النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ كتاب: الزهد والرقائق الأَصْحَابِ الْحِجْر: ((لاَ تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلاءِ الْقَوْمِ الْمُعَذَّبِينَ. إِلاَّ أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ. فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلاَ تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ)) . ٧٣٩٠ - (٣٩) حدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَهُوَ يَذْكُرُ الْحِجْرَ، مَسَاكِنَ ثَمُودَ. قَالَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: مَرَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَهِ عَلَى الْحِجْرِ. فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لاَ تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، إِلاَّ أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ. حَذَراً أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ)) ثُمَّ زَجَرَ فَأَسْرَعَ حَتَّى خَلَّفَهَا . و ٤٤٢٠)، وفي التفسير، باب ﴿ وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَبُ اٌلِجْرِ الْمُرْسَلِينَ ﴾﴾ (٤٧٠٢) وأخرجه أحمد في مسنده (٢: ٦٦ و٩٦)، والبغويّ في شرح السنّة (١٤: ٣٦١)، وابن حبان كما في ترتيبه (٨: ٢٧). قوله: (لأصحاب الحجر) بكسر الحاء وسكون الجيم، وهي منازل ثمود، مرّ عليها رسول الله ◌َّ عند توجهه إلى تبوك، وهي ما بين خيبر وتبوك، يشاهد فيها آثارهم حتى اليوم. وقوله (قال لأصحاب الحجر) معناه: قال في شأنهم لا أنه خاطبهم. وثمود قبيلة من العرب الأولى، وهم قوم صالح عليه السلام، سميت بذلك لقلة مائها، والثمد: الماء القليل الذي لا مادة له. وقيل: ثمود اسم رجل. وكانت هذه القبيلة تنزل في وادي القرى إلى البحر والسواحل وأطراف الشام، وكانت أعمارهم طويلة، وكانوا يبنون المساكن فتنهدم، فاتخذوا من الجبال بيوتاً ينحتونها. ويقال: كانت منازلهم أولاً بأرض كوش من بلاد عالج، ثم انتقلوا إلى الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى. كذا في عمدة القاري (٧: ٣٧٧). قوله: (إلا أن تكونوا باكين) أي: اعتباراً بهم، ومراقبة لما أصابهم من العذاب عند عصيانهم. وزاد أحمد في رواية: (فإن لم تكونوا باكين فتباكوا)) ذكره الحافظ في الفتح (٦: ٣٨٠). قوله: (أن يصيبكم مثل ما أصابهم) أي: خشية أن يصيبكم، أو كراهية أن يصيبكم. قال عياض: ((ومن عرف تقصير نفسه وعظيم سلطان ربه لم يأمن، فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون». وفي هذا الحديث دلالة على أن منازل الأقوام المعذّبة لا ينبغي أن يدخلها المرء إلا لضرورة، أو للاعتبار. ٣٩ - (٠٠٠) - قوله: (ثّ زجر) أي: زجر مركبه ليُسرع. وقوله: دخلّفها) أي: ترك منازل ثمود خلفه . ٣٦٢ الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٧٣٩١ - (٤٠) حدّثني الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، أَبُو صَالِح. حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ. أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أُخْبَرَهُ؛ أَنَّ النَّاسَ نَزَلُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَيهِ عَلَى الْحِجْرِ، أَرْضِ ثَمُودَ. فَاسْتَقَوْا مِنْ آبَارِهَا. وَعَجَنُوا بِهِ الْعَجِينَ. فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ وَ أَنْ يُهَرِيقُوا مَا اسْتَقَوْا وَيَعْلِفُوا الإِلَ الْعَجِينَ. وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنَ الْبِشْرِ الَّتِي كَانَتْ تَرِدُهَا النَّاقَةُ. ٧٣٩٢ - (٠٠٠) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ. حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ. حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَاسْتَقَوْا مِنْ بِثَارِهَا وَاعْتَجَنُوا بِهِ . (٢) - باب: الإحسان إلى الأرملة والمسكين واليتيم ٧٣٩٣ - (٤١) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبِ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ٤٠ - (٢٩٨١) - قوله: (أي: يهريقوا ما استقوا) أي: يقذفوا الماء الذي استقوه من تلك الآبار. قال الحافظ في الفتح (٦: ٣٨): ((ويلتحق بها نظائرها من الآبار والعيون التي كانت لمن هلك بتعذيب الله تعالى على كفره. واختلف في الكراهة المذكورة هل هي للتنزيه أو للتحريم؟ وعلى التحريم: هل يمتنع صحة التطهر من ذلك الماء أم لا؟ وقال العيني في عمدة القاري (٧: ٣٨١): ((والظاهر: لا يمتنع)). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: وهذا النّهي إنما يتأتى في الآبار والعيون التي تحقق فيها أن المعذبين كانوا يستقون منها، وليس المراد سائر الآبار والعيون التي تقع في تلك المنطقة، بدليل أن النبيّ وَّ أمر الصحابة أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة، كما سيأتي. قوله: (ويعلفوا الإبل العجين) فإن الماء لم تكن فيه نجاسة ظاهرة، وإنما منع من شربها لئلا يورث أخلاقهم الباطنة، والإبل غير مكلفة، فلم يكن هناك بأس في أن تعلف الإبل ذلك العجين . قوله: (أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة) قال الحافظ في الفتح: ((سئل شيخنا الإمام البلقيني: من أين عُلمت تلك البئر؟ فقال: بالتواتر، إذ لا يشترط فيه الإسلام، انتهى. والذي يظهر أن النبيّ ◌َّر علمها بالوحي، ويحمل كلام الشيخ على من سيجيء بعد ذلك)). (٢) - باب: الإحسان إلى الأرملة والمسكين واليتيم ٤١ - (٢٩٨٢) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في النفقات، باب فضل النفقة على الأهل، وقول الله عزّ وجلّ (٥٣٥٣)، وفي الأدب، باب الساعي على الأرملة ٣٦٣ كتاب: الزهد والرقائق عَنِ النَّبِّ بَّرِ قَالَ: ((السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينٍ، كَالْمُجَاهِدٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - وَأَحْسِبُهُ قَالَّ - وَكَالْقَائِمْ لاَ يَفْتُرُ؛ وَكَالصَّائِمِ لاَ يُقْطِرُ)) . ٧٣٩٤ - (٤٢) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى. حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدِ الدِّيلِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْغَيْثِ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ فَ: ((كَافِلُ الْيَتِيمِ، لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ، أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ)) وَأَشَارَ مَالِكٌ بِالسَّبَّبَةِ وَالْوُسْطَى. (٦٠٠٦)، وباب الساعي على المسكين (٦٠٠٧)، وأخرجه الترمذي في البرّ والصّلة، باب ما جاء في السّعي على الأرملة واليتيم (١٩٦٩)، والنسائي في الزكاة، باب فضل الساعي على الأرملة (٢٥٧٧)، وابن ماجه في التجارات، باب الحثّ على المكاسب (٢١٥٦)، وأحمد في مسنده (٢: ٣٦١). قوله: (السّاعي على الأرملة) المراد بالسّاعي على الأرملة واليتيم: الكاسب لهما، العامل على مؤونتهما. والأرملة من لا زوج لها، سواء كانت تزوجت أم لا. وقيل: هي التي فارقت زوجها. قال ابن قتيبة: سميت أرملة لما يحصل لها من الإرمال، وهو الفقر وذهاب الزاد بفقد الزوج. يقال: أرمل الرجل، إذا فني زاده. قوله: (وأحسبه قال) هذا الشك من عبد الله بن مسلمة القعنبي، كما صرح به البخاري في الأدب . قوله: (لا يفتر) بوزن (ينصر) أي: لا ينقطع من القيام ولا يتوانى. وهو من الفتور بمعنى الانقطاع . ٤٢ - (٢٩٨٣) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه المصنف فقط من بين الأئمة الستة، وأخرجه أحمد في مسنده (٢: ٣٧٥) وأخرج البخاري مثله عن سهل بن سعد في الأدب (٦٠٠٥). قوله: (كافل اليتيم له أو لغيره) أي: القيّم بأموره من النفقة والكسوة والتأديب وغير ذلك. أما قوله (له أو لغيره) فالمراد: أن هذه الفضيلة تحصل سواء كان اليتيم قريباً له وتحت ولايته الشرعية، كجده وعمّه مثلاً، أو كان أجنبياً عنه، وإنما كفله في سبيل الله تعالى. ثم قال النووي: هذه الفضيلة تحصل لمن كفله من مال نفسه أو من مال اليتيم بولاية شرعية. قوله: (كهاتين في الجنة) يعني: يكون قريباً مني في الدرجة؛ كما السبّابة قريبة من الوسطى. قال ابن بطال: ((حق على من سمع هذا الحديث أن يعمل به ليكون رفيق النبيّ وَّ في الجنة، ولا منزلة في الآخرة أفضل من ذلك)) كذا في فتح الباري (١٠: ٣٣٦). ٣٦٤ الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (٣) - باب: فضل بناء المساجد ٧٣٩٥ - (٤٣) حدّثني هَارُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَيْلِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى. قَالاَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، (وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ) أَنَّ بُكَيْراً حَدَّثَهُ؛ أَنَّ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةً حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ اللَّهِ الْخَوْلاَنِيَّ يَذْكُرُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّنَ، عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ حِينَ بَنَى مَسْجِدَ الرَّسُولِ وَلِهِ: إِنَّكُمْ قَدْ أَكْثَرْتُمْ. وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَقُولُ: ((مَنْ بَنَى مَسْجِداً - قَالَ بُكَيْرٌ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ - يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ، بَنَّى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ)) . وَفِي رِوَايَةٍ هَارُونَ: ((بَنَّى اللَّهُ لَهُ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ)). ٧٣٩٦ - (٤٤) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. كِلاَهُمَا عَنِ الضَّحَّاكِ. قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ؛ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّنَ أَرَادَ بِنَاءَ الْمَسْجِدِ. فَكَرِهَ النَّاسُ ذُلِكَ. وَأَحَبُّوا أَنْ يَدَعَهُ عَلَى هَيْئَتِهِ. فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَقُولُ: ((مَنْ بَنَى مَسْجِداً لِلَّهِ، بَنَّى اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ مِثْلَهُ» . ٧٣٩٧ - (٠٠٠) وحدَثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ الْحِنَفِيُّ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاحِ. كِلاَهُمَا عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِهِمَا: ((بَنَّى اللَّهُ لَهُ بَيْتَاً فِي الْجَنَّةِ)) . (٣) - باب: فضل بناء المساجد ٤٣ - (٢٩٣٣) - قوله: (سمع عثمان بن عفّان) هذا الحديث أخرجه المصنف أيضاً في المساجد، باب فضل بناء المساجد والحثّ عليها وأخرجه البخاري في الصلاة، باب من بنى مسجداً، والترمذي في الصلاة، باب ما جاء في فضل بنيان المسجد (٣١٨)، وأحمد في مسنده (١: ٦١ و٧٠)، وابن حبان في صحيحه كما في ترتيبه لابن بلبان (٣: ٦٨). قوله: (عند قول الناس فيه) بيانه في الرواية الآتية أن الناس كرهوا من عثمان ربه أن يغير من هيئة المسجد النبويّ عما كان عليه في عهد الرسول الله وَّر وفي عهد الشيخين. وقد مرّ شرح هذا الحديث مبسوطاً في كتاب المساجد، باب فضل بناء المساجد والحثّ عليها . ٣٦٥ كتاب: الزهد والرقائق (٤) - باب: الصدقة في المساكين ٧٣٩٨ _ (٤٥) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، (وَاللَّفْظُ لأَبِي بَكْرٍ)، قَالاَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ وَهْبٍ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرِ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَّ قَالَ: ((بَيْنَا رَجُلٌ بِفَلَةٍ مِنَ الأَرْضِ، فَسَمِعَ صَوْتاً فِي سَحَابَةٍ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلاَنٍ. فَتَتَخَّى ذُلِكَ السَّحَابُ. فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ. فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشّرَاجِ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ ذُلِكَ الْمَاءَ كُلَّهُ. فَتَتَبَّعَ الْمَاءَ. فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الْمَاءَ بِمِسْحَاتِهِ. فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: فُلاَنْ. لِلإِسْمِ الَّذِي سَمِعَ فِي (٤) - باب: الصدقة في المساكين ٤٥ - (٢٩٨٤) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث تفرد به المصنف من بين الأئمة الستة. وأخرجه أحمد في مسنده (٢: ٢٩٦)، وابن حبان في صحيحه، كما عند ابن بلبان (٥ : ١٤٧). قوله: (فسمع صوتاً في سحابة) أي: سمع هاتفاً يقول هذا الكلام وهو في سحابة، والظاهر أنه صوت ملك. قوله: (اسق حديقة فلان) يعني: أن الهاتف أمر السّحاب بأن يسقي حديقة رجل سماه باسمه، فكنى عنه في الحديث بفلان. قوله: (فتنحى ذلك السحاب) يعني: قصد. يقال: تنحيت الشيء وانتحيته: إذا قصدته. ويمكن أن يكون (تنحى) بمعنى أعرض. يعني: أعرض عن الطريق الذي كان يسير عليه، وقصد أرض فلان. قوله: (فأفرغ ماءه في حرّة) الحرّة: أرض ذات حجارة سود. والمراد أن ذلك السّحاب أمطر على هذه الأرض. قوله: (فإذا شَرْجة من تلك الشّراج) الشَّرْجة، بفتح الشين وسكون الراء، مسيل الماء وجمعها شراج. ووقع في رواية أحمد في مسنده: ((فإذا هو في أذناب شراج، وإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء)) ومثله لابن حبان. والمعنى أن الحرّة كانت تخرج منها شراج، وشرجة واحدة منها جمعت الماء الذي نزل من السحاب. قوله: (فتتبّع الماء) يعني: سار مع تلك الشّرجة ليعلم إلى أين تذهب هذه الشرجة بالماء؟ وفي رواية أحمد: (تبع الماء)). قوله: (يحوّل الماء بمسحاته) بكسر الميم، وهي المجرفة من الحديد أو غيره، وهي الآلة التي يقشر بها الطّين، يقال: سحا الطين يسحيه ويسحوه ويسحاه، سحياً: إذا قشره وجرفه. والمراد أنه كان يحوّل الماء في حديقته من مكان إلى مكان، ويفعل ذلك بالمسحاة. ٣٦٦ الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم السَّحَابَةِ. فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، لِمَ تَسْأَلُنِي عَنِ اسْمِي؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ صَوْتاً فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ يَقُولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلاَنٍ. لاِسْمِكَ. فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا؟ قَالَ: أَمَّا إِذْ قُلْتَ هَذَا، فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ، وَآَكُلُ أَنَا وَعِيَالِي ثُلُثاً، وَأَرُدُّ فِيهَا ثُلُثَهُ)» . ٧٣٩٩ - (٠٠٠) وحدّثناه أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ. أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ. حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((وَأَجْعَلُ ثُلُثَهُ فِي الْمَسَاكِينِ وَالسَّائِلِينَ وَابْنِ السَّبِيلِ)). (٥) - باب: من أشرك في عمله غير اللّه (وفي نسخة: باب تحريم الرياء) ٧٤٠٠ _ (٤٦) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنِ الْعَلاَءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قوله: (لاسمك) أي: قلت (لفلان) لاسمك المخصوص وبدله، فإن الهاتف صرح بالاسم. قوله: (فما تصنع فيها؟) أي: ما تعمل فيها من الخير حتى تستحقّ هذه الكرامة؟ قوله: (فأتصدق بثلثه) فيه فضيلة الصدقة فوق مقدار الزكاة، وفيه استحباب أن يجعل المرء حصة معلومة من دخله للإنفاق في سبيل الله، ويعزله عن استعماله، فإنه يعينه على كثير من أعمال البرّ والخير. وقال القرطبي: ((وفي الحديث كرامة الأولياء، وأن الضيعة والمال لا ينافيان الولاية. وحديث: ((لا تتخذوا الضيعة فتركنوا إلى الدنيا)» هو فيمن اتخذها تكثراً وتمتّعاً بزهرتها. وأمّا من اتخذها معاشاً يصون بها الدين والعيال، فاتخاذها بهذه النية من أفضل الأعمال)) كذا في شرح الأبيّ. (٥) - باب: من أشرك في عمله غير الله (وفي نسخة: باب تحريم الرياء) ٤٦ - (٢٩٨٥) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه ابن ماجه في الزهد، باب الرياء والسمعة (٤٢٥٥)، وأحمد في مسنده (٢: ٣٠١)، وابن خزيمة في صحيحه (٢: ٦٧)، وابن حبان في صحيحه، كما في ترتيبه لابن بلبان (١: ٣٠٧)، والبغوي في شرح السنّة (١٤ : ٣٢٤) . ٣٦٧ كتاب: الزهد والرقائق قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَه: «قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ. مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ)) . ٧٤٠١ - (٤٧) حدّثنا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ. حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سُمَيْعٍ، عَنْ مُسْلِمِ الْبَطِينٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلَ: (مَنَّ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ. وَمَنْ رَاءَى رَاءَى اللَّهُ بِهِ)). قوله: (أشرك فيه معي غيري) إمّا بأن يُشركه في العمل صراحة، وهو الشرك الجليّ، وإمّا بأن يطلب من وراء العمل رضاء غير الله، وإن لم يصرّح بالشرك، وهو الشّرك الخفيّ الذي يسمّى ریاء . قوله: (تركته وشركه) منصوب بواو المعية، والشرك ههنا بمعنى الشريك، يعني: تركته مع الشريك الذي أراد هو رضاه، ولا أقبله لنفسي، فيكون عمله باطلاً لا ثواب فيه. ويحتمل أن يكون الشرك بمعناه المصدريّ، يعني: تركته على شركه استدراجاً له، حتى يستحق العذاب، أعاذنا الله تعالى منه. ٤٧ - (٢٩٨٦) - قوله: (إسماعيل بن سُميع) بضم السين مصغراً، وهو أبو محمد الحنفي الكوفي بيّاع الثياب السابريّة كان بيهسيّاً، وهم طائفة من الخوارج، يرى رأيهم، لكن خالفهم بأنه يقول: إن صاحب الكبيرة لا يكفر إلا إذا رفع إلى الإمام فأقيم عليه الحد، فحينئذ يحكم بكفره. قال أبو نعيم: إسماعيل بيهسي جاور المسجد أربعين سنة لم يُر في جمعة ولا جماعة. تركه بعض المحدثين لمذهبه مثل زائدة وجرير وابن عيينة، لكن قال الآخرون إنه ثقة في الحديث، وهو قول البخاري وأحمد والقطان وغيره. وأخرج عنه مسلم وأبو داود والنسائي، وراجع تهذيب التهذيب (١ : ٣٠٥). قوله: (عن ابن عباس) هذا الحديث أخرجه المصنف فقط من بين الأئمة الستة، وأخرجه ابن حبان في صحيحه، راجع الإحسان (١ : ٣١٢). قوله: (من سمّع سمّع الله به) يعني: من عمل عملاً يقصد به حسن سُمعته وشهرته فيما بين الناس ليكرموه، ولم يقصد بالعمل رضا الله سبحانه، فإن الله تعالى يفضحه ويسيء سمعته يوم القيامة. وقيل: معناه أن من جعل يشهّر عيوبه ويذيعها ليسمعها الناس، أظهر الله عيوبه. وقيل: أسمعه ما يكرهه. قوله: (ومن راءى راءى الله به) أي: من عمل عملاً يقصد به الرياء، ليراه الناس يفعل ذلك فيعتقدوا خيره، أرى الله الناس عيوبه في الآخرة ليفتضح أمامهم، وقيل: أراه الله ثواب ذلك العمل من غير أن يعطيه إياه، ليكون حَسْرَة عليه يوم القيامة، أعاذنا الله عنه. ٣٦٨ الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٧٤٠٢ - ٤٨ - حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدُباً الْعَلَقِيَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((مَنْ يُسَمِّعْ يُسَمْعِ اللَّهُ بِهِ. وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ» . ٧٤٠٣ - (٠٠٠) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. حَدَّثَنَا الْمُلاَئِيُّ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَزَادَ: وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَداً غَيْرَهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ. ٧٤٠٤ - (٠٠٠) حدّثنا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الأَشْعَشِيُّ. أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ حَرْبٍ - (قَالَ سَعِيدٌ: أَظُنُّهُ قَالَ: ابْنُ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي مُوسَى) قَالَ: سَمِعْتُ سَلَمَةَ بْنَ كُهَيْلٍ ٤٨ - (٢٩٨٧) - قوله: (سمعت جندياً العلقيّ) بفتح العين واللام، منسوب إلى العلقة، وهي بطن من بجيلة. واسمه جندب بضم الجيم والدال. وقد تفتح الدال كما في التقريب. وهو ابن عبد الله بن سفيان، وقد ينسب إلى جده، له صحبة، وقال البغويّ عن أحمد: ليست له صحبة قديمة. وقال ابن حبان: هو جندب الخير. وقال خليفة: مات في فتنة ابن الزبير، وذكره البخاري فيمن توفي من الستين إلى السبعين. كذا في التهذيب (٢٠: ١١٨). وحديثه هذا أخرجه البخاري في الرقاق، باب الرياء والسمعة (٦٤٩٩)، وفي الأحكام، باب من شاق شاقّ الله عليه (٧١٥٢)، وابن ماجه في الزهد، باب الرياء والسمعة (٤٢٦٠)، وأحمد في مسنده (٤: ٣١٢)، والبغويّ (١٤: ٣٢٣). قوله: (من يسمّع يسمّع الله به) إلخ: معناه مثل ما تقدم في حديث ابن عباس. وقال ابن عبد السلام: (الرياء أن يعمل لغير الله، والسُّمعة أن يخفي عمله الله، ثم يحدّث به الناس)) كذا في فتح الباري (١١ : ٣٣٦). (٠٠٠) - قوله: (ولم أسمع أحداً يقول: قال رسول الله وَل﴿) قال الحافظ في الفتح: ((قائل ذلك هو سلمة بن كهيل، ومراده أنه لم يسمع من أحد من الصحابة حديثاً مسنداً إلى النبيّ وَّ إلا من جندب)) ثم حقق الحافظ أنه كان في الكوفة في زمن سلمة بن كهيل عدة من الصحابة، ولكنه لم يسمع من أحد منهم بعد ما سمع هذا الحديث من جندب رپله. (٠٠٠) - قوله: (وأظنّه قال: ابن الحارث) فسّره الأبيّ بأن سفيان إنّما سمّاه (وليد بن الحارث) دون (وليد بن حرب)، ولكن الصحيح (وليد بن حرب) ولعله قال ذلك لأنه ليس من الرواة أحد يسمى وليد بن الحارث يروي عن سلمة بن كهيل. أما وليد بن حرب، فهو كوفيّ معروف من ولد أبي موسى الأشعريّ رَظُبه، كما ذكره ابن منجويه في رجال صحيح مسلم (٢: ٣٠٠، رقم: ١٧٤١). وبهذا الاسم ذكره الحافظ في التهذيب (١١: ١٣٣) والذهبيّ في الكاشف (٣: ٢٠٩، رقم: ٦١٧٠). ولكن يحتمل أن يكون مراد سعيد أنه يظن أن سفيان ذكر اسم جده مع اسم أبيه، فقال: (الوليد بن حرب بن الحارث بن أبي موسى) فذكر اسم الحارث كاسم جدّ ٣٦٩ كتاب: الزهد والرقائق قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدُباً (وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَداً يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ غَيْرَهُ) يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَقُولُ: بِمِثْلِ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ. له، لا أنه سماه (وليد بن الحارث) بدل (الوليد بن حرب) ثم وجدت في تاريخ الإمام البخاري ما يعيّن هذا الاحتمال، حيث قال: ((وقال مسلم بن إبراهيم هو الوليد بن حرب بن الحارث بن أبي موسى الأشعريّ)) راجع التاريخ الكبير (قسم ٢ ج ٤ ص: ١٤٣). والحارث بن أبي موسى اسم لأبي بردة التابعيّ المشهور، كما في التهذيب (١٢ : ١٨). وقد رأيت في الرواية السابقة أن سفيان روى هذا الحديث عن سلمة بن كهيل بلا واسطة، ورواه هنا بواسطة الوليد بن حرب، فإنه سمع الحديث بكلا الطريقين والله أعلم. حقيقة الرياء ودرجاته وإن أحاديث هذا الباب كلها تدلّ على حرمة الرياء والسّمعة، وكونهما شعبة من الشرك، وسبباً لمقت الله تعالى وعذابه. فإليكم جملة من حقيقة هذا الداء العضال وبيان صوره الجليّة والخفيّة ملتقطاً من كلام الإمام الغزالي رحمه الله في إحياء علوم الدين (٣: ٢٩٠) قال رحمه الله تعالی : ((اعلم أن الرياء مشتق من الرؤية، والسُّمعة مشتقة من السماع. وإنما الرياء أصله طلب المنزلة في قلوب النّاس بإراءتهم خصال الخير، إلا أن الجاه والمنزلة تطلب في القلب بأعمال سوى العبادات وتطلب بالعبادات، واسم الرياء مخصوص بحكم العادة بطلب المنزلة في القلوب بالعبادات وإظهارها. فحدّ الرياء هو إرادة المنزلة بطاعة الله عزّ وجلّ. فالمرائي هو العابد، والمراءى له هم الناس المطلوب رؤيتهم لطلب المنزلة في قلوبهم، والمراءى به هو الخصال التي قصد المرائي إظهارها، والرياء هو قصده إظهار ذلك، والمراءى به كثير. ويجمعه خمسة أقسام هي مجامع يتزين به العبد للناس، وهو البدن، والزيّ، والقول، والعمل، والاتباع، والأشياء الخارجة. وكذلك أهل الدنيا يراؤون بهذه الأسباب الخمسة، إلا أن طلب الجاه وقصد الرياء بأعمال ليست من الطاعات أهون من الرياء بالطاعات)). ((الأول: الرياء في الدين من جهة البدن، وذلك بإظهار النحول والاصفرار، ليوهم بذلك شدة الاجتهاد، وعظم الحزن على أمر الدين، وغلبة خوف الآخرة، وليدل بالنحول على قلة الأكل، وبالاصفرار على سهر الليل وكثرة الاجتهاد، وعظم الحزن على الدين. وكذلك يُرائي بتشعيث الشعر ليدل به على استغراق الهمّ بالدين، وعدم الفراغ لتسريح الشّعر، ... ويقرب من هذا خفض الصوت، وإغارة العينين، وذبول الشفتين ليستدل بذلك على أنه صائم مواظب على الصوم، وأن وقار الشرع هو الذي خفض من صوته وضعف الجوع هو الذي أضعف قوته ... ولذلك قال ابن مسعود ظنه أصبحوا صياماً مدهنين (رواه أبو نعيم في الحلية، كما في إتحاف السادة المتقين للزبيدي ٨: ٢٦٩) فهذه مرآة أهل الدين بالبدن)). ٣٧٠ الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٧٤٠٥ - (٠٠٠) وَحدّثناه ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. حَدَّثَنَا الصَّدُوقُ الأَمِينُ، الْوَلِيدُ بْنُ حَرْبٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ . (( ... الثاني: الرياء بالزيّ والهيئة. أما الهيئة فتشعيث شعر الرأس وحلق الشارب وإطراق الرأس في المشي، والهدوء في الحركة، وإبقاء أثر السجود على الوجه، وغلظ الثياب، ولبس الصوف، وتشميرها إلى قريب من نصف الساق، وتقصير الأكمام، وترك تنظيف الثوب، وتركه مخرقاً، كل ذلك يرائي به ليظهر من نفسه أنه متبع للسنة فيه، ومقتد فيه بعباد الله الصالحين ... )). ( ... الثالث: الرياء بالقول، ورياء أهل الدين بالوعظ والتذكير، والنطق بالحكمة، وحفظ الأخبار والآثار، لأجل الاستعمال في المحاورة، وإظهاراً لغزارة العلم، ودلالة على شدة العناية بأحوال السلف الصالح، وتحريك الشفتين بالذكر في محضر الناس، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمشهد الخلق، وإظهار الغضب للمنكرات، وإظهار الأسف على مقارفة الناس للمعاصي، وإضعاف الصوت في الكلام وترقيق الصوت بقراءة القرآن، ليُدل بذلك على الحزن والخوف، وادعاء حفظ الحديث ولقاء الشيوخ، والردّ على من يروي الحديث ببيان خلل في لفظه، ليُعرف أنه بصير بالأحاديث، والمبادرة إلى أن الحديث صحيح أو غير صحيح، ليظهر للناس قوته في علم الدين. والرياء بالقول كثير، وأنواعه لا تنحصر ... )). (( ... الرابع: الرياء بالعمل، كمراءاة المصلّي بطول القيام ومدّ الظّهر، وتطويل السجود والركوع، وإطراق الرأس، وترك الالتفات، وإظهار الهدوء والسكون، وتسوية القدمين واليدين. وكذلك بالصوم والغزو، والحج والصدقة، وإطعام الطعام، وبالإخبات في الشيء عند اللقاء، كإرخاء الجفون، وتنكيس الرأس، والوقار في الكلام، حتى أن المرائي قد يسرع في المشي إلى حاجته، فإذا اطّلع عليه واحد من أهل الدين، رجع إلى الوقار وإطراق الرأس، خوفاً من أن ينسبه إلى العجلة وقلة الوقار، فإن غاب الرجل عاد إلى عجلته، وإذا رآه عاد إلى خشوعه، ولم يحضره ذكر الله حتى يكون يجدد الخشوع له، بل هو لاطلاع إنسان عليه، يخشى أن لا يعتقد فيه أنه من العبّاد والصلحاء ... )). ( ... الخامس: المراءاة بالأصحاب والزائرين والمخالطين، كالذي يتكلف أن يستزير عالماً من العلماء، ليقال إن فلاناً قد زار فلاناً، أو عابداً من العبّاد ليقال إن أهل الدين يتبركون بزيارته ويترددون إليه، أو ملكاً من الملوك، أو عاملاً من عمّال السلطان، ليقال إنهم يتبركون به، لعظم رتبته في الدين. وكذلك الذي يكثر ذكر الشيوخ، ليُرى أنه لقي شيوخاً كثيراً، واستفاد منهم، فيباهي بشيوخه ... فهذه حقيقة الرياء وما يقع به الرياء)). ((فإن قلت: فالرياء حرام، أو مكروه، أو مباح، أو فيه تفصيل؟ فأقول: فيه تفصيل، فإن الرياء هو طلب الجاه، وهو إما أن يكون بالعبادات أو بغير العبادات. فإن كان بغير العبادات، فهو كطلب المال، فلا يحرم، من حيث إنه طلب منزلة في قلوب العباد، ولكن كما يمكن كسب ٣٧١ كتاب: الزهد والرقائق ٠٠ المال بتلبيسات وأسباب محظورات، فكذلك الجاه، وكما أنّ كسب قليل من المال، وهو ما يحتاج إليه الإنسان، محمود، فكذلك كسب قليل من الجاه، وهو ما يسلم به من الآفات، محمود. وهو الذي طلبه يوسف عليه السلام حيث قال: ﴿إِنِّ حَفِيظُ عَلِيمٌ﴾، وكما أن المال فيه سمّ ناقع وترياق نافع، فكذلك الجاه. وكما أن كثير المال يُلهي ويُطغي وينسي ذكر الله تعالى والدار الآخرة، فكذلك كثير الجاه، بل أشدّ، لأن فتنة الجاه أعظم من فتنة المال. وكما أنا لا نقول: تملك المال الكثير حرام، فلا نقول: تملك القلوب الكثيرة حرام، إلا إذا حمله كثرة المال وكثرة الجاه على مباشرة ما لا يجوز. نعم! انصراف الهمّ إلى سعة الجاه مبدأ الشرور، كانصراف الهمّ إلى كثرة المال. ولا يقدر محبّ المال والجاه على ترك معاصي القلب واللسان وغيرها. فأما سعة الجاه، من غير حرص منك على طلبه، ومن غير اغتمام بزواله إن زال، فلا ضرر فيه. فلا جاه أوسع من جاه رسول الله بصير، وجاه الخلفاء الراشدين ومن بعدهم من علماء الدين)). ((ولكن انصراف الهمّ إلى طلب الجاه نقصان في الدين، ولا يوصف بالتحريم. فعلى هذا نقول: تحسين الثوب الذي يلبسه الإنسان عند الخروج إلى الناس مراءاة، وهو ليس بحرام، لأنه ليس رياء بالعبادة، بل بالدنيا. وقس على هذا كل تجمل للناس وتزين لهم. والدليل عليه ما روي عن عائشة رضيفيها: ((أن رسول الله وَلّ أراد أن يخرج يوماً على أصحابه، فكان ينظر في جبّ الماء ويسوّي عمامته وشعره، فقالت: أو تفعل ذلك يا رسول الله؟ فقال: نعم، إن الله يحبّ من العبد أن يتزين إذا خرج لإخوانه)) رواه ابن عدي في الكامل، كما في إتحاف السادة (٨: ٢٧٣) وذكر العراقي في كتاب الطهارة (١: ١٣٧) أن ابن عدي قال: هذا حديث منكر)). نعم، هذا كان من رسول الله ◌َ﴾ عبادة لأنه كان مأموراً بدعوة الخلق إلى الله تعالى، وترغيبهم في الاتباع، واستمالة قلوبهم، ولو سقط من أعينهم لم يرغبوا في اتباعه، فكان يجب عليه أن يظهر محاسن أحواله، لكيلا تزدريه أعينهم، لأن أعين عوام الخلق تمتدّ إلى الظواهر دون السرائر، فكان ذلك قصد رسول الله وَّله. ولكن لو قصد قاصد به أن يحسن نفسه في أعينهم حذراً من ذمهم ولومهم، واسترواحاً إلى توقيرهم واحترامهم، كان قصداً مباحاً ... )). (( ... فإذن، المراءاة بما ليس من العبادات قد تكون مباحة، وقد تكون طاعة، وقد تكون مذمومة، وذلك بحسب الغرض المطلوب بها)). (( ... وأما الرياء بالعبادات، كالصدقة، والصلاة، والغزو، والحج، فللمرائي فيه حالتان: إحداهما أن لا يكون له قصد إلا الرياء المحض، دون الأجر. وهذا يبطل عبادته لأن الأعمال بالنيات. وهذا ليس بقصد العبادة. ثم لا يقتصر على إحباط عبادته حتى نقول: صار كما كان قبل العبادة، بل يعصي بذلك ويأثم لما دلت عليه الأخبار والآيات ... فأما إذا قصد الأجر ٣٧٢ الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (٦) - باب: التكلم بالكلمة يهوي بها في النار (وفي نسخة: باب حفظ اللسان) ٧٤٠٦ - (٤٩) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا بَكْرٌ، (يَعْنِي ابْنَ مُضَرَ)، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عنْ مُحَمَّدٍ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ والحمد جميعاً في صدقته أو صلاته، فهذا الشرك الذي يناقض الإخلاص)). ثم ذكر رحمه الله تعالى أن من طلب الأجر والحمد جميعاً، له درجات بعضها فوق بعض، فأغلظها أن يكون طلب الحمد غالباً على طلب الأجر، بحيث لو كان في خلوة لم يعمل ذلك العمل، وأخف منها أن يكون قصد الثواب وقصد الرياء متساويين بحيث لو كان كل واحد خالياً عن الآخر لم يبعثه على العمل، فلما اجتمعا انبعثت الرغبة، أو كان كل واحد لو انفرد لاستقلّ بحمله على العمل. فهذا قد أفسد مثل ما أصلح، ويكون له من الثواب مثل ما عليه من العقاب، وظواهر النصوص تدل على أن مثل هذا الرجل لا يسلم. وأخف درجات الرياء أن يكون اطلاع الناس مرجحاً ومقوياً لنشاطه، ولو لم يكن لكان لا يترك العبادة، ولو كان قصد الرياء وحده، لما أقدم عليه. فالذي نظنه - والعلم عند الله - أنه لا يحبط أصل الثواب، ولكنه ينقص منه، أو يعاقب على مقدار قصد الرياء، ويثاب على مقدار قصد الثواب. وأما قوله ◌َله: (أنا أغنى الأغنياء عن الشرك) فهو محمول على ما إذا تساوى القصدان، أو كان قصد الرياء أرجح. وقد أطال الإمام الغزالي رحمه الله في بيان أنواع الرياء، خفيها وجليّها، وطريق معالجة القلب لإزالة داء الرياء عنه، وحاصل المعالجة أن يستحضر المرء ما فيه من العقاب، وإحباط الأعمال الصالحة، ويتفكّر في كون حمد الناس لا اعتبار له ولا قرار، وأن ذلك لا ينفع ولا يضرّ، وأن يتكلف مباشرة الأعمال النافلة في الخلوات مهما أمكن، ويتفكر في عظيم نعم الله تعالى عليه، وشناعة أن يُطلب حمد غيره من وراء عبادته، وينظر في النصوص الواردة في ذم الرياء وكونه محبطاً للأعمال وشعبة من الشرك، أعاذنا الله تعالى منه ومن جميع شعبه وفروعه. ومن أراد التفصيل فليراجع إحياء علوم الدين، وفي هذا القدر كفاية للطالبين هنا إن شاء الله تعالی . (٦) - باب: التكلم بالكلمة يهوى بها في النار (وفي نسخة: باب حفظ اللسان) ٤٩ - (٢٩٨٨) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الرقاق، باب حفظ اللسان، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت (٦٤٧٧ و ٦٤٧٨)، وأخرجه الترمذي في الزهد، باب فيمن يتكلم بكلمة يضحك بها الناس (٢٣١٤)، وابن ماجه في ٣٧٣ كتاب: الزهد والرقائق رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ، يَنْزِلُ بِهَا فِي النَّارِ، أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ». الفتن، باب كفّ اللسان في الفتنة (٤٠١٨)، وأحمد في مسنده (٢: ٣٣٤ و٣٧٩)، والبغوي في شرح السنّة (١٤: ٣١٣)، وابن حبان في صحيحه، كما في الإحسان (٧: ٤٨٥). قوله: (ليتكلم بالكلمة) أي: الكلام المشتمل على ما يفهم. وقد تطلق الكلمة على الكلام سواء طال أو قصر، كما يقال: كلمة الشهادة، وكما يقال للخطبة: كلمة فلان. وزاد في الرواية الآتية بعد هذا: ((ما يتبين فيها)) أي: لا يتطلب معناها، أي: لا يثبتها بفكره ولا يتأملها حتى يتثبت فيها، فلا يقولها إلا إن ظهرت المصلحة فيها. وقال بعض الشراح: المعنى أنه لا يبينها بعبارة واضحة. كذا في فتح الباري (١١: ٣١٠). ويحتمل أن يكون المراد أنه يتكلم بكلام دون تحقيق وتثبت، فينسب إلى رجل قولاً أو فعلاً بدون أن يتحقق من صحة النسبة إليه. وهذا كما ورد في الحديث: ((كفى بالمرء كذباً أن یحدث بكل ما سمع)). قوله: (ينزل بها) وفي رواية البخاري: (يزلّ بها) ومعناهما قريب. قوله: (أبعد ما بين المشرق والمغرب) يعني: ينزل بها إلى أعماق جهنم بقدر أبعد مسافة ما بين المشرق والمغرب. قال ابن عبد البر: ((الكلمة التي يهوي صاحبها بسببها في النار هي التي يقولها عند السلطان الجائر)) وزاد ابن بطال: ((بالبغي أو بالسعي على المسلم، فتكون سبباً لهلاكه، وإن لم يرد القائل ذلك، لكنها ربما أدّت إلى ذلك فيكتب على القائل إنمها)) ونقل عن ابن وهب أن المراد بها التلفظ بالسوء والفحش ما لم يرد بذلك الجحد لأمر الله في الدين. وقال القاضي عياض: ((يحتمل أن تكون تلك الكلمة من الخني والرفث، وأن تكون في التعريض بالمسلم بكبيرة أو بمجون، أو استخفاف بحق النبوة والشريعة وإن لم يعتقد ذلك. وقال الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام: ((هي الكلمة التي لا يعرف القائل حسنها من قبحها)) كذا في الفتح. وقال النووي رحمه الله: ((وهذا كله حثّ على حفظ اللسان، كما قال ◌َّ: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)). وينبغي لمن أراد النطق بكلمة أو كلام أن يتدبره في نفسه قبل نطقه، فإن ظهرت مصلحته تكلّم وإلا أمسك)). وقد وردت أحاديث كثيرة في الحثّ على الصّمت والحذر من آفات اللسان، فمنها قوله : ((من يتوكل لي بما بين لحييه ورجليه أتوكل له بالجنة)) رواه البخاري عن سهل بن سعد. ومنها حديث معاذ: قلت: يا رسول الله! أنؤاخذ بما نقول؟ فقال: ((ثكلتك أمك. وهل يكبّ الناس على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم». أخرجه الترمذي والحاكم وصححاه. ومنها قوله عليه السلام: ((إن أكثر خطايا بني آدم في لسانه)). أخرجه الطبراني والبيهقي في الشعب بسند ٣٧٤ الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٧٤٠٧ - (٥٠) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ الذَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ﴿ قَالَ: ((إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ، مَا يَتَبَيَّنُ مَا فِيهَا، يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ، أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ)). (٧) - باب: عقوبة من يأمر بالمعروف ولا يفعله وينهى عن المنكر ويفعله ٧٤٠٨ - (٥١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ نُمَيْرٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَأَبُو كُرَيْبٍ - وَاللَّفْظُ لأَّبِي كُرَيْبٍ - (قَالَ يَحْيَى وَإِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا) أَبُو مُعَاوِيَةَ. حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: قِيلَ لَهُ: أَلاَ تَدْخُلُ عَلَى عُثْمَانَ فَتُكَلِّمَهُ؟ فَقَالَ: أَتَرَوْنَ أَنِّي لاَ أُكَلِّمُهُ إِلَّ أُسْمِعُكُمْ؟ وَاللَّهِ، لَقَدْ كَلَّمْتُهُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ. حسن. كما في تخريج الإحياء للعراقي (٣: ١٠٦)، ولابن أبي الدنيا جزء لطيف في الموضوع باسم (فضائل الصمت وآداب اللسان) وهو مطبوع متداول. وللإمام الغزالي رحمه الله كلام مستوعب في آفات اللسان، راجع له إحياء العلوم (٣: ١٠٤). (٧) - باب: عقوبة من يأمر بالمعروف ولا يفعله إلخ ٥١ - (٢٩٨٩) - قوله: (عن أسامة بن زيد) هذا الحديث أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب صفة النار وأنها مخلوقة (٣٢٦٧)، وفي الفتن، باب الفتنة التي تموج كموج البحر (٧٠٩٨)، وأحمد في مسنده (٥: ٢٠٥ إلى ٢٠٩)، والحاكم في المستدرك (٤: ٨٩)، والبغوي في شرح السنّة (١٤ : ٣٥١). قوله: (ألا تدخل على عثمان فتكلّمه) أي: في بعض الأمور التي أنكرها المنكرون على عثمان رَظُه. وذكر المهلّب أنهم قالوا ذلك عند ما نُسب إلى الوليد بن عقبة أنه شرب الخمر، فأرادوا أن يكلّمه أسامة ليقيم عليه الحدّ، وكان أسامة من خواصّه. ولكن لم يبين المهلب مستنده في ذلك. وسياق الرواية الآتية يدفعه، لفظها: ((ما يمنعك أن تدخل على عثمان فتكلمه فيما يصنع)) وظاهره أنهم أرادوا الكلام فيما يتعلق بصنيع عثمان رَضُه نفسه، لا في صنيع غيره. وجزم الكرماني بأن المراد أن يكلمه فيما أنكره الناس على عثمان من تولية أقاربه وغير ذلك مما اشتھر . قوله: (أتُرَوْن) بضم التاء، بمعنى تظنون، ويجوز أن يكون بفتح التاء، وهو من رأى رأياً . قوله: (أنّي لا أكلّمه إلا أسمعكم) يعني: هل تظنّون أنّي أخبركم بكلّ ما أكلّم به عثمان، ٣٧٥ كتاب: الزهد والرقائق مَا دُونَ أَنْ أَفْتَتِحَ أَمْراً لاَ أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ . أو هل تظنّون أنّي لا أكلّمه إلا بمحضر منكم ومسمع؟ والاستفهام للنفي. يعني: ليس الأمر كذلك، وإنما أكلّمه في الخلوة، وقد فعلت. قوله: (ما دون أن أفتتح أمراً لا أحبّ أن أكون أول من فتحه) المراد من الأمر ههنا الفتنة، ومن افتتاح الأمر إثارة الفتنة، والمقصود أنّني أعظ الخليفة بدون أن أثير فتنة لا أريد أن أكون أول من أثارها، فلا أجاهر بالإنكار على الخليفة في ملأ، وإنما أفعل ذلك سراً. أدب النصيحة إلى السلطان قال النووي: ((وفيه الأدب مع الأمراء، واللطف بهم، ووعظهم سراً، وتبليغهم ما يقول الناس فيهم ليكفّوا عنه. وهذا كلّه إذا أمكن ذلك، فإن لم يكن الوعظ سراً والإنكار، فليفعله علانية، لئلا يضيع أصل الحقّ)). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ما ذكره أسامة بن زيد ها مبنيّ على إرشاد النبيّ وَّ فإنه قد روى عنه عياض بن غنم رُله أنه قال: ((من أراد أن ينصح لسلطان بأمر، فلا يبد له علانية، ولكن ليأخذ بيده فيخلو به، فإن قبل منه فذاك، وإلا كان قد أدّى الذي عليه له)) أخرجه أحمد في أحاديث هشام بن حكيم بن حزام من مسنده (٣: ٤٠٤)، وابن أبي عاصم في كتاب السنّة (٢ : ٥٠٧) ورجاله ثقات كما في مجمع الزوائد (٥: ٢٢٩)، وأخرجه أيضاً ابن عدي في الكامل (٤ : ١٣٩٣) في ترجمة صدقة بن عبد الله أخرجه الحاكم في المستدرك (٣: ٢٩٠) بسند يتابع سند مسند أحمد، وإن كان فيه ابن زريق، وهو واه كما ذكره الذهبي. وجه يلتزمون هذا الأدب في نصحهم للأمراء والحكّام. وقد ومن هنا، كان معظم الصحابة رفع سعيد بن جمهان إلى عبد الله بن أبي أوفى رظ له شكوى السلطان، وقال: ((فإن السلطان يظلم الناس ويفعل بهم ويفعل بهم)) فتناول عبد الله بن أبي أوفى يده فغمزها غمزة شديدة ثم قال: ((ويحك يا بن جمهان، عليك بالسواد الأعظم مرتين. إن كان السلطان يسمع منك ما فائته في بيته فأخبره بما تعلم. فإن قبل منك، وإلا فدعه، فإنك لست بأعلم منه)) أخرجه أحمد في مسنده (٤: ٣٨٢ و٣٨٣) وذكر الهيثمي في المجمع أن رجاله ثقات. وقد أخرج البزار في مسنده عن زيد بن وهب قال: ((أنكر الناس من أمير في زمن حذيفة شيئاً، فأقبل رجل في المسجد الأعظم يتخلّل الناس، حتى انتهى إلى حذيفة وهو قاعد في حلقة، فقام على رأسه فقال: يا صاحب رسول الله وسلم: ألا تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فرفع حذيفة رأسه، فعرف ما أراد، فقال حذيفة: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لحسن، وليس من السنّة أن تشهر السلاح على أميرك)) راجع كشف الأستار عن زوائد البزار (٢: ٢٥١، رقم: ١٦٣٣) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥: ٢٢٤): ((وفيه حبيب بن خالد، وثقه ابن حبان، وقال أبو حاتم: ليس بالقويّ. ٣٧٦ الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَلاَ أَقُولُ لِأَحَدٍ، يَكُونُ عَلَيَّ أَمِيراً: إِنَّهُ خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَمَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: وبهذه الأحاديث والآثار يتبيّن أنّ كلمة الحقّ عند سلطان جائر إنما يقال بها نصحاً له في خلوة ما وجد الإنسان إلى ذلك سبيلاً دون أن يجاهر بها المرء في المجامع بما يسبّب إهانته وشتمه، وأما الخروج على السلطان، فقد بسطنا الكلام عليه وعلى جواز شروطه في كتاب الإمارة والحمد لله تعالى، فليراجعه من شاء. قوله: (ولا أقول لأحد يكون عليّ أميراً إنه خير النّاس) إلخ: اختلف الشرّاح في المقصود بهذا الكلام. فذكر القاضي عياض رحمه الله أنّ مقصوده نفي المداهنة والتملّق من نفسه، فإنّه لمّا ذكر ما يدّل على مداراته للسلطان، وعلى كراهية المجاهرة بالإنكار عليه، أتبعه بنفي المداهنة، فقال: إنّي مع هذا لست مداهناً ولا مجامِلاً للأمير بأن أقول له إنه خير النّاس. فأثبت المداراة ونفي شبهة المداهنة. وضابط المداراة أن لا يكون فيها قدح في الدين. والمداهنة المذمومة أن يكون فيها تزيين القبيح وتصويب الباطل ونحو ذلك. وربما يتضح على هذا التفسير وجه قويّ للاستدلال بالحديث الذي حدّث به بعد ذلك، فإنه لا علاقة له في الظاهر بالمداهنة، وإنما هو وارد في مذمّة من يأمر الناس بالبرّ وينسى نفسه. لكن قال المهلّب: ((وذكر لهم قصة الرجل يطرح في النار لكونه كان يأمر بالمعروف ولا يفعله، ليتبرأ مما ظنوا به من سكوته عن عثمان)) وذكر الحافظ في الفتح أن كلام المهلب ليس بواضح ولعلّ مراد المهلب أنهم ظنّوا به أنه يداهن أمام السلطان، مع كونه ينهى عن المداهنة، فردّ عليهم بهذا الكلام وبيّن أنه لا يداهن، لأنه سمع من رسول الله وَلّر الوعيد الشديد لمن ينهى الناس عن شيء، ویرتکبه بنفسه. وذكر الأبيّ وجهاً آخر في وجه استدلاله بالحديث، فقال: ((الحديث كما دل بالنص على عقوبة من ينهى عن المنكر ويفعله، فهو أيضاً يدل باللزوم على عقوبة من لم ينه، فكأنه قال: لم لا أنهى وقد سمعت رسول الله ﴾﴾ يقول)). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ويحتمل أيضاً أن يكون مراد أسامة ظله أنه لا يقول للأمير إنّه خير الناس، لأن من وظائفه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكنه قد يقع بمقتضى البشرية في بعض ما ينهى عنه الناس، فيصير مصداقاً لوعيد الحديث، فكيف يكون خير الناس؟ وقد فسّر الحافظ كلام أسامة بطريق آخر، فذكر ما حاصله أنه ليس مقصود هذا الكلام نفي المداهنة عن نفسه، وإنّما أراد أنه لا يحبّ لنفسه أن يقبل الإمارة، لأن الأمير في معرض قويّ لوعيد هذا الحديث، لكونه يأمر الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر حسب وظيفة الإمامة، ولكنه قد يقع منه تقصير في عمل نفسه، فيصير مصداقاً لهذا الحديث. فقوله (لا أقول ... إنه خير الناس) المقصود منه أن الأمير لا يكون أفضل النّاس حتى يتمنى الإنسان أن يكون أميراً، ٣٧٧ كتاب: الزهد والرقائق (يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَيُلْقَى فِي النَّارِ. فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ. فَيَدُورُ بِهَا كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِالرَّحَى. فَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ أَهْلُ النَّارِ. فَيَقُولُونَ: يَا فُلاَنُ، مَا لَكَ، أَمْ تَكُنْ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرٍ؟ فَيَقُولُ: بَلَى. قَذْ كُنْتُ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلاَ آتِيهِ، وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَّرِ وَآتِیهِ)) . لأنه معرض لوعيد الحديث. هذا ما فهمته من كلام الحافظ في الفتح (١٣: ٥٢)، وهو - على بُعده - محتمل، ولعلّ التفسير الأول أولى وأرجح، والله سبحانه وتعالى أعلم. قوله: (يؤتى بالرجل) وفي رواية عاصم بن بهدلة عند أحمد: ((يجاء بالرجل الذي كان يطاع، في معاصي الله فيقذف في النّار)). قوله: (فتندلق أقتاب بطنه) الاندلاق: الخروج بسرعة. يقال: اندلق السيف من غمده: إذا خرج من غير أن يسلّه أحد. والأقتاب جمع القِتْب، بكسر القاف وسكون التاء، وهي الأمعاء. وقال الأصمعي: مفردها قِتبة. وبه سمي الرجل قتيبة، لأنه تصغيرها. وقيل: الأقتاب: ما استدار من البطن، وهي الحوايا، وأما الأمعاء، فهي الأقصاب. كذا في شرح الأبيّ. قوله: (آمر بالمعروف ولا آتيه) وجه العذاب هو الجزء الثاني، أعني عدم إتيانه بالمعروف، لا أمره بالمعروف، لما تقرر من أنه ليس من شرط الآمر بالمعروف أن يعمل الآمر بذلك. وكذلك يقال في النهي عن المنكر. متى يجب الأمر بالمعروف ومتى لا يجب وقد تكلم العلماء في الأحوال التي يجب فيها الأمر بالمعروف وفيما لا يجب فيه. وأحسن ما رأيت فيه كلام جامع نقله العيني رحمه الله في البناية شرح الهداية (٣: ٨٨١) (في أواخر كتاب الغصب) عن بستان أبي الليث وغيره، ونصّه: ((الأمر بالمعروف على وجوه: إن كان يعلم بأكبر رأيه أنه لو أمر بالمعروف يقبلون منه ويمتنعون عن المنكر، فالأمر واجب عليه لا يسعه تركه، ولو علم بأكبر رأيه أنهم يقذفون بذلك ويشتمونه فتركه أفضل. وكذا لو علم أنهم يضربونه ولا يصبر على ذلك وتقع بينهم العداوة يهيج منه القتال فتركه أفضل. ولو علم أنه يصبر على ضربهم ولم يشك إلى أحد فلا بأس به وهو مجاهد. ولو علم أنهم لا يقبلون منه ولا يخاف ضرباً ولا شتماً فهو بالخيار، والأمر بالمعروف أفضل. وذكر المحبوبي مطلقاً، فقال: الأمر بالمعروف واجب أو فرض إذا غلب على ظنه أنهم يتركون الفسق بالأمر، ولو غلب على ظنه أنهم لا يتركون، لا يكون آئماً في تركه)» ونقله ابن عابدين في تنقيح الحامدية (٢: ٣٦٣) مسائل شتى. وفي الهداية (٣: ٣٨٨): ((الأمر بالمعروف باليد إلى الأمراء لقدرتهم، وباللسان إلى غيرهم)) وذكر في العالمكيرية (٥: ٣٥٣): ((ويقال: الأمر بالمعروف باليد على الأمراء، وباللسان على العلماء، وبالقلب لعوامّ الناس)). ٣٧٨ الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٧٤٠٩ - (٠٠٠) حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِيِ وَائِلٍ. قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ. فَقَالَ رَجُلٌ: مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَدْخُلَ عَلَى عُثْمَانَ فَتُكَلِّمَهُ فِيمَا يَصْنَعُ؟ وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ. (٨) - باب: النهي عن هتك الإنسان ستر نفسه ٧٤١٠ - (٥٢) حدّثنَي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. (قَالَ عَبْدٌ: حَدَّثَنِي. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا) يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. حَدَّثْنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ. قَالَ: قَالَ سَالِمٌ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَ يَقُولُ: ((كُلُّ أُمَّتِي مُعَافَةٌ إِلَّ الْمُجَاهِرِينَ. (٨) - باب: النهي عن هتك الإنسان ستر نفسه ٥٢ - (٢٩٩٠) - قوله: (ابن أخي ابن شهاب) هو محمد بن عبد الله بن مسلم الزهريّ، وقد روى عن عمّه محمد بن مسلم بن شهاب الزهريّ أحاديث، اختلفت أقوال العلماء في توثيقه وجرحه، وقد روى عنه الجماعة. قال الواقديّ: قتله غلمانه بأمر ابنه لأمواله بناحية شغب، وكان ابنه سفيهاً شاطراً قتله للميراث في آخر خلافة أبي جعفر (سنة: " ١٥٢ هـ) قال ابن حبان: كان رديء الحفظ وكثير الوهم. لكن قال ابن عدي: لم أر بحديثه بأساً، ولا رأيت له حديثاً منكراً. وقد ذكره محمد بن يحيى الذهلي في الطبقة الثانية من أصحاب الزهري مع أسامة بن زيد وابن إسحاق وابن أويس وفليح، ولكن ذكر أنه روى ثلاثة أحاديث لم يجد لها أصلاً، وذكر من جملتها حديث الباب: ((كل أمتي معافى إلا المجاهرون)) كما في تهذيب التهذيب (٩: ٢٧٩) ولكن ذكر الحافظ في هدى السّاري (ص: ٤٤٠) أن البخاريّ لم يخرج من أحاديثه إلا ما توبع عليه موصولاً ومعلّقاً، ولم يذكر هناك متابعاً له في حديث الباب، لكن ذكر في فتح الباري (١٠ : ٤٨٦) أنه تابعه فيه إبراهيم بن سعد فروى هذا الحديث مرة بواسطة ابن أخي الزهري، وأخرى عن الزهريّ الكبير بدون واسطة ابن أخيه. فلعلّ الشيخين أخرجا هذا الحديث من أجل هذه المتابعة، والله سبحانه أعلم. قوله: (سمعت أبا هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الأدب، باب ستر المؤمن على نفسه (٦٠٦٩). قوله: (كل أمتي معافاة) كذا وقع في معظم نسخ مسلم بالتاء في آخره، وهي تاء التأنيث تعود إلى الأمة. ووقع في رواية البخاري: (معافى) وهو راجع إلى لفظ (كلّ). وعلى كلا التقديرين هو اسم مفعول من المعافاة المشتقة من العافية، وهو إما بمعنى (عفا الله عنه) أو بمعنى سلمه الله وأعطاه العافية. قوله: (إلا المجاهرين) كذا وقع منصوباً في أكثر الروايات عند البخاري ومسلم. ووقع في ٣٧٩ كتاب: الزهد والرقائق وَإِنَّ مِنَ الإِجْهَارِ أَنْ يَعْمَلَ الْعَبْدُ بِاللَّيْلِ عَمَلاً، ثُمَّ يُصْبِحُ قَدْ سَتَرَهُ رَبُّهُ، فَيَقُولُ: يَا فُلاَنُ، قَدْ رواية النسفيّ للبخاري: (إلا المجاهرون) بالرفع. وصوابه عند البصريين بالنّصب لكون المستثنى منه مذكوراً، وهو (أمتي). وأوّل بعضهم رواية الرفع بأن (إلا) بمعنى (لكن) (مخففة) والمجاهرون مبتدأ، خبره محذوف، وهو (لا يُعافون). والمجاهر هو الذي أظهر معصيته وكشف ما ستر الله عليه فيحدث بها لغير ضرورة ولا حاجة. أو ارتكب المعصية علناً بمحضر من الناس. ودلّ الحديث على كون المجاهرة بالمعصية أشدّ وأشنع من ارتكابها في الخلوات. قال ابن بطال: ((في الجهر بالمعصية استخفاف بحق الله ورسوله وبصالحي المؤمنين، وفيه ضرب من العناد لهم، وفي الستر بها السلامة من الاستخفاف، لأن المعاصي تذلّ أهلها)). ثم قد يستشكل حديث الباب بأنه إن كان المراد من العافية السّلامة من العذاب بالتوبة، فذلك حاصل للمجاهر أيضاً، فكيف يصح الاستثناء، وإن كان المراد السلامة بدون التوبة فهي غير حاصل للمسرِّ بالمعصية أيضاً فكيف يصح المستثنى منه؟ ويمكن الجواب عن هذا الإشكال بطرق : ١ - ذكر الطّيبي في الكاشف ٩: ١٠٧ أن المراد من العافية في الحديث السّلامة من الغيبة، فمن أسرّ بمعصيته حرم على الناس اغتيابه. أمّا من جاهر بالمعصية فلا يحرم على الناس غِيبته، (يعني: لا يحرم على أحد أن يذكر في غَيبته أنه ارتكبها) فالمسرّ مُعَافى من قِبل الناس بأنهم يتركون اغتيابه، وليس يصدق ذلك على المجاهر. ٢ - ذكر علي القاري في المرقاة (٩: ١٤٥) ما حاصله أن المراد من العافية السلامة من العذاب الشّديد، وهي حاصلة للمُسرّ، دون المجاهر، لأن عذاب المجاهر شديد. ٣ - يحتمل أن يكون المراد من العافية السّلامة من الكفر، ومن المجاهر المستحلّ للمعصية القطعيّة، والحاصل أن من أسرّ بمعصية مع اعتقاده أنها معصية يسلم من الكفر. أمّا من جاهر بها اعتقاداً بكونها حلالاً، فإنه يكفر إن كانت المعصية قطعية. ٤ - والأظهر - فيما يبدو لهذا العبد الضعيف عفا الله عنه - أن يقال: إنّ من يُسرّ بمعصيته، فإنه يُرجى منه التوبة لأن إسراره بالمعصية مشعر بكونه نادماً عليها، بخلاف المجاهر، فإنه لا يندم على ما فعله، فلا يتوقع من ظاهر حاله أن يتوب منها إلا ما شاء الله. فالمراد من العافية في الحديث رجاء التوبة منه، والله سبحانه وتعالى أعلم. قوله: (وإنّ من الإجهار) كذا وقع في أكثر النّسخ بالهمزة في أوله، ووقع في بعضها (جهار) بدون الهمزة، وهو مصدر جَهَرَ. ووقع في رواية البخاري (من المجاهرة) وكل واحد من هذه الألفاظ صحيح، لأن جهر وأجهر وجاهر بمعنى واحد. وذكر المصنف في آخر الحديث أن ٣٨٠ الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا. وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، فَيَبِبِتُ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ)) . قَالَ زُهَيْرٌ: ((وَإِنَّ مِنَ الْهِجَارِ)). (٩) - باب: تشميت العاطس، وكراهة التثاؤب ٧٤١١ - (٥٣) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا حَفْصٌ، (وَهُوَ ابْنُ غِيَاثٍ)، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: عَطَسَ عِنْدَ النَّبِيِّ وَ رَجُلاَنِ فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا وَلَمْ يُشَمِّتِ الآخَرَ. فَقَالَ الَّذِي لَمْ يُشَمِّتْهُ: عَطَسَ فُلاَنٌ فَشَمَّتَّهُ، وَعَطَسْتُ أَنَا فَلَمْ تُشَمِّتْنِي. قَالَ: ((إِنَّ هَذَا حَمِدَ اللَّهَ. وَإِنَّكَ لَمْ تَحْمَدِ اللَّهَ)) . ٧٤١٢ - (٠٠٠) وحدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ، (يَعْنِي الأَحْمَرَ)، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِّ ◌ََّ. بِمِثْلِهِ. زهيراً رواه (وإنُّ من الهجار) وهو من الهُجر، بضم الهاء، بمعنى الفحش والخنا. وقد وقع في بعض روايات البخاري: ((وإن من المجانة) وقد اختارها صاحب المشكاة، وأنكرها ابن بطال وزعم أنه تصحيف. لكن قال الحافظ في الفتح (١٠: ٤٨٧): ((بل الذي يظهر رجحان هذه الرواية، لأن الكلام المذكور بعده لا يرتاب أحد أنه من المجاهرة، فليس في إعادة ذكره كبير فائدة. وأما الرواية بلفظ المجانة، فتفيد معنى زائداً، وهو أن الذي يجاهر بالمعصية يكون من جملة المجان. والمجانة مذمومة شرعاً وعرفاً)). (٩) - باب: تشميت العاطس وكراهة التثاؤب قوله: (عن أنس بن مالك) هذا الحديث أخرجه البخاري في الأدب، باب الجهر للعاطس (٦٢٢١)، وباب لا يشمّت العاطس إذا لم يحمد الله (٦٢٢٥)، وأبو داود في الأدب، باب فيمن يعطس ولا يحمد الله (٥٠٣٩)، والترمذي في الأدب، باب ما جاء في إيجاب التشميت بحمد العاطس (٢٧٤٢)، وابن ماجه في الأدب، باب تشميت العاطس (٣٧٥٧)، وأحمد في مسنده (٣: ١١٧)، والبغوي في شرح السنّة (١٢: ٣١١)، وابن حبان في صحيحه، كما في الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان لابن بلبان (١ : ٤٠٢). قوله: (فشمّت أحدّهما) بنصب الدال، وضمير الفاعل راجع إلى النبيّ وَّر. قوله: (وإنّك لم تحمد الله) فيه دليل على أنه لا يجب التشميت إذا لم يحمد العاطس. وقد استوفينا الكلام بفضل الله تعالى على مسائل التشميت في كتاب السلام، باب من حق المسلم للمسلم رد السلام، (رقم: ٥٦٠٦).