصَّحابيَّ: كلُّ
مسلمٍ رأى النبي ◌َّر. وهذا هو المنقول عن الإمام أحمد، والبخاري،
وعليه المحدثون، والمحققون من الفقهاء، وأهل الأصول.
والمراد من الرؤية: الحضور في مجلسه، فدخل فيه من حضر
مجلسه مسلماً وهو أعمى.
وأطلق بعضهم الرؤية ولم يقيِّد بفهم الرائي، فأدخل في الصّحابة
كلَّ مَنْ حَتَّكه رسول الله وَِّ، أو أُحضر بين يديه، وهو لا يعرف شيئاً
قط لغاية صغره.
وقيل: من رآه، وروى عنه.
وقيل: من رآه، وطالت صحبته.
وقيل: طالت صحبته، وعلمت روايته.
وقيل غير ذلك.
والتابعي: من رأى الصحابي وهو مسلم، وفيه الأقوال المذكورة
في الصّحابة.
٥١

* الثاني: ما يتعلق بالرواية لاختلاف بين العلماء في عدم جواز
نقل حديث رسول الله صل* بالمعنى لغير الخبير بالألفاظ ومواقعها،
غيرِ العارف بما يختلف به دلالتها:
ولا نزاعَ أيضاً في أولوية النقل بلفظه عليه السلام للخبير
العارف، وإنما الخلاف في جوازه له.
فعن محمد بن سيرين، وأبي بكر الرازي منعُه، ووجوب نقله
بصورته .
وروي عن مالك التشدد في مثل الباء، والتاء في نحو: بالله،
وتالله .
والصحیح المشهور عند الجمهور جوازه.
استدل المانع بقوله عليه السلام: ((نَضَّرَ اللهُ امْرَءاً سَمِعَ مِنَّا
حَدِيثً(١) فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ))، أخرجه
الترمذي عن ابن مسعود، وقال: حديث حسن صحيح.
وأخرجه هو، وابن حبان، والحاكم من حديث زيد بن ثابت، أنَّه
قال: سمعت رسول الله وَله يقول: ((نَضَّرَ اللهُ عَبْدَاً سَمِعَ مَقَالَتِي فَحَفِظَها
وَوَعَاهَا فَدَّاهَا إِلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا، فَرُبَّ حَامِلٍ فِقْهٍ غَيْرُ فَقِيهِ، وَرُبَّ
حَامِلٍ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ))، قال الترمذي: حديث حسن، وقال
الحاكم: على شرط الشيخين.
(١) في الأصل: ((شيئاً)).
٥٢

وبأن المقصود فهم المعنى، واستنباط الأحكام منه، والعلماء
متفاوتون في ذلك فلو جوّزوا النقل ونقل مرات ووقع في كلِّ مرة تغيير
ما = حصل بالتكرار تغيير كثير، واختلَّ المقصود بالكلية.
وأجيب عن الأول: بأنَّه دعاء للحافظ الراوي بصورته، وهو إنما
يدلّ على الأولوية ولا كلام فيه.
وتشديد مالك يُحمل عليه أيضاً، وبأنه في شأن غير العارف، ولا
كلام فيه، وبأنه يتناول الراويَ بالمعنى أيضاً إذا كان موافقاً للمقصود،
فإنَّ من نقل اللفظ بالمعنى الموافق لما سمع فقد أدَّاه كما سمعه،
ولذلك يقول المترجم: أذّيتُه كما سمعته.
وعن الثّاني: بأنَّ النِّراع في نقل العارف الخبير، لا في غيره،
والذي يحصل من نقلِه تغيير ليس بالعارف، واستدلَّ الجمهور بما وقع
في الأحاديث من الألفاظ المختلفة المتقاربة للمفهوم في قضية
واحدةٍ، وعدم إنكار أحد لذلك، وعدم تفرقة السَّلف بأنَّ هذا قول
النبي ◌ٍَّ، وهذا نقل بالمعنى، وقَبولهم الكل، وشيوعُ ذلك فيما بينهم
يدلُّ على أنه إجماع منهم على قَبوله، وقد جاء في بعض روايات
الصحابة التصريح بأنه نقل بالمعنى، حيث قالوا في بعض المواضع:
قال رسول الله صل# كذا، أو نحوه.
وأيضاً أُجمع على جواز تفسيره بالأعجمية، فتفسيره بالعربية
أولى بالجواز، فإنه أقرب نظماً، وأوفى بمقصود تلك اللغة من لغة
أخرى.
٥٣

وأيضاً العبرة للمعنى، ولا عبرة باللفظ، ثم الظاهر من كلام
القوم، ومن وجوه استدلالاتهم أنَّ الجواز منحصر في الصحابة وأَجِلَّةِ
التابعين العارفين بإيراد الألفاظ في مواقعها، فإن في المحافظة على
اللفظ المسموع حرجٌ، خصوصاً لمن لا يكتب منهم، وهو الأكثر
فيهم؛ ولهذا أجمعوا على عدم جواز النقل بالمعنى من المصنفات،
وإن كان الناقل عارفاً خبيراً، بل عليه محافظة اللفظ لعدم الجرح حتى
أنَّهم بالغوا في المحافظة على الأصل الذي يُروى عنه، وقالوا: إذا وقع
فيه لفظ غلطاً فلا يغيره في الكتاب، بل يكتب الصَّواب في الحاشية.
وقيل: يغيّره، ويصلحه، ورُوي ذلك عن الأوزاعي، وابن المبارك:
وعن عبدالله بن أحمد بن حنبل: كان أبي إذا مرَّ به لحنٌ فاحشٌ
غیّره، وإن کان سهلاً تركه.
وأما رواية مثل هذا، فالمختار أن يقول عند الرواية: كذا وقع،
والصواب كذا.
وعن الشيخ عز الدين بن عبد السلام: أنه لا تجوز روايته بواحدٍ
منهما، أما الصَّواب فلأنه لم يسمعه كذلك، وأما الخطأ فلأنه - عليه
السلام - لم يقله.
والمختار جوازه على الوجه الذي قلنا.
وأما الأصل الذي يعتمد عليه وتجوز الرواية منه فهو ما صُحِّح
وقوبل وحصل له الشهرة بأنه مصنَّفُ فلانٍ من أئمة الحديث، فلا
يجوز الاحتجاج بکلِّ حدیثٍ مكتوبٍ في أيِّ موضع کان من ظھر کتاب
٥٤

ونحوه، بل لا يجوز روايته وإسناده إلى النبي قل﴾.
وأما اتصال الإسناد من الراوي إلى مصنِّف الكتاب = فليس شرطَ
جواز الرواية عنه، وإنما هو أولى.
قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: إن الرواية بالأسانيد المتصلة
ليس المقصود بها في عصرنا و کثیر من الأعصار قبله إثبات ما يُروى،
إذ لا يخلو إسناد منها في الغالب عن شيخ لا يدري ما يرويه، ولا
يضبط ما في كتابه ضبطاً يصلح لأن يُعتمد عليه في ثبوته، وإنما
المقصود من إيراد الأسانيد إبقاءُ سلسلة الإسناد التي خُصَّت بها هذه
الأمة، وإذا كان كذلك فسبيل من أراد الاحتجاج بحديث من صحيح
مسلم وأشباهه أن ينقله من أصل مقابل، ليحصل له بذلك اشتهار هذه
الكتب، وبُعدها عن أن تُقصد بالتبديل والتحريف الوقوف بصحة ما
اتفقت عليه تلك الأصول، فقد تكثر تلك الأصول المقابل بها كثرةً
تنزل منزلة التواتر أو الاستفاضة. هذا حاصل كلامه.
وأما إبدال لفظة (الرسول) بلفظة (النبي)، فالصحيح المشهور
جوازه؛ لأنه لا يختلف به المعنى في الرواية، وإن كان مختلفاً بحسب
المفهوم اصطلاحاً.
وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: لا يجوز، وإن جازت الرواية
بالمعنى لاختلافه، والمختار الجواز.
وإذا روى الشيخ الحديث بإسنادين، وأراد الراوي الاقتصار على
أحدهما :
٥٥

فعن شعبة: منعه مطلقاً.
وعن الثوري: جوازه بشرط كون الراوي ضابطاً عارفاً.
وأما إذا ذَكَرَ الشيخ الإسناد، وبعض المتن، واقتصر على الباقي
بقوله: الحديث، وأراد الراوي أن يرويَ عنه الحديث بكماله، فالأَولى
أن يقتصر على ما سمعه من شيخه، ثم يقول: والحديث بطوله كذا، ثم
يسوقه، وإذا لم يفعل ذلك، ويسردُ الحديث من غير تنبيه، فالجمهور
على أنه يجوز للعارف، وعن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني منعه.
وأما تقديم بعض المتن على البعض، فإن اختلفت الدلالة به لم
يجز، وإلا جاز على الصحيح.
ولو قُدِّم المتن على الإسناد، أو ذكر بعض الإسناد مع المتن، ثم
ذكر باقي الإسناد حتى اتصل بما بدأ به، جاز، وهو سماعٌ متصلٌ، فلو
أراد من سمع هكذا أن يُقدِّم جميع الإسناد فالصحيح جوازه، ومنعه
بعضهم.
- وأما اختصار الحديث، والاقتصار على بعضه، فإن لم تختلف
الدلالة بالقطع بأن لا يكون المذكور مرتبطاً بالباقي، فالصحيح جوازه،
فإن اختلف، فمنعه.
- وأما تقطيع المُصَنِّف الحديثَ الواحد وتفريقُه على الأبواب فهو
أقرب إلى الجواز، وقد فعله جمع من الأئمة كمالك، والبخاري،
وغيرهما. وسيجيء في أوائل الديباجة نبذ من الكلام في ذلك إن شاء
الله تعالی.
٥٦

- وإذا درس بعض الإسناد، أو المتن من كتابٍ شخص، فله أن
يكتب ذلك من نسخة أخرى ويرويه في حال الرواية، فلا ينبِّه بأنه
ساقط من أصله مكتوب من نسخة أخرى، ولو نبه لكان أولى.
- وإن وجد في كتابه لفظة غير مضبوطة فأشكلت عليه، فعليه أن
يَسأل عنها أهل العلم، ولا يهجُم على الرواية من غير معرفته، نُقِلَ
ذلك عن أحمد وغيره.
وقال أحمد أيضاً: يجب إعراب اللحن؛ لأنَّهم كانوا لا يلحنون.
وقال النَّسائي: إن كان اللحن شيئاً تقوله العرب، وإن كان في
غير لغة قريش فلا يغيّر؛ لأنه عليه السلام كان يكلم الناس بلسانهم،
وإن كان لا يوجد في لسانهم فيغيَّر؛ لأن الشارع لا يلْحن.
وعن الأوزاعي : أنه يعطي کتابه إذا كان فيه لحن لمن يصلحه.
وقال الأصمعي: أَخْوَف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف
النحو أن يَدْخُلَ في قوله عليه السلام: ((مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ)) ... الحديث؛
لأنَّه عليه السّلام لم يكن يَلْحن، فمهما لحن الراوي فقد كذب عليه،
ولهذا قال العلماء: ينبغي للراوي أن يعرِف من النحو واللغة والأسماء
ما یَسلّم به مِن قولِ مالم يُقل، فإذا لم یکن له ذلك، فعليه تصحيح
كتابه، ومقابلته مع الثِّقات، وإعراب ما أَشكل منه، وسؤالُه منهم.
- وإذا كان الراوي عالماً بالقواعد، فله أن يُفرِّق بين الأحاديث
الأصول، والشواهد في حاشية كتابه ويقول: هذا الحديث من
الأصول، وهذا من المتابعات، والشواهد.
٥٧

وهل له أن يقول ذلك في روايته عن شيخه من غير سماعه منه بلا
تنبيه علیه، أم لا؟
فالمشهور جوازه إذا كان من أهل الاعتبار، وله التمييز والمعرفة.
وقيل: لا يجوز بدون التنبيه.
- وإذا كان لحديثٍ راويان فصاعداً تُسمى الرواية الثانية متابعة، مثل
أن يرويَ عن أيوبَ غيرُ حماد، أو عن ابن سيرينَ، أو عن النبي ◌َّ غِيرُ
أبي هريرة، والأقوى الأخير، ثمَّ ما فوقه على الترتيب.
والشاهد: أن يُروى حديثٌ آخرُ بمعناه، وتُسمّى المتابعة شاهداً
بدون عکس.
والاعتبار: هو النظر في هذا، وطلب المتابعة، والشاهد في
الأحاديث.
ويَدخُل في المتابعات بعضُ الضعفاء، ولا يصلُح لذلك كل
ضعيف، بل ما فيه نوعُ قوة.
وإنما أدخلوا الضعفاء فيها؛ لأن المدار على الأصول، والمتابعةُ
لأجل حصول زيادة قوة، ويكفي في ذلك ما فيه بعضُ قوة.
والحديث الذي لا متابعة له ولا شاهدَ يُسمَّى فرداً؛ وهو إن لم
یکن مخالفاً لحدیثٍ آخر يُحکم علیه بحسب راويه:
فإن كان متقِناً يكون الحديث صحيحاً.
وإن كان قريباً إليه يكون حسناً.
٥٨

وإن كان بعيداً عنه يكون مردوداً.
فإن كان مخالفاً فالنظر إلى حاله، وحال مخالفه، ويؤخذ القوي،
ويُترك الضعيف.
والتصريح بلفظة المتابعة كثير في البخاري، قليل في مسلم.
وإيراد المتابعات والشواهد في مَحلِّ واحدٍ على سَنن الترتيب
كثيرٌ في مسلمٍ، قليلٌ في البخاري، وسيجيء التنبيه على كلِّ ذلك،
وكيفية الترتيب في مواضعه إن شاء الله تعالى. هذا كلَّه يتعلق بكيفية
الرواية.
وأما الألفاظ الدالة عليها، فاعلم أنَّ رواية الراوي عن شيخه:
إمَّا بسماعه منه وَحْدَه، أو مع غيره.
وإمَّا بقراءته على شيخه كذلك.
وإمَّا بقراءة غيره على شيخه بحضوره.
وإمّا إجازة الشیخ له بروايته عنه.
وإمّا مناولته إياه كتاباً يروي عنه ما فيه.
وإِمَّا کتابته إليه بما يرويه.
فهذه أمور ستةٌ، والأوَّلان على قسمين؛ فتكون ثمانية، وأعلى
المراتب :
سماعُه من شيخه مطلقاً من غيرِ فرق بين أن يكون معه غيره أو
لا، وقيل: إن كان مع غيره فأقوى؛ لأنه يتظاهر بسماع غيره أيضاً.
٥٩

ثم قراءتُه على الشَّيخ.
ثم قراءة غيره على الشيخ بحضوره.
والرواية عند وجود واحد من هذه الثلاثة جائزة بالاتفاق، إلا ما
شذَّ من بعض الظاهرية في المنع في الآخرين، وانحصارِ الجواز على
الأول، وهو السماع من الشَّيخ: فإنَّه قولٌ مردودٌ لا يُعتدُّ به.
وأما التَّعبير عن الوجوه الثلاثة فرُوي عن المتقدِّمين من المحدِّثين
مثلِ الزُّهري، ومالك، وابن عُبَيْنَةَ، ويحيى القَطَّان، وجماعةٍ جوازُ:
حدَّثنا، وأخبرَنا، وأنبأَنًا، وسمعتُ، في الوجوه الثَّلاثة جميعاً.
قال الطّحاوي: لم يفرِّق القرآن بين الخبر والتحديث والإنباء.
قال: ﴿يَوْمَيِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤] وقال: ﴿قَدْ نَبَّأَنَا اُللَّهُ مِنْ
أَخْبَارِ كُمْ ﴾ [التوبة: ٩٤]. ولا السُّنَّةُ قال عليه السَّلام: ((أَلاَ أُخْبِرُكُمْ
بِخَيْرِ دُورِ الأَنْصَارِ؟)) وقال: ((أَخْبَرَنِي تَمِيمٌ الدَّارِيُّ))، وقال في حديث
وفد عبد القيس: ((وَأَخْبِرُوا بِهِ مَنْ ورءَاكم))، ونقل الحاكم أنه مذهب
الأئمة الأربعة.
وذهب جماعة إلى الجواز في السماع مطلقاً، وفي القراءة مقيّداً،
بأن يقول: حدَّثنا فلان قراءةً عليه، أو أخبرنا قراءة، وهو مذهب ابن
المبارك، ويحيى بن يحيى التَّميمي، وروي عن أحمدَ بنِ حنبل،
والمشهور من مذهب النسائي، وعليه أكثر المتكلمين.
وذهب بعض المحققين إلى تخصيص (حدَّثنا) بالسَّماع، إلا أن
٦٠