النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
كتاب: الزهد والرقائق
فَدَخَلَ أَرِيكَةَ أُمِّي. فَقُلْتُ: اخْرُجْ إِلَيٍّ. فَقَدْ عَلِمْتُ أَيْنَ أَنْتَ. فَخَرَجَ. فَقُلْتُ: مَا حَمَلَكَ
عَلَى أَنِ اخْتَبَأْتَ مِنِّي؟ قَالَ: أَنَّا، وَاللَّهِ، أُحَدِّئُكَ. ثُمَّ لاَ أَكْذِبُكَ. خَشِيتُ، وَاللَّهِ، أَنْ
أُحَدِّثَكَ فَأَكْذِبَكَ. وَأَنْ أَعِدَكَ فَأُخْلِفَكَ. وَكُنْتَ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ بِهِ. وَكُنْتُ، وَاللَّهِ،
مُعْسِراً. قَالَ: قُلْتُ: آللَّهِ. قَالَ: اللَّهِ. قُلْتُ: آللَّهِ. قَالَ: اللَّهِ. قُلْتُ: اللَّهِ. قَالَ: اللَّهِ.
قَالَ: فَأَتَّى بِصَحِيفَتِهِ فَمَحَاهَا بِيَدِهِ. فَقَالَ: إِنْ وَجَدْتَ قَضَاءً فَاقْضِنِي. وَإِلاَّ، أَنْتَ فِي حِلِّ.
فَأَشْهَدُ بَصَرُ عَيْنَيَّ هَاتَيْنِ (وَوَضَعَ إِصْبَعَيْهِ عَلَى عَيْنَيْهِ) وَسَمْعُ أُذُنَيَّ هَاتَيْنٍ، وَوَعَاهُ قَلْبِي هَذَا
جنباه وفصل عن أمّه وأخذ في الرّعي، والمؤنث منه جفرة. وراجع لسان العرب (٦: ٣٠٤).
قوله: (فدخل أريكة أمّي) قال المأزريّ: ((قال ابن ثعلب: الأريكة: السرير في الحجلة،
ولا يسمى منفرداً أريكة. وقال الأزهريّ: كل ما اتكىء عليه أريكة)) كذا في شرح الأبيّ. وقال
الزجاج: ((الأرائك: الفُرُش في الحجال. وقيل: هي الأسرّة، وهي في الحقيقة الفُرُش، كانت
في الحجال أو في غير الحجال. وقيل الأريكة: سرير منجّد مزيّن في قبّة أو بيت، فإذا لم يكن
فيه سرير فهو حَجَلة)) كذا في لسان العرب (١: ١٢٢). والحاصل أنه اختفى تحت أريكة أمّه لئلا
تقع مواجهته لأبي اليسر رقڅئه.
قوله: (أن اختبأت) أي: اختفيت.
قوله: (أنا والله أحدّثك ثمّ لا أكذبك) يعني: أنّني أصدقك الآن في بيان سبب اختفائي،
وهو أني خشيت إن واجهتك أن أكذب في وعدي، وأنت صاحب رسول الله وَّر، وأرفع من أن
يكذب في مواجهتك أحد.
قوله: (قال: قلت: آلله؟) بمدّ الهمزة، وهي همزة الاستفهام دخلت على همزة الوصل في
كلمة (الله) وحرف القسم محذوف، فالهاء في الأخير مجرورة. وقد روى بعضهم فتح الهاء
أيضاً، ولكنه غير موافق لقياس العربية في قول أكثر النحاة، لأن واو القسم إذا عُوّضت بهمزة
الاستفهام فلا يجوز فيه إلا الخفض.
قوله: (قال: اللهِ) ذكر النووي أن الهمزة هنا غير ممدودة، وذلك لأنه جواب، فلا تصلح
فيه همزة الاستفهام. والهمزة فيه قطعيّة، وربما تعوّض واو القسم بقطع همزة الوصل، وفي مثله
يجوز على الهاء الحركات الثلاثة، كما حققه الأبي.
قوله: (فأتى بصحيفته فمحاها بيده) كأنه كان قد كتب في صحيفة أن له ديناً على فلان،
فمحا هذه الكتابة لئلا يبقى الدين مسجّلاً. وإنما فعل ذلك لأنه عزم بعد ذلك أن لا يطالبه
بالدين، إلا أن يجد سعة فيؤديه بنفسه.
قوله: (وإلا، أنت في حِلّ) أي: يحلّ لك أن لا تقضيني ديني.
قوله: (بَصَرُ عَيْنَيّ هاتين) الرواية هنا بفتح الصّاد وضمّ الراء على كونه مصدراً مضافاً إلى

٤٠٢
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(وَأَشَارَ إِلَى مَنَاطِ قَلْبِهِ) رَسُولَ اللّهِ وَّه وَهُوَ يَقُولُ: ((مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً، أَوْ وَضَعَ عَنْهُ، أَظَلَّهُ
اللَّهُ فِي ظِلْمِ» .
قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ أَنَا: يَا عَمِّ، لَوْ أَنَّكَ أَخَذْتَ بُرْدَةَ غُلاَمِكَ وَأَعْطَيْتَهُ مَعَافِرِيَّكَ،
وَأَخَذْتَ مَعَافِرِيَّهُ وَأَعْطَيْتَهُ بُرْدَتَكَ، فَكَانَتْ عَلَيْكَ حُلَّةٌ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ. فَمَسَحَ رَأْسِي وَقَالَ:
اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ. يَا بْنَ أَخِي، بَصَرُ عَيْنَيَّ هَاتَيْنٍ، وَسَمْعُ أُذُنَيَّ هَاتَيْنٍ، وَوَعَاهُ قَلْبِي هَذَا
(وَأَشَارَ إِلَى مَنَاطِ قَلْبِهِ) رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ وَهُوَ يَقُولُ: ((أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ. وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا
فاعله. وكذلك (سَمْعُ أُذنَيّ) بفتح السّين وسكون الميم، وهو محاورة من محاورات العرب. قال
سيبويه: «العرب تقول: سَمْعُ أُذُنِيّ زَيْداً، ورأيُ عَيْنَيَّ يقول ذلك ويفعل ذلك)) وهو مصدر استعير
لمعنى الفعل لزيادة التأكيد، ومفعوله (رسول الله (َ(*) ولذلك هو منصوب، وقبل ذلك جملة
معترضة، وهي (ووعاه قلبي)، يعني: وعى قلبي ما رأيته وسمعته منه. والفصل بين الفاعل
والمفعول بمثل هذه الجملة المعترضة فصل بغير أجنبيّ، فإنه يفيد التأكيد. وقوله (أشهد) قبل
هذا الكلام في معنى القسم.
قوله: (وأشار إلى مناط قلبه) بفتح الميم، وقد روي في بعض النسخ (نياط قلبه) بكسر
النون، وكلاهما بمعنى عِرق معلق بالقلب.
قوله: (من أنظر معسراً) إلخ: أي: أمهله مع بقاء الدين بمقدار ما كان. وقوله (وضع عنه)
معناه: نقص منه شيئاً، أو عفا عن كلّه.
وحديث أبي اليسر هذا أخرجه ابن ماجه في الأحكام، باب إنظار المعسر (٢٤٤٤)،
وأحمد في مسنده: (٣: ٤٢٧)، والطبراني في المعجم الكبير (١٩: ١٦٥ إلى ١٦٨)، والبغوي
في شرح السنّة (٨: ١٩٨)، وابن حبان في صحيحه، كما في الإحسان (٧: ٢٥١)، والقضاعي
في مسند الشهاب (١: ٢٨١).
(٣٠٠٧) - قوله: (وأخذت معافريه وأعطيته بردتك) كذلك وقع في جميع الروايات والنسخ
بلفظ الواو في أول هذه الفقرة، ولكنه لا يستقيم معنى، فالصواب: (أو أخذت معافريّه إلخ)
وذلك لأنه يريد أن يكون على كل واحد منهما حلة متوافقة، كما هو ظاهر من قوله (فكانت عليه
حلّة وعليه حلّة) وإنما يحصل ذلك إذا أخذ بردته وأعطاه معافريّه حتى يصير عنده بردتان وعند
غلامه معافريّان، أو بالعكس، بأن يأخذ معافريّه ويعطيه بردته، حتى يصير عنده معافريّان وعند
غلامه بردتان، ولا يحصل ذلك المقصود بالجمع بين الأمرين، بأن يأخذ بردته ويعطيه بردة
نفسه، ويأخذ معافريّه ويعطيه معافريّ نفسه، فإن ذلك لا يؤول إلا إلى تغيير الثياب، بدون أن
يجتمع عند أحد منهما حلّة كاملة.
قوله: (وألبسوهم مما تلبسون) هذا الحديث من رواية أبي اليسر لم يخرجه إلا مسلم

٤٠٣
كتاب: الزهد والرقائق
تَلْبَسُونَ)). وَكَانَ أَنْ أَعْطَيْتُهُ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ حَسَنَاتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
ثُمَّ مَضَيْنَا حَتَّى أَتَيْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فِي مَسْجِدِهِ، وَهُوَ يُصَلِّي فِيِ ثَوْبٍ وَاحِدٍ،
مُشْتَمِلاً بِهِ. فَتَخَطَيْتُ الْقَوْمَ حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ. فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، أَتُصَلِّي فِي
ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَرِدَاؤُكَ إِلَى جَنْبِكَ؟ قَالَ: فَقَالَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي هَكَذَا. وَفَرَّقَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ
وَقَوَّسَهَا: أَرَدْتُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيَّ الأَحْمَقُ مِثْلُكَ، فَيَرَانِي كَيْفَ أَصْنَعُ، فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ.
رحمه الله. وقد أخرجه البخاريّ في العتق (رقم: ٢٥٤٥) من حديث أبي ذرّ رَُّبه، ولفظه:
(«إخوانكم خَوَلكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل،
ولیلبسه مما يلبس)).
وحمل أبو اليسر ر ◌ُله هذا الحديث على المساواة حتى في أصناف الثياب، ولذلك لم
يرض بأن تكون عليه حلّة بردة وعلى غلامه حلّة معافريّ أو بالعكس. وذلك احتياط منه رق ◌ُته
وورع. والجمهور على أنّ الحديث مقصوده المواساة لا المساواة. ويؤيد ذلك حديث أبي هريرة
عند البخاري في العتق (رقم: ٢٥٥٧): ((إذا أتى أحدكم خادمُه بطعامه، فإن لم يُجلسه معه
فليُناوله لقمة أو لقمتين)) وحديث أبي هريرة مرفوعاً: ((للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف، ولا
يكلف من العمل ما لا يطيق)) وهو يقتضي الرد في ذلك إلى العرف، فمن زاد عليه كان متطوعاً .
كذا في فتح الباري (٥: ١٧٤).
وقال الأبيّ رحمه الله: ((كان بعض شيوخنا يقول: المراد مما تلبسون الاتحاد بالنوع، لا
بالصنف. إذا لبس السيد الملف، ولبس المملوك ثوباً من نسج الحائك صدق أنه كساه مما
يلبس)).
(٣٠٠٨) - قوله: (في ثوب واحد مشتملاً به) أي: ملتحفاً اشتمالاً ليس باشتمال الصمّاء
المنهي عنه. وفيه دليل لجواز الصلاة في ثوب واحد مع وجود الثياب، لكن الأفضل أن يزيد
على ثوب عند الإمكان. وإنما فعل جابر هذا للتعليم ولبيان الجواز، كما بيّن ذلك في قوله
الآتي.
قوله: (وفرّق بين أصابعه وقوّسها) لعله يريد أنه بعد التفريق بين الأصابع لواها إلى ظاهر
الكفّ، حتى صار مجموع الكفّ كالقوس.
قوله: (أردت أن يدخل عليّ الأحمق مثلك) المراد بالأحمق هنا الجاهل، وحقيقة الأحمق
من يعمل ما يضره مع علمه بقبحه. وفي هذا جواز مثل هذا اللفظ للتعزير والتأديب وزجر
المتعلم وتنبيهه، ولأن لفظة الأحمق والظالم قلّ من ينفك من الاتصاف بهما. وهذه الألفاظ هي
التي يؤدب بها المتقون والورعون من استحق التأديب. كذا في شرح النووي.
قوله: (فيراني كيف أصنع) أي: فيتعلم أن الصلاة في الثوب الواحد جائز.

٤٠٤
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ بِهِ فِي مَسْجِدِنَا هَذَا. وَفِي يَدِهِ عُرْجُونُ ابْنِ طَابٍ. فَرَأَىْ فِي قِبْلَةٍ
الْمَسْجِدِ نُخَامَةً فَحَكَّهَا بِالْعُرْجُونِ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ: ((أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يُعْرِضَ اللَّهُ عَنْهُ؟))
قَالَ: فَخَشَعْنَا. ثُمَّ قَالَ: ((أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يُعْرِضَ اللَّهُ عَنْهُ؟)) قَالَ: فَخَشَعْنَا. ثُمَّ قَالَ: ((أَيُّكُمْ
يُحِبُّ أَنْ يُعْرِضَ اللَّهُ عَنْهُ؟)) قُلْنَا: لاَ أَيْنَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: ((فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي،
فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قِبَلَ وَجْهِهِ. فَلاَ يَبْصُقَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ. وَلاَ عَنْ يَمِينِهِ. وَلْيَبْصُقْ عَنْ
يَسَارِهِ، تَحْتَ رِجْلِهِ الْيُسْرَىْ. فَإِنْ عَجِلَتْ بِهِ بَادِرَةٌ فَلْيَقُلْ بِثَوْبِهِ هَكَذَ)) ثُمَّ طَوَىْ ثَوْبَهُ بَعْضَهُ
عَلَى بَعْضٍ فَقَالَ: ((أَرُونِي عَبِيراً) فَقَامَ فَتَّى مِنَ الْحَيِّ يَشْتَدُّ إِلَى أَهْلِهِ. فَجَاءَ بِخَلُوقٍ فِي
رَاحَّتِهِ. فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ فَجَعَلَهُ عَلَى رَأْسِ الْعُرْجُونِ، ثُمَّ لَطَخَ بِهِ عَلَى أَثَرِ النُّخَامَةِ.
قوله: (أتانا رسول الله ( *) هذا الحديث لا علاقة له بما ذكر من جواز الصلاة في الثوب
الواحد، وإنما ذكره مستقلاً لكون عبادة بن الوليد وأبيه أتيا إليه طالبين للحديث.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود في الصلاة، باب في كراهية البزاق في المسجد (٤٨٥)،
وأحمد في مسنده (٣: ٣٩٦).
قوله: (عرجون ابن طاب) بضم العين وسكون الراء: عود القنو من النّخل، ويشتمل على
شماريخ. وابن طاب نوع من النّخل.
قوله: (نُخامة) بضم النون: المُخاط الذي يخرج من الأنف.
قوله: (فخشعنا) والمراد منه هنا الخوف. ورواه بعضهم بالجيم بدل الخاء، ومعناه:
جزعنا .
قوله: (لا أيُّنا) أي: لا يحبّ ذلك أحد منّا .
قوله: (فإنّ الله تعالى قبل وجهه) قال النووي: ((تأويله، أي: الجهة التي عظّمها، أو
الكعبة التي عظّمها قبل وجهه)).
قوله: (فإن عجلت به بادرة) أي: غلبته بصقة أو نخامة بدرت منه.
قوله: (فلیقل بثوبه هكذا) أي: فلیحگّه بثوبه هكذا .
قوله: (أروني عبيراً) وهو ضرب من الطيب ذو لون يجمع من أخلاط، وقد يطلق على
الزعفران .
قوله: (بخَلوق) بفتح الخاء، وهو نوع من الطيب، وقيل: الزعفران. والأصح أنه يتخذ من
الزعفران وغيره من أنواع الطيب، وتغلب عليه الحمرة والصفرة، كانت تستعمله النساء. وقوله:
(في راحته) أي: في كفّه.
قوله: (لطخ به على أثر النخامة) لإزالة رائحتها الكريهة ومنظرها القبيح.

٤٠٥
كتاب: الزهد والرقائق
فَقَالَ جَابِرٌ: فَمِنْ هُنَاكَ جَعَلْتُمُ الْخَلُوقَ فِي مَسَاجِدِكُمْ.
◌ِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَّهَ فِي غَزْوَةِ بَطْنِ بُوَاطِ. وَهُوَ يَطْلُبُ الْمَجْدِيَّ بْنَ عَمْرٍو
الْجُهَنِيَّ. وَكَانَ النَّاضِحُ يَعْقُبُهُ مِنَّا الْخَمْسَةُ وَالسِّنَّةُ وَالسَّبْعَةُ. فَدَارَتْ عُقْبَةُ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ
عَلَى نَاضِحِ لَهُ. فَأَنَاخَهُ فَرَكِبَهُ. ثُمَّ بَعَثَهُ فَتَلَدَّنَ عَلَيْهِ بَعْضَ التَّلَدُّنِ. فَقَالَ لَهُ: شَأْ. لَعَنَكَ اللَّهُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّهِ: ((مَنْ هَذَا اللَّعِنُ بَعِيرَهُ؟» قَالَ: أَنَّا. يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «انْزِلْ عَنْهُ.
فَلاَ تَصْحَبْنَا بِمَلْعُونٍ. لاَ تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلاَ تَدْعُوا عَلَى أَوْلاَدِكُمْ، وَلاَ تَذْعُوا عَلَى
أَمْوَالِكُمْ، لاَ تُوَافِقُوا مِنَ اللَّهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ، فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ)).
(٣٠٠٩) - قوله: (سِرنا مع رسول الله وَ *) هذا حديث آخر لجابر ◌ُه سمعه عبادة بن
الوليد منه فرواه مجموعاً مع أحاديث أخرى.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود في الصلاة، باب النهي أن يدعو الإنسان على أهله وماله
(١٥٣٢)، وابن حبان في صحيحه كما في الإحسان لابن بلبان (٧: ٤٩٨).
قوله: (في غزوة بطن بواط) بضم الباء وقيل: بفتحها، والأول أشهر، جبل من جبال
جهينة بناحية رضوى كما في معجم البلدان للحموي (٢: ٥٠٣). وإن رسول الله صل غزا هذه
الغزوة في السنة الثانية من الهجرة في شهر ربيع الأول، قبل غزوة بدر، يريد قريشاً، واستعمل
على المدينة السائب بن مظعون، وهو أخو عثمان بن مظعون ﴿قًا، حتى بلغ بواط، ثم رجع إلى
المدينة ولم يلق كيداً. وراجع سيرة ابن هشام مع الروض الأنف للسهيلي (٢: ٥٧).
وذكر الواقدي في مغازيه (١: ١٢) أنه وَّ خرج يعترض لعير قريش، فيها أميّة بن خلف
ومائة رجل من قريش، وألفان وخمسمائة بعير، ثم رجع ولم يلق كيداً، فيمكن أن يكون
المجدي بن عمرو الجهني المذكور في هذا الحديث من جملة أصحاب العير، والله سبحانه
أعلم .
قوله: (وكان النّاضح يعقبه منّا الخمسة) بضم القاف، أي: يتناوب الخمسة في ركوبه،
فيركب واحد عقب الآخر. والناضح: البعير الذي يستقى به، ثم قد يستعمل لكل بعير.
قوله: (فدارت عُقْبة رجل) بضم العين وسكون القاف، وهي بمعنى النوبة.
قوله: (فتلدّن عليه) أي: تلكّأ وتوقّف، فلم يقم.
قوله: (شَأ) وفي بعض الروايات (سأ) بالسين المهملة، وكلاهما كلمتان يزجر بهما البعير
ومنه يقال: شأشأتُ البعير: إذا زجرته بقولي (شأ).
قوله: (فيستجيب لكم) هو بنصب الباء على أنه جواب للنهي، وبرفعها بتقدير (هو).
والحديث يدلّ على عدم جواز لعن البعير والدوابّ الأخرى، وعدم جواز الدعاء على نفسه
وأهله.

٤٠٦
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بَهِ. حَتَّى إِذَا كَانَتْ عُشَيْشِيَّةٌ وَدَنَوْنَا مَاءً مِنْ مِيَاهِ الْعَرَبِ، قَالَ:
رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((مَنْ رَجُلٌ يَتَقَدَّمُنَا فَيَمْدُرُ الْحَوْضَ فَيَشْرَبُ وَيَسْقِينَا؟)) قَالَ جَابِرٌ: فَقُمْتُ
فَقُلْتُ: هَذَا رَجُلٌ، يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّرَ: «أَيُّ رَجُلٍ مَعَ جَابِرٍ؟)) فَقَامَ
جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ. فَانْطَلَقْنَا إِلَى الْبِثْرِ. فَنَزَغْنَا فِي الْحَوْضِ سَجْلاً أَوْ سَجْلَيْنِ. ثُمَّ مَدَزْنَاهُ. ثُمَّ
نَزَعْنَا فِيهِ حَتَّى أَفْهَقْنَاهُ. فَكَانَ أَوَّلَ طَالِعٍ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ وَهِ. فَقَالَ: ((أَتَأْذَنَانِ؟)) قُلْنَا: نَعَمْ.
يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَشْرَعَ نَاقَتَهُ فَشَرِبَتْ.
(٣٠١٠) - قوله: (سِرنا مع رسول الله ◌َّه) هذا الحديث أخرجه أبو داود في الصلاة، باب
إذا كان الثّوب ضيّقاً (٦٣٤)، وأحمد في مسنده (٣: ٣٣٥)، والبيهقي في سننه الكبرى (٢ :
٢٣٩)، والبغوي في شرح السنّة (٣: ٣٨٥).
قوله: (حتى إذا كانت عُشَيْشِيَة) بضم العين وفتح الشين الأولى وكسر الثانية وتخفيف الياء
الثانية، تصغير للعشيّة على خلاف القياس، لأن قياس تصغيرها أن يكون (عُشَيّة).
قوله: (فيمدُر الحوض) أي: يطيّنه ويصلحه. والمَذْر بسكون الدال: تطيينك وجه الحوض
بالطين الحرّ لئلا ينشف، كما في لسان العرب (١٣ : ٥٣).
قوله: (هذا رجل يا رسول الله) يريد نفسه، يعني: أنّي أنا الرجل الذي يستعدّ لهذا الأمر.
قوله: (فقام جبّار بن صخر) الأنصاري ثم السّلمي رُه يكنى أبا عبد الله، ذكره موسى بن
عقبة عن ابن شهاب في أهل العَقَّبَة، وذكره أبو الأسود عن عروة في أهل بدر. وكان يخرص
نخيل خيبر بعد عبد الله بن رواحة، ولا يعرف له حديث في غير هذه القصة، وراجع الإصابة
(١ : ٢٢١).
قوله: (سجْلاً) أي: دلواً كبيراً، وهو بفتح السين وسكون الجيم.
قوله: (حتى أفهقناه) أي: ملأنا الحوض، وفي بعض النسخ: (أصفقناه) ومعناهما واحد.
والحاصل أنه كان هناك بئر وحوض، فنزعا أولاً دلواً أو دلوين لتحويل التراب إلى الطّين، ثمّ
طيّنا الحوض ليتنظف ويستقرّ فيه الماء الطيّب، ثمّ نزعا من البئر وملأا ذلك الحوض.
قوله: (أتأذنان؟) أي: للشرب من هذا الحوض. وإنما استأذن منهما لأنّهما كانا أحقّ بهذا
الماء الذي نزعاه، وبهذا الحوض الذي صنعاه وملأاه. وكان من المعروف لديه ولو أنهما
راضيان بأن يشرب منه ول* أو يسقي ناقته، ولكنه أخذ بأفضل الأخلاق وبالورع تعليماً للأمة
لتقتدي به في مثله .
قوله: (فأشرع ناقته) أي: أرسل رأسها في الماء لتشرب. يقال: شرعت الدابة في الماء:
شربت منه بفمها، وأشرعتُها: أي: جعلتها تشرب.

٤٠٧
كتاب: الزهد والرقائق
شَنَقَ لَهَا فَشَجَتْ فَبَالَتْ. ثُمَّ عَدَلَ بِهَا فَأَنَاخَهَا. ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ إِلَى الْحَوْضِ فَتَوَضَّأَ
مِنْهُ. ثُمَّ قُمْتُ فَتَوَضَّأْتُ مِنْ مُتَوَضٍَّ رَسُولِ اللهِ وَّهِ. فَذَهَبَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ يَقْضِي حَاجَتَهُ.
فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لِيُصَلِّيَ. وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ ذَهَبْتُ أَنْ أُخَالِفَ بَيْنَ طَرَفَيْهَا فَلَمْ تَبْلُغْ لِي.
وَكَانَتْ لَهَا ذَبَاذِبُ فَتَكَّسْتُهَا ثُمَّ خَالَفْتُ بَيْنَ طَرَفَيْهَا. ثُمَّ تَوَاقَصْتُ عَلَيْهَا. ثُمَّ جِئْتُ حَتَّى
قُمْتُ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ وَهَ. فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَنِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ. ثُمَّ جَاءَ
جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ فَتَوَضَّأَ. ثُمَّ جَاءَ فَقامَ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ وَلِّ. فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ
بِيَدَيْنَا جَمِيعاً. فَدَفَعَنَا حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ. فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَّه يَرْمُقُنِي وَأَنَا لَ أَشْعُرُ. ثُمَّ
فَطِنْتُ بِهِ. فَقَالَ هَكَذَا، بِيَدِهِ. يَعْنِي شُدَّ وَسَطَكَ. فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَ﴿ قَالَ: ((يَا جَابِرُ))
قُلْتُ: لَبَّيْكَ. يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((إِذَا كَانَ وَاسِعاً فَخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ. وَإِذَا كَانَ ضَيْقاً
قوله: (شنق لها) أي: كفّها بزمامها. وقال ابن دريد: هو أن تجذب زمامها حتى تقارب
رأسها قادمة الرجل.
قوله: (فشجت) الفاء هنا أصلية والجيم مخففة، يقال: فشج البعير: إذا فرّج بين رجليه
للبول. ووقع في بعض الروايات: (فشجَّت) بتشديد الجيم، والفاء على هذه الرواية عاطفة،
ومعنى (شجّت) أي: قطعت الشرب. والأول أولى، وقوله (شنق لها) و (فشجت) يقدر قبل كل
واحد منها حرف العطف، أي: وشنق لها وفشجت.
قوله: (ذهبت أن أخالف بين طرفيها فلم تبلغ لي) أي: كانت عندي بردة واحدة لجميع
بدني، فأردت أن أغطّي بها جميع بدني بأن أجعل طرفه الأيمن على منكبي الأيسر، وطرفه
الأيسر على منكبي الأيمن، ولكنّي لم أستطع ذلك لصغر البردة، فلم يبلغ طرفه إلى المنكب.
قوله: (كانت لها ذباذب فنكستها) الذباذب: الأهداب، واحدها: ذِبْذِب، بكسر الذالين.
وقوله (نكستها) بتخفيف الكاف، معناه: قَلَبتها. والظاهر أن مراده أن الذباذب كانت في الطول،
وكان عرضها قصيراً، فلبسه من جانب الطول، فبلغ الرداء إلى المنكب بفضل هذه الذباذب.
قوله: (ثم تواقصتُ عليها) أي: أمسكت الرداء بعنقي، وزاد أبو داود: (لا تسقط) أي:
إنما فعلت ذلك لئلا يسقط الرداء. وذلك أن الرداء وإن بلغ إلى المنكب بفضل الذباذب، ولكنه
مع ذلك كان بحيث لا يستقرّ على المنكب بنفسه، فاحتاج إلى أن يمسكه ما بين ذقنه وعنقه.
قوله: (حتى أقامنا خلفه) وبهذا علّمهما سنّة الموقف في صلاة الجماعة، أن المقتدي إن
كان واحداً يقوم عن يمين الإمام لا عن يساره، وإذا كانا اثنين قاما خلف الإمام. ودلّ الحديث
أيضاً على أن مثل هذه الحركات لإصلاح الصّلاة جائزة.
قوله: (يرمقني) بضم الميم، أي: ينظر إليّ نظراً متتابعاً .

٤٠٨
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَاشْدُدْهُ عَلَى حِقْوِكَ)) .
◌ِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَِّهِ. وَكَانَ قُوتُ كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا، فِي كُلِّ يَوْمِ، تَمْرَةً. فَكَانَ
يَمَضُّهَا ثُمَّ يَصُرُّهَا فِي ثَوْبِهِ. وَكُنَّا نَخْتَبِطُ بِقِسِيِّنَا وَنَأْكُلُ. حَتَّى قَرِحَتْ أَشْدَاقُنَا. فَأُقْسِمُ
أُخْطِئَهَا رَجُلٌ مِنَّا يَوْماً. فَانْطَلَقْنَا بِهِ نَنْعَشُهُ. فَشَهِدْنَا أَنَّهُ لَمْ يُعْطَهَا. فَأُعْطِيَهَا فَقَامَ فَأَخَذَهَا .
قوله: (فاشدده على حقوك) بفتح الحاء، وهو معقد الإزار، والمراد منه هنا: فوق السرّة.
ودلّ الحديث على جواز الصّلاة برداء واحد يتّزر به الرجل بحيث يستر ما بين سرّته وركبته فقط.
وأرشد النبيّ وَلو إلى أنه إذا كان الرداء ضيّقاً فإنه لا حاجة إلى أن يتكلف المرء إيصاله إلى
المنکب، بل يشّده فوق سرّته ويصلّي.
وهذا الحديث مناسب لما سبق من أن عبادة بن الوليد رأى جابراً يصلّي في رداء واحد،
فسأله عبادة عن ذلك. فقال: أردت أن يدخل عليّ الأحمق مثلك إلخ. وقد أخرجه أحمد في
مسنده (٣: ٣٣٥) بهذا السياق عن شرحبيل أبي سعيد: «أنه دخل على جابر بن عبد الله وهو
يصلّي في ثوب واحد وحوله ثياب، فلما فرغ من صلاته، قال، قلت: غفر الله لك يا أبا
عبد الله! تصلّي في ثوب واحد، وهذه ثيابك إلى جنبك؟ قال: أردت أن يدخل عليّ الأحمق
مثلك فيراني أصلّي في ثوب واحد، أو كان لكل أصحاب رسول الله وَّ ثوبان؟ قال: ثم أنشأ
جابر يحدثنا، فقال: قال رسول الله وَير: إذا ما اتّسع الثوب فتعاطف به على منكبيك ثم صلّ،
وإذا ضاق عن ذاك فشدّ به حقويك، ثم صلّ من غير ردّ له)).
(٠١١) - قوله: (سرنا مع رسول الله ◌َي) هذا الحديث من أفراد مسلم.
قوله: (ثمّ يصرّها في ثوبه) بضم الصّاد، أي: يلفّها في ثوبه، وأصل الصرّ: الجمع
والشدّ. والمعنى أنه كان يعطي تمرة واحدة لسائر اليوم، فيمصّ شيئاً منها ثم يلفّها في ثوبه
ليأكلها في وقت آخر.
قوله: (وكنّا نختبط بقسيّنا) يعني: كنّا نضرب بأقواسنا الشجر ليتحات الورق، فنأكل منها .
قوله: (حتى قرحت أشداقنا) بكسر الراء، أي: تجرّحت من خشونة الورق وحرارته.
قوله: (فأقْسِم، أخْطِئها) معنى أقسم: أحلف. وقوله (أخطئها) مبني على المجهول أي:
أخطأ رجل فلم يعطه التمرة حتى فاتته. والمقصود أنه كان للتمر قاسم يقسمه بينهم فيعطي كل
إنسان تمرة كل يوم، فقسم في بعض الأيام ونسي إنساناً فلم يعطه تمرته وظنّ أنه أعطاه، فتنازعا
في ذلك وشهدنا له أنه لم يعطها، فأعطيها بعد الشهادة.
قوله: (ننعشه) بفتح العين، أي: نرفعه ونقيمه. يعني: أنه كان من شدة الجوع والجهد كاد
أن يسقط فحملناه. وذكر القاضي عياض أن معناه أنّنا قوينا دعواه بشهادتنا، وليس المراد الحمل
بالأيدي.

٤٠٩
كتاب: الزهد والرقائق
سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ حَتَّى نَزَلْنَا وَادِياً أَفْيَحَ. فَذَهَبَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ يَقْضِي
حَاجَتَهُ. فَاتَّبَعْتُهُ بِإِدَاوَةٍ مِنْ مَاءٍ. فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَ ◌ّهِ فَلَمْ يَرَ شَيْئاً يَسْتَتِرُ بِهِ. فَإِذَا شَجَرَتَانِ
بِشَاطِىءِ الْوَادِي. فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ إِلَى إِحْدَاهُمَا فَأَخَذَ بِغُصْنِ مِنْ أَغْصَانِهَا. فَقَالَ:
(انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ)) فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَالْبَعِيرِ الْمَخْشُوشِ، الَّذِي يُصَانِعُ قَائِدَهُ. حَتَّى أَتَّى
الشَّجَرَةَ الأَخْرَىْ. فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا. فَقَالَ: ((انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ)) فَانْقَادَتْ مَعَهُ
كَذَلِكَ. حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْمَنْصَفِ مِمَّا بَيْنَهُمَا، لأَمَ بَيْنَهُمَا، (يَعْنِي جَمَعَهُمَا)، فَقَالَ: ((الْتَئِمَا
عَلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ)) فَالْتَّأَمَتَا. قَالَ جَابِرٌ: فَخَرَجْتُ أُخْضِرُ مَخَافَةً أَنْ يُحِسَّ رَسُولُ اللَّهِ وَ بِقُرْبِي
فَيَبْتَعِدَ (وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ: فَيَتَبَعَّدَ) فَجَلَسْتُ أُحَدِّثُ نَفْسِي. فَحَانَتْ مِنِّي لَفْتَةٌ، فَإِذَا أَنَا
بِرَسُولِ اللَّهِ وَهِ مُقْبِلاَ. وَإِذَا الشَّجَرَتَانِ قَدِ افْتَرَقَتَا. فَقَامَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى سَاقٍ.
فَرَ أَيْتُ رَسُولَ اللّهِ بِهِ وَقَفَ وَقْفَةً.
(٣٠١٢) - قوله: (سرنا مع رسول الله (*) هذا الحديث لم يخرجه غير المصنف من الأئمة
الستة، وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٦: ٩).
قوله: (وادياً أفيح) بوزن (أفلح) يعني: واسعاً. و (شاطىء الوادي) جانبه.
قوله: (فانقادت معه كالبعير المخشوش) وهو الذي يجعل في أنفه خِشاش، بكسر الخاء،
وهو عود يجعل في أنف البعير إذا كان صعباً، ويشدّ فيه حبل ليذل وينقاد، وقد يتمانع لصعوبته،
فإذا اشتدّ عليه وآلمه انقاد شيئاً، ولهذا قال: (الذي يصانع قائده) أي: يتفاعل معه ويستسلم له.
قوله: (حتى إذا كان بالمنصف) بفتح الميم والصّاد، وهو نصف المسافة.
قوله: (فخرجت أحضر) بضم الهمزة من باب الإكرام، أي: أعدو وأركض بشدّة وذلك
لأنه إن شعر رسول الله وَ ل بقربي، فإنه لا يجلس لقضاء حاجته في ذلك المكان، بل يذهب إلى
مكان أبعد منه، وذلك يشقّ عليه، فتبعدت أنا منه لئلا يتعب هو بالمشي إلى مكان بعيد.
قوله: (فحانت منّي لفتة) بفتح اللام وسكون الفاء، وهي بمعنى النظرة إلى جانب. ووقع
في بعض الروايات: (فحالت) بدل قوله (فحانت) وكلاهما بمعنى واحد.
قوله: (وإذا الشّجرتان قد افترقتا) وحاصل الكلام أن النبيّ وَّ ر كان يريد التستر لقضاء
حاجته، وما كان يتيسّر له ذلك بشجرة واحدة، فأمر الشجرتين حتى انتقلتا إلى مكان متوسط
بينهما ثمّ أمرهما حتّى التأمتا بحيث صارتا كجسم واحد، فتستّر بهما وقضى حاجته، ثمّ عادت
الشجرتان إلى هيئتهما المستقلّة ورجعت كل واحدة منهما إلى مكانها. وهذه معجزة من معجزات
النبيّ ◌َلهو .
قوله: (فرأيت رسول الله ﴾ وقف وقفة) وإنّما وقف كذلك لما سيأتي أنه شعر أن هناك
قبرين يعذّب صاحباهما .

٤١٠
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَقَالَ بِرَأْسِهِ هَكَذَا، (وَأَشَارَ أَبُو إِسْمَاعِيلَ بِرَأْسِهِ يَمِيناً وَشِمَالاً)، ثُمَّ أَقْبَلَ. فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيَّ
قَالَ: ((يَا جَابِرُ، هَلْ رَأَيْتَ مَقَامِي؟)) قُلْتُ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: ((فَانْطَلِقْ إِلَى
الشَّجَرَتَيْنِ فَاقْطَعْ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غُصْناً. فَأَقْبِلْ بِهِمَا. حَتَّى إِذَا قُمْتَ مَقَامِي فَأَرْسِلْ
غُصْناً عَنْ بِمِينِكَ وَغُضْناً عَنْ يَسَارِكَ)).
قَالَ جَابِرٌ: فَقُمْتُ فَأَخَذْتُ حَجَراً فَكَسَرْتُهُ وَحَسَرْتُهُ. فَانْذَلَقَ لِي. فَأَتَيْتُ الشَّجَرَتَيْنِ
فَقَطَعْتُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غُصْناً. ثُمَّ أَقْبَلْتُ أَجُرُّهُمَا حَتَّى قُمْتُ مَقَامَ رَسُولِ اللَّهِ لَ
أَرْسَلْتُ غُصْناً عَنْ يَمِينِي وَغُصْناً عَنْ يَسَارِي. ثُمَّ لَحِقْتُهُ فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ،
فَعَمَّ ذَاكَ؟ قَالَ: (إِنِّي مَرَرْتُ بِقَبْرَيْنٍ يُعَذَّبَانِ. فَأَحْبَيْتُ، بِشَفَاعَتِي، أَنْ يُرَفَّهَ عَنْهُمَا، مَا دَامَ
الْغُصْنَانِ رَطْبَيْنِ)) .
قَالَ: فَأَتَيْنَا الْعَسْكَرَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((يَا جَابِرُ نَادٍ بِوَضُوءٍ)) فَقُلْتُ: أَلاَ
قوله: (فقال برأسه هكذا) أي: أشار برأسه وحرّكه يميناً وشمالاً، لأنّ أحد القبرين كان
في جانب اليمين، والآخر كان في جهة اليسار.
قوله: (هَل رأيت مقامي؟) يعني: هل رأيت المكان الذي وقفت فيه وقفة؟
قوله: (فأرسل غصناً) إلخ: يعني: اتركه موضوعاً هناك.
قوله: (وحَسَرْته) أي: أحددته ونحيت عنه ما يمنع حدّته بحيث يمكن لي أن أقطع به
الغصن. وأصل الحَسْر: كشطك الشيء عن الشّيءُ ونَحته. ومنه (حاسر الرأس) وهو الذي ليس
على رأسه قلنسوة أو عمامة، كأنه كشطها عن رأسه. وقوله (فانذلق) أي: صار حاداً.
قوله: (فعمّ ذاك؟) (عن) ههنا سببيّة، و (ما) موصولة، أدغمت نون الأول في ميم الثاني
وحذفت الألف من آخره، يعني: لماذا أمرتني بهذا الفعل؟
قوله: (أن يرفّه عنهما) أي: أن يخفّف عنهما في العذاب. وهذه القصّة غير القصّة
المعروفة التي تقدمت قبيل كتاب الحيض رواها ابن عباس رضيها أنه وَلّ مرّ على قبرين فقال: ((أما
إنهما يعذبان وما يعذّبان في كبير إلخ)) ثمّ دعا بعسيب رطب فشقّه باثنين ثم غرس على هذا واحداً
وعلى هذا واحداً، وقد ذكر الحافظ في الفتح (١: ٣١٩) وجوه المغايرة بين حديث جابر
وحديث ابن عبّاس ها، وأما حكم وضع الجريدة أو الغصن على القبر، فقد تقدم الكلام عليه
قبيل كتاب الحيض. وقوله وَّر (بشفاعتي) في هذا الحديث ظاهر في أن التخفيف في العذاب
إنما كان بشفاعة النبيّ وَّ وأن ذلك من خصائصه، والحكم ليس بعامّ، والله سبحانه أعلم.
(٣٠١٣) - قوله: (نادٍ بوَضوء) بفتح الواو، وهو الماء الذي يتوضأ به، يعني: اسأل الناس
هل عند أحدهم ماء للوضوء؟
٠

٤١١
كتاب: الزهد والرقائق
وَضُوءَ؟ أَلاَ وَضُوءَ؟ أَلاَ وَضُوءَ؟ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا وَجَدْتُ فِي الرَّكْبِ مِنْ
قَطْرَةٍ. وَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يُبَرِّدُ لِرَسُولِ اللَّهِ وَ الْمَاءَ، فِي أَشْجَابٍ لَهُ، عَلَى حِمَارَةٍ مِنْ
جَرِيدٍ. قَالَ: فَقَالَ لِيَ: ((انْطَلِقْ إِلَى فُلاَنِ بْنِ فُلاَنِ الأَنْصَارِيِّ، فَانْظُرْ هَلْ فِي أَشْجَابِهِ مِنْ
شَيْءٍ؟)) قَالَ: فَانْطَلَقْتُ إِلَيْهِ فَنَظَرْتُ فِيهَا فَلَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلَّ قَطْرَةً فِي عَزْلاءِ شَجْبٍ مِنْهَا، لَوْ
أَنِّي أُفْرِغُهُ لَشَرِبَهُ يَابِسُهُ. فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلاَّ
قَطْرَةً فِي عَزْلاَءِ شَجْبٍ مِنْهَا. لَوْ أَنِّي أُفْرِغُهُ لَشَرِبَّهُ يَابِسُهُ. قَالَ: ((اذْهَبْ فَأَتِي بِهِ)) فَأَتَيْتُهُ بِهِ .
فَأَخَذَهُ بِيَدِهِ فَجَعَلَ يَتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ لاَ أَذْرِي مَا هُوَ. وَيَغْمِزُهُ بِيَدَيْهِ. ثُمَّ أَعْطَانِهِ فَقَالَ: ((يَا جَابِرُ،
نَادِ بِجِفْنَةٍ) فَقُلْتُ: يَا جَفْئَةَ الرَّكْبِ، فَأُتِيتُ بِهَا تُحْمَلُ. فَوَضَعتُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ. فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ بِيَدِهِ فِي الْجَفْنَةِ هَكَذَا. فَبَسَطَهَا وَفَرَّقَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. ثُمَّ وَضَعَهَا فِي فَعْرِ
قوله: (في أشجاب له على حمارة من الجريد) الأشجاب جمع شَجْب، بسكون الجيم،
وهو السقاء الذي قد أخلق وبلي وصار شناً يابساً. والحمارة، بكسر الحاء وتخفيف الميم
والراء: أعواد تعلّق عليها أسقية الماء، والجريد غصن النّخل. والمعنى أن رجلاً من الأنصار
كان يضع الماء في شنّ يابس ويعلّقه على أعواد من الجريد ليبرد الماء فيشربه رسول الله وَلؤ .
فظنّ رسول الله وَلقر أنه يوجد عنده بعض الماء.
قوله: (إلا قطرة في عزلاء شجب منها) العزلاء: بفتح العين وسكون الزاي: فم القربة.
يعني: كان هناك قطرة، أي: قليل من الماء، في فم قربة من القرب التي كانت عنده.
قوله: (لو أنّي أفرغه لشربه يابسه) يعني: أن الماء كان من القلّة بحيث لو سكبته في إناء
ليبست القطرة قبل أن تبلغ الإناء، لأن الشنّ اليابس يجذبه.
قوله: (يتكلم بشيء لا أدري ما هو) كأنه ◌َّر دعا بكلمات لم يسمعها جابر نَظُله.
قوله: (ويغمزه بيديه) وفي بعض النسخ: (بيده) والمراد أنه ◌َّ جعل يغمِز الشَّجْب بيده
ليعصره .
قوله: (ناد بجفئة) أي: ناد النّاس ليأتي أحدهم بجفنة، وهي بفتح الجيم إناء يوضع فيه
الطعام، وهي القصعة الكبيرة. والجمع جِفان.
قوله: (يا جفنة الرّكب) قال النووي: ((أي يا صاحب جفنة الركب، فحذف المضاف للعلم
بأنه المراد، وأن الجفنة لا تُنادى. ومعناه: يا صاحب جفنة الركب التي تشبعهم أحضرها. أي:
من مكان عنده جفنة بهذه الصفة فليُحضرها)).
قوله: (فأتِيْت بها تُحْمل) يعني: يحملها النّاس، وفيه إشارة إلى كبرها وثقلها .
قوله: (ثم وضعها في قعر الجفنة) أي: وضع يده الشريفة في أسفلها .

٤١٢
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الْجَفْنَةِ. وَقَالَ: ((خُذْ. يَا جَابِرُ، فَصُبَّ عَلَيَّ. وَقُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ) فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ وَقُلْتُ: بِاسْم
اللَّهِ. فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَفُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ وَ. ثُمَّ فَارَتِ الْجَفْنَةُ وَدَارَتْ حَتَّىَ
امْتَلأَتْ فَقَالَ: ((يَا جَابِرُ، نَادِ مَنْ كَانَ لَةً حَاجَةٌ بِمَاءٍ)) قَالَ فَأَتَى النَّاسُ فَاسْتَقَّوْا حَتَّى رَوُوا.
قَالَ: فَقُلْت: هَلْ بَقِيَ أَحَدٌ لَهُ حَاجَةٌ؟ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهِ يَدَهُ مِنَ الْجَفْنَةِ وَهِيَ مَلَأَىُ.
وَشَكَا النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ الْجُوعَ. فَقَالَ: ((عَسَى اللَّهُ أَنْ يُطْعِمَكُمْ)) فَأَتَيْنَا سِيفَ
الْبَحْرِ. فَزَخَرَ الْبَحْرُ زَخْرَةً.
قوله: (فصُبّ عليّ) أي: اسكب على يدي الماء من القربة.
قوله: (فرأيت الماء يفور من بين أصابع رسول الله (وَ﴾﴾ قال القاضي عياض: ((هذه من
باهر معجزاته وط هر، وقد روينا عنه هذه في مواطن متفقة المعنى. وكذلك من معجزاته وصله ما تقدم
من أمر الشجرتين، وكذلك اكتفاؤهم بالتمرة ببركته وَلآت)).
(٣٠١٤) - قوله: (فأتينا سِيف البحر) بكسر السين وسكون الياء، وهو بمعنى السّاحل.
وإن هذه السرّية تسمّى سرية سِيف البحر، وتسمّى سرّية الخبط أيضاً، لأن الصحابة اضطرّوا فيها
إلى أكل الخبط، وهي ورق الشّجر. وقد مضت قصة هذه السرّية مبسوطة في كتاب الصيد
والذبائح، باب إباحة ميتات البحر، وذكرنا هناك أنها وقعت سنة ستّ أو قبلها، وكان أميرَهم أبو
عبيدة بن الجرّاح ◌َظ ◌ُه، وخرجوا يتلقّون عيراً لقريش ويسيرون إلى جهينة.
ثم يظهر من سياق الحديث هُنا أنهم كانوا مع النبيّ وَّ في هذا الغزو. ولكن سياق حديث
جابر في كتاب الصّيد أن النبيّ وَّر لم يكن معهم في سريّة سيف البحر، حيث قال: ((بعثنا
رسول الله (8* وأمّر علينا أبا عبيدة بن الجرّاح)) وكذلك وقع في روايات البخاري في المغازي
(رقم: ٤٣٦٠ وما بعدها).
ومن أجل هذا الاختلاف مال بعض العلماء كالقاضي عياض رحمه الله، إلى أنهما
قصتان، فما تقدم في كتاب الصّيد سرّية لم يكن معها رسول الله وَلور، وهذه غزوة شهدها
رسول الله 98َّ بنفسه. ولكن هذا بعيد بالنّظر إلى موافقة الحديثين في أكثر أجزاء القصة، فالراجح
ما ذكره القاضي رحمه الله احتمالاً، وهو أن القصة واحدة، ولكن أوردها جابر هنا بعد ذكر ما
شاهده مع رسول الله وير، وعطف هذه القضية عليها. وشرحه الحافظ في الفتح (٨: ٨١) بقوله:
((يمكن حمل قوله: فأتينا سِيف البحر)) على أنه معطوف على شيء محذوف تقديره: بعثنا النبيّ وَّه
في سفر فأتينا إلخ) والحاصل أن قوله: (شكا الناس إلى رسول الله وَلّ الجوع، فقال عسى الله
أن يطعمكم) منفصل عما بعده. والأسلوب الذي سردت به أحاديث مختلفة في هذا الحديث
الطويل لا يأبى هذا التقدير، والله سبحانه أعلم.
قوله: (فزخر البحر) أي: مدّ وكثر في ماؤه وارتفعت أمواجه.

٤١٣
كتاب: الزهد والرقائق
فَأَلْقَىْ دَابَّةٌ. فَأَوْرَيْنَا عَلَى شِقِّهَا النَّارَ. فَاطَبَخْنَا وَاشْتَوِيْنَا، وأَكَلْنَا حَتَّى شَبِعْنَا. قَالَ جَابِرٌ:
فَدَخَلْتُ أَنَا وَفُلاَنٌ وَفُلاَنٌ، حَتَّى عَدَّ خَمْسَةً، فِي حِجَاجِ عَيْنِهَا. مَا يَرَانَا أَحَدٌ. حَتَّى
خَرَجْنَا. فَأَخَذْنَا ضِلَعاً مِنْ أَضْلاَعِهِ فَقَوَّسْنَاهُ. ثُمَّ دَعَوْنَا بِأَعْظَمْ رَجُلٍ فِي الرَّكْبِ، وَأَعْظَمِ
جَمَلٍ فِي الرَّكْبِ، وَأَعْظَمِ كِفْلٍ فِي الرَّكْبِ، فَدَخَلَ تَحْتَهُ مَا يُطَأْطَىُ رَأْسَهُ.
(١٩) - باب: في حديث الهجرة. ويقال له: حديث الرَّحْل
٧٤٣٨ - (٧٥) حدّثني سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ. حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَغْيَنَ. حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ.
حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ: جَاءَ أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ إِلَى أَبِي فِي
مَنْزِلِهِ. فَاشْتَرَى مِنْهُ رَحْلاً. فَقَالَ لِعَازِبٍ: ابْعَثْ مَعِيَ ابْنَكَ يَحْمِلْهُ مَعِيٍ إِلَى مَنْزِي. فَقَالَ لِي
قوله: (فألقى دابّة) تقدم في كتاب الصيد أنه كان حوتاً عظيماً يقال له العنبر.
قوله: (فأورینا) أي: أوقدنا .
قوله: (في حِجَاج عينها) بكسر الحاء وفتحها، وهو عظمها المستدير بالعين.
قوله: (ما يرانا أحد) يعني: أن خمسة رجال دخلوا في حجاج عينها، فغابوا فيها حتى لا
يراهم أحد من الخارج.
قوله: (وأعظم كِفل) بكسر الكاف وسكون الفاء، وهو الكساء الذي يحويه راكب البعير
على سنامه لئلا يسقط، فيحفظ الكفل الراكب. وذكر القاضي عياض رحمه الله أنه ضبطه بعض
الرواة بفتح الكاف والفاء، وهو بمعنى العُجز. وذكر النووي أن الأول أصح.
قوله: (ما يطأطىء رأسه) أي: لم يحتج هذا الراكب أن يخفض رأسه لعظم الضلع
المقوّس.
(١٩) - باب: في حديث الهجرة، ويقال له: حديث الرحل
٧٥ - (٢٠٠٩) - قوله: (سمعت البراء بن عازب) قد تقدم بعض أطراف هذا الحديث في
كتاب الأشربة، باب شرب اللبن، وتقدم شرحه وتخريجه هناك. وأخرجه أيضاً أحمد في مسنده
(١: ٢)، وابن حبان في صحيحه، كما في ترتيبه (٩: ١٠)، والبيهقي في دلائل النبوة (٢ :
٤٨٣)، وأبو نعيم في الدلائل (٢: ٣٢٥).
قوله: (فاشترى منه رحلاً) بفتح الراء وسكون الحاء، وهو للناقة كالسرج للفرس.
قوله: (فقال لعازب) يعني: عازب بن الحارث والد البراء طيها. قال ابن سعد: ((قالوا:
وكان عازب قد أسلم ولم يسمع له بذكر في المغازي، وقد سمعنا بحديثه في الرحل الذي اشتراه
منه أبو بكر الصديق)) كذا في الإصابة (٢: ٢٣٥) وأما ابنه البراء رُّه، فقد ثبت أنه شهد أحداً

٤١٤
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أَبِي: احْمِلْهُ. فَحَمَلْتُهُ وَخَرَجَ أَبِي مَعَهُ يَنْتَقِدُ ثَمَنَهُ. فَقَالَ لَهُ أَبِي: يَا أَبَا بَكْرٍ، حَدِّثْنِي كَيْفَ
صَنَعْتُمَا لَيْلَةَ سَرَيْتَ مَع رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ. قَالَ: نَعَمْ. أَسْرَيْنَا لَيْلَتَنَا كُلَّهَا. حَتَّى قَامَ قَائِمُ
الظَّهِيرَةِ. وَخَلاَ الطَّرِيقُ فَلاَ يَمُرُّ فِيهِ أَحَدٌ. حَتَّى رُفِعَتْ لَنَا صَخْرَةٌ طَوِيلَةٌ لَهَا ظِلٌّ. لَمْ تَأْتِ
عَلَيْهِ الشَّمْسُ بَعْدُ. فَنَزَلْنَا عِنْدَهَا. فَأَتَيْتُ الصَّخْرَةَ فَسَوَّيْتُ بِيَدِي مَكَاناً، يَنَامُ فِيهِ النَّبِيُّ ◌َِل
فِي ظِلِّهَا. ثُمَّ بَسَطْتُ عَلَيْهِ فَرْوَةً. ثُمَّ قُلْتُ: نَمْ. يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَنَا أَنْفُضُ لَكَ مَا
حَوْلَكَ. فَنَامَ. وَخَرَجْتُ أَنْفُضُ مَا حَوْلَهُ. فَإِذَا أَنَا بِرَاعِي غَنَمِ مُقْبِلٍ بِغَنَمِهِ إِلَى الصَّخْرَةِ،
يُرِيدُ مِنْهَا الَّذِي أَرَدْنَا. فَلَقِيتُهُ فَقُلْتُ: لِمَنْ أَنْتَ يَا غُلاَمُ؟ فَقَالُ: لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
قُلْتُ: أَفِي غَنَمِكَ لَبَنٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَفَتَحْلُبُ لِي؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَخَذَ شَاةً. فَقُلتُ لَهُ:
وما بعدها، ولم يشهد بدراً لصغره، وناصر عليّاً رَبه في الجمل وصفّين، وهو الذي افتتح الرّي
سنة أربع وعشرين، وشهد غزوة تستر مع أبي موسى، ونزل الكوفة ومات في إمارة مصعب
(سنة: ٧٢هـ) وروى عن النبيّ ◌َّر أحاديث. راجع الإصابة (١: ١٤٧).
قوله: (ينتقد ثمنه) أي: ليستوفي ثمنه .
قوله: (حتى قام قائم الظهيرة) قال النووي: ((قائم الظهيرة: نصف النهار، وهو حال
استواء الشمس، سمي قائماً لأن الظلّ لا يظهر، فكأنه واقف قائم. ووقع في أكثر النسخ: قائم
الظّهر بضم الظاء وحذف الياء)).
قوله: (رفعت لنا صخرة) أي: ظهرت لنا. وقوله (لم تأت عليه الشمس بعد) معناه أنه كان
ظلّ أول النهار.
قوله: (بسطت عليه فروة) وهي ملبوس يصنع من وبر أو صوف يلبس كالجبّة.
قوله: (وأنا أنفض لك ما حولك) يعني: من الغبار ونحو ذلك. وقيل: معنى النفض هنا
الحراسة. يقال: نفضت المكان: إذا نظرت جميع ما فيه. ويؤيده ما بعده: (وخرجت أنفض ما
حوله) ووقع في رواية إسرائيل عند البخاري: ((ثم انطلقت أنظر ما حولي، هل أرى من الطلب
أحداً)).
قوله: (يريد منها الذي أردنا) أي: يريد من الصخرة ما أردنا منها، يعني: الاستظلال بها.
قوله: (لرجل من أهل المدينة) وهي هنا بمعناها اللغويّ، والمراد هنا مكّة، لأن المدينة
المنورة كانت تسمى يومئذ يثرب، ولأنه لم تجر العادة من الرعاة أن يبعدوا في المراعي هذه
المسافة البعيدة. ووقع في رواية إسرائيل عند البخاري في مناقب أبي بكر (٣٦٥٢): ((فقال:
لرجل من قريش سمّاه فعرفته)) ولم يكن قريش يسكنون المدينة حينئذٍ.
قوله: (أفتحلب لي؟) قال الحافظ في الفتح (٦: ٦٢٣): ((الظاهر أن مراده بهذا

٤١٥
كتاب: الزهد والرقائق
انْفُضِ الضَّرْعَ مِنَ الشَّعَرِ وَالتُّرَابِ وَالْقَذَى (قَالَ: فَرَأَيْتُ الْبَرَاءَ يَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلَى الأُخْرَى
يَنْفُضُ) فَحَلَبَ لِي، فِي قَعْبِ مَعَهُ، كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ. قَالَ: وَمَعِي إِدَاوَةٌ أَرْتَوِي فِيهَا لِلنَّبِّ وََّه
لِيَشْرَبَ مِنْهَا وَيَتَوَضَّأَ. قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ وَهَ. وَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُ مِنْ نَوْمِهِ. فَوَافَقْتُهُ
اسْتَيْقَظَ. فَصَبَيْتُ عَلَى اللَّبَنِ مِنَ الْمَاءِ حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اشْرَبْ مِنْ
هَذَا اللَّبَنِ. قَالَ: فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ. ثُمَّ قَالَ: ((أَلَمْ يَأْنِ لِلرَّحِيلِ؟)) قُلْتُ: بَلَى. قَالَ:
فَارْتَحَلْنَا بَعْدَ مَا زَالَتِ الشَّمْسُ. وَاتَّبَعَنَا سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ. قَالَ: وَنَحْنُ فِي جَلَدٍ مِنَ الأَرْضِ.
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُتِينَا. فَقَالَ: ((لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)) فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ وَرَ.
فَارْتَطَمَتْ فَرَسُهُ إِلَى بَطْنِهَا. أُرَىْ فَقَالَ: إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمَا قَدْ دَعَوْتُمَا عَلَيَّ. فَادْعُوا لِي.
الاستفهام: أمعك إذن في الحلب لمن يمر بك على سبيل الضيافة؟ وبهذا التقرير يندفع الإشكال
الماضي في اللقطة، وهو كيف استجاز أبو بكر أخذ اللبن من الراعي بغير إذن مالك الغنم؟
ويحتمل أن يكون أبو بكر لمّا عرفه عرف رضاه بذلك بصداقته له أو إذنه العام لذلك)).
قوله: (في قعب معه كثبة من لبن) القعب: قدح من خشب. الكُثبة، بضم الكاف وسكون
الثاء: قدر الحلبة، يعني: القدر الذي يخرج من ضرع الدابة في حلبة واحدة. وقيل: هي القليل
من اللبن.
قوله: (ومعي إداوة) وهي المطهرة، والإناء الذي يجمع فيه الماء، وقوله (أرتوي) معناه:
أستقي.
قوله: (ونحن في جلد من الأرض) بفتح الجيم واللام، أي: في أرض صلبة. وإنما ذكر
ذلك لبيان أن مثل هذه الأرض لا تسوخ فيه قوائم الدابة عادة، ولكنه كان معجزة للنبيّ وَلـ
قوله: (أُتينا) بضم الهمزة على البناء للمجهول، يعني: أتانا طالبنا .
قوله: (فارتطمت فرسه) أي: غاصت قوائمهما في الأرض إلى بطنها. ورَطَمه يرطُمه (بضم
الطاء في المضارع) أي: أوحله في أمر لا يخرج منه، وارتطم في الطّين: وقع فيه فتخبّط. كذا
في لسان العرب (٥: ٢٣٨).
وسبب اتباع سراقة له وَلقر، على ما ذكر عنه ابن إسحاق في السّير، أنه قال: ((لما خرج
رسول الله وَّر مهاجراً جعلت قريش لمن يرده مائة ناقة. قال سراقة: فبينما أنا جالس في نادي
قومي، إذ أقبل رجل منا، قال: لقد رأيت ثلاثة مرّوا عليّ آنفاً، وما أظنه إلا محمداً وأصحابه.
قال سراقة: فأومأت عليه أن اسكت، وقلت: إنما هم بنو فلان يبتغون ضالّة. ثم قمت فدخلت
بيتي، ثم أمرت بفرسي فقُدم لي، وخرجت من دبر حجرتي، ثم أخذت قداحي، فاستقسمت
فَخرج إليّ السّهم الذي أكره ولا يضرّ. ثمّ لبست لأمتي وخرجت، رجاء أن أردّه وآخذ المائة

٤١٦
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَاللَّهُ لَكُمَا أَنْ أَرُدَّ عَنْكُمَا الطّلَبَ. فَدَعَا اللَّهَ. فَنَجَى. فَرَجَعَ لاَ يَلْقَىْ أَحَداً إِلاَّ قَالَ: قَدْ
كَفَيْتُكُمْ مَا هُهُنَا. فَلاَ يَلْقَى أَحَداً إِلَّ رَدَّهُ. قَالَ: وَوَفَى لَنَا.
( ... ) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ. ح وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ. كِلاَهُمَا عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ.
قَالَ: اشْتَرَى أَبُو بَكْرٍ مِنْ أَبِي رَخْلاً بِثَلاثَةَ عَشَرَ دِرْهَماً. وَسَاقَ الْحَدِيثَ. بِمَعْنَى حَدِيثٍ
زُهَيْرٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ، مِنْ رِوَايَةٍ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ: فَلَمَّا دَنَا دَعَا عَلَيْهِ
رَسُوَّلُ اللّهِ وَهِ. فَسَاخَ فَرَسُهُ فِي الأَرْضِ إِلَى بَظْنِهِ. وَوَثَبَ عَنْهُ. وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، قَدْ
عَلِمْتُ أَنَّ هَذَا عَمَلُكَ. فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُخَلِّصَنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ. وَلَكَ عَلَيَّ لأُعَمِّيَنَّ عَلَى مَنْ
وَرَائِي. وَهَذِهِ كِنَانَتِي. فَخُذْ سَهْماً مِنْهَا. فَإِنَّكَ سَتَمُرُّ عَلَى إِلِي وَغِلْمَانِي بِمَكَانٍ كَذَا وَكَذَا
ناقة)) فكان من أمره ما ذكر في الحديث. كذا في شرح الأبيّ. وقد أخرج البخاري حديث سراقة
هذا بسياق أتمّ من سياق ابن إسحاق (راجعه في المناقب رقم: ٣٩٠٦).
قوله: (فالله لكما أن أردّ عنكما الطّلب) قال الشيخ محمد ذهني في تعليقه على صحيح
مسلم: ((معناه: فالله ينفعكم بردّي عنكما الطّلب، والله أعلم)) قلت: ويحتمل أيضاً أن يكون
التقدير: ((فاللهُ شاهدي لكما على أن أردّ عنكما الطلب)» والحاصل أنه أقسم بالله أنّه إن نجا من
هذه المصيبة، فإنه لا يدّل أحداً على مكان رسول الله وَله، بل يردّ عنه من يطلبه.
قوله: (قد كفيتكم ما ههنا) يعني: بحثت عن رسول الله وَّ ر في هذا المكان فلا حاجة لكم
أن تبحثوا عنه فيه مرّة أخرى، وذلك وفاء بوعده أنه يرد عنهما الطلب.
قوله: (فساخ فرسه) أي: غاصت قوائمه.
قوله: (لك عليّ لأعمِّينّ على من ورائي) قوله (لك عليّ) كلمة قسم. وقوله: (لأعَمِينّ)
بفتح العين وكسر الميم المشدّدة، من باب التفعيل. وعمّى الرجل: صيّره أعمى. وكذلك أعماه.
فيحتمل أن يكون (لأعْمِيَنّ) بسكون العين وكسر الميم المخففة. يعني: أنّ أضلّ عنكما من يأتي
ورائي في طلبكم، وأجعلهم عُمْياً عنكم.
قوله: (فخذ سهماً منها) أي: لتكون علامة عندك تريها أهلي، فيعلمون بها أنك لقيتني،
وأنّي أذنت لك في أن تأخذ من مالي ما شئت. ووقع في حديث سراقة عند البخاري في
المناقب: ((ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله وق لقه ،
فقلت له: إنّ قومك قد جعلوا فيك الدّية، وأخبرتهم إخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم
الزّاد والمتاع، فلم يرزاني، ولم يسألاني إلا أن قال: أخْف عنّا)) وفيه كمال استغناء
رسول الله وَّر، عن متاع الدنيا مع حاجته إليه في السّفر، وتوفّره له بطريق حلال، فصلّى الله
تعالى عليه وبارك وسلّم كثيراً .

٤١٧
كتاب: الزهد والرقائق
فَخُذْ مِنْهَا حَاجَتَكَ. قَالَ: ((لاَ حَاجَةَ لِي في إِبِلِكَ)) فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ لَيْلاً. فَتَنَازَعُوا أَيُّهُمْ يَنْزِلُ
عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ وَّرِ. فَقَالَ: ((أَنْزِلُ عَلَى بَنِي النَّجَّارِ، أَخْوَالِ عَبْدِ الْمُطَّلِبٍ، أُكْرِمُهُمْ بِذَلِكَ))
فَصَعِدَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فَوقَ الْبُيُوتِ. وَتَفَرَّقَ الْغِلْمَانُ وَالْخَدِمُ فِي الطُّرُقِ، يُنَادُونَ: يَا مُحَمَّدُ
يَا رَسُولَ اللَّهِ. يَا مُحَمَّدُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ.
وبهذا تمّ بفضل الله تعالى شرح كتاب الزهد ليلة التاسع والعشرين من شهر محرم الحرام
(سنة: ١٤١٥) من الهجرة النبوية على صاحبها السلام، وأسأل الله تعالى أن يوفقني لإكمال باقي
الشرح على ما يحبه ويرضاه.

٤١٨
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
٥٤ - كتاب: التفسير
٧٤٣٩ - (١) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ
كتاب: التفسير
هذا آخر كتاب في صحيح مسلم، وقد اختصره المصنف رحمه الله تعالى، فلم يورد فيه إلا
ثمانية عشر حديثاً، وذلك لأنّ الأحاديث المرفوعة الخاصّة بتفسير القرآن الكريم يقلّ فيها توفّر
الشروط التي التزم بها الإمام مسلم رحمه الله تعالى لإخراج الأحاديث في هذا الكتاب. وأمّا
الأحاديث التي يستنبط منها مسألة من مسائل التّفسير، أو لها علاقة بآية من آيات القرآن الكريم،
وإن لم تكن في صميم موضوع التّفسير، فإنّ المصنّف رحمه الله تعالى أخرجها في الأبواب
الأخرى من هذا الكتاب، وليس من عادته التكرار. ولهذا قلّت أحاديث هذا الكتاب.
وقد اشتهر فيما بين المتأخرين ممّن كتبوا في مصطلح الحديث أنّ اسم (الجامع) إنّما يطلق
على الكتاب الذي يجمع أحاديث تتعلق بثمانية مواضيع، وهي العقائد، والأحكام، والرقاق،
والآداب، والتفسير، والسّيرة، والفتن، والمناقب. وذكروا أن صحيح البخاريّ جامع لتضمّنه
أحاديث هذه الأبواب كلّها. أمّا صحيح مسلم، فقالوا إنه ليس جامعاً لقّة التفسير فيه. وقد مرّ
الكلام على ذلك في مقدمة هذا الكتاب (١: ٣٩٣) تحت عنوان (أنواع المصنفات في
الحدیث).
وقد بحثت عن تعريف اصطلاح (الجامع) في كتب المتقدمين، فلم أجد عندهم هذا
الاصطلاح بهذا التعريف، ولكنّهم أطلقوا هذا اللفظ على صحيح البخاري وجامع سفيان الثوري
وجامع عبد الرزاق وموطأ الإمام مالك وغيره. وقد عرّفه الشيخ محمود محمد خطّاب السبكيّ
رحمه الله لفظ الجامع بطريق آخر، فقال في مقدمة (المنهل العذب المورود) شرح أبي داود (١ :
١٥): ((والجامع ما كان مرتباً على أبواب الفقه كالكتب السّة، أو على ترتيب الحروف في أوائل
الترجمة ككتاب الإيمان والبرّ والتّوبة والثواب. وهكذا فعله صاحب جامع الأصول، أو باعتبار
رعاية الحروف في أوائل الحديث، كما فعل السيوطيّ في الجامع الصغير، وقد جمع في جامعه
الكبير بين الجامع والمسند .
وأوّل من عرّف اصطلاح (الجامع) بما يجمع العلوم الثمانية - فيما أعلم - هو الشيخ

٤١٩
كتاب: التفسير
هَمَّامِ بْنِ مُنَبِهِ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَّهِ. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا:
عبد العزيز المحدث الدهلويّ رحمه الله تعالى، وذلك في رسالته الوجيزة المسماة بالعجالة
النافعة، وهو الذي صرّح فيها بأن صحيح مسلم ليس جامعاً، لأنه لا يوجد فيها أحاديث التفسير
والقراءات.
وقد مرّ في مقدمة هذا الكتاب أن مجد الدين الشيرازيّ صاحب القاموس قد أطلق لفظ
الجامع على صحيح مسلم. وكذلك ذكر حاجي خليفة في كشف الظّنون (١: ٥٥٥) صحيح
مسلم بلفظ (الجامع الصحيح) وكذلك فعل العلامة علي القاري رحمه الله تعالى في مرقاة
المفاتيح (١: ١٧) حيث قال في ترجمة الإمام مسلم رحمه الله: ((وله المصنفات الجليلة غير
جامعه الصحیح)) .
وإن إطلاق هذا اللفظ على صحيح مسلم هو الرّاجح، على كلا التعريفين (للجامع). أما
على تعريف الخطاب السبكي، فظاهر، لأن كتاب مسلم مرتب على أبواب الفقه بشيء زائد.
وأما على تعريف الشيخ عبد العزيز الدهلويّ رحمه الله فكذلك. وذلك لوجهين :.
الأول: أنّ الإمام مسلماً رحمه الله تعالى لم يترك أحاديث التفسير رأساً، وإنما عقد لها هذا
الباب. أما قلّة الأحاديث فيه فلما ذكرنا من أنّ الأحاديث المرفوعة التي هي في صميم موضوع
التّفسير والتي تستجمع الشّروط التي التزم بها الإمام مسلم قليلة. وقد أخرج المصنف رحمه الله
أحاديث كثيرة في الأبواب الأخرى لها علاقة بالتفسير. وإنّما طال كتاب التفسير في صحيح
البخاري لأنه يورد الأحاديث بأدنى مناسبة، ولا يرى بالتكرار بأساً، ولأنه دخل كثيراً في تفسير
غريب القرآن. وقد التمست من بعض أصحابي (وهو الشيخ أبو طاهر الأركاني حفظه الله) أن يتتبّع
الأحاديث التي أخرجها البخاري في كتاب التّفسير، كم أخرج منها مسلم في غير كتاب التفسير.
وتبيّن من هذا التتبّع أن هناك اثنين وستين حديثاً أخرجها البخاري في التفسير، وأخرجها مسلم في
الأبواب الأخرى غير كتاب التّفسير. وإذا أضفنا إليها هذه الثمانية عشر التي أخرجها مسلم في
كتاب التفسير، بلغ عددها إلى ثمانين حديثاً. وهناك أحاديث أخرى في صحيح مسلم يمكن أن
تدرج في كتاب التفسير لمناسبة من المناسبات، لم يخرجها البخاري في التفسير، فيزداد هذا
العدد، فأحاديث التفسير في صحيح مسلم ليست قليلة بما يخرجه من كونه جامعاً .
والوجه الثاني: أن أحاديث التفسير في جامع سفيان الثوري وجامع سفيان بن عيينة قليلة
أيضاً، كما ذكره الكتّاني في الرسالة المستطرفة (ص: ٩) ناقلاً عن قوت القلوب، ومع ذلك
فإنّهما أطلق عليهما لفظ (الجامع) بالاتفاق. وراجع أيضاً ما كتبه أخونا الأستاذ الدكتور محمد
عبد الحليم الجشتي في تعليقاته القيّمة باسم (الفوائد الجامعة) على رسالة (العجالة النافعة)
(ص: ١٥٤ - ١٥٨).
١ - (٣٠١٥) - قوله: (حدثنا أبو هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الأنبياء، باب

٤٢٠
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: ﴿وَدْخُلُواْ الْبَابَ سُخَدًا وَقُولُواْ حِظَةٌ نَغْفِرْ لَكْ
خَطَيَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٨] فَبَدَّلُوا. فَدَخَلُوا الْبَابِ يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ.
حديث الخضر مع موسى عليهما السلام (٣٤٠٣)، وفي تفسير سورة البقرة، باب ﴿وَإِذْ قُلْنَا أَدْخُلُواْ
هَذِهِ الْقَيَّةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾، (٤٤٧٩)، وفي تفسير سورة الأعراف، باب ﴿وَقُولُواْ
حِظَةٌ﴾ (٤٦٤١). وأخرجه الترمذي في التفسير، باب ومن سورة البقرة (٢٩٥٦)، وأحمد في
مسنده (٢ : ٣١٢ و٣١٨)، والنسائي في سننه الكبرى (٦: ٢٨٦)، وابن حبان في صحيحه، كما
في ترتيبه لابن بلبان (٨: ٤٩).
قوله: (قيل لبني إسرائيل) أي: عند ما طلبوا لغذائهم غير المنّ والسلوى مما تنبته
الأرض، فأمروا أن يدخلوا قرية متواضعين لله تائبين من ذنوبهم، فيجدون فيها ما يشتهون.
قوله: ﴿وَآدْخُلُواْ الْبَابَ سُجَدًا﴾ [البقرة، آية: ٥٨] حمله بعض المفسرين، كالحسن البصريّ
رحمه الله، على حقيقته، فقال: أمروا أن يسجدوا على وجوههم حال دخولهم. واسبعده الرازيّ
في التفسير الكبير (٢: ٨٨)، وذلك لأنه لا يتصوّر السجود والدخول معاً. ويمكن أن يؤول بأنه
ليس المراد السجود في عين حالة الدخول، بل المقصود السجود قبل الدخول أو بعده، ووضع
(سجّداً) في موضع الحال من قوله (ادخلوا) لكونهما متقاربين. وذهب بعض المفسرين إلى أن
المراد من السجود هنا: الركوع، وهو مروي عن ابن عباس من طريق سعيد بن جبير، كما ذكره
ابن كثير (١ : ٩٨). ورجّح الإمام الرازي أن المراد من السجود هنا الخضوع.
وكذلك اختلف المفسرن في تعيين هذا الباب. فقيل: هو باب من أبواب بيت المقدس،
وهو الذي رجّحه ابن كثير. وقيل: هو باب لبلد أريحا، وقيل: باب لإحدى مدن مصر، والله
أعلم .
قوله: (وقُولُوا حِظّةٌ) قال الزمخشري في الكشاف: ((حطّةٌ: فِعلة من الحظّ، كالجلسة
والركبة، وهي خبر مبتدأ محذوف. أي: مسألتنا حطّة، أو أمرك حِظّة، والأصل النصب بمعنى:
حُظّ عنّا ذنوبنا حِظَّةً. وإنما رفعت لتعطي معنى الثبات)) والحاصل أنهم أمروا بالاستغفار والتوبة
عن ذنوبهم وقت دخول القرية.
قوله: (فبدّلوا) أي: غيّروا الطريق الذي أمروا بالتزامه عند الدخول.
قوله: (يزحفون على أستاههم) الأستاه جمع الأست. والمعنى أنّهم خالفوا الأمر
بالسّجود، فدخلوا جالسين على أستاهم يزحفون عليها، وذلك تكبّراً وعناداً. وروي عن ابن
عباس أن الباب الذي أمروا بالدخول فيه كان صغيراً لا يتمكن الإنسان من الدخول فيه إلا بأن
يكون راكعاً، فكأنّهم أعظموا أنفسهم من أن يدخلوا بهذه الهيئة المتواضعة، فاختاروا هذه الهيئة
التي فيها سخرية وتكبّر .