النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ كتاب: التفسير وَقَالُوا: حَبَّةٌ فِي شَعَرَةٍ)). ٧٤٤٠ - (٢) حدّثني عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرِ النَّاقِدُ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. (قَالَ عَبْدٌ: حَدَّثَنِي. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا) يَعْقُوبُ - يَعْنُونَ ابْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ - حَدَّثَنَا أَبِيٍ، عَنْ صَالِحِ - وَهُوَ ابْنُ كَيْسَانَ - عَنِ اِبْنِ شِهَابٍ. قَالَ: أَخْبَرَنَي أَنَسُ بْنُ مَالِكِ؛ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ تَابَعَ الْوَحْيَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ نَّهِ قَبْلَ وَفَاتِهِ. حَتَّى تُوُفِّيَ، وَأَكْثَرُ مَا كَانَ الْوَحْيُ يَوْمَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ. ٧٤٤١ - (٣) حدّثني أَبُو خَيْئَمَة، زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، (وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنَّى)، قَالاَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، (وَهُوَ ابْنُ مَهْدِيٍّ)، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ؛ قوله: (وقالوا: حبّة في شعرة) أي: بدلاً من أن يقولوا (حطّة) والمقصود من قولهم هذا أن (مطلوبنا حبّة حنطة في شعرة) وذلك أيضاً استهزاء منهم وعناد. ٢ - (٣٠١٦) - قوله: (أخبرني أنس بن مالك) هذا الحديث أخرجه البخاري في فضائل القرآن، باب كيف نزل الوحي وأول ما نزل (٤٩٨٢)، وأحمد في مسنده (٣: ٢٣٦). قوله: (تابع الوحي على رسول الله وَلي قبل وفاته) قال الحافظ في الفتح (٩: ٨): ((أي: أكثر إنزاله قرب وفاته وَل#، والسرّ في ذلك أن الوفود بعد فتح مكة كثروا، وكثر سؤالهم عن الأحكام، فكثر النزول بسبب ذلك. ووقع لي سبب تحديث أنس بذلك من رواية الدراوردي عن الإماميّ عن الزهريّ: (سألت أنس بن مالك: هل فتر الوحي عن النبيّ وَّ قبل أن يموت؟ قال: أكثر ما كان وأجمه). أورده ابن يونس في تاريخ مصر في ترجمة محمد بن سعيد بن أبي مريم)). قوله: (وأكثر ما كان الوحي يوم توفي رسول الله (وَ *) قال الأبيّ: ((لم أر من تكلم على هذا)) قلت: لعله وقع له الإشكال بلفظ (يوم توفي) فإنّه لم يرو أنه وَّ نزل عليه الوحي كثيراً يوم وفاته. والذي يظهر لي أن المراد من قوله (يوم توفّي) الزمان الذي توفّي فيه، وهو آخر أيام حياته، وليس خصوص ذلك اليوم الواحد. ويؤيده لفظ البخاري: ((تابع على رسول الله وَّل قبل وفاته حتى توفاه أكثر ما كان الوحي، ثم توفّ رسول الله (وَّر بعد)). ٣ - (٣٠١٧) - قوله: (عن طارق بن شهاب) هو ممن رأى النبيّ وَّ ولم يسمع منه شيئاً، وروى عنه وَ لّ مرسلاً، وعن الخلفاء الأربعة وغيرهم من الصحابة، وكان من ثقات أصحاب عبد الله بن مسعود رضيَّها، مات (سنة ٨٢هـ، أو ٨٣هـ، أو ٨٤هـ). كذا في التهذيب (٥: ٤). وحديثه هذا أخرجه البخاري في الإيمان، باب زيادة الإيمان ونقصانه (٤٥)، وفي المغازي، باب حجة الوداع (٤٤٠٧)، وفي تفسير سورة المائدة، باب ﴿ اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ٤٢٢ الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا لِعُمَرَ: إِنَّكُمْ تَقْرَؤُونَ آيَةٌ. لَوْ أُنْزِلَتْ فِينَا لاَتَّخَذْنَا ذُلِكَ الْيَوْمَ عِيداً. فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي لأَعْلَمُ حَيْثُ أُنْزِلَتْ. وَأَيَّ يَوْمٍ أُنْزِلَتْ. وَأَيْنَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ حَيْثُ أُنْزِلَتْ. أُنْزِلَتْ بِعَرَفَةَ. وَرَسُولُ اللَّهِ بِهِ وَاقِفٌ بِعَرَفَةٌ. قَالَ سُفْيَانُ: أَشْكُّ كَانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ أَمْ لاَ. يَعْنِي: ﴿ اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَنْمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى﴾ [المائدة: ٣]. ٧٤٤٢ - (٤) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، (وَاللَّفْظُ لأَبِي بَكْرٍ)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِذْرِيسَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، قَالَ: قَالَتِ الْيَهُودُ لِعُمَرَ: لَوْ عَلَيْنَا، مَعْشَرَ يَهُودَ،َ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَّكُمْ دِينَكُمْ وَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] نَعْلَمُ الَيْوِمَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ، لاَتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيداً. قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: فَقَدْ عَلِمْتُ الْيَوْمَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ. وَالسَّاعَةَ. وَأَيْنَ رَسُولُ اللَّهِ بِ ◌ّهِ حِينَ نَزَلَتْ. نَزَلَتْ لَيْلَةَ جَمْعٍ. وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ بِعَرَفَاتٍ. ٧٤٤٣ - (٥) وحدّثني عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ. أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَيْسٍ، عَنْ قَيْسٍ بْنِ مُسْلِم، عَنْ طَارِقٍ بْنِ شِهَابٍ. قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى عُمَرَ. فَقَالُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَؤُونَهَا. لَوْ عَلَيْنَا نَزَلَتْ، مَعْشَرَ الْيَهُودِ، لاَتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيداً. قَالَ: وَأَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿اَلْيَوْمَ أَكَمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَغْتَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ اُلْإِسْلَمَ دِينً﴾ [المائدة: ٣]. فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي لأَعْلَمُ الْيَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ. وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ. نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَيهِ بِعَرَفَاتٍ. فِي يَوْمٍ جُمُعَةٍ. (٤٦٠٦)، وفي الاعتصام بالكتاب والسنّة (٧٢٦٨). وأخرجه الترمذي في تفسير سورة المائدة (٣٠٤٣)، والنسائي في الإيمان، باب زيادة الإيمان (٥٠١٢)، وفي الحج، باب ما ذكر في يوم عرفة (٣٠٠٢)، وفي السنن الكبرى (٦: ٣٣٢) وأحمد في مسنده (١: ٢٨ و٣٩). قوله: (أن اليهود قالوا لعمر) وقد وقع في رواية قبيصة بن ذؤيب عند مسدّد والطبري والطبراني في الأوسط أن القائل هو كعب الأخبار، ولعله معه رجال آخرون من اليهود وقت هذا السؤال، ذكره الحافظ في الفتح (١: ١٠٥). قوله: (إنّي لأعلم حيث أنزلت) إلخ: ويتضح مطابقة هذا الجواب للسؤال برواية قبيصة المذكورة، ولفظها: ((نزلت يوم جمعة ويوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد)) وكذا وقع عند الترمذي من حديث ابن عباس: أن يهودياً سأله عن ذلك فقال: نزلت في يوم عيدين: يوم جمعة ويوم عرفة)) قال الحافظ: ((فظهر أن الجواب تضمن أنهم اتخذوا ذلك اليوم عيداً، وهو يوم الجمعة، واتخذوا يوم عرفة عيداً لأنه ليلة العيد)). ٤٢٣ كتاب: التفسير ٧٤٤٤ _ (٦) حدّثني أَبُو الظَّاهِرِ، أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيِيُّ، (قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ حَرْمَلَةُ: أَخْبَرَنَا) ابْنُ وَهْبٍ.ٌ أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِ اللّهِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِ الْيَى فَأَنْكِحُوْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ مَثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعٌ﴾ [النساء: ٣] قَالَتْ: يَا بْنَ أُخْتِي، هِيَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرٍ وَلِيِّهَا. تُشَارِكُهُ فِي مَالِهِ. فَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا. فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ ٦ - (٣٠١٨) - قوله: (سأل عائشة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الشركة، باب شركة اليتيم وأهل الميراث (٢٤٩٤)، وفي الوصايا، باب قول الله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ الْيَمَّ أَمْوَهُمْ﴾ (٢٧٦٣)، وفي تفسير سورة النساء، باب ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِ اَلْيَ﴾ (٤٥٧٣ و٤٥٧٤)، وباب ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى الْنِسَاءِ﴾ (٤٦٠٠)، وفي النكاح، باب الترغيب في النكاح لقوله تعالى ﴿فَأَنْكِحُوْ مَا طَابَ لَكُمْ﴾ إلخ (٥٠٦٤)، وباب الأكفاء في المال وتزوج المقلّ المثرية (٥٠٩٢)، وباب لا يتزوج أكثر من أربع لقوله تعالى: ﴿مَثْنَ وَثُلَكَ وَرُبَعٌ﴾ (٥٠٩٨)، وباب من قال: لا نكاح إلا بوليّ (٥١٢٨)، وباب إذا كان الوليّ هو الخاطب (٥١٣١)، وباب تزويج اليتيمة لقول الله تعالى ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّ نُقْسِطُواْ فِ اَلْيَ فَأَنْكِحُواْ﴾ (٥١٤٠)، وفي الحيل، باب ما ينهى عن الاحتيال للولي في اليتيمة المرغوبة (٦٩٦٥)، وأخرجه أبو داود في النكاح، باب ما يكره أن يجمع بينهن من النساء (٢٠٦٨)، والنسائي في النكاح، باب القسط في الأصدقة (٣٣٤٦)، وفي سننه الكبرى (٦: ٣١٩)، والدارقطني في سننه (٣: ٢٦٥)، وابن حبان في صحيحه، كما في ترتيبه لابن بلبان (٦: ١٥٠). قوله: (هي اليتيمة تكون في حجر وليّها) إلخ: حاصل كلام عائشة رضيُنا أن من ولي يتيمة من أبناء أعمامها كان يظلمها في الجاهلية من ناحيتين، فإن كانت اليتيمة ذات مال وجمال رغب في أن يتزوجها بنفسه دون أن يعطيها صداق مثلها، فكان ينكحها بأقلّ من مهر المثل. فأمره الله سبحانه وتعالى أن لا يتزوجها في هذه الحالة بل يتزوج غيرها ممن أحلّ الله له بما شاء من المهر، لئلا يبخس اليتيمة حقّها في المهر. وهذا هو المراد من قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُوا فِى الْيَى فَأَنْكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ اُلْنِسَآءِ﴾ . وأمّا إذا كانت اليتيمة قليلة الجمال، ولها مال، فلا يتزوجها الوليّ لعدم رغبته في جمالها، ولا يزوّجها أحداً آخر خشية أن يذهب الزوج بمالها، فيمسكها عنده غير متزوجة، ولا يخفى ما في ذلك من الظلم عليها، فنهاه الله سبحانه وتعالى من هذا الظّلم، وأمره بأحد الأمرين، إمّا أن يتزوجها بنفسه على مهر مثلها، وإمّا أن يُنكحها غيره. وهذا هو المراد من قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِ الْكِتَبِ فِ يَتَمَى الْنِسَاءِ أَّتِى لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء، آية: ١٢٧]. وقال الآلوسي في روح المعاني (٥: ١٩٠): في تفسير قوله تعالى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ﴾: أي: في أن تنكحوهنّ، أو عن أن تنكحوهنّ، فإن أولياء اليتامى - كما ٠ ٤٢٤ الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقِهَا. فَيُعْطِيَهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ. فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يُقْسِطُوا لَّهُنَّ. وَيَبْلُغُوا بِهِنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ مِنَ الصَّدَاقِ. وَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ، سِوَاهُنَّ. قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتَ عَائِشَةُ: ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ اِسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ، بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ، فِيهِنَّ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِىِ النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُقْنِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَ عَلَيْكُمْ فِى اُلْكِتَبِ فِ يَتَمَىَ الذِّسَاءِ الَّتِ لَّا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]. قَالَتْ: وَالَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى؛ أَنَهُ يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ، الْآيَةُ الأُولَى الَّتِي قَالَ اللَّهُ فِيهَا: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِ آلِنَ فَتْكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ﴾ [النساء: ٣]. قَالَتْ عَائِشَةُ: وَقَوْلُ اللَّهِ فِي الْآيَةِ الأُخْرَى: ﴿وَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]، رَغْبَةَ أَحَدِكُمْ عَنِ الْيَتِيمَةِ الَّتِي تَكُونُ فِي حَجْرِهِ، حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ الْمَالِ وَالْجَمَالِ. فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا رَغِبُوا فِي مَالِهَا وَجَمَالِهَا مِنْ يَتَامَى النِّسَاءِ إِلاَّ بِالْقِسْطِ. مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ. ورد في غير خبر - كانوا يرغبون فيهنّ إن كنّ جميلات ويأكلون مالهنّ، وإلا كانوا يعضلوهنّ طمعاً في ميراثهنّ. وحذف الجارّ هنا لا يُعدّ لبساً، بل إجمال، فكل من الحرفين مراد على سبيل البدل)). قوله: (فنهوا أن ينكحوهنّ) هذا صريح في أن جزاء الشرط في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِي الْيَكَ﴾، محذوف، وهو (فلا تنكحوهنّ) فاندحض به ما تمسك به بعض الكتّاب المعاصرين على أن إباحة النكاح بأكثر من امرأة واحدة مشروط بأن يخشى عدم الإقساط في اليتامى. فزعموا أن تعدد الأزواج إنما يباح إذا كان في المجتمع عدد كبير من اليتامى زاد على عدد الرجال، ولا يباح ذلك في الأحوال العاديّة. ولا يخفى بطلان هذا الزعم بالنّظر إلى أسلوب هذه الآية الكريمة، ولا سيّما في ضوء تفسير سيدتنا عائشة ؤها. وقد يسطت الكلام في إبطال هذا الزعم في كتابي باللغة الأردية (همار عائلى مسائل). قوله: (ويبلغوا بهنّ أعلى سنّتهنّ) أي: أعلى عادتهنّ في المهور، والمقصود أن يفرضوا لهنّ من المهر ما يبلغ أعلى مهر أمثالها من النساء. قوله: (من أجل رغبتهم عنهنّ) أي: في حالة كونها قليلة المال والجمال. والمقصود أنهم كما لا يتزوجونها إن كانت قليلة المال والجمال، فكذلك ينبغي أن لا يتزوجوها إن كانت جميلة إذا لم يكن عندهم ما يعطونها من مهر مثلها، ففي الكلام حذف، ويوضحه ما أخرجه البخاري في النكاح، باب الأكفاء في المال رقم (٥٠٩٢) ولفظه: «قالت: فكما يتركونها حين يرغبون عنها، فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها إلا أن يسقطوا لها ويعطوها حقها الأوفى من الصداق)). ٤٢٥ كتاب: التفسير ٧٤٤٥ - (٠٠٠) وحدّثنا الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. جَمِيعاً عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ. حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ؛ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةً عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِىَ الْيَى﴾ [النساء: ٣]، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلٍ حَدِيثٍ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ، إِذَا كُنَّ قَلِيلاَتِ الْمَالِ وَالْجَمَالِ . ٧٤٤٦ _ (٧) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةً. حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُوا فِ اَلْيَ﴾ [النساء: ٣]. قَالَتْ: أَنْزِلَتْ فِي الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ الْيَتِيمَةُ وَهُوَ وَلِيُّهَا وَوَارِثُهَا. وَلَهَا مَالٌ. وَلَيْسَ لَهَا أَحَدٌ يُخَاصِمُ دُونَهَا. فَلاَ يُنْكِحُهَا لِمَالِهَا. فَيَضُرُّ بِهَا وَيُسِيءُ صُحْبَتَهَا. فَقَالَ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِ الْيَى فَأَنْكِحُوْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]. يَقُولُ: مَا أَحْلَلْتُ لَكُمْ. وَدَعْ هَذِهِ الَّتِي تَضُرُّ بِهَا. ٧٤٤٧ - (٨) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِى الْكِتَبِ فِ يَتَمَى اُلِنِّسَاءِ أَّتِى لَا تُؤَثُونَهُنَ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]. قَالَتْ: أُنْزِلَتْ فِي الْيَتِيمَةِ. تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ فَتَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ. فَيَرْغَبُ عَنْهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا. وَيَكْرَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا غَيْرَهُ. فَيَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ، فَيَعْضِلُهَا فَلاَ يَتَزَوَّجُهَا وَلاَ يُزَوِّجُهَا غَيْرَهُ. ٧٤٤٨ - (٩) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ٧ - (٠٠٠) - قوله: (فيضُرّ بها) أي: بعد تزوجها بنفسه، بأن لا يعطيها مهر مثلها. وضرَّ وأضرّ كلاهما بمعنى. ٨ - (٠٠٠) - قوله: (فتشركه) بفتح الراء، أي: تشاركه، فإن وليّ اليتيمة له أن يأكل من مالها بالمعروف. أو المراد أنها تشاركه في ماله حقيقة، فيخاف إن زوجّها أحداً أنه يتضرر بشركتها في ماله بسبب زوجها . قوله: (فيرغب عنها أن يتزوجها) أي: لقلة جمالها. قوله: (فيشركه في ماله) لأن اليتيمة إذا تزوجت غير وليّها انقطع حق الوليّ من مالها، وصار الزوج أحقّ بها، فكأنه اقتطع نصيباً من مال الوليّ، وإلا فلا شركة له في مال الوليّ حقيقة. أو المراد أن اليتيمة كانت شريكة في ماله حقيقة، فيقوم زوجها بالإشراف على نصيبها، فكأنه شارك الوليّ في ماله . ٤٢٦ الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم عَائِشَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِىِ اٌلِسَاءِ قُلِ اللّهُ يُقْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]. الآيَةَ. قَالَتْ: هِيَ الْيَتِيمَةُ الَّتِي تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ. لَعَلَّهَا أَنْ تَكُونَ قَدْ شَرِكَتْهُ فِي مَالِهِ. حَتَّى فِي الْعَذْقِ. فَرْغَبُ، يَعْنِي، أَنْ يَنْكِحَهَا. وَيَكْرَهُ أَنْ يُنْكِحَهَا رَجُلاً فَيَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ. فَيَعْضِلُهَا . ٧٤٤٩ - (١٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَام، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَن كَانَ فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلُ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] قَالَتْ: أُنْزِلَتْ فِي وَالِي مَالِ الْيَتِيمِ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ وَيُصْلِحُهُ. إِذَا كَانَ مُحْتَاجاً أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ. قوله: (فيعضلها) بكسر الضاد وضمها، وعضل الرّجل امرأة: إذا منعها من التزوج ظلماً. ٩ - (٠٠٠) - قوله: (حتى في العذق) بفتح العين وسكون الذال. وهو النخلة. ١٠ - (٣٠١٩) - قوله: (عن عائشة) هذا الحديث أخرجه البخاري في البيوع، باب من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم (٢٢١٢)، وفي الوصايا، باب وما للوصي أن يعمل في مال اليتيم وما يأكل منه بقدر عمالته (٢٧٦٥)، وفي تفسير سورة النساء، باب ﴿وَمَن كَانَ فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلُ بِالْمَعْرُوفِّ﴾ (٤٥٧٥). قوله: (إذا كان محتاجاً أن يأكل منه) والمسألة خلافيّة وفيها أقوال: ١ - يجوز لوليّ اليتيم أن يأخذ من ماله قدر عمالته، وهو قول عائشة وعكرمة والحسن، وهو رواية عن ابن عباس . ٢ - لا يجوز له أن يأكل من مال اليتيم إلا عند الحاجة، فيصير كالنفقة التي يحتاج إليها، وهو مروي عن الحسن وإبراهيم وعطاء ومكحول. ٣ - لا يجوز له أن يأكل من مال اليتيم على كونه أجرة أو نفقة، وإنما يجوز أن يأخذ منه مالاً على سبيل القرض، ثم يقضيه عند اليسار، وهو مروي عن عمر وعبيدة السلماني وسعيد بن جبير ومجاهد وغيرهم. ٤ - إن كان المال ذهباً أو فضة، لم يجز أن يأخذ منه شيئاً إلا على سبيل القرض، وإن كان غير ذلك جاز بقدر الحاجة. وهو أصح الأقوال عن ابن عباس، وبه قال الشعبي وأبو العالية . ٥ - إنه يأخذ أقلّ القدرين من أجرته ونفقته، وهو مذهب الشافعيّ رحمه الله وإن هذه الأقوال ملخصة من أحكام القرآن للجصّاص (٢: ٦٤)، وفتح الباري (٥: ٣٩٢). وذكر الجصّاص أن مذهب الحنفية أنه لا يأخذه قرضاً ولا غيره، غنياً كان أو فقيراً، ولا يقرضه غيره أيضاً، وتأول في الآية بقوله: «قال الله تعالى: ﴿تَأْكُوهَا إِسْرَافًا وَيِدَارًا أَنْ يَكْبَرُواْ﴾ [النساء، آية: ٢]. وقال تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَقِيمِ إِلَّا بِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام، آية: ٤٢٧ كتاب: التفسير ٧٤٥٠ - (١١) وحدّثناه أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلُ بِالْمَعْرُوفِّ﴾ [النساء: ٦] قَالَتْ: أُنْزِلَتْ فِي وَلِيِّ الْيَتِيمِ، أَنْ يُصِيبَ مِنْ مَالِهِ، إِذَا كَانَ مُحْتَاجاً، بِقَدْرِ مَالِهِ، بِالْمَعْرُوفِ. ٧٤٥١ - (٠٠٠) وحدّثناه أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. ٧٤٥٢ - (١٢) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِذْ جَآءُوكُمْ مِّنِ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ اُلْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠] قَالَتْ: كَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ. ١٥٢] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اَلْيَتَمَّ خُلْمًا﴾ [النساء، آية: ١٠] إلخ ... وهذه الآية محكمة حاظرة لمال اليتيم على وليه في حال الغنى والفقر. وقوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء، آية: ٦] متشابه محتمل للوجوه التي ذكرنا. فأولى الأشياء بها حملها على موافقة الآي المحكمة، وهو أن يأكل من مال نفسه بالمعروف، لئلا يحتاج إلى مال اليتيم، لأن الله تعالى قد أمرنا بردّ المتاشبه إلى المحكم)). ولا يخفى أن ما تأول به الجصّاص هذه الآية بعيد جداً، وإن جواز أكل الوليّ لا يتعارض مع الآيات التي سردها، لأنّها إنما تمنع الأكل من مال اليتيم بغير حقّ، أما أكل الوليّ منه بقدر عمله أو نفقته فليس من الأكل بالباطل في شيء. ولعلّ أقوى الأقوال في ذلك أنه يجوز له أن يأخذ بقدر نفقته إذا كان محتاجاً، ولهذا أمر بالاستعفاف عند الغنى، ولو كان الأكل على طريق الأجرة لم يكن هناك فرق بين الغنيّ والفقير. وعلى هذا مشى شيخ مشايخنا التهانويّ رحمه الله في بيان القرآن، ووالدي العلامة المفتي محمد شفيع رحمه الله في معارف القرآن، وهو مؤيد بما أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: (جاء رجل إلى النبيّ ◌َّه فقال: إن عندي يتيماً له مال، وليس عندي شيء، أفآكل من ماله؟ قال: بالمعروف)) ذكره الحافظ في الفتح (٨: ٢٤١) وقال: إسناده قويّ، والله سبحانه أعلم. ١١ - (٠٠٠) - قوله: (بقدر ماله) لعلّ مراده أنه يأكل بقدر ما كان يأكل لو كان له مال قليل في حالة الفقر، فلا يتجاوز ذلك القدر، والله أعلم. ١٢ - (٣٠٢٠) - قوله: (عن عائشة في قوله عزّ وجلّ: ﴿إِذْ جَآءُوكُمْ﴾) إلخ: هذا الحديث أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة الخندق، وهي الأحزاب (٤١٠٣). قوله: (﴿إِذْ جَآءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب، آية: ١٠]) أخرج ابن مردويه عن ابن عباس ظيًا أن الذي جاءهم من فوقهم عيينة بن حصن، والذي جاءهم من أسفلهم أبو سفيان بن ٤٢٨ الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٧٤٥٣ - (١٣) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: ﴿وَإِنِ أَمْرَءُ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨]. الآيَةَ. قَالَتْ: أُنْزِلَتْ فِي الْمَرْأَةِ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ. فَتَطُولُ صُحْبَتُهَا. فَيُرِيدُ طَلاَقَهَا. فَتَقُولُ: لاَ تُطَلِّقْنِي، وَأَمْسِكْنِي، وَأَنْتَ فِي حِلِّ مِنِّي. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. ٧٤٥٤ - (١٤) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةُ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨]. قَالَتْ: نَزَلَتْ فِي الْمَرْأَةِ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ. فَلَعَلَّهُ أَنْ لاَ يَسْتَكْثِرَ مِنْهَا، وَتَكُونُ لَهَا صُحْبَةٌ وَوَلَدٌ. فَتَكْرَهُ أَنْ يُفَارِقَهَا فَتَقُولُ لَهُ: أَنْتَ فِي حِلِّ مِنْ شَأْنِي. ٧٤٥٥ - (١٥) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أُخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، حرب، وذكر ابن إسحاق أن الذين جاؤوهم من فوقهم بنو قريظة، ومن أسفل منهم قريش وغطفان. ذكره الحافظ في الفتح (٨: ٤٠٠) ولا منافاة بين القولين، فإن عيينة بن حصن كان مع بني قريظة، وأبا سفيان مع قريش وغطفان. قوله: (عن عائشة: ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةُ خَافَتْ﴾) إلخ: هذا الحديث أخرجه البخاري في المظالم، باب إذا حلّله من ظلمه فلا رجوع فيه (٢٤٥٠)، وفي الصلح، باب قول الله تعالى: ﴿أَنْ يُصْلِحَا بَيَهُمَا صُلْعَأْ وَالضُّلْحُ خَيْرٌ﴾، (٦٢٩٤)، وفي تفسير سورة النساء، باب ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةُ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ إلخ (٤٦٠١)، وفي النكاح، باب لا تطيع المرأة زوجها في معصية (٥٢٠٦). وأخرجه أبو داود في النكاح، باب في القسم بين النساء (٢١٣٥)، والنسائي في السنن الكبرى (٦ : ٣٢٩). قوله: (نشوزاً أو إعراضاً) فسّر ابن عباس النشوز هنا بالبغض، أخرجه ابن أبي حاتم. وهو في أصل اللغة بمعنى الارتفاع. قال أبو إسحاق: النشوز يكون بين الزوجين، وهو كراهة كل واحد منهما صاحبه، واشتقاقه من النَّشَزِ، وهو ما ارتفع من الأرض. ونشزت المرأة بزوجها وعلى زوجها، تَنْشِزُ (بكسر الشين) وتنشُز (بضمها) نشوزاً، وهي ناشز: ارتفعت عليه واستعصت عليه وأبغضته وخرجت عن طاعته وفركته ... ونشز هو عليها نشوزاً كذلك، وضربها وجفاها وأضرّ بها. كذا في لسان العرب (١٤ : ١٤٣). قوله: (وأنت في حِلِّ منّي) أي: أحِلُّ لك أن لا تقسم لي في نوبتي، وأتنازل عن حقّي في القسم. وقد أخرج الترمذي وأبو داود وغيرهما ما يدلّ على أن النبيّ وَّ أراد أن يطلّق سودة ◌ُنا، فوهبت نوبتها لعائشة ◌َؤُها، فنزلت هذه الآية. وقد أشبعنا الكلام على هذه القصة في كتاب الرضاع، باب جواز هبتها نوبتها لضرتها، والحمد لله تعالى. ٤٢٩ كتاب: التفسير عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَتْ لِي عَائِشَةُ: يَا بْنَ أُخْتِي، أُمِرُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ وَّهُ . فَسَبُّوهُمْ. ٧٤٥٦ - (٠٠٠) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ. ٧٤٥٧ - (١٦) حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذِ الْعَنْبَرِي. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] فَرَحَلْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَسَأَلْتُهُ عَنْهَا، فَقَالَ: لَقَدْ أُنْزِلَتْ آخِرَ مَا أُنْزِلَ. ثُمَّ مَا نَسَخَهَا شَيْءٌ. ١٤ - (٠٠٠) - قوله: (فلعلّه أن لا يستكثر منها) أي: لا يكثر حبّه إيّاها وإعجابه بها. ١٥ - (٣٠٢٢) - قوله: (عن أبيه قال: قالت لي عائشة) هذا الحديث من أفراد مسلم، لم يخرجه غيره من الأئمة الستة. قوله: (أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبيّ وَّة) قال النووي: «قال القاضي: الظاهر أنها قالت هذا عند ما سمعت أهل مصر يقولون في عثمان ما قالوا، وأهل الشام في عليّ ما قالوا، والحرورية في الجميع ما قالوا. وأما الأمر بالاستغفار الذي أشارت إليه، فهو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَءُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَيِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِآلْإِيمَنِ﴾، وبهذا احتج مالك في أنه لا حقّ في الفيء لمن سبّ الصحابة ◌ِّ، لأن الله تعالى إنما جعله لمن جاء بعدهم ممن يستغفر لهم، والله أعلم. ١٦ - (٣٠٢٣) - قوله: (عن سعيد بن جبير) هذا الحديث أخرجه البخاري في مناقب الأنصار، باب ما لقي النبيّ ◌َلر وأصحابه من المشركين بمكة (٣٨٥٥)، وفي تفسير سورة النساء، باب ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمٌ﴾ (٤٥٩٠). وفي تفسير سورة الفرقان، باب ﴿وَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾ (٤٧٦٢ و٤٧٦٣ و٤٧٦٤)، وباب ﴿يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً﴾ (٤٧٦٥)، وباب ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَلِحًا فَأُوْلَكَ يُدِّلُ اللَّهُ سَبِّئَاتِهِمْ حَسَنَتْ﴾ (٤٧٦٦)، وأخرجه أبو داود في الفتن، باب في تعظيم قتل المؤمن (٤٢٧٣ إلى ٤٢٧٥)، والنسائي في تحريم الدم، باب تعظيم الدّم (٤٤٠١ و ٤٤٠٢). قوله: (اختلف أهل الكوفة في هذه الآية) يعني: اختلفوا: هل تقبل توبة القاتل المتعمّد؟ قوله: (لقد أنزلت آخر ما أنزل) أي: في هذا الباب، وليس المراد أنه آخر ما نزل من القرآن الكريم، ولذلك أعقبه بقوله: ((ثمّ ما نسخها شيءٍ)). ٤٣٠ الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم اختلاف العلماء في توبة القاتل: وحاصل قول ابن عباس رضيّا أن قاتل المؤمن متعمداً يخلّد في النار ولا توبة له، أما آية سورة الفرقان: ﴿وَلَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِىِ حَرَّمَ اَللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ التي لحقها قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَلِحًا﴾ إلخ مما يدل على قبول توبة القاتل، فقد أجاب عنها ابن عباس بوجهين الأول أن آية الفرقان مكية، وآية سورة النساء مدنية تأخر نزولها، ولم ينسخها شيء، فيكون الحكم للمتأخرة، وليس فيها ذكر للتوبة. وهذا معنى قوله في هذه الرواية: «ثم ما نسخها شيء)). والوجه الثاني أن آية سورة الفرقان نزلت في المشركين الذين ارتكبوا القتل في حالة الشرك، وإنهم إن أسلموا وتابوا قبلت توبتهم، لأن الإسلام يهدم ما كان قبله. أمّا من كان مؤمناً، ثم ارتكب قتل نفس مؤمنة بغير حقّ، فلا تقبل توبته. وهذا مفاد قوله في رواية منصور الآتية: ((نزلت (أي: آية الفرقان) في أهل الشرك)) وأوضح منه ما في روايته الأخيرة: ((فأمّا من دخل في الإسلام وعقله، ثمّ قتل، فلا توبة له)). وإنّ هذا الذي ذكر في هذه الروايات مذهب مشهور عن ابن عبّاس ◌َُّنا. وقد أخرج أحمد والطبريّ من طريق يحيى الجابر، والنسائي وابن ماجه من طريق عمار الذهبيّ، كلاهما عن سالم بن أبي الجعد قال: ((كنت عند ابن عباس بعد ما كُفّ بصره، فأتاه رجل فقال: ما ترى في رجل قتل مؤمناً متعمداً؟ قال: جزاؤه جهنم خالداً فيها. وساق الآية إلى (عَظِيْماً). قال: لقد نزلت في آخر ما نزل، وما نسخها شيء حتى قبض رسول الله وَّر، وما نزل وحي بعد رسول الله وَالر. قال: أفرأيت إن تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً ثم اهتدى؟ قال: وأنّى له التوبة والهدى؟)) وجاء على وفق ما ذهب إليه ابن عباس في ذلك أحاديث كثيرة. منها ما أخرجه أحمد والنسائي عن معاوية مرفوعاً: ((كل ذنب عسى الله أن يغفره، إلا الرجل يموت كافراً، والرجل يقتل مؤمناً متعمداً)) كذا في فتح الباري (٨: ٤٩٦). وذكر أبو جعفر النحاس أن للعلماء في هذه الآية أقوالاً : الأول: أن قاتل المؤمن لا توبة له. روي ذلك عن ابن عباس، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وأبي هريرة، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وعبيد بن عمير، والحسن البصري، والضحاك، فقالوا : الآية محكمة. الثاني: أنه له توبة، قال جماعة من العلماء، وروي أيضاً عن ابن عمر، وابن عباس، وزید بن ثابت. الثالث: أن أمره إلى الله تعالى، تاب أو لم يتب، وعليه الفقهاء أبو حنيفة وأصحابه ومحمد بن إدريس . ٤٣١ كتاب: التفسير الرابع: قال أبو مجلز لاحق بن حميد: المعنى جزاؤه إن جازاه، وروى عاصم بن أبي النجود عن أبي جبير، عن ابن عباس أنه قال: هو جزاؤه إن جازاه. هذا ملخص ما ذكره العيني رحمه الله في عمدة القاري (٨: ٥٥٩ و ٥٦٠). وذكر النووي والحافظ ابن حجر وغيرهما أن مذهب جمهور أهل السنة وأكثر الصحابة والتابعين هو الثاني، أن القاتل له توبة. وحجتهم في ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءٌ﴾ [النساء، آية: ٤٨] وبحديث الإسرائيلي الذي قتل تسعة وتسعين نفساً، فأخبره راهب بأنه لا توبة له، فقتله فأكمل به مائة، ثم أفتاه رجل عالم حتى قال: من يحول بينه وبين التوبة؟ وقد مرّ هذا الحديث بشرحه في كتاب التوبة، باب قبول توبة القاتل. أما آية سورة النّساء التي استدل بها ابن عباس رضيًّا، فقد تأول فيها الجمهور بتأويلات: الأول: أنها منسوخة. ثم قيل: نسختها آية سورة الفرقان، وهو ضعيف لما علمت أنها مكية وهذه مدنية، ولأنه يمكن التوفيق بينهما، على ما بيّنه ابن عباس من أن آية الفرقان تتعلق بالمشركين وآية النساء بالمؤمنين. وقيل: نسخها قوله تعالى: ((﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ إلخ)). الثاني: أنّها محمولة على الزجر والتغليط، والمراد من قوله (خَالِداً فِيْها) طول المكث. الثالث: أنّها لمن استحلّ قتل المؤمن، واستحلال القتل كفر، فجزاؤه الخلود في النار. الرابع: أن الله سبحانه وتعالى إنّما بيّن أن جزاء القتل أن يخلّد القاتل في النار، وليس كل جزاء يجازى به الجاني. وحاصل المعنى أن فعله هذا يستحق الخلود، وإن كان الله سبحانه يغفر له برحمته إن تاب. وهو قريب لما ذكرنا عن أبي مجلز وغيره: (هو جزاؤه إن جازاه)). الخامس: إن الآية وردت في الكفار الذين قتلوا مؤمناً، وماتوا على كفرهم. ويؤيده ما حكاه الواحديّ في أسباب النزول (ص: ١٦٣، رقم: ٩٣) عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية، قال: ((إن مَقِيس بن صُبَابَةَ وجد أخاه هشام بن صُبابة قتيلاً في بني النّجار، وكان مسلماً، فأتى رسول الله وَ له، فذكر له ذلك، فأرسل رسول الله وَّل معه رسولاً من بني فهر، فقال له: ائت بني النجار، فأقرئهم السلام وقل لهم: إنّ رسول الله وَّ يأمركم إن علمتم قاتل هشام بن صُبابة أن تدفعوه إلى أخيه فيقتصّ منه، وإن لم تعلموا له قاتلاً أن تدفعوا إليه ديته. فأبلغهم الفهريّ ذلك عن النبيّ وَّلُه، فقالوا: سمعاً وطاعة لله ولرسوله، والله ما نعلم له قاتلاً، ولكن نؤدي إليه ديته، فأعطوه مائة من الإبل ثم انصرفا راجعين نحو المدينة، وبينهما وبين المدينة قريب. فأتى الشيطان مقيساً، فوسوس إليه فقال: أيّ شيء صنعت؟ تقبل دية أخيك فيكون عليك سبّة؟ اقتل الذي معك فيكون نفس مكان نفس وفضلُ الدية! ففعل مقيس ذلك، ٤٣٢ الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٧٤٥٨ - (١٧) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَارٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا النَّضْرُ. قَالاَ جَمِيعاً: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. فِي حَديثِ ابْنِ جَعْفَرٍ : نَزَلَتْ فِي آخِرِ مَا أُنْزِلَ. وَفِي حَدِيثِ النَّضْرِ: إِنَّهَا لَمِنْ آخِرِ مَا أُنْزِلَتْ. ٧٤٥٩ - (١٨) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: أَمَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبْزَى؛ أَنْ أَسَّأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّهُ خَلِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣]. فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: لَمْ يَنْسَخْهَا شَيْءٌ، وَعَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَأَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَِّى حَرَّمَ اَللَّهُ إِلَّا بِأَلْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٢٨] قَالَ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ. ٧٤٦٠ - (١٩) حدّثني هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ. هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِم اللَّيْئِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، (يَعْنِي شَيْبَانَ)، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ،َ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِمَكَّةَ: ﴿وَالَّذِينَ لاَّ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَّهاَ آخَرَ﴾ِ، إِلَّى قَوْلِهِ ﴿مُهَانًا﴾ [الفرقان: ٦٨] فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: وَمَا يُغْنِي عَنَّ الإِسْلاَمُ وَقَدْ عَدَلْنَا بِاللَّهِ وَقَدْ قَتَلْنَا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ وَأَتَيْنَا الْفَوَاحِشَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَلِحًا﴾ [الفرقان: ٧٠] إِلَى آخِرِ الآيَةِ. قَالَ: فَأَمَّا مَنْ دَخَلَ فِي الإِسْلاَمِ وَعَقَلَهُ. ثُمَّ قَتَلَ، فَلاَ تَوْبَةً لَهُ. ٧٤٦١ - (٢٠) حدّثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرِ الْعَبْدِيُّ. قَالاً: فرمى الفهريّ بصخرة فشدخ رأسه، ثم ركب بعيراً منها وساق بقيتها راجعاً إلى مكة كافراً ... فنزلت هذه الآية: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ الآية. ثم أهدر النبيّ عليه السلام دمه يوم فتح مكة، فأدركه الناس بالسوق فقتلوه)) . وهذه القصّة، وإن رواها الواحديّ من طريق الكلبي وهو ضعيف جداً، ولكنها مروية بطرق متعددة فأخرجها ابن المنذر من طريق ابن جريج عن عكرمة، وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، كما في الدر المنثور (٢: ١٩٣) وكذلك أخرجه ابن جرير في تفسيره (٥: ٢١٧) عن ابن جريج عن عكرمة . ١٩ - (٠٠٠) - قوله: (وما يُغني عنّا الإسلام وقد عدلنا بالله) إلخ: يعني: كيف يحفظنا إسلامنا من العذاب وقد أشركنا بالله وقتلنا إلخ ومعنى قولهم (عدلنا بالله) أي: أشركنا . ١ كتاب: التفسير ٤٣٣ حَدَّثَنَا يَحْيَى (وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ)، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزَّةَ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: أَلِمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً مِنْ تَوْبَةِ؟ قَالَ: لاَ. قَالَ: فَتَلَوْتُ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي فِي الْفُرِقَّانِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اَللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨]، إِلَى آخِرِ الآيَةِ. قَالَ: هَذِهِ آيَةٌ مَكْيَّةٌ. نَسَخَتْهَا آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا﴾ [النساء: ٩٣]. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ هَاشِمٍ: فَتَلَوْتُ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي فِي الْفُرْقَانِ: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان: ٧٠] . ٧٤٦٢ - (٢١) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ . (قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا) جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ. أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ، قَالَ: قَالَ لِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَعْلَمُ (وَقَالَ هَارُونُ: تَّذْرِي) آخِرَ سُورَةٍ نَزَلَّتْ مِنَ الْقُرْآنِ، نَزَلَتْ جَمِيعاً؟ قُلْتُ: نَعَمْ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾. قَالَ: صَدَقْتَ. قوله: (أخبرنا أبو عميس) بضم العين وفتح الميم مصغراً، اسمه عتبة بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذليّ، من رجال الجماعة. قال علي بن المديني: له نحو أربعين حديثاً. وقال أحمد وابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وذكره ابن حبان في الثقات. وراجع التهذيب (٧: ٩٧). قوله: (عن عبد المجيد بن سهيل) هو حفيد عبد الرحمن بن عوف، مر ترجمته في باب بيع المدبر قبيل كتاب القسامة، وذكر بعضهم أن اسمه (عبد الحميد بن سهيل) وبهذا الاسم أخرج له مالك في الموطأ . قوله: (عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة) هذا الحديث لم يخرجه أحد غير المصنف من الأئمة السّة. قوله: (قلت: نعم، ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾) يعني: أن هذه السورة آخر سورة نزلت دفعة واحدة. نزلت بعد فتح مكّة، وروي عن ابن عمر أنها نزلت بمنى في حجة الوداع، ثم أنزلت ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة، آية: ٣] وعاش بعدها ثمانين يوماً، ثم نزلت آية الكلالة، وعاش بعدها خمسين يوماً، ثم نزل: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة، آية: ١٢٨]، فعاش بعدها خمسا وثلاثين يوماً، ثم نزل: ﴿وَأَثَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾، فعاش بعدها أحداً وعشرين يوماً، وقال مقاتل: سبعة أيام. كذا في شرح الأبيّ عن القرطبي. وورد في تفسير ابن جرير (٣٠: ٣٣٥) أن هذه السورة نزلت بالمدينة، وذكر قتادة أنه وَ الر عاش بعدها سنتين. هـ ٤٣٤ الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: تَعْلَمُ أَيُّ سُورَةٍ. وَلَمْ يَقُلْ: آخِرَ. ٧٤٦٣ - (٠٠٠) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو عُمَّيْسٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. وَقَالَ: آخِرَ سُورَةٍ. وَقَالَ: عَبْدِ الْمَجِيدِ، وَلَمْ يَقُلٍ: ابْنِ سُهَیْلٍ. ٧٤٦٤ - (٢٢) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةً الضَّبِّيُّ - وَاللَّفْظُ لابْنِ أَبِي شَيْبَةَ - (قَالَ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا) سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: لَقِيَ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمينَ رَجُلاً فِي غُنَيْمَةٍ لَهُ. فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ. فَأَخَذُوهُ فَقَتَلُوهُ وَأَخَذُوا تِلْكَ الْغُنَيْمَةَ. فَنَزَلَتْ: ﴿وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤]. ٢٢ - (٣٠٢٥) - قوله: (عن ابن عباس) هذا الحديث أخرجه البخاري في تفسير سورة النساء، باب ﴿وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ (٤٥٩١)، وأخرجه الترمذي في التفسير، باب ومن سورة النساء، (٣٠٣٠)، وأبو داود في الحروف والقراءات (٣٩٧٤)، وأحمد في مسنده (١: ٢٢٩ و٢٧٢ و٣٢٤)، والنسائي في سننه الكبرى (٦: ٣٢٦). قوله: (رجلاً في غنيمة له) وفي رواية سماك عن عكرمة عن ابن عباس عند الترمذي وأحمد: ((مر رجل من بني سليم بنفر من الصحابة، وهو يسوق غنماً له، فسلّم عليهم)) و (غنيمة) تصغير لغنم . قوله: (فقتلوه) زاد سماك في روايته: ((وقالوا: ما سلّم علينا إلا ليتعوذ منا)). قوله: (وأخذوا تلك الغُنيمة) وفي رواية سماك: ((وأتوا بغنمه النبيّ ◌َّ فنزلت)). وذكر الحافظ في الفتح (٨: ٢٥٨) أنه روى البزار من طريق حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية قصة أخرى، قال: ((بعث رسول الله وَليه سريّة فيها المقداد، فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا، وبقي رجل له مال كثير، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله فقتله المقداد. فقال له النبيّ ◌َلو: كيف لك بلا إله إلا الله غداً؟ وأنزل الله هذه الآية)). قال الحافظ: ((وهذه القصة يمكن الجمع بينها وبين التي قبلها (أي: القصة المذكورة في المتن) ويستفاد منها تسمية القاتل. وأما المقتول، فروى الثعلبي من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وأخرجه عبد بن حميد من طريق قتادة نحوه، واللفظ للكلبي، أن اسم المقتول مرداس بن نهيك من أهل فدك، وأن اسم القاتل أسامة بن زيد، وأن اسم أمير السرية غالب بن فضالة الليثي، وأن قوم مرداس لما انهزموا بقي هو وحده، وكان ألجأ غنمه بجبل، فلما لحقوه ٤٣٥ كتاب: التفسير وَقَرَ أَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ: السَّلاَمَ. ٧٤٦٥ - (٢٣) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَارٍ، (وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنَّى)، قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يَقُولُ: كَانَتِ الأَنْصَارُ إِذَا حَجُوا فَرَجَعُوا، لَمْ قال: ((لا إله إلا الله محمد رسول الله، السلام عليكم، فقتله أسامة بن زيد. فلما رجعوا نزلت الآية)). ثم ذكر الحافظ أنه ورد في سبب نزول هذه الآية قصة أخرى أيضاً، أخرجها أحمد وابن إسحاق عن عبد الله بن أبي حدرد الأسلميّ قال: ((بعثنا رسول الله وَّل في نفر من المسلمين، فيهم أبو قتادة ومحكم بن جثامة. فمر بنا عامر بن الأضبط الأشجعيّ فسلّم علينا، فحمل عليه محكم فقتله. فلما قدمنا على النبيّ ◌َله وأخبرناه الخبر نزل القرآن، فذكر هذه الآية. وأخرجها ابن إسحاق من طريق ابن عمر أتم سياقاً من هذا، وزاد أنه كان بين عامر ومحكم عداوة في الجاهلية. قال الحافظ: ((وهذه عندي قصة أخرى، ولا مانع أن تنزل الآية في الأمرين معاً». قوله: (وقرأها ابن عبّاس: السّلام) والحاصل أن هناك ثلاث قراءات: السَّلَم (بفتحتين) والسَّلام (بالألف بين اللام والميم) وَالسِّلْم، بكسر السّين وسكون اللام. فالأول قراءة نافع وابن عامر وحمزة، والثاني قراءة الباقين، والثالث قراءة رويت عن عاصم بن أبي النجود. كذا في فتح الباري. ٢٣ - (٣٠٢٦) - قوله: (سمعت البراء يقول) هذا الحديث أخرجه البخاري في العمرة، باب قول الله تعالى: ﴿وأتو البيوت من أبوابها﴾ (١٨٠٣)، وفي تفسير سورة البقرة، باب ﴿وَلَيْسَ أَلْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ◌ُهُورِهَا﴾ (٤٥١٢)، وأخرجه النسائي في السنن الكبرى (٦: ٢٩٧). قوله: (كانت الأنصار إذا حجّوا فرجعوا) وفي رواية البخاري في التفسير: ((إذا أحرموا في الجاهلية) والحاصل أنهم إذا أحرموا للحج أو العمرة، ثم عرضت لهم حاجة في الرجوع إلى البيت في تلك الحالة، لم يدخلوها من أبوابها. وبين الزهريّ سبب ذلك فيما رواه عنه الطبريّ، فقال: ((كان ناس من الأنصار إذا أهلّوا بالعمرة لم يحُل بينهم وبين السماء شيء، يتحرّجون من ذلك. وكان الرجل يخرج مُهِلاً بالعمرة، فتبدو له الحاجة بعد ما يخرج من بيته، فيرجع ولا يدخل من باب الحجرة من أجل سقف الباب أن يحول بينه وبين السماء، فيفتح الجدار من ورائه، ثم يقوم في حجرته فيأمر بحاجته، فتخرج إليه من بيته)) راجع تفسير ابن جرير (٢: ١٨٧). ثم قد ذكر في الحديث أن الأنصار كانوا يفعلون ذلك، ولكن ثبت بحديث جابر أخرجه ٤٣٦ الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم يَدْخُلُوا الْبُيُوتَ إِلَّ مِنْ ظُهُورِهَا. قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَدَخَلَ مِنْ بَابِهِ. فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ◌ُهُورِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩]. (١) - باب: في قوله تعالى: ﴿ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله﴾ [الحديد: ١٦] ٧٤٦٦ - (٢٤) حدّثني يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصَّدَفِيُّ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْب. أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلاَلٍ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِهِ؛ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: مَا كَانَ بَيْنَ إِسْلاَمِنَا وَبَيْنَ أَنْ عَاتَبَنَا اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ: ﴿أَلَمَ بَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوَأْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦] إِلاَّ أَرْبَعُ سِنِينَ. ابن خزيمة والحاكم أن الأنصار وسائر العرب كانوا لا يدخلون من الأبواب، إلا الحُمس، وهم قبائل معروفة من قريش وخزاعة وغيرهما . قوله: (فجاء رجل من الأنصار فدخل من بابه) وقد ورد في حديث جابر عند ابن خزيمة والحاكم أن اسمه قُطبة (بضم القاف وسكون الطاء) ابن عامر. وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قيس بن جبير النهشليّ أن هذا الرجل يقال له رفاعة بن تابوت. وحقّق الحافظ في الفتح (٣: ٦٢١ و٦٢٢) أن حديث جابر أقوى إسناداً، فيرجح على حديث قيس، إلا أن يحملا على تعدد القصة، وراجعه للتفصيل. (١) - باب: في قوله تعالى: ﴿أَلَمَّ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ إلخ ٢٤ - (٣٠٢٧) - قوله: (أن ابن مسعود قال) هذا الحديث أخرجه النسائي في السنن الكبرى (٦: ٤٨١) ولم يخرجه الأئمة الأربعة الباقون. قوله: (﴿أَلَمَّ بَأْنِ﴾) إلخ: أي: ألم يحضر الوقت. وأنى الشّيء، يأنى أنِياً وأني: حان وأدرك، وكذلك آنَ يَئِيْنُ. وذكر ابن منظور في اللسان (١: ٢٤٩) أن الأول أجود، وهو الذي في القرآن الكريم. قوله: (لذكر الله) أي: أن تلين قلوبهم لذكر الله، وما نزل من الحق هو القرآن. ٤٣٧ كتاب: التفسير (٢) - باب: في قوله تعالى: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ [الأعراف: ٣١] ٧٤٦٧ - (٢٥) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِع (وَاللَّفْظُ لَهُ)، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ، عَنّ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَهِيّ عُرْيَانَةٌ. فَتَقُولُ: مَنْ يُعِيرُنِي تِظْوَافاً؟ تَجْعَلُهُ عَلَى فَرْجِهَا. وَتَقُولُ: (٢) - باب: في قوله تعال ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ٢٥ - (٣٠٢٨) - قوله: (عن مسلم البطين) هو مسلم بن عمران، ويقال: ابن أبي عمران، والبطين، بفتح الباء وكسر الطاء، لقبه. وكنيته أبو عبد الله، وثقه أحمد وابن معين وأبو حاتم والنسائي، كما في التهذيب (١٠: ١٣٤)، مات (سنة: ١١٠هـ) كما في شذرات الذهب لابن العماد (١: ١٤٠). قوله: (عن ابن عبّاس) هذا الحديث أخرجه النسائي في المجتبى، في الحج، باب قوله تعالى: ﴿خُذُواْ زِينَتَّكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٢٩٥٦)، وفي السنن الكبرى (٦: ٣٤٥). قوله: (من يعيرني تطوافاً) بكسر التاء، هو الثوب الذي تطوف به. وقيل: بفتح التاء بمعنى المصدر، أي: ذا تطواف، كما في لسان العرب (٨: ٢٢٢) وحاصل المعنى واحد. واعلم أن الطائفين بالبيت في الجاهلية كانوا على صنفين: صنف يطوف عرياناً، وصنف يطوف في ثيابه. والصنف الأول يقال له: (الحلّة) والثاني يقال له (الحمس) وكانت الحلّة إذا أتوا مكة للعمرة أو الحج لا يطوفون في ثيابهم، بل يستعيرون ثياب أحد من الحمس، وهم قريش وخزاعة وغيرهم، فإن وجدوا ثياب أحدهم طافوا فيها، وإلا طافوا عراة، كذا ذكره ابن حبيب في المحبّر (ص: ١٨٠ و١٨١) وذكر أيضاً أن عياض بن حمار المجاشعيّ كان إذا قدم مكة طاف في ثياب رسول الله وَّر وراجعه لتعيير الحلّة من الحمس. وأخرج ابن جرير في تفسيره (٨: ١٦١) عن الزهريّ قال: ((إن العرب كانت تطوف بالبيت عراة، إلا الخُمس، قريش وأحلافهم، فمن جاء من غيرهم وضع ثيابه وطاف في ثياب أحمس، فإنه لا يحلّ له أن يلبس ثيابه، فإن لم يجد من يعيره من الحمس، فإنه يلقي ثيابه ويطوف عرياناً، وإن طاف في ثياب نفسه ألقاها إذا قضى طوافه يحرّمها، فيجعلها حراماً عليه)) وأخرج أيضاً عن قتادة قال: ((كان حيّ من أهل اليمن كان أحدهم إذا قدم حاجّاً أو معتمراً يقول: لا ينبغي أن أطوف في ثوب قد دنّست فيه، فيقول: من يعيرني مئزراً؟ فإن قدر على ذلك، وإلا طاف عرياناً)). فظهر بهذه الروايات أن غير الحُمس من العرب كانوا يكرهون أن يطوفوا بثيابهم التي أذنبوا فيها، فكانوا إذا أتوا للطواف سألوا أحداً من الخُمس (وهم من قريش وكنانة وغيرهم) أن يعيره ٤٣٨ الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ فَمَا بَدَا مِنْهُ فَلاَ أُحِلُّهُ فَنَزَّلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]. ثيابه، ليلبسها عند الطواف، فإن لم يجد أحداً يعيره طاف عرياناً. وعلى هذا فمعنى قول المرأة: (من يعيرني تطوافاً) أنّها تسأل أحداً من الحُمس ليعيرها ثوباً، ولو قصيراً، لتواري به عورتها .. قوله: (اليوم يبدو بعضه أو كلّه) الضمير للفرج. والمعنى أنّها إن وجدت خرقة تواري بها عورتها، فإنها قد لا تكون كافية لستر العورة الغليظة كلّها، فتبدو بعض أجزائها، وإن لم تجد خرقة ربّما ظهرت العورة كلّها. وأخرج الطبري عن ابن عباس قال: ((إن النساء كنّ يطفن بالبيت عراة، وقال في موضع آخر: بغير ثياب، إلا أن تجعل المرأة على فرجها خرقة فيما وصف إن شاء الله وتقول: اليوم يبدو بعضه أو كلّه إلخ)) وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير قال: ((كان الناس يطوفون بالبيت عراة يقولون: لا نطوف في ثياب أذنبنا فيها. فجاءت امرأة فألقت ثيابها وطافت ووضعت يدها على قبلها وقالت: اليوم يبدو بعضه أو كله إلخ) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٣: ٧٨). قوله: (فما بدا منه فلا أحلّه) أي: لا أبيح لأحد أن ينظر إليه أو يتمتع به. والمقصود أنني لا أبدي عورتي بقصد الفحشاء، وإنّما أبديه لحاجة، وهي أن لا أطوف بثياب أذنبت فيها . وإنّ هذا الشعر منسوب إلى امرأة جميلة. قيل: هي ضباعة بنت عامر بن صعصعة، كما ذكره السهيلي في الروض الأنف (١: ١٣٤) ثم قال: ((ومّما ذكر من تعريّهم في الطواف أن رجلاً وامرأة طافا كذلك، فانضم الرجل إلى المرأة تلذذاً واستمتاعاً، فلصق عضده بعضدها، ففزعا عند ذلك وخرجا من المسجد وهما ملتصقان ولم يقدر أحد على فكّ عضده من عضدها، حتى قال لهما قائل: توبا مما كان في ضميركما وأخلصا لله التوبة، ففعلا، فانحلّ أحدهما من الآخر)). ثم اختلفت الروايات في تفصيل التعرّي في الطواف، فذكر بعضهم أن طواف الطائف عرياناً إنما يكون للمرة الأولى، فإذا عاد فطاف بعد ذلك لبس ملابسه. وذكر بعضهم أنه إذا خلع ثيابه عند الطواف ألقاها على الأرض لا يلبسها أحد، وتترك كما هي تداس بالأقدام إلى أن تتمزق وتهرى، وتسمى هذه الثياب (اللّقَى). راجع لسان العرب (١٢: ٣١٩). والله سبحانه أعلم . قوله: (فنزلت هذه الآية) وكذلك نزل فيه أيضاً على بعض الروايات قوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُواْ فَحِشَةٌ قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ ءَابَنَا وَلَّهُ أَمَرَنَا بِهَأْ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٨)﴾ [الأعراف، آية: ٢٨] كما ذكره ابن جرير في تفسيره (٨: ١٥٤) عن مجاهد وسعيد بن جبير والشعبي وغيرهم. ٤٣٩ كتاب: التفسير (٣) - باب: في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُواْ فَتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ ٧٤٦٨ _ (٢٦) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ. جَمِيعاً عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةً، (وَاللَّفْظُ لأَبِي كُرَيْبٍ)، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنُ سَلُولَ يَقُولُ لِجَارِيَةٍ لَهُ: اذْهَبِي فَابْغِينَا شَيْئاً. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَا تُكْرِهُواْ فَتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَضُّنَا ◌ِبَغُواْ عَرَضَ الْخَوِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِهِهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَهِهِنَّ (لَهُنَّ) غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٣° ٧٤٦٩ - (٢٧) وحدّثني أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ؛ أَنَّ جَارِيَةً لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولَ يُقَالُ لَهَا: مُسَيْكَةُ. وَأُخْرَى يُقَالُ لَهَا: أُمَيْمَةُ. فَكَّانَ يُكْرِهُهُمَا عَلَى الزِّنَى. فَشَكَتَا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ وَِّ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَا تُكْرِهُوْ فَتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿غَفُورُ زَّحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣]. (٣) - باب: في قوله تعالى: ﴿ وَلَا تُكْرِهُواْ فَتِكُمْ عَلَى الْبِغَِّ﴾. ٢٦ - (٣٠٢٩) - قوله: (عن جابر) هذا الحديث أخرجه أبو داود في الطلاق، باب تعظيم الزنا ٢٣١١، والنسائي في السنن الكبرى ٦: ٤١٩. قوله: (من بعد إكراههنّ لهنّ) قال النووي: ((هكذا وقع في النسخ كلّها (لهنّ غفور رحيم) وهذا تفسير، ولم يُرد به أن لفظة (لهنّ) مُنَزَّلة، فإنه لم يقرأ بها أحد (١)، وإنما هي تفسير وبيان يريد أن المغفرة والرحمة لهنّ لكونهنّ مكرهات، لا لمن أكرههنّ)) ودلّت الآية على أن المكرهة على الزنا إكراهاً ملجئاً معذورة عند الله تعالى. وذكر فقهاء الحنفية أنه لا يجوز ارتكاب الزنى للرجل وإن كان مكرهاً إكراهاً ملجئاً، لأن فيه تضييعاً للولد، بخلاف المرأة، فإن الصبيّ يلحق بها، والله سبحانه أعلم. ٢٧ - (٠٠٠) - قوله: (يقال لها: مسيكة) إلخ: وأخرج الطبريّ في تفسيره (١٨ : ١٣٢) عن جابر قال: ((كانت جارية لعبد الله بن أبي ابن سلول، يقال لها مُسَيكة، فآجرها وأكرهها . الطبريّ شك - فأتت النبيّ وَ ﴿ فشكت ذلك إليه، فأنزل الله ﴿وَلَا تُكْرِهُواْ فَتِّكُمْ﴾ إلخ)) وأخرج عن الزهريّ مرسلاً: أن رجلاً من قريش أسره عبد اللّه بن أبيّ يوم بدر، وكان لعبد الله جارية يقال لها معاذة، فكان القرشيّ الأسير يريدها على نفسها، وكانت مسلمة فكانت تمتنع منه لإسلامها، (١) قلت: أخرج ابن جرير في تفسيره (١٨: ١٣٣) عن سعيد بن جبير أنه كان يقرأ لهن غفور رحيم ولكن الظاهر أنه تفسير لا قراءة وقد يطلق لفظ القراءة على التفسير أيضاً . ٤٤٠ الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (٤) - باب: في قوله تعالى: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة﴾ [الإسراء: ٥٧] ٧٤٧٠ - (٢٨) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِذْرِيسَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجّلَّ : ﴿أُوْلَيْكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَيِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٧]. قَالَ: كَانَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ أَسْلَمُوا. وَكَانُوا يُعْبَدُونَ. فَبَقِيَ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَ عَلَى عِبَادَتِهِمْ. وَقَدْ أَسْلَمَ النَّفَرُ مِنَ الْجِنِّ. وكان ابن أبيّ يكرهها على ذلك ويضربها، رجاء أن تحمل للقرشيّ فيطلب فداء ولده، فقال الله : ﴿وَلَا تُكْرِهُواْ فَتِكُمْ﴾ إلخ)) . وقال النووي رحمه الله: ((وقيل: نزلت في ستّ جوار له كان يكرههنّ على الزنا: معاذة، ومسيكة، وأميمة، وعمرة، وأروى، وقتيلة، والله أعلم)). (٤) - باب: في قوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ﴾ إلخ ٢٨ - (٣٠٣٠) - قوله: (عن عبد الله) يعني: ابن مسعود ظله، وهذا الحديث أخرجه البخاري في تفسير سورة بني إسرائيل، باب ﴿قُلِ أَدْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّنِ دُونِ، فَلَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا ﴾﴾ (٤٧١٤)، وباب ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ (٤٧١٥)، والنسائي في سننه الكبرى (٦: ٣٨٠). قوله: (وكانوا يُعْبَدون) بضم الياء على البناء للمجهول، يعني: كان بعض المشركين يعبدون الجنّ الذين أسلموا، فأسلم الجنّ وبقي عابدوهم على شركهم، فنزلت فيهم هذه الآية، وتمام الآية: ﴿أُوْلَيْكَ الَّذِيْنَ يَدْعُونَ يَبْنَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَةٌ إِنَّ [الإسراء، آية: ٥٧] وقوله تعالى: ﴿أُوْلَيْكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ مبتدأ، وتقديره: ﴾ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ((أولئك الجنّ الذين يدعوهم هؤلاء المشركون إلهاً))، وقوله: ﴿يَبْنَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ﴾ خبره. والوسيلة بمعنى القرب. والمعنى أن الجنّ الذين يعبدهم المشركون يطلبون التقرب إلى الله سبحانه، ويتنافسون فيما بينهم في كونهم أقرب إلى الله تعالى، لأنهم أسلموا، وهؤلاء باقون على شركهم. وهذا أحد الأقوال في تفسير هذه الآية. وقال بعض المفسرين: المراد (بأولئك الذين يدعون). الأنبياء الذين عُبدوا من دون الله تعالى، مثل عيسى وعزير عليهما السلام، وقال بعضهم: هم الملائكة الذين كانوا يعبدهم بعض أهل العرب. وألفاظ الآية تحتمل الجميع، فكل من كان عابداً لله وعبده غيره فقد دخل في عموم الآية، فإن المقصود التنبيه على أنّ من زعمه هؤلاء