النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
كتاب: الفتن وأشراط الساعة
رَحِمكَ اللَّهُ، مَا أَرَدْتَ مِنِ ابْنِ صَائِدٍ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ قَالَ: ((إِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ
غَضْبَةٍ يَغْضَبُهَا))؟ .
٧٢٨٧ - (٩٩) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، (يَعْنِي ابْنَ حَسَنِ بْنِ يَسَارٍ)،
حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعِ. قَال: كَانَ نَافِعٌ يَقُولُ: ابْنُ صَيَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَقِيتُهُ
مَرَّتَيْنِ. قَالَ: فَلَقِيتُهُ فَقُلْتُ لِبَعْضِهِمْ: هَلْ تَحَدَّثُونَ أَنَّهُ هُوَ؟ قَالَ: لاَ، وَاللَّهِ. قَالَ: قُلْتُ:
كَذَبْتَنِي، وَاللَّهِ، لَقَدْ أَخْبَرَنِي بَعْضُكُمْ أَنَّهُ لَنْ يَمُوتَ حَتَّى يَكُونَ أَكْثَرَكُمْ مَالاً وَوَلَداً، فَكَذَلِكَ
هُوَ زَعَمُوا الْيَوْمَ. قَالَ: فَتَحَدَّثْنَا ثُمَّ فَارَقْتُهُ. قَالَ: فَلَقِيتُهُ لَقْيَةً أُخْرَى وَقَدْ نَفَرَتْ عَيْنُهُ. قَالَ:
أصل السكّة الطريق المصطفة من النخل. قال: وسميت الأزقة سككاً لاصطفاف الدُّور فيها.
كذا في شرح النووي. وقال القرطبي: ((هذا الانتفاخ هو حقيقة، وقد يكون خارقاً للعادة من
علامات أنه الدجال)) قلت: ويحتمل أيضاً أن يكون ذلك من آثار سحره أو تخييله، والله سبحانه
أعلم.
قوله: (وقد بلغها) أي: بلغها خبر ما حدث بين ابن عمر وابن صيّاد.
قوله: (ما أردت من ابن صائد) وفي رواية حماد عند أحمد: ((ما يولعك به؟)) والمعنى:
لماذا تتعرض له بدون حاجة، فإنه إن كان دجّالاً، فربّما يضرك كلامه وغضبه.
٩٩ - (٠٠٠) - قوله: (ابن صيّاد، قال: قال ابن عمر: لقيته مرتين) (ابن صيّاد) مبتدأ خبره
(لقيته مرتين)، و (قال: قال ابن عمر) جملة معترضة بينهما. وهذا الحديث أخرجه أحمد في
مسنده (٦: ٢٨٤) من طريق روح بن عبادة عن ابن عون.
قوله: (قال: فلقيته فقلت لبعضهم) أي: لبعض أصحاب ابن صياد. وفي رواية رَوح عند
أحمد: ((فأما مرة، فلقيته ومعه بعض أصحابه، فقلت لبعضهم إلخ)).
قوله: (هل تَحَدَّثُون أنه هو؟) لعل مراده: هل تتحدثون فيما بينكم أن ابن صياد رسول؟
قوله: (لقد أخبرني بعضكم أنه لن يموت حتى يكون أكثركم مالاً وولداً) لعلّ مراده: أن
مثل هذا القول الجازم لا يُقال إلا بالوحي، فقولكم هذا يدلّ على أنكم تزعمون فيه أنه يوحى
إليه. هذا ما ظهر لي من معناه، ولم أر أحداً من الشرّاح تعرض لتفسير هذا الكلام، والله سبحانه
أعلم.
قوله: (فلقيته لقية أخرى) بفتح اللام، ورواه القاضي عياض بضمها. وهي مرة من اللقاء.
قوله: (وقد نفرت عينه) أي: تورّمت ونتأت. قال القاري في المرقاة (١٠: ٢٢٧): ((كأن
الجلد ينفر من اللحم للداء الحادث بينهما)) وذكر القاضي عياض في ضبطه وجوهاً أخر، والظاهر
أنها تصحيف.

٢٨٢
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَقُلْتُ: مَتَى فَعَلَتْ عَيْنُكَ مَا أَرَى؟ قَالَ: لاَ أَدْرِي. قَالَ: قُلْتُ: لاَ تَدْرِي وَهِيَ فِي رَأْسِكَ؟
قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ خَلَقَهَا فِي عَصَاكَ هَذِهِ. قَالَ: فَنَخَرَ كَأَشَدِّ نَخِيرٍ حِمَارٍ سَمِعْتُ. قَالَ:
فَزَعَمَ بَعْضُ أَصْحَابِي أَنِّي ضَرَبْتُهُ بِعَصاً كَانَتْ مَعِيَ حَتَّى تَكَسَّرَتْ، وَأَمَّا أَنَا، فَوَاللَّهِ مَا
شَعَرْتُ .
قَالَ: وَجَاءَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فَحَدَّثَهَا فَقَالَتْ: مَا تُرِيدُ إِلَيْهِ؟ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُ
قَدْ قَالَ: ((إِنَّ أَوَّلَ مَا يَبْعَثُهُ عَلَى النَّاسِ غَضَبٌ يَغْضَبُهُ)) .
(٢٠) - باب: ذكر الدجال وصفته وما معه
٧٢٨٨ - (١٠٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ.
قَالاَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، (وَاللَّفْظُ لَهُ)، حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ ذَكَرَ
الدَّجَّالَ بَيْنَ ظَهْرَانَي النَّاسِ فَقَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَىَّ لَيْسَ بِأَعْوَرَ. أَلاَ وَإِنَّ الْمَسِيحَ الذَّجَّلَ أَغْوَرُ
قوله: (لا تدري وهي في رأسك) هو بحذف الهمزة في أوله استفهام للإنكار.
قوله: (إن شاء الله خلقها في عصاك هذه) أي: خلق هذه العلّة، أو هذه العين المعيبة في
عصاك بحيث لا تدري بها وهي أقرب شيء إليك. كذا في المرقاة.
قوله: (فنخر كأشدّ نخير حمار) النّخير: صوت الأنف، يعني: مدّ النفس في الخيشوم.
والفعل من باب فتح.
قوله: (فزعم بعض أصحابي) أي: بعض أصحابي اللذين كان معي في ذلك الوقت.
(٢٠) - باب: ذكر الدجال وصفته وما معه
١٠٠ - (١٦٩) - قوله: (عن ابن عمر) هذا الحديث تقدم في الإيمان، باب ذكر المسيح
ابن مريم، والمسيح الدجال، ومرّ شرحه هناك. وأخرجه البخاري في الجهاد، باب كيف يعرض
الإسلام على الصبيّ؟ (٣٠٥٧)، وفي الأنبياء، باب قول الله عزّ وجلّ: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى
قَوْمِهِ﴾ (٣٣٣٧)، وباب قول الله تعالى: ﴿وَأَذَكُرْ فِى الْكِتَبِ مَرْيَمَ﴾(٣٤٣٩)، وفي المغازي، باب
حجة الوداع (٤٤٠٢)، وفي الأدب، باب قول الرجل للرجل: اخسأ (٦١٧٥)، وفي الفتن، باب
ذكر الدجال (٧١٢٣ و٧١٢٧)، وفي التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَلِنُصْنَعَ عَلَى عَيْنِىّ﴾
(٧٤٠٧). وأخرجه أبو داود في السنّة، باب في الدجال (٤٧٥٧)، والترمذي في الفتن، باب ما
جاء في علامة الدجال، وأحمد في مسنده (٢: ٣٧).
قوله: (بين ظهراني النّاس) بفتح الظاء المعجمة وسكون الهاء، أي: جالساً في وسط
الناس. والمراد أنه جلس بينهم مستظهراً، لا مستخفياً. وزيدت فيه الألف والنون تأكيداً.

٢٨٣
كتاب: الفتن وأشراط الساعة
الْعَيْنِ الْيُمْنَى. كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِئَةٌ)).
٧٢٨٩ - (٠٠٠) حدّثني أَبُو الرَّبِيع وَأَبُو كَامِلٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، (وَهُوَ ابْنُ
زَيْدٍ)، عَنْ أَيُّوبَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّدٍ. حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، (يَعْنِي ابْنَ إِسْمَاعِيلَ)، عَنْ
مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، كِلاَهُمَا عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِّ ◌َّهُ بِمِثْلِهِ.
٧٢٩٠ - (١٠١) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ:
قوله: (كأن عينه عنبة طافئة) ضبطه بعض الشراح بياء غير مهموزة، بمعنى: بارزة،
وبعضهم بالهمز، أي: ذهب ضوءها. قال القاضي عياض رحمه الله: رويناه عن الأكثر بغير
همز، وهو الذي صححه الجمهور، وجزم به الأخفش. ومعناه أنها ناتئة نتوء حبة العنب من بين
أخواتها. قال: ((وضبطه بعض الشيوخ بالهمزة، وأنكره بعضهم، ولا وجه لإنكاره، فقد جاء في
آخر أنه ممسوح العين مطموسة، وليست جَحْراء ولا ناتئة، وهذه صفة حبة العنب إذا سال
ماؤها، وهو يصحح رواية الهمز)).
والحديث الذي أشار إليه القاضي عياض أخرجه أبو داود (رقم: ٤٣٢٠) عن عبادة بن
الصامت بله مرفوعاً، ولفظه في صفة الدجال: ((أعور مطموس العين، ليس بناتئة ولا جحراء))
و (جحراء) بتقديم الجيم على الحاء، معناها: عميقة. وبتقديم الحاء على الجيم معناها: متصلبة
كالحجر، والمراد أنها ليست جاحظة متورمة، ولا عميقة أو متصلبة. وكذلك ورد في حديث
أنس الآتي من طريق شعيب بن الحبحاب أن الدجّال ممسوح العين، وهو يؤيد رواية من روى
(طافئة) بالهمز، لأنها هي المسموحة التي ذهب ضوءها .
ثم إنه وقع في هذا الحديث أن العوراء هي عين الدجال اليمنى. ووقع في حديث حذيفة
الآتي قريباً أنه أعور العين اليسرى، فذهب بعض العلماء إلى ترجيح حديث ابن عمر على حديث
حذيفة، ولكن جمع القاضي عياض بينهما بأن كل واحدة من عيني الدجال معيبة عوراء،
فإحداهما معيبة بذهاب ضوءها حتى ذهب إدراكها، والأخرى بنتوئها .
واستقصى الحافظ ابن حجر رحمه الله الروايات الواردة في صفة عين الدجال، ثم قال في
فتح الباري (١٣ : ٩٨): ((والذي يتحصل من مجموع الأخبار أن الصواب في (طافية) أنه بغير
همز، فإنها قُيّدت في رواية الباب بأنها اليمنى، وصرح في حديث عبد الله بن مغفل وسمرة وأبي
بكرة بأن يحينه اليسرى ممسوحة؛ والطافية هي البارزة وهي غير الممسوحة، والعجب ممن يجوّز
رواية الهمز في (طافية) وعدمه مع تضاد المعنى في حديث واحد. فلو كان ذلك في حديثين
لسهل الأمر».
١٠١ - (٢٩٣٣) - قوله: (سمعت أنس بن مالك) هذا الحديث أخرجه البخاري في الفتن،

٢٨٤
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(مَا مِنْ نَبِيِّ إِلاَّ وَقَدْ أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الأَغْوَرَ الْكَذَّابَ، أَلاَ إِنَّهُ أَغْوَرُ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ،
مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَیْنَيْهِ ك ف ر)).
٧٢٩١ - (١٠٢) حدّثنا ابْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَارٍ، (وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَتَّى)، قَالاَ: حَدَّثَنَا
مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ. حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ. حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ؛ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ وَلِ قَالَ:
«الدَّجَّلُ مَكْتُوبُّ بَيْنَ عَینَيْهِ ك ف ر، أَنْ كَافِرٌ)).
٧٢٩٢ - (١٠٣) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا عَفَّانُ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ
شُعَيْبٍ بْنِ الْحَبْحَابِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((الدَّجَّالُ مَمْسُوحُ
الْعَيْنِ. مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْتَيْهِ كَافِرٌ))، ثُمَّ تَهَجَّاهَا ك ف ر. ((يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُسْلِمٍ)).
باب ذكر الدجال (٧١٣١)، وفي التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَلِنُصْنَعَ عَلَى عَيْنِىّ﴾ (٧٤٠٨)،
وأخرجه أبو داود في الملاحم، باب خروج الدجال (٤٣١٦ و ٤٣١٧ و٤٣١٨)، والترمذي في
الفتن، باب ما جاء في قتل عيسى بن مريم الدجال (٢٢٤٥).
قوله: (مكتوب بين عينه ك ف ر) كذا وقع في رواية المصّنف بالتهجئة. ووقع في رواية
سليمان بن حرب عند البخاري: ((وإن بين عينيه مكتوب كافر)) بدون التهجئة. وسيأتي في رواية
معاذ بن هشام، وشعيب الجمع بين الأمرين. وقال النووي رحمه الله: ((الصحيح الذي عليه
المحققون أن هذه الكتابة على ظاهرها، وأنها كتابة حقيقة جعلها الله آية وعلامة من جملة
العلامات القاطعة بكفره وكذبه وإبطاله، ويظهرها الله تعالى لكل مسلم كاتب وغير كاتب،
ويخفيها عمن أراد شقاوته وفتنته، ولا امتناع في ذلك. وذكر القاضي فيه خلافاً. منهم من قال:
هي كتابة حقيقة كما ذكرنا، ومنهم من قال: هي مجاز وإشارة إلى سمات الحدوث عليه. واحتج
بقوله: يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب. وهذا مذهب ضعيف)) والله سبحانه أعلم.
١٠٣ - (٠٠٠) - قوله: (يقرؤه كل مسلم) وسيأتي في حديث حذيف: ((يقرؤه كل مؤمن
كاتب وغير كاتب))، وفي رواية عمر بن ثابت عند الترمذي عن بعض الصحابة ((يقرؤه كل من كره
عمله))، وفي حديث أبي بكرة عند أحمد: ((يقرؤه الأميّ والكاتب))، ونحوه في حديث معاذ عند
البزار. وفي حديث أبي أمامة عند ابن ماجه: ((يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب)) ذكر الحافظ
هذه الروايات في الفتح (١٣: ١٠٠) ثم قال: ((وقوله: (يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب) إخبار
بالحقيقة، وذلك أن الإدراك في البصر يخلقه الله للعبد كيف شاء ومتى شاء. فهذا يراه المؤمن
بغير بصره وإن كان لا يعرف الكتابة، ولا يراه الكافر، ولو كان يعرف الكتابة، كما يرى المؤمن
الأدلة بعين بصيرته، ولا يراها الكافر، فيخلق الله للمؤمن الإدراك دون تعلم، لأن ذلك الزمان
تنخرق فيه العادات في ذلك. ويحتمل قوله: (يقرؤه من كره عمله) أن يراد به المؤمن عموماً،
ويحتمل أن يختص ببعضهم ممن قوي إيمانه)).

٢٨٥
كتاب: الفتن وأشراط الساعة
٧٢٩٣ - (١٠٤) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ وَإِسْحَاقُ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ. (قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا) أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ
شَقِيقٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((الدَّجَّالُ أَعْوَرُ الْعَيْنِ اَلْيُسْرَى. جُفَّالُ
الشَّعَرِ، مَعَهُ جَنَّةٌ وَنَارٌ، فَتَارُهُ جَنَّةٌ وَجَثَّتُهُ نَارٌ)) .
٧٢٩٤ - (١٠٥) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ أَبِي
مَالِكِ الأَشْجَعِيِّ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((لأَنَّا
أَعْلَمُ بِمَا مَعَ الدَّجَّالِ مِنْهُ. مَعَهُ نَهْرَانِ يَجْرِيَانٍ. أَحَدُهُمَا، رَأْيَ الْعَيْنِ، مَاءٌ أَبْيَضُ. وَالآخَرُ،
رَأْيَ الْعَيْنِ، نَارْ تَأَجَّجُ. فَإِمَّا أَدْرَكَنَّ أَحَدٌ فَلْيَأْتِ النَّهْرَ الَّذِي يَرَاهُ نَاراً وَلْيُغَمِّضْ. ثُمَّ لْيُطَأْطِىءُ
رَأْسَهُ فَيَشْرَبَ مِنْهُ. فَإِنَّهُ مَاءٌ بَارِدٌ. وَإِنَّ الدَّجَّالَ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ. عَلَيْهَا ظَفَرَةٌ غَلِيظَةٌ، مَكْتُوبٌ
١٠٤ - (٢٩٣٤) - قوله: (عن حذيفة) هذا الحديث أخرجه البخاري فى الأنبياء، باب ما
ذكر عن بني إسرائيل (٣٤٥٠)، وفي الفتن، باب ذكر الدجّال (٧١٣٠)، وأبو داود في الملاحم،
باب خروج الدجال (٤٣١٥)، وابن ماجه في الفتن، باب فتنة الدجال وخروج عيسى بن مريم
(٤١٢٢)، وأحمد في مسنده (٥: ٣٨٣ و٣٩٧).
قوله: (جُفال الشّعر) هو بضم الجيم وتخفيف الفاء، أي: كثير الشّعر. كذا في شرح
الأبيّ.
قوله: (معه جنّة ونار) وفي الرواية الآتية: ((معه نهران يجريان إلخ)) وفي رواية عبد الملك بن
عمير الآتية بعدها: ((إن معه ماء وناراً)) والله تعالى أعلم بحقيقتهما.
قوله: (فناره جنّة، وجنّته نار) وزاد في حديث أبي أمامة عن ابن ماجه: ((فمن ابتلي بناره
فليستغيث بالله وليقرأ فواتح الكهف، فتكون عليه برداً وسلاماً)).
١٠٥ - (٠٠٠) - قوله: (رأي العين) هو منصوب على الظرفية، أي: في رأي العين،
ويصح أن يكون مصدراً، أي: يراه رأي العين.
قوله: (نار تأجّج) أي: تتأجج فحذفت التاء الأولى تخفيفاً. ويقال: تأجّجت النّار: إذا
تلهبت، وأجّجتها فتأجّجت، والأجيج: تلقّب النار.
قوله: (فإمّا أدركنّ) كذا وقع في أكثر النسخ، وهو خلاف القياس الصّرفيّ، لأن نون
التأكيد المشدّدة لا تلحق الفعل الماضي، ولعلّ صوابه: فإمّا يدركنّ. أفاده القاضي عياض.
قوله: (النّهر الذي يراه) بفتح الياء، ويجوز ضمّها أيضاً، بمعنى يظّنه.
قوله: (وليغمّض) أي: وليُغمض عينيه، لئلا يلحقه خوف من التهاب النار.
قوله: (عليها ظفرة) بفتح الظاء والفاء، وهي لحمة تنبت عند المآقي. كذا فسّره

٢٨٦
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بَيْنَ عَيْنَيْهِ کَافِرٌ، يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ، كَاتِبٍ وَغَيْرِ كَاتِبٍ)).
٧٢٩٥ - (١٠٦) حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةٌ. ح وَحَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى (وَاللَّفْظُ لَهُ)، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ
عُمَيْرٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَِ؛ أَنَّهُ قَالَ، فِي الدَّجَّالِ: ((إِنَّ مَعَهُ
مَاءَ وَنَاراً. فَتَارُهُ مَاءٌ بَارِدٌ، وَمَاؤُهُ نَارٌ. فَلاَ تَهْلِكُوْ)) .
قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: وَأَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ لِهِ.
٧٢٩٦ - (١٠٧) حدّثنا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ. حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ صَفْوَانَ، عَنْ
عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو، أَبِي مَسْعُودِ الأَنْصَارِيِّ،
قَالَ: انْطَلَقْتُ مَعَهُ إِلَى حُذَيْفَةَ بَنِ الْيَمَّانِ. فَقَالَ لَهُ عُقْبَةُ: حَدِّثْنِي مَا سَمِعْتَ مِنْ
رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ فِي الدَّجَّالِ. قَالَ: ((إِنَّ الدَّجَّالَ يَخْرُجُ. وَإِنَّ مَعَهُ مَاءَ وَنَاراً. فَأَمَّا الَّذِي يَرَاهُ
النَّاسُ مَاءً، فَنَارٌ تُحْرِقُ. وَأَمَّا الَّذِي يَرَاهُ النَّاسُ نَاراً فَمَاءٌ بَارِدٌ عَذْبٌ. فَمَنْ أَدْرَكَ ذُلِكَ مِنْكُمْ
فَلْيَقَعْ فِي الَّذِي يَرَاهُ نَاراً. فَإِنَّهُ مَاءٌ عَذْبٌ طَيِّبٌ)).
فَقَال عُقْبَةُ: وَأَنَا قَدْ سَمِعْتُهُ. تَصْدِيقاً لِحُذَيْفَةَ.
٧٢٩٧ - (١٠٨) حدّثنا عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لابْنِ
حُجْرٍ .. (قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ ابْنُ حُجْرٍ: حَدَّثَنَا) جَرِيرٌ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ
نُعَيْمِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، قَالَ: اجْتَمَعَ خُذَيْفَةُ وَأَبُو مَسْعُودٍ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ:
(لأَنَا بِمَا مَعَ الدَّجَّالِ أَعْلَمُ مِنْهُ. إِنَّ مَعَهُ نَهْراً مِنْ مَاءٍ وَنَهْراً مِنْ نَارٍ. فَأَمَّا الَّذِي تَرَوْنَ أَنَّهُ نَارٌ،
مَاءٌ. وَأَمَّا الَّذِي تَرَوْنَ أَنَّهُ مَاءٌ، نَارٌ؛ فَمَنْ أَدْرَكَ ذُلِكَ مِنْكُمْ فَأَرَادَ الْمَاءَ فَلْيَشْرَبْ مِنَ الَّذِي يَرَاهُ
أَنَّهُ نَارٌ. فَإِنَّهُ سَيَجِدُهُ مَاءٌ)) .
قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: هَكَذَا سَمِعْتُ النَّبِيِّ وَّهِ يَقُولُ.
٧٢٩٨ - (١٠٩) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ. حَدَّثَنَا شَيْبَانُ،
الأصمعي، وقال صاحب العين: هي جلدة تغشي البصر.
قوله: (كاتب وغير كاتب) يعني: من يستطيع الكتابة ومن لا يستطيعها، وقد تقدم أن ذلك
على سبيل خرق العادة بحيث يخلق الله تعالى إدراكاً في بصر المؤمن من يدرك به ذلك.
(٢٩٣٥) - قوله: (وأنا سمعته من رسول الله (وَّ﴿) فصار الحديث من مسندات أبي مسعود
أيضاً، وسيأتي أن ربعيّ بن خراش انطلق معه إلى حذيفة ها، فحدّث حذيفة بهذا الحديث،
فصدّقه أبو مسعود.

٢٨٧
كتاب: الفتن وأشراط الساعة
عَنْ بَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ:
(أَلاَ أُخْبِرُكُمْ عَنِ الدَّجَّالِ حَدِيثاً مَا حَدَّثَهُ نَبِيٍّ قَوْمَهُ؟ إِنَّهُ أَعْوَرُ. وَإِنَّهُ يَجِيءُ مَعَهُ مِثْلُ الْجَنَّةِ
وَالنَّارِ. فَالَّتِي يَقُولُ إِنَّهَا الْجَنَّةُ، هِيَ النَّارُ. وَإِنِّي أَنْذَرْتُكُمْ بِهِ كَمَا أَنْذَرَ بِهِ نُوحٌ قَوْمَهُ)) .
٧٢٩٩ - (١١٠) حدّثنا أَبُو خَيْثَمَةَ، زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم.
حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ. حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ جَابِرِ الظَّائِيُّ، فَاضِي حِمْصٌَ.
حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرِ الْحَضْرَمِيِّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ النَّوَّاسَ بْنَ
سَمْعَانَ الْكِلاَبِيَّ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، (وَاللَّفْظُ لَهُ)، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ
مُسْلِم. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَابِرِ الطَّائِيِّ، عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُغَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، ◌ُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ، قَالَ:
ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ بَِّ الدَّجَّالَ ذَاتَ غَدَاةٍ. فَخَفَّضَ فِيهِ وَرَفُّعَ. حَتَّى ظَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ .
فَلَمَّا رُحْنَا إِلَيْهِ عَرَفَ ذُلِكَ فِينَا. فَقَالَ: ((مَا شَأْنُكُمْ؟)) قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَكَرْتَ الدَّجَّالَ
غَدَاةٌ. فَخَفَّضْتَ فِيهِ وَرَفَّعْتَ.
١٠٩ - (٢٩٣٦) - قوله: (سمعت أبا هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الأنبياء،
باب قول الله عزّ وجلّ: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ (٢٢٣٨).
١١٠ - (٢٩٣٧) - قوله: (سمع النوّاس بن سمعان الكلابيّ) هذا الحديث أخرجه أبو داود
في الملاحم، باب خروج الدجال (٤٣٢١)، والترمذي في الفتن، باب ما جاء في فتنة الدجال
(٢٢٤٠)، وابن ماجه في الفتن، باب طلوع الشمس من مغربها (٤١٢٦)، وأحمد في مسنده (٤:
١٨١) والبغوي في شرح السنّة (١٥: ٥٤).
والنّاس هذا بفتح النون وتشديد الواو، كما في المغني، معدود في الشاميّين، ويقال: إن
أباه سمعان بن خالد وفد على النبيّ (*)، فدعا له رسول الله و لو وأعطاه نعليه، فقبلهما
رسول الله وَ﴾، وزوّجه أخته، فلما دخلت على النبيّ وَل تعوذت منه فتركها، وهي الكلابية. وقد
اختلفوا في المتعوذة كثيراً. كذا في الاستيعاب (٣: ٥٣٩) وأسد الغابة (٥: ٤٥) وقد ذكرنا
أقوال أصحاب السّير في المتعوذة في قصة امرأة الجون. وقد مرّ ذكر النّاس في البر والصلة،
باب تفسير البّر والإثم.
قوله: (فخفّض فيه ورفّع) هو بتشديد الفاء فيهما حسب ما ضبطه النووي، وذكر القرطبي
أنه بتخفيف الفاء فيهما، والمعنى في كلتا الحالتين واحد. واختلفوا في المراد منه على قولين:
الأول: أن النبيّ وَلّ أكثر الكلام في شأنه، فتارةً رفع صوته ليسمعه كل أحد، وأخرى
خفض صوته ليستريح من تعب الجهر.

٢٨٨
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
حَتَّى ظَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ. فَقَالَ: ((غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَقُنِي عَلَيْكُمْ. إِنْ يَخْرُجْ، وَأَنَا فِيكُمْ،
فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ. وَإِنْ يَخْرُجْ، وَلَسْتُ فِيكُمْ،
والثاني: أن المراد من التخفيض تصغير شأنه وتحقيره، كما ذكر أنه أعور، وأنه أهون على
الله من ذلك، وأنه لا يقدر على قتل أحد إلا ذلك الرجل، ثم يعجز عنه، وأنه يضمحلّ أمره
ويُقتل بيد عيسى عليه السلام. والمراد من الترفيع تعظيمُ فتنته حيث تصدر منه أمور خارقة
للعادة، وأنه ليس بين يدي الساعة أحد أعظم فتنة من الدجّال.
قوله: (حتى ظنّناه في طائفة النخل) يعني: أن رسول الله وَ له وصفه بصفات حتى ظننا أنه
مختفٍ في طائفة النخل.
قوله: (عرف ذلك فينا) يعني: عرف أنا زعمنا وجوده في طائفة النخل.
قوله: (غير الدجّال أخوفني عليكم) كذا وقع في أكثر النسخ بإثبات النون بعد الفاء، ووقع
في بعضها بحذف النون، وفي بعضها: ((أخوف لي)) وهذا الثالث أقرب إلى القياس النحويّ.
وتقدير العبارة من حيث المعنى: ((إنّ أخاف عليكم من غير الدجّال أكثر مما أخاف عليكم منه))
واختلف العلماء في توجيه عبارة المتن من حيث اللفظ والمعنى. والإشكال من حيث اللفظ أن
نون الوقاية لا تلحق الأسماء، وإنما تلحق الأفعال المتعدية، وقد لحقت ههنا اسم التفضيل.
والجواب على ما ذكره النووي عن ابن مالك رحمه الله، أنه كان الأصل إثبات النون، ولكنه
أصل متروك، فنبه عليه في قليل من كلامهم، وأنشد فيه أبياتاً منها ما أنشد الفراء:
أمسلمُني إلى قومي شراحي
فما أدري، فظنّي كل ظنّ
ولأفعل التفضيل أيضاً شبه بالفعل، وخصوصاً بفعل التعجب، فجاز أن تلحقه النون
المذكورة في الحديث، كما لحقت في الأبيات المذكورة.
وأما توجيه هذه الفقرة من حيث المعنى، فقد ذكر النووي فيه وجوهاً. أحدها: أن تقديره:
((غير الدجال أخوف مخوفاتي عليكم)) فحذف المضاف أيضاً إلى الياء. ومنه: ((أخوف ما أخاف
على أمتي الأئمة المضلّون)). والثاني: أن يكون (أخوفُ) من (أخاف) بمعنى: (خوَّف) ومعناه:
غير الدجال أشد موجبات خوفي عليكم. والثالث: أن يكون من باب وصف المعاني بما يوصف
به الأعيان على سبيل المبالغة، كقولهم في الشعر الفصيح: شعر شاعر، وخوف فلان أخوف من
خوفك. وتقديره: ((خوف غير الدجال أخوف خوفي عليكم)) ثم حذف المضاف الأول ثم الثاني،
والله سبحانه أعلم.
قوله: (فأنا حَچِيجُه دونكم) هو فعيل بمعنى الفاعل، أي: محاجّه ومغالبه بإظهار الحجة
عليه. والمراد أنه إن خرج في حياتي فأنا أكفيفكم شرّه، وأغلب عليه بنور حجّة النبوة
والمعجزات الباهرة.

٢٨٩
كتاب: الفتن وأشراط الساعة
فَامْرُؤْ حَجِيجُ نَفْسِهِ. وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ. إِنَّهُ شَابٌّ قَطَظٌ. عَيْنُهُ طَافِئَةٌ. كَأَنِّي
أُشَبَّهُهُ بِعَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَطَنٍ. فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ الْكَهْفِ.
واستشكل التوربشتي هذا الكلام بأنه قد ثبت بالأحاديث المتواترة أنه إنما يخرج في آخر
الزمان بعد خروج المهديّ وأن الذي يقتله هو المسيح عليه السلام، فكيف ذكر رسول الله وليه
احتمال خروجه في حياته بَّه؟ ثم أجاب عن ذلك بأنه إنما سلك هذا المسلك من التورية،
لإبقاء الخوف على المكلفين من فتنته واللجوء إلى الله تعالى من شرّه. وأجاب عنه المظهر بأنه
إنما أشار بذلك إلى عدم علمه بوقت خروجه، كذا في شرح الطيبي (١٠: ١١٠ و١١١).
والأوجه من ذلك عندي أن يقال: إنه ◌َ ر ذكر هذا الاحتمال على سبيل الفرض، ووجهه
أن الصحابة فزعوا من خروجه حتى زعموا أنه في طائفة النّخل، فذكر أنه لا وجه لفزعهم وإن
كان خارجاً في تلك الأيام على سبيل الفرض، لأنه وَلّ يكفيهم فتنته حينئذ. وليس المراد أن هذا
الاحتمال قائم في نفس الأمر، لأن النبيّ وَّ بيّن في نفس هذا الحديث أن المسيح عليه السلام
هو الذي يقتله بباب لدّ. والله سبحانه أعلم.
قوله: (فامرؤ حجيج نفسه) إنما وقع (امرؤ) منكّراً في أول الكلام لإفادة العموم، أي: كل
امرىء. و (حجيج نفسه) مضاف ومضاف إليه. يعني: كل امرىء يحاجّه ليدفع شرّه عن نفسه.
قوله: (والله خليفتي على كل مسلم) يعني: أن الله تعالى وليّ كل مسلم وحافظه، فيعينه
عليه ويدفع شرّه بلا واسطة أحد.
قوله: (إنه شابٌ قطط) بفتح القاف والطاء، أي: شديد جعودة الشّعر مباعد للجعودة
المحبوبة، کذا في شرح النووي.
قوله: (كأني لمُشَبِّهه بعبد العزّى بن قطن) قال الطيبي: ((قيل: إنه كان يهوديّاً، ولعل
الظاهر أنه مشرك، لأن العزّى اسم صنم. يؤيده ما جاء في بعض الحواشي. هو رجل من
خزاعة، هلك في الجاهلية».
وقال الطيبي أيضاً: ((ولم يقل كأنه عبد العزى))، ((قيل: إنه لم يكن جازماً بتشبيهه به)) وقال
الشيخ علي القاري في المرقاة (١٠: ١٦٢): ((قلت: لا شك في تشبيهه به، إلا أنه لما كان
معرفة المشبّه في عالم الكشف أو المنام، عبّر عنه: ((بكأنّي)) كما هو المعتبر في حكاية الرؤيا،
والله تعالى أعلم. ويمكن أن يقال: لما لم يوجد في الكون أقبح صورة منه فلا يتم التشبيه من
جميع الوجوه، بل ولا من وجه واحد، عدل عن صيغة الجزم، وعبر عنه بما عبر عنه. ثم في
صيغة الحال إشعار باستحضار صورة المآل)).
قوله: (فليقرأ عليه فواتح الكهف) وزاد أبو داود من طريق صفوان بن صالح: ((فإنها
جواركم من فتنته)) وهو بكسر الجيم بمعنى الأمان. وقد أخرج الترمذي في التفسير من جامعه.

٢٩٠
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(رقم: ٢٨٨٦) عن أبي الدرداء وظُه عن النبيّ وَّ قال: ((من قرأ ثلاث آيات من أول الكهف
عُصِم من فتنة الدجال))، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقد مرّ عند المصنف في
كتاب صلاة المسافرين (باب فضل سورة الكهف) عن أبي الدرداء أن النبيّ بَّر قال: ((من حفظ
عشر آيات من أوّل سورة الكهف، عُصِم من الدجّال)).
وقال الشيخ علي القاري في المرقاة (١٠: ١٦٣): ((قيل: وجه الجمع بين الثلاث وبين
قوله وَلـ: ((من حفظ عشر آيات)) أن حديث العشر متأخر، ومن عمل بالعشر فقد عمل بالثلاث.
وقيل: حديث الثلاث متأخر، ومن عصم بثلاث فلا حاجة إلى العشر. وهذا أقرب إلى أحكام
النسخ. أقول: بمجرد الاحتمال لا يحكم بالنسخ، مع أن النسخ إنما يكون في الإنشاء لا في
الإخبار. فالأظهر أن أقل ما يحفظ به من شرّه قراءة الثلاث، وحفظها أولى، وهو لا ينافي
الزيادة كما لا يخفى. وقيل حديث العشر في الحفظ، وحديث الثلاث في القراءة. فمن حفظ
العشر وقرأ الثلاث كفي وعصم من فتنة الدجال. وقيل: من حفظ العشر عُصم من أن لقيه، ومن
قرأ الثلاث عصم من فتنته إن لم يلقه. وقيل: المراد من الحفظ القراءة عن ظهر القلب، ومن
العصمة الحفظ من آفات الدجال، والله تعالى أعلم بالأحوال)).
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: إن ما ذكره الشيخ علي القاري رحمه الله من وجوه الجمع
بين الروايتين إنّما كان يُحتاج إليها إذا كان هناك حديثان متعارضان، والواقع أنه ليس هناك إلا
حديث واحد مخرجه واحد، فكل واحد من الروايتين رواهما قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن
معدان بن طلحة، عن أبي الدرداء. ولكن اختُلِف فيه على قتادة، فروى شعبة عنه عند الترمذي:
((من قرأ ثلاث آيات من أول الكهف)) وروى معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عند مسلم: ((من
حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف) فليس مرجع هذا الاختلاف إلا الاختلاف في رواية
الحديث عن قتادة، وليس ذلك اختلافاً أو تعارضاً في الحديث المرفوع حتى يُصار إلى إحدى
وجوه الجمع التي ذكرها الشيخ علي القاري، ولا يمكن رفع هذا الاختلاف إلا بترجيح إحدى
الروايتين على الأخرى، والذي يبدو لهذا العبد الضعيف - عفا الله عنه - أن رواية الترمذيّ أرجح
ههنا على رواية مسلم، فإنها مروية بطريق شعبة، وهو أمير المؤمنين في الحديث. أمّا مسلم، فقد
أخرجه من طريق معاذ بن هشام، عن أبيه، ومعاذ بن هشام، عن أبيه، ليس بمثابة شعبة. وقد
تكلم فيه جماعة من المحدثين. قال الآجري: ((قلت لأبي داود: معاذ بن هشام عندك حجة؟ قال:
أكره أن أقول شيئاً. كان يحيى لا يرضاه)) وقال ابن عديّ: ((ولمعاذ، عن أبيه، عن قتادة حديث
كثير، وله عن غير أبيه أحاديث صالحة. وهو ربّما يغلط في الشيء بعد الشيء، وأرجو أنه
صدوق))، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ((ليس بذاك القوي))، وعن نجيح قال: ((هشام
صدوق وليس بحجة)) وراجع التهذيب (١٠: ١٩٦ و١٩٧) والكامل لابن عديّ (٦: ٢٤٢٦).

٢٩١
كتاب: الفتن وأشراط الساعة
إِنَّهُ خَارِجٌ خَلَّةً بَيْنَ الشَّأْمِ وَالْعِرَاقِ. فَعَاثَ يَمِيناً وَعَاثَ شِمَالاً، يَا عِبَادَ اللَّهِ، فَاثْبُتُوا)) قُلْنَا:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا لَبْثُهُ فِي الأَرْضِ؟ قَالَ: «أَرْبَعُونَ يَوْماً، يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ
كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ)) قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ، أَتَكْفِينَا فِيهِ
فالظاهر أن فضيلة العصمة من فتنة الدجال تحصل بقراءة ثلاث آيات إن شاء الله تعالى،
أما قراءة العشر وحفظها ففيها احتياط أكثر، والله سبحانه وتعالى أعلم.
قوله: (إنه خارج خلَّةً) إلخ: بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام، وهو في الأصل الطريق
في الرمل، ثم أطلق على الطريق مطلقاً، وهو منصوب بنزع الخافض، أي: في خلّة بين الشام
والعراق. وذكر النووي أنه روي في أكثر نسخ بلاده بالخاء المعجمة. ورواه القاضي عياض
رحمه الله (حَلَةَ) بفتح الحاء المهملة واللام، وفي آخره تاء مفتوحة غير منونة، وفسّره بأنه بمعنى:
(مقابلة) و (سمت) ولعلّ (بين) على هذا التقدير مكسور على كونه مضافاً إليه (لحلة). ورواه
بعضهم (حُلّه) بضم الحاء وبهاء الضمير، أي: نزوله وحلوله بين الشام والعراق. والوجه الأول
أصح وأرجح.
قوله: (فعاث يميناً وعاث شمالاً) هو فعل ماض من العيث، وهو الفساد، أو أشد الفساد،
والإسراع فيه. وصيغة الماضي ههنا استعملت للمستقبل لتصوير الواقع ولتحقق وقوعه. وذكر
بعضهم أنه بكسر الثاء منونّة على كونه اسم فاعل، أي: أنّه عالٍ يميناً وشمالاً .
قوله: (يا عباد الله! فاثبتوا) قال القرطبي: ((أمر لمن لقيه أن يثبت، فإن لبثه الأرض قليل.
وأما من لم يلقه فليفرّ عنه، لحديث أبي داود: من سمع به فلينأ عنه، فوالله إنّ الرجل ليأتيه وهو
يحسب أنه مؤمن فيتبعه لما يبعث به من الشبهات.
قوله: (يوم كسنة، ويم كشهر، ويوم كجمعة) اختلف العلماء في تفسيره على ثلاثة أقوال:
١ - إنه محمول على ظاهره، وإن هذه الأيام الثلاثة تطول حقيقةٌ، بحيث تصير حركة
الشّمس (أو الأرض) بطيئة، ولا تكمل دورة الليل والنّهار في اليوم الأول إلا في وقت يستغرق
سنة في الأيّام العادية، وتكمل في اليوم الثاني بمقدار شهر، وفي اليوم الثالث بمقدار أسبوع.
وإن ذلك سوف يقع على سبيل خرق العادة. وهذا الذي رجحه النووي والقرطبي والقاضي
عياض وكثير من الشرّاح. قالوا: وليس ذلك ببعيد، لأن الله تعالى قادر على أن يجعل حركة
الشّمس (أو الأرض) بطيئة. وإن زمن الدجال تكثر فيه الخوارق، فمنها هذا.
٢ - ذكر ابن الملك عن بعض العلماء أن المراد منه أن اليوم الأول، لكثرة هموم المؤمنين
وشدة بلاء اللعين، يُرى للنّاس طويلاً كسنة، وفي اليوم الثاني يهون كيده ويضعف أمره، فيُرى
كشهر، والثالث يُرى كجمعة، لأن الحق في كل وقت يزيد قدراً، والباطل ينقص حتى ينمحق
أثراً، أو لأن الناس كلما اعتادوا بالفتنة والمحنة يهون عليهم إلى أن تضمحل شدتها، حكاه علي
القاري في المرقاة (١٠ : ١٩٤ و١٩٥).

٢٩٢
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ولكن هذا القول ردّه العلماء لأنه لو كان هذا التأويل صحيحاً لما كان هناك حاجة إلى
السؤال عن أوقات الصلاة ولما أجاب عنه رسول الله و 18 بقوله: ((لا، اقدروا له قدرة)) كما
سيأتي، فإنه يكاد يكون صريحاً في أن المسلمين لا تكفيهم في ذلك اليوم صلاة يوم واحد.
وقد حكى القرطبي عن أبي الحسن بن المنادي أنه طعن في صحة هذه الكلمة من
الحديث، أعني قولهم: ((أتكفينا فيه صلاة يوم وليلة؟ قال: لا، اقدروا له قدره)) وقال: هذه من
الدسائس التي كابرنا عليها من خالف علينا، وقال: ((ولو كان ذلك صحيحاً لاشتهر على ألسنة
الرواة، كحديث الدجال، فإنه رواه خلق كثير من الصحابة، وكان أعظم وأقصى من طلوع
الشمس من مغربها)).
ولكن رد عليه القرطبي بقوله: ((وهذا الذي ذكر هذا الرجل لا يقدح في الثقة بما انفرد به
العدل فإنه يسمع ما لم يسمع غيره، ... وقد ذكر الحديث مسلم والترمذي وأبو داود، وحكموا
بصحته، وتطرق إدخال المخالفين الدسائس على أهل العلم والتحرز بعيد لا يلتفت إليه)) وراجع
شرح الأبي (٢: ٢٧٠).
٣ - والقول الثالث: ما ذكره التوربشتي رحمه الله، ونحكي كلامه ههنا بلفظه، كما نقل عنه
الطيبي في شرح المشكاة (١٠: ١١٢) قال: ((قد تبين لنا بإخبار الصادق المصدوق القر أن
الدجال يبعث معه من الشبهات، ويفيض على يديه من التمويهات ما يسلب عن ذوي العقول
عقولهم، ويخطف من ذوي الأبصار أبصارهم. فمن ذلك تسخير الشياطين له، ومجيئه بجنة
ونار، وإحياء الميت على حسب ما يدّعيه، وتقويته على من يريد إضلاله تارة بالمطر والعشب،
وتارة بالأزمة والجدب. ثم لاخفاء بأنه أسحر الناس. فلم يستقم لنا تأويل هذا القول إلا بأن
نقول: إنه يأخذ بأسماع الناس وأبصارهم، حتى يخيّل إليهم أن الزمان قد استمرّ على حالة
واحدة، إسفار بلا ظلام، وصباح بلا مساء. ويحسبون أن الليل لا يمدّ عليهم رواقه، وأن
الشمس لا تطوي عليهم ضياءها، فيقعون في حيرة والتباس من امتداد الزمان، ويدخل عليهم
الدواخل باختفاء الآيات الظاهرة في اختلاف الليل والنهار. فأمرهم أن يجتهدوا عند مصادفة
تلك الأحوال، ويقدروا لوقت كل صلاة قدرها، إلى أن يكشف الله عنهم تلك الغمّة. هذا الذي
اهتدينا إليه من التأويل، والله الموفق لإصابة الحقّ)).
وحاصل ما ذكره التوربشتي رحمه الله أن زمان ذلك اليوم لا يمتّد في نفس الأمر، ولا
تبطؤ حركة الشمس (أو الأرض) بالنسبة إلى الأيّام العاديّة، وإنّما تسير الشّمس أو الأرض على
حركتها العادية، ولكن الدجّال يسحر الناس بحيث إنهم لا يشعرون بمرور الوقت، وحركة
الشمس إلا ببطء غير عاديّ، فيُخيَّل إليهم أن النّهار قد امتدّ عليهم فوق امتداده العاديّ، وكذا
اللّيل، حتى إنهم يحسبون أن دورة الليل والنهار إنما كُمُلت في وقت يستغرق سنة في الأيام
المعتدلة، وليس ذلك إلا من باب السّحر والتخييل.

٢٩٣
كتاب: الفتن وأشراط الساعة
صَلَّةُ يَوْمٍ؟ قَالَ: ((لاَ، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ) قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا إِسْراعُهُ فِي الأَرْضِ؟ قَالَ:
وهذا الذي ذكره التوربشتي رجحه الشيخ علي القاري رحمه الله في مرقاة المفاتيح (١٠ :
١٩٥) وذكر أنه هو التحقيق، والله سبحانه وتعالى أعلم.
قوله: (لا، اقدروا له قدره) قال النووي رحمه الله: ((ومعنى: ((اقدروا له قدره)) أنه إذا
مضى بعد طلوع الفجر قدر ما يكون بينه وبين الظهر كل يوم، فصلّوا الظّهر، ثم إذا مضى بعده
قدر ما يكون بينها وبين العصر، فصلّوا العصر، وإذا مضى بعد هذا قدر ما يكون بينها وبين
المغرب، فصلّوا المغرب، وكذا العشاء والصّبح، ثم الظهر، ثم العصر، ثم المغرب وهكذا
حتى ينقضي ذلك اليوم، وقد وقع فيه صلوات سنة، فرائض كلها مؤادة في وقتها. وأما الثاني
الذي كشهر، والثالث الذي كجمعة، فقياس اليوم الأول أن يقدر لهما كاليوم الأول على ما
ذكرناه، والله أعلم)).
حكم الصلوات في بلاد غير معتدلة الليل والنّهار
وبهذا الحديث يُعرف حكم الصلوات في البلاد التي لا يعتدل فيه الليل والنّهار. فهناك
مناطق لا يوجد فيها وقت العشاء مثلاً، ومناطق أخرى يطول فيها النهار أو اللّيل إلى أكثر من
أربع وعشرين ساعة. وقد تكلم الفقهاء قديماً وحديثاً في حكم أداء الصلوات في مثل هذه
المناطق. ونريد أن نأتي ههنا بخلاصة القول في هذه المسألة بشيء من التفصيل، لأن اليوم قد
وصل المسلمون إلى كثير من هذه المناطق، فهناك حاجة عملية تدعو إلى معرفة الحكم الشرعيّ
للصلوات والصوم فيها، ونسأل الله التوفيق للسّداد والصّواب كما يحبه ويرضاه تبارك وتعالى،
وهو الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
فاعلم أن المناطق غير المعتدلة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: المناطق التي تكمل فيها دورة الليل والنّهار في أربع وعشرين ساعة، ولكن
لا توجد فيها أوقات بعض الصلوات بعلاماتها المعروفة، مثل غيبوبة الشفق في صلاة العشاء.
القسم الثاني: المناطق التي تكمل فيها دورة الليل والنّهار في أربع وعشرين ساعة، وتوجد
فيها جميع أوقات الصلاة بعلاماتها المعروفة، غير أن بعض هذه الأوقات قصيرة جداً، والفصل
بينها وبين الوقت اللاحق قليل جداً .
القسم الثالث: المناطق التي لا تكمل فيها دورة الليل والنّهار في أربع وعشرين ساعة، بل
يدوم الليل في بعض الفصول والنّهارُ في بعضها إلى زمن طويل.
فلنتكلم عن كل من هذه الأقسام الثلاثة على حدة:
القسم الأول: المناطق التي يفقد فيها علامات بعض الأوقات؛
أما القسم الأول، فإن البلاد التي تقع فيه تكمل فيها دورة الليل والنهار في أربع وعشرين

٢٩٤
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ساعة، ولكن لا توجد فيها في بعض الفصول علامة وقت العشاء. وهي المناطق التي تقع على
عرض ٤٨٫٥ في الشّمال أو على عرض أكثر منها. فمثلاً لا يغيب الشفق في مدينة باريس (وهي
على عرض ٤٩) ما بين ١١ / يونيو إلى أول شهر يوليو كل سنة، وإن أقصر ليل في هذه المنطقة
إنما تستغرق سبع ساعات وسبعا وأربعين دقيقة. وذلك لتاريخ ٢١ يونيو. وإنّ الشفق في هذه
المدة لا يزال موجوداً على الأفق طول الليل حتى تطلع الشمس. وكلّما ازداد عرض البلد في
الشّمال صارت مدة فقدان علامة العشاء أكثر، فمثلاً لا يغيب الشفق في مدينة لندن، (وهي على
عرض واحد وخمسين في الشمال) فيما بين ٢٥ مايو إلى ١٧ يوليو (يعني: مدة شهر وثلاثة
وعشرين يوماً) وفي مدينة ايدنبرغ وكلاسكو (الواقعتين على عرض ٥٦ في الشمال) فيما بين
٥مايو و ٧ أغسطس (مدة ثلاثة أشهر وثلاثة أيام) وهكذا تزداد مدة فقدان علامة العشاء في
فصل الصيف بزيادة عرض البلد في الشمال، حتى إن على عرض خمسة وستين، الذي تقع فيها
بلاد ناروج وسويد وفنلندا، لا يغيب الشفق فيما بين ٧ أبريل و ٣ سبتمبر، وإن أقصر ليل في
هذه المناطق إنما يدوم مدة ساعة واحدة وسبع وخمسين دقيقة فقط، وذلك للواحد والعشرين من
شهر مايو .
وبما أنّ وقت العشاء إنما يدخل بعلامته المعروفة، وهي غيبوبة الشّفق، والشّفق لا يغيب
في هذه المناطق في التواريخ المذكورة، فإنها لا يوجد فيها وقت العشاء المعروف. فما هو
حكم صلاة العشاء في هذه المناطق؟
وإن تحدث الفقهاء عن هذه المسألة، فإنه قد عرض عليهم مسألة الصلوات في مدينة
بُلغار، وكانت مدينة تقع على عرض خمس وخمسين في الشمال، كما ذكره المرجاني في كتابه
(ناظورة الحق) (ق ٨٤) أو على عرض خمسين، كما ذكره القلقشندي في صبح الأعشى (٤:
٤٦٢) وذكر القلقشنديّ أن طولها ثمانون درجة(١).
(١) قال الحموي في معجم البلدان ٤٨٦:٢: ((وكان ملك بُلغار وأهلها قد أسلموا في أيّام المقتدر بالله،
وأرسلوا إلى بغداد رسولاً يعرّفون المقتدر ذلك ويسألونه إنفاذ من يعلّمهم الصلوات والشرائع، لكن لم أقف
على السبب في إسلامهم)) قلت: قد ذكر أبو حامد الأندلسيّ سبب إسلامهم فقال: ((إن رجلاً صالحاً دخل
بُلغار، وكان ملكها وزوجته مريضين مأيوسين من الحياة، فقال لهما: إن عالجتكما تدخلان في ديني؟ قالا :
نعم، فعالجهما فدخلا في دين الإسلام، وأسلم أهل تلك البلاد معهما، فسمع بذلك ملك الخزر، فغزاهم
بجنود عظيمة، فقال ذلك الرجل الصالح: لا تخافوا واحملوا عليهم وقولوا: الله أكبر الله أكبر. ففعلوا ذلك
رهزموا ملك الخزر، ثم بعد ذلك صالحهم ملك الخزر وقال: إني رأيت في عسكركم رجالاً كباراً على
خيل شهب يقتلون أصحابي، فقال الرجل الصالح: أولئك جند الله، وكان اسم ذلك الرجل بلار، فعرّبوه
فقالوا: بلغار. هكذا ذكر القاضي البلغاري في تاريخ بلغار، وكان من أصحاب إمام =

٢٩٥
كتاب: الفتن وأشراط الساعة
واختلف الفقهاء في حكم صلاة العشاء في بلغار ونحوها من المناطق التي لا يغيب فيها
الشفق. فذهبت جماعة من العلماء إلى أن أهل هذه المناطق تسقط عنهم فرضية صلاة العشاء،
وذلك لأن سبب الفرضية، وهو الوقت، مفقود في حقهم. وهذا القول منسوب إلى شمس الأئمة
الحلواني البقالي من الحنفية ورجحه الشرنبلالي كما في رد المحتار (١: ٣٦٢) والحلبي في
شرح المنية (١ : ٢٣٠).
وذهبت جماعة منهم إلى أنه لا تسقط عنهم صلاة العشاء، بل يجب عليهم أن يصلّوا
العشاء بتقدير الوقت. وطرق التقدير مختلفة ستأتي إن شاء الله. وهذا ما اختاره البرهان الكبير،
والمحقق ابن الهمام، وتلميذه ابن أمير الحاج والقاسم بن قطلوبغا من الحنفية. وهو الذي جزم
به الشافعية كما في مغني المحتاج (١: ١٢٣) واختاره القرافي من المالكية، كما في حاشية
الصاوي على الدردير (١: ٢٢٥).
استدل أهل القول الأول بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَوةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا مَّوْقُوتًا﴾
[النساء، آية: ١٠٣] فإنه يدل على أن فرضية الصلوات مرتبة بالأوقات، فإن لم يوجد الوقت لم تجب
الصلاة. وذكر ابن عابدين رحمه الله أن الحلوانيّ كان يفتي بوجوب القضاء، ثم وافق البقاليّ لما
أرسل إليه الحلواني من يسأله عمن أسقط صلاة من الخمس أيكفر؟ فأجاب السائل بقوله: من
قُطعت يداه أو رجلاه كم فرض وضوئه؟ فقال له: ثلاث لفوات المحل. قال: فكذلك الصلاة،
فبلغ الحلوانيّ ذلك فاستحسنه ورجع إلى قول البقالي بعدم الوجوب.
وأما أهل القول الثاني، الذين ذهبوا إلى وجوب العشاء بالتقدير، فاستدلّوا بحديث الباب،
حديث الدجّال، حيث أمرهم رسول الله # بأداء الصلوات في هذه الأيام غير العاديّة بتقدير
الأوقات. وإن هذا الاستدلال ظاهر على قول من يحمل طول أيام الدجّال على الطول الحقيقيّ
ببطء حركة الشمس أو الأرض. أمّا على قول من حمله على السحر والتخييل، كما قدّمنا عن
التروبشتي رحمه الله، فيمكن أن يُقال إنّ الإنسان مكلّف بما يشاهده، فمن شاهد أن النّهار قائم،
فإنّه يعامله معاملة النّهار، وإن كان سببه السّحر والتخييل. فلمّا أمره النبيّ وَلّهر بتقدير الأوقات
للصلوات، تبيّن أن ذلك حكم لكلّ من طال نهاره على خلاف العادة، فإنه يصلّي العشاء مع أنه
الحرمين)) حكاه القزويني في آثار البلاد وأخبار العباد ص ٦١٢ و٦١٣. وقال القلقشندي في صبح الأعشى
=
٤٦٢:٤: ((وأهلها مسلمون حنفيّة، وليس بها شيء من الفواكه ولا أشجار الفواكه بشدة بردها ... قال
السلطان عماد الدين صاحب حماة: وقد حكى لي بعض أهلها أن في أول الصيف لا يغيب الشفق عنها
ويكون ليلها في غاية القصر ... لأن من عرض ثمانية وأربعين ونصف يبتدىء عدم غيبوبة الشفق في أول
فصل الصيف)).

٢٩٦
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
لم يدخل له وقت العشاء في الظاهر. فتقاس على ذلك المناطق التي لا يغيب فيها الشّفق طول
اللّيل، ولا يدخل فيها وقت العشاء في الظاهر. فيصلّون العشاء بالتقدير.
وإن العلاّمة هارون بن بهاء الدين المرجاني رحمه الله (١) قد ألّف في تحقيق هذه المسألة
رسالة مستقلّة باسم (ناظورة الحقّ، في فرضية العشاء وإن لم يغب الشفق) ولم أرها مطبوعة حتى
الآن، ولكن قد حصلتُ منها على نسخة مصوّرة من مكتبة الشيخ محبّ الله الراشديّ المعروفة
بمكتبة بير جهندو في سعيد آباد، السند. وإن مؤلفه قد رجّح هذا القول الثاني، وأتى له بأدلّة
مقنعة، وردّ على أدلة أهل القول الأول بكلام متين جداً، فقال رحمه الله تعالى:
((وتلخيص البيان أن كون الأوقات أسباباً لوجوب الصلوات، ووجودها مشروطاً بتحقيق
العلامات مما لا مساغ له قطّ، فلا نسلّم فقد الأوقات بانتفائها، ولا سقوط الصلوات بفقدانها .
ولو قدر التسليم في ذلك، فما عرف منها علامة بقطع من نصّ الشارع هو الغدوة، والظهيرة،
والعشيّة والمساء، والزلفة. وأما نحو صيرورة الظلّ وغيبوبة الشفق، فلو ثبت شرطاً، فإنما يثبت
بدليل ظني، وبمدخل من الرأي، لأن الإجمال الذي في حدود الأوقات وفواصل الغايات ما بُيّن
في مسألتنا إلا بأخبار الآحاد، وبآثار ظنية المفاد.
ولئن قُدّر أنه ثبت ببرهان قطعي من النصّ والإجماع كون الواجب مسيّباً عنها، وانتفاء هذه
العلامات موجباً لفقدانها، حقّ القولُ بالواجب، ولزومُ نفي السّقوط مع عدم المقدّمات
والشروط، لأن دلائل الوجوب، وإن كان بعضُها مقيّداً، لكن بعضها مطلق في الإثبات. فلما
فُرِض انتفاءُ موجَب المقيّد، سقط اعتباره، وبقي المطلق سالماً في موجبه، فيجب العمل به، إذ
حاصل معنى الخطاب على ذلك التقدير: كُتب عليكم العشاء في كلّ يوم يغيب فيه الشّفق تارة،
وكتب عليكم في كلِّ أخرى، أعني مطلقاً. فقد ورد النصّ بالإطلاق والتقييد في السّبب، والحكم
متّحد. فهذا القسم ممّا لا يحمل المطلق على المقيّد عندنا البتّة. على أنّه ربما يسقط بحكم
الشرع اعتبار الأركان، فضلاً عن الشرائط والأسباب، كالإقرار في الإيمان، وطواف الزيارة في
الحج، والقيام والقراءة والركوع والسجود للعذر. وقد تقرر في مقره أن الأسباب والشرائط إنما
تُعتبر بحسب الإمكان، ولا يسقط الممكن بسقوط ما ليس بممكن. هذا، والله المستعان)) راجع
(ق: ٧١) من مخطوطة (ناظورة الحق).
(١) هو فقيه حنفيّ من أهل قازان، له حاشية على التوضيح شرح التنقيح في أصول الفقه لصدر الشريعة باسم
خزانة الحواشي لإزاحة الغواشي، وله مؤلفات أخرى ذكرها عمر رضا كحاله في معجم المؤلفين ١٢٨:١٣
ولد سنة ١٢٣٣ هـ وتوفي في سنة ١٣٠٦ هـ كما ذكره الزركلي في الأعلام ٩: ٣٩، وكتاب ((ناظورة الحق))
ذكره كل واحد منهما، وذكره موجود في معجم المطبوعات العربية ١٧٢٨ .

٢٩٧
كتاب: الفتن وأشراط الساعة
أمّا ما حكاه ابن عابدين من رجوع الحلوانيّ إلى قول البقالي استدلالاً بمن قُطعت يداه أو
رجلاه، فقد أجاب عنه المرجانىّ رحمه الله بقوله :
((وقد انتحل هذه الحكايةَ من الزّاهديّ رجال من المتأخرين، وتبجحوا به وشوّشوا عقيدة
الحق على أهله ... مع زعمهم أن البقالي الذي تردّد بينه هذه الحكاية وبين الحلوانيّ: زين
المشايخ أبو الفضل محمد بن أبي القاسم الخَوَارِزْمي، تلميذ جار الله الزمخشريّ صاحب
الكشاف، وهو متأخر الزمان، توفي سنة ست وثمانين وخمسمائة ... فكيف يمكن معاصرته
للحلوانيّ ومباحثته إيّاه في هذه المسألة؟ فإن وفاة الحلواني كان سنة ثمان أو تسع وأربعين
وأربعمائة ... فيمكن أن يكون المفتي بالسقوط رجلاً آخر من البقاليّين، لا يُعرف بحاله. وأياً مّا
كان، فالبقّالي من أهل الاعتزال في العقيدة، ويلوح من كلام الزّاهديّ تعصبه لإخوانه من أرباب
تلك النُّحلة)).
(( ... ثم إنه قاس على قطع اليدين والرّجلين بدون علّة مطّردة، ولا جامع هو للقياس من
شرائط الصحة، فإن المأمور به بالنصّ في مسألة الوضوء غسل العضو المخصوص، فعلى تقدير
سقوطه، لا يمكن غسله ضرورة، ولا يحصل الامتثال بغَسل عضو آخر. والمأمور به بالنصّ في
مسألتنا إقامة الصّلاة في المساء وزلفة من اللّيل، وهو على تقدير عدم تحقق الوقت أصلاً، لا
محالةَ أمر ممكن، وإن ثبت سببية الوقت وشرطيته للصلاة بقطعيّ (١) فإن الطاعة على قدر الطّاقة،
فضلاً عما ينتفي (به) العلامة المعرّفة لتحقّق المدة المقدّرة من الوقت)).
((ولذلك اعترض عليه العلامة المحقّق كمال الدين ابن الهمام رحمه الله بقوله: ((ولا يرتاب
متأمل في ثبوت الفرق بين عدم محل الفرض، وبين عدم سببه الجعليّ الذي جُعل علامة
للوجوب الخفيّ الثابت في نفس الأمر، وجواز تعدد المعرّفات للشيء. فانتفاء الوقت انتفاء
المعرّف. وانتفاء الدليل على الشيء لا يستلزم انتفاءه لجواز دليل آخر، وقد وجد، وهو ما
تواطأت من أخبار الإسراء من فرض الصّلاة خمساً بعد ما أمروا أولاً بخمسين، ثم استقرّ الأمر
على الخمس شرعاً عاماً لأهل الآفاق، لا تفصيل فيه بين قطر وقطر ... وكذا قال عليه الصلاة
والسلام: خمس صلوات كتبهن الله على العباد)).
(١) قال العبد الضعيف عفا الله عنه: بل الدليل ينقلب عليهم، لأن غسل اليدين والرّجلين كان شرطاً لصحة
الصلاة، ولكن لما انعدم العضوان، انعدم الشرط، ولكن لم يسقط أداء الصلاة بفوات هذا الشرط بل سقط
اعتبار كونه شرطاً، لعدم إمكان وجوده، فكذلك غيبوبة الشفق كان سبباً لوجوب العشاء، فلمّا انعدم هذا
السبب بالكلية، لم نقل بسقوط الصلاة، وإنما سقط اعتبار كونه سبباً، فوجبت الصلاة في المسألتين، وسقط
اعتبار الشرطية والسببية، فافهم والله أعلم.

٢٩٨
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ثم قال المرجاني رحمه الله في (ق: ٧٩): ((ثم لا يسلم كون الوقت سبباً، لأن السبب هو
تتالي نعم الله تعالى على عباده لكن لما كانت الأوقات محلاً لحدوثها أضيف إليها الصلوات،
وأقيمت مقام الأسباب لها في إدارة الحكم معها تيسيراً للعباد، فإنه لا يعرف أي قدر من النعم
يجب في شكره الفجر أو غيره من الصلوات، فإنه أمر خفيّ غير منضبط، فأقيم مرور الوقت مقام
وجودها في ترتب وجوب الصلاة على حصولها. ولئن كان سبباً، فلا نسلّم أن الوقت الذي هو
سبب غير موجود، لأن مدة الليلة واليوم في قطر يغيب فيه الشمس تكون أربعاً وعشرين ساعة،
سواء تساوى الليل والنهار، أو تفاوتا في الطول والاقتصار. لا يقال: المعتبر من الوقت سبباً
للوجوب ليس هو مطلقَه، بل لكل صلاة وقت خاصّ. فللعشاء وقت خاص ممتاز من وقت
المغرب وغيره. فلو جعل وقتُ العشاء داخلاً قبل غيبة الشفق، لم يكن له وقت خاص لامتداد
وقت المغرب إلى غيبة الشفق، لأنا نقول: امتداد وقت المغرب من غروب الشمس إلى حين
يغرب فيه الشفق، سواء غاب أم لم يغب. فإذا مضى بعد غروب الشمس مدة يغيب فيها الشفق
في الأيام الاعتدالية والأقطار الاستوائية، يخرج وقت المغرب ويدخل وقت العشاء، ويكون
لكل واحد منهما وقت ممتاز عن الآخر)).
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: إن القول بفرضية العشاء في مثل هذه المناطق راجح على
القول الأول من حيث الدليل. وإنّ النصوص القطعية المتواترة ناطقة بفرضية خمس صلوات في
اليوم والليلة، ولا يمكن نسخها أو تخصيصها على أساس كون علامة الوقت سبباً لفرضية
الصّلاة، وما ذكره المحقق ابن الهمام والمرجاني رحمهما الله تعالى في هذا المبحث قويّ جداً،
فينبغي أن يكون التعويل عليه. وهو الذي رجحه ابن عابدين، فقال في رد المحتار (١: ٣٦٥):
((ويتأيد القول بالوجوب بأنه قال به إمام مجتهد، وهو الإمام الشافعي، كما نقله في الحلية عن
المتولي عنه)) وكذلك رجحه الطحطاوي في شرح الدر (١: ١٧٧) فقال: دليل التقدير مشرق)).
طريق تقدير الأوقات في مثل هذه المناطق
وإذا تقرّر أن تعيين وقت العشاء في هذه المناطق إنّما يقع على أساس تقدير الأوقات، فإن
هناك طرقاً مختلفة للتقدير، ذكرها الفقهاء:
١ - الطريق الأول أن يقع تقدير وقت العشاء على أساس أقرب الأيام المعتدلة في نفس
تلك المنطقة. فمثلاً: تبتدىء الأيام غير المعتدلة على عرض ٥٤ (وتقع على هذا العرض بعض
مدن انكلترا) من ١١ / مايو، وتستمرّ إلى ٣١ / يوليو، فإن الشّفق لا يغيب في هذه المدة،
ويبقى ظاهراً طول اللّيل، ولكنه يغيب قبل ١١ / مايو، وإن وقت غياب الشّفق في ١٠ / مايو،
(وهو آخر الأيام المعتدلة) هو زهاء الساعة الحادية عشر وسبع وأربعين دقيقة. والصبح الصادق
يومئذٍ إنما يطلع في الساعة الحادية عشر وست وخمسين دقيقة فإن هذين الوقتين العشاء والصبح

٢٩٩
كتاب: الفتن وأشراط الساعة
الصادق، يعتبران على هذا القول أساساً للصلاتين في المدة غير المعتدلة أيضاً، يعني يعتبر هذا
الوقت وقتاً للصلاتين فيما بين ١١ / مايو و ٣١ (يوليو التي لا يغيب فيها الشفق طول الليل.
وحاصل هذا القول أن وقت العشاء في هذه المنطقة لا يستمرّ إلا لمدّة تسع دقائق،
ويستمرّ هذا الوضع من ١٠ / مايو إلى ٣١ / يوليو.
٢ - الطريق الثاني للتقدير: أن تقدّر أوقات العشاء والفجر في مثل هذه المناطق على
أساس أقرب البلاد المعتدلة. وهذا القول هو الذي جزم به الشافعية ومن وافقهم من المالكية.
فمثلاً: أول البلاد غير المعتدلة في فصل الصّيف ما تقع على عرض ٤٨،٥ في الشّمال، ولا
يغيب الشّفق على هذا العرض فيما بين ١١ / يونيو وأول شهر يوليو تقريباً. فإن أهل هذه
المناطق يقدّرون أوقاتهم على أساس البلاد التي تقع على عرض ٤٧ أو ٤٨، فإنّها أقرب البلاد
المعتدلة إليهم التي يغيب فيها الشّفق في سائر السنة، فيقدّر لهم وقت العشاء على أساس توقيت
هذه البلاد المعتدلة القريبة.
٣ - الطريق الثالث للتقدير: أن الشّفق ما دام مائلاً إلى جهة الغروب، فإنه وقت مشترك بين
المغرب والعشاء، (ويمكن أن يعتبر نصفه الأول وقتاً للمغرب، ونصفه الثاني للعشاء) وأمّا إذا
انتقل الشّفق إلى جهة طلوع الشّمس، فهو ابتداء وقت الصبح. وهذا القول ذكره المرجاني في
جملة الأقوال التي سردها في طرق التقدير. راجع (ناظورة الحقّ) (ق: ٨٦).
وإن هذه الطرق الثلاثة للتقدير كلّها محتملة، فيجوز الأخذ بما تيسرّ منها لأهل كل بلد غير
معتدل، والله سبحانه وتعالى أعلم.
القسم الثاني: البلاد التي توجد فيها أوقات جميع الصلوات، ولكن بعضها قصيرة جداً
أما القسم الثاني؛ فالمراد منه المناطق التي تكمل فيها دورة الليل والنهار في مدة أربع
وعشرين ساعة، وتوجد فيها جميع أوقات الصلوات، غير أن بعض هذه الأوقات قصيرة جداً،
والفصل بينها وبين الوقت اللاحق قليل جداً. وذلك مثل المناطق التي تقع على عرض ٥٤ في
الشمال، فإن مدة غياب الشفق في هذه البلاد العاشر من شهر مايو لا تستمر إلا لمدّة تسع
دقائق .
وحكم الصلاة في هذه المناطق أن كلّ صلاة إنما تؤدى في وقتها المعهود الذي يُعرف
بعلاماتها المعروفة، مهما قصر ذلك الوقت، فلا تؤدى صلاة العشاء في المنطقة المذكورة إلا في
خلال تسع دقائق يغيب فيها الشّفق، فإن كان ذلك الوقت لا يتّسع للسّنن يكتفى فيه بالفرائض أو
الواجبات كالوتر، ويستحب أن يصلّي النوافل بمقدار السنن المتروكة في وقت آخر.
ولم أر أحداً من الفقهاء القدامى والمعاصرين من جوّز التقدير في مثل هذه المناطق.
.

٣٠٠
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فينبغي أن لا يُعدل عن الأصل مهما أمكن العمل به. ولكن يبدو أن اختصار الوقت في مثل هذه
المناطق يبرّر توسعة دائرة الأعذار إذا لم يتمكن المرء من أداء الصلاة في هذا الوقت القليل،
فيصليها قضاء متى قدر على ذلك.
أما إذا قصر الوقت جداً بحيث لا يمكن أن يصلّي فيه المرء ركعات مفروضة، ففيه
احتمالان: الأول: أن يشرع الصلاة في ذلك الوقت، ولو وقع إتمامها بعد خروج الوقت.
والثاني: أن تلتحق هذه المناطق بالمناطق التي لا يوجد فيها وقت، فيعمل بالتقدير. والله سبحانه
أعلم.
القسم الثالث: البلاد التي لا تكمل فيها دورة الليل والنهار في أربع وعشرين ساعة
أما القسم الثالث: فيشمل البلاد التي لا تكمل فيها دورة الليل والنهار في مدة أربع
وعشرين ساعة. كما في عرض تسعين عند القطبين. فإن اللّيل يستمرّ فيه مدة ستة أشهر، وكذلك
النّهار، فتكمل فيه دورة الليل والنّهار في مدة سنة كاملة. وإنّ في عرض ٨٦ في الشمال يدوم
الليل من ٣٠ / اكتوبر إلى ٩ / فبراير كل سنة، وإن ضوء النّهار يمتدّ من ١٠ فبراير إلى ٢٩
أكتوبر، وفي عرض ٧٦ في الشمال يدوم الليل ما بين ٣ / اكتوبر و ٨ مارس، وضوء النّهار يمتدّ
من ٩ مارس إلى ٢ أكتوبر.
وإن قياس قول من يقول بسقوط العشاء في القسم الأول أن لا تجب في هذه المناطق إلا
خمس صلوات في سنة كاملة. ولكن قدّمنا أن القول بالتقدير أصحّ وأرجح، وهو مؤيد بحديث
الباب وإليه ذهب الشافعيّة. فالصحيح أنه تجب في هذه المناطق خمس صلوات في كل أربع
وعشرين ساعة، وتقدّر أوقاتها على حساب أقرب البلاد المعتدلة إليها، مع قطع النظر عن وجود
علامات الأوقات التي تُعتبر سبباً لوجوب الصلوات في البلاد المعتدلة. ويستمرّ هذا الوضع إلى
أن تكمل دورة النّهار في مدة أربع وعشرين ساعة، فينطبق حينئذ أحكام القسم الأول أو الثاني.
حكم الصّوم في بلاد غير معتدلة
أمّا الصّوم؛ فقد ذكر الطحطاوي في شرح الدر المختار (١: ١٧٧) عن الأئمة الشافعيّة
أنهم يقولون بتقدير الأوقات في الصوم أيضاً.
وذكر شيخ مشايخنا العلامة أشرف علي التهانويّ رحمه الله تعالى في بوادر النوادر (١ :
٢٣٩) أن المناطق التي لا يوجد فيها اللّيل، يصوم أهلها في رمضان بتقدير الأوقات بالنسبة إلى
أقرب البلاد المعتدلة، ولكن يقع إفطارهم في وقت نهارهم، فالأحوط أن يقضوا تلك الصّيام في
أزمنة أو أمكنة معتدلة، ولكن ذلك احتياطاً، ولو لم يقضوا تكفيهم الصيام التي صاموها بتقدير
الأوقات.