النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
كتاب: الفتن وأشراط الساعة
النَّبِيَّ وَهِ قَوْمٌ مِنْ قِبَلِ الْمَغْرِبِ. عَلَيْهِمْ ثِيَابُ الصُّوفِ. فَوَافَقُوهُ عِنْدَ أَكَمَةٍ. فَإِنَّهُمْ لَقِيَامٌ
وَرَسُولُ اللَّهِ نَ﴿ قَاعِدُ. قَالَ فَقَالَتْ لِي نَفْسِي: انْتِهِمْ فَقُمْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ. لاَ يَغْتَالُونَهُ. قَالَ:
ثُمَّ قُلْتُ: لَعَلَّهُ نَجِيٍّ مَعَهُمْ. فَأَتَيْتُهُمْ فَقُمْتُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ. قَالَ فَحَفِظْتُ مِنْهُ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ.
أَعُدُّهُنَّ فِي يَدِي. قَالَ: ((تَغْزُونَ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ، فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ. ثُمَّ فَارِسَ، فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ. ثُمَّ
تَغْزُونَ الرُّومَ، فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ. ثُمَّ تَغْزُونَ الدَّجَّالَّ، فَيَفْتَحُهُ اللَّهُ».
قَالَ: فَقَالَ نَافِعٌ: يَا جَابِرُ، لاَ نَرَىُ الدَّجَّالَ يَخْرُجُ حَتَّى تُفْتَحَ الرُّومُ.
الفتح، وهو أخو هاشم المر، ومات أبوهما، وهو عتبة بن أبي وقاص كافراً قبل الفتح، كما في
التهذيب (١٠ : ٤٠٨).
وحديثه هذا أخرجه أيضاً ابن ماجه في الفتن، باب الملاحم (٤١٤٣)، وأحمد في مسنده
(٤ : ٣٣٧) .
قوله: (فوافقوه عند أكمة) يعني: وصلوا إلى رسول الله وَالل بقرب من الأكمة، والأكمة
التلّ الصّغير.
قوله: (ائتهم فقم بينهم وبينه لا يغتالونه) هذا خطاب منه لنفسه، يعني: قلت في نفسي إنه
ينبغي لي أن أذهب إليهم، فأقوم بينهم وبين رسول الله وَّر، لأنهم أجانب، ولا يبعد منهم أن
يكونوا أرادوا سوءً، فيغتالوا النبيّ بَّر، أي: يقتلوه غيلة وخداعاً.
قوله: (لعلّه نجيّ معهم) أي: يناجيهم، والنجيّ من يناجيه أحد، أو من يناجي غيره.
والمراد أنه خطر ببالي أنه يمكن أن يكون رسول الله وَلير يناجيهم ويتحدّث معهم.
قوله: (فقمت بينهم وبينه) كأنه احتاط فقام بينهم وبين رسول الله وَّ ليستطيع أن يدافع عنه
على احتمال اغتيالهم، وتبيّن له أنه إذا كان رسول الله وَلّه يُسرّ إليهم شيئاً لا يحب أن يظهره على
غيرهم فإنه يمنعه عن القيام هُناك، فلمّا لم يمنعه ظهر أن الأمر ليس سراً .
قوله: (تغزون جزيرة العرب) الخطاب للمسلمين من حيث كونهم أمة، وليس للحاضرين
فقط. والحاصل أن جزيرة العرب كلها ستفتح للمسلمين، ووقع الأمر كما أخبر النبيّ وَّهو.
وكذلك الأمران المذكوران بعده، حيث افتتح فارس والشام زمن عمر بن الخطاب نظريته، وبقية
بلاد الروم بعده. أما الأمر الرابع، فمنتظر بعد.

٢٤٢
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(١٣) - باب: في الآيات التي تكون قبل الساعة
٧٢١٤ _ (٣٩) حدّثنا أَبُو خَيْثَمَةَ، زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِي
عُمَرَ الْمَكِّيُ - وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ - (قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا) سُفْيَانُ بْنُ
عُيَيْنَةَ، عَنْ فُرَاتِ الْقَزَّازِ، عَنْ أَبِي الظُّفَيْلِ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدِ الْغِفَارِيِّ قَالَ: اظَلَعَ
النَّبِيُّ نَّه عَلَيْنَا وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ. فَقَالَ: ((مَا تَذَاكَرُونَ؟)) قَالُوا: نَذْكُرُ السَّاعَةَ. قَالَ: ((إِنَّهَا لَنْ
تَقُومَ حَتَّى تَرَوْنَ قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ)). فَذَكَرَ الدُّخَانَ، وَالدَّجَّالَ، وَالدَّابَّةَ، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ
مَغْرِبِهَا، وَنُزُولَ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ بََّ، وَيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ. وَثَلاثَةَ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ،
وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ. وَآخِرُ ذُلِكَ نَارْ تَخْرُجُ مِنَ الْيَمَنِ، تَطْرُدُ النَّاسَ
إِلَى مَخْشَرِهِمْ.
(١٣) - باب: في الآيات التي تكون قبل الساعة
٣٩ - (٢٩٠١) - قوله: (عن حُذيفة بن أَسِيْد الغفاري) بفتح الهمزة وكسر السّين، كنيته أبو
سَرِيحة، بوزن عجيبة، صحابيّ شهد الحديبية، وذكر فيمن بايع تحت الشجرة. ثم نزل الكوفة،
توفي سنة ٤٢هـ فصلّى عليه زيد بن أرقم له كما في الإصابة (١: ٣٠٦).
وحديثه هذا أخرجه أيضاً أبو داود في الملاحم، باب أمارات السّاعة (٤٣١١)، والترمذي
في الفتن، باب ما جاء في الخسف (٢١٨٣)، وابن ماجه في الفتن، باب أشراط السّاعة
(٤٠٩٠).
قوله: (فذكر الدّخان) وهو الدخان المذكور في قوله تعالى: ﴿فَرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى السَّمَاءُ بِدُخَانٍ
قُبِينٍ ﴾﴾ على القول الأصح. وقد مرّ تحقيق ذلك مبسوطاً في كتاب صفة القيامة، باب
الدخان؛ والحمد لله، وأن هذا الدخان يضرّ الكفار وأما المسلمون فيصيبهم منه كهيئة الزكام.
قوله: (والدّابّة) أي: دابّة الأرض المذكورة في قوله تعالى: ﴿أَخْرَحْنَا لَهُمْ دَآبَّةً مِّنَ الْأَرْضِ
تُكَلِّمُهُمْ﴾ [النمل، آية: ٨٢] .
قوله: (وطلوع الشمّس من مغربها) إن الأشياء العشرة معدودة هنا بدون نظر إلى الترتيب،
ولذلك ذكر طلوع الشمس من مغربها قبل نزول عيسى بن مريم وخروج يأجوج ومأجوج. ودلت
الأحاديث الأخرى على أن طلوع الشمس من مغربها إنما سيكون قبيل نفخة الصّور، وحينئذ لا
ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل. وراجع مرقاة المفاتيح (١٠: ١٨٥).
قوله: (وثلاثة خسوف) قال ابن الملك: ((قد وجد الخسف في مواضع، لكن يحتمل أن
يكون المراد بالخسوف الثلاثة قدراً زائداً على ما وجد، كأن يكون أعظم مكاناً وقدراً) كذا في
المرقاة .
قوله: (وآخر ذلك نارٌ تخرج من اليمن، تطرد الناس إلى محشرهم) هذه النار غير النار التي

٢٤٣
كتاب: الفتن وأشراط الساعة
٧٢١٥ - (٤٠) حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذِ الْعَنْبَرِيُّ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
فُرَاتٍ الْقَزَّازِ، عَنْ أَبِي الظُّفَيْلِ، عَنْ أَبِي سَرِيحَةَ، حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ. قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َلَّهِ فِي
غُرْفَةٍ وَنَحْنُ أَسْفَلَ مِنْهُ. فَاطَّلَعَ إِلَيْنَا فَقَالَ: (مَا تَذْكُرُونَ؟)) قُلْنَا: السَّاعَةَ. قَالَ: ((إِنَّ السَّاعَةَ لاَ
تَكُونُ حَتَّى تَكُونَ عَشْرُ آيَاتٍ: خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ فِي جَزِيرَةِ
الْعَرَبِ، وَالدُّخَانُ، وَالدَّجَّالُ، وَدَابَّةُ الأَرْضِ، وَيَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ، وَطُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا،
وَنَارْ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرَةِ عَدَنٍ تَرْحَلُ النَّاسَ)) .
قَالَ شُعْبَةُ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعِ، عَنْ أَبِي الظُّفَيْلِ، عَنْ أَبِي سَرِيحَةً، مِثْلَ
ذُلِكَ. لاَ يَذْكُرُ النَّبِيَّ وَ. وَقَالَ أَحَدُهُمَا، فِيَ الْعَاشِرَةِ: نُزُولُ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ بَّهُ. وَقَالَ
الآخَرُ: وَرِيحٌ تُلْقِي النَّاسَ فِي الْبَحْرِ.
سيأتي ذكرها في حديث أبي هريرة ربه، فإنها تخرج من أرض الحجاز وتضيء أعناق الإبل
ببصرى. وسيأتي الكلام عليها هناك إن شاء الله. أما النار المذكورة هُنا، فتخرج من اليمن،
ووقع في الرواية الآتية أنها تخرج من قعرة عدن، ووقع في حديث ابن عمر عند أحمد وأبي يعلى
مرفوعاً: ((تخرج نار قبل يوم القيامة من حضر موت، فتسوق الناس)).
وأما قوله وَله: ((تطرد الناس إلى محشرهم)) فالمراد منه أن الناس يخرجون من بيوتهم فراراً
منها وهجرة إلى مواضع أخرى، والمراد من المحشر أرض يجتمع فيها معظمهم بعد الفرار منها .
وحمل بعض العلماء هذا الحديث على المجاز، فقالوا: هو كناية عن الفتنة الشديدة، وقد ذكرنا
ذلك مبسوطاً في كتاب صفة الجنة، باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة، تحت حديث أبي
هريرة: ((يحشر الناس على ثلاث طرائق ... )) وفيه: ((وتحشر بقيتهم النار، تبيت معهم حيث
باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا)).
٤٠ - (٠٠٠) - قوله: (من قُعرة عدن) إلخ: كذا وقع في بعض النسخ بتاء التأنيث، وهو
بضم القاف وسكون العين، وهي الوَهْدة، ووقع في أكثر النسخ (قَعْر) بفتح القاف، وبدون تاء
التأنيث، ويبدو أنه هو الصحيح، ومثله وقع في سنن الترمذي، وأبي داود، وابن ماجه أيضاً.
وقعر كل شيء: أقصاه، أي: من أقصى عدن.
قوله: (ترحل الناس) ضبطه أكثر الشرّاح بفتح التاء وسكون الراء، من باب فتح. يعني:
تأخذهم بالرحيل وتزعجهم عن مكانهم وتجعلهم يرحلون. وضبطه البعض (تُرَحِّل) بضم التاء
وتشديد الحاء، من باب التفعيل، وهو أوضح.
قوله: (وريح تلقي الناس في البحر) يعني: تهبّ ريح شديدة فتلقي الناس في البحر. فإمّا
أن تكون علامة مستقلّة، وإمّا أن تكون مصحوبة بالنّار التي سبق ذكرها. وإلى الثاني مال الشيخ
علي القاري في المرقاة.

٢٤٤
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٧٢١٦ - (٤١) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، (يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ)، حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ، عَنْ قُرَاتٍ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الظُفَيْلِ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي سَرِيحَةَ. قَالَ: كَانَ
رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ فِي غُرْفَةٍ. وَنَحْنُ تَحْتَهَا نَتَحَدَّثُ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ. پِمِثْلِهِ.
قَالَ شُعْبَةُ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: تَنْزِلُ مَعَهُمْ إِذَا نَزَلُوا. وَتَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا .
قَالَ شُعْبَةُ: وَحَدَّثَنِي رَجُلٌ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي الظُّفَيْلِ، عَنْ أَبِي سَرِيحَةً. وَلَمْ
يَرْفَعْهُ. قَالَ: أَحَدُ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ: نُزُولُ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ. وَقَالَ الآخَرُ: رِيحٌ تُلْقِيهِمْ فِي
الْبَحْرِ.
٧٢١٧ - (٠٠٠) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، الْحَكَمُ بْنُ
عَبْدِ اللَّهِ الْعِجْلِيُّ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ فُرَاتٍ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الظُّفَيْلِ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي
سَرِيحَةً قَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ. فَأَشْرَفَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ وَه.َ بِنَحْوِ حَدِيثِ مُعَاذٍ وَابْنِ جَعْفٍَ .
وَقَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا أَبُو النّعْمَانِ، الْحَكَمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي الظُفَيْلِ، عَنْ أَبِي سَرِيحَةً. بِنَحْوِهِ. قَالَ: وَالْعَاشِرَةُ نُزُولُ
عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ .
قَالَ شُعْبَةُ: وَلَمْ يَرْفَعْهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ.
(١٤) - باب: لا تقوم الساعة
حتى تخرج نار من أرض الحجاز
٧٢١٨ - (٤٢) حدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ. أَخْبَرَنِي ابْنُ الْمُسَيَّبِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَ قَالَ. ح
وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بَنِ اللَّيْثِ. حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ جَدِّي. حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ
خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: أَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ
٤١ - (٠٠٠) - قوله: (تنزل معهم إذا نزلوا) إلخ: يعني: أنها تلزمهم كل حين ولا
تفارقهم .
(١٤) - باب: لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز
٤٢ - (٢٩٠٢) - قوله: (أن أبا هريرة أخبره) هذا الحديث أخرجه البخاري في الفتن، باب
خروج النار (٧١١٨).

٢٤٥
كتاب: الفتن وأشراط الساعة
رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ قَالَ: ((لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ، تُضِيءُ أَعْنَاقَ الإِبِلِ
بِبُضرَی».
قوله: (حتى تخرج نار من أرض الحجاز) قدّمنا أن هذه النار غير النار التي سبق ذكرها في
الباب الماضي.
قوله: (تضيء أعناق الإبل ببصرى) وهي مدينة معروفة بين المدينة المنورة ودمشق، وهي
على ثلاث مراحل من المدينة. والمقصود بالخبر أن هذه النار يبلغ ضوءها إلى بُصرى حتى تتنور
بها أعناق الإبل القائمة هناك. والظاهر أن هذه العلامة قد وقعت. فإنه ذكر غير واحد من
المحدثين والمؤرخين أنه خرجت نار من المدينة المنورة بهذه الصفات في ليلة الأربعاء الثالث
من جمادى الآخرة سنة ٦٥٤هـ.
وقد ذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية (١٣: ١٩١) أنه أخبره قاضي
القضاة صدر الدين علي بن أبي القاسم التميمي الحنفيّ الحاكم بدمشق أن رجلاً من الأعراب
أخبر والده ببصرى في تلك الليالي أنهم رأوا أعناق الإبل في ضوء هذه النار التي ظهرت في
أرض الحجاز. وكان والده مدرساً للحنفية ببصرى.
وقال الإمام القرطبي رحمه الله في كتابه (التذكرة بأمور الآخرة): ((وقوله ◌َّ: (حتى تخرج
نار من أرض الحجاز) فقد خرجت نار عظيمة، وكان بدؤها زلزلة عظيمة. وذلك ليلة الأربعاء
بعد الفجر الثالث من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة إلى ضُحى النهار يوم الجمعة،
فسكنت. وظهرت النار بقريظة عند قاع التنعيم بطرف الحرة، تُرى في صورة البلد العظيم عليها
سور محيط بها، عليه شراريف كشراريف الحصون وأبراج ومآذن، ويرى رجال يقودونها، لا تمرّ
على جبل إلا دكّته وأذابته. ويخرج من مجموع ذلك نهر أحمر ونهر أزرق، له دويّ كدويّ الرعد
يأخذ الصخور والجبال بين يديه، وينتهي إلى محطّ الركب العراقيّ. فاجتمع من ذلك ردم صار
كالجبل العظيم، وأنهت النار إلى قرب المدينة. وكان مما يلي المدينة نسيم بارد ببركته وقتل .
وكانوا يشاهدون من هذه النار غلياناً كغليان القدور)).
قال القرطبي رحمه الله: ((وذكر لي بعض أصحابي أنه رأى تلك النار صاعدة في الهواء
على مسيرة خمسة أيام من المدينة المشرفة، وذلك من أعلام النبوة)) كذا في مختصر التذكرة
للشعراني (ص: ١٣٦).
وإن القطب القسطلانيّ رحمه الله، وهو من علماء القرن السّابع غير شهاب الدين
القسطلاني شارح البخاري، أدرك هذه النار، لكنه كان بمكة، فلم يشاهدها بنفسه، ولكنه ألّف
في بيان أحوالها رسالة مستقلّة قال فيها: ((وأخبرني جمع ممن توجّه للزيارة على طريق المشيان
أنهم شاهدوا ضوءها على ثلاثة مراحل للمجدّ، وآخرون أنهم شاهدوها من جبال ساية)) نقله
السمهوديّ في وفاء الوفاء (١ : ١٤٨).

٢٤٦
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية (١٣: ١٨٧): ((وقد بسط القول في
ذلك الشيخ الإمام العلامة الحافظ شهاب الدين أبو شامة المقدسي في كتابه الذيل وشرحه،
واستحضره من كتب كثيرة وردت متواترة إلى دمشق من الحجاز بصفة أمر هذه النار التي شوهدت
معاينة، وكيفية خروجها وأمرها، وهذا محرر في كتاب دلائل النبوة من السيرة النبوية ...
وملخص ما أورده أبو شامة أنه قال: وجاء إلى دمشق كتب من المدينة النبوية على ساكنها أفضل
الصلاة والسلام، بخروج نار عندهم في خامس جمادى الآخرة من هذه السنة. وكتبت الكتب في
خامس رجب، والنار بحالها، ووصلت الكتب إلينا في عاشر شعبان)).
ثم أطال الحافظ ابن كثير رحمه الله في نقل بعض من هذه الكتب التي ذكرها ابن شامة.
وجملة ما يتحصل من كلام من شاهدها أنها ابتدأت بزلزلة عظيمة، ثم ظهرت نار عظيمة،
وسكنت بعد ثلاثة أيام، ثم ظهرت مرة أخرى وهكذا استمرّت إلى مدة طويلة تظهر وتخمد. وقد
سالت أودية بالنار إلى وادي شظا مسيل الماء، وقد كتب أحد ممن شاهدها: ((والله لقد طلعنا
جماعة بنصرها، فإذا الجبال تسيل نيراناً، وقد سدّت الحرّة طريق الحاجّ العراقيّ)) كما في البداية
والنهاية (١٣: ١٨٧). فصدق ما ورد في حديث الباب من زيادة أخرجها ابن عديّ من طريق
عمر بن سعيد التنوخيّ، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن
عمر بن الخطاب رضيُه مرفوعاً: ((لا تقوم الساعة حتى يسيل وادٍ من أودية الحجاز بالنار، يضيء
له أعناق الإبل ببصرى) راجع له كامل ابن عديّ (٥: ١٧١٨). وعمر بن سعيد هذا ذكره ابن
حبان في الثقات، وكتبه ابن عدي والدارقطني، كما في وفاء الوفاء للسمهوديّ (١: ١٤١).
وكتب آخر ممن شاهدها: ((وما أقدر أصف لك عظمها ولا ما فيها من الأهوال، وأبصرها
أهل ينبع، وندبوا قاضيهم ابن أسعد، وجاء عدواً إليها ... والشمس والقمر من يوم ما طلعت ما
يطلعان إلا كاسفين)) قال أبو شامة: ((وبان عندنا بدمشق أثر الكسوف من ضعف نورها على
الحيطان، وكنا حيارى من ذلك إيش هو؟ إلى أن جاءنا هذا الخبر عن هذه النار)).
وذكر النوويّ رحمه الله أيضاً أن هذه النار خرجت في زمنه، وأخبره من حضرها من أهل
المدينة. وراجع لتفصيل أحوالها (البداية والنهاية) و (وفاء الوفاء للسمهودي).
وقال القسطلاني في إرشاد السّاري (١٠: ٢٠٤): ((وأما الثالث، وهو إضاءة أعناق الإبل
ببصرى، فقد جاء من أخبر به. فإذا ثبت هذا، فقد صحت الأمارات وتمت العلامات. وإن لم
يثبت، فيحمل إضاءة أعناق الإبل ببصرى على وجه المبالغة ... وعلى هذا يكون القصد بذلك
التعظيم لشأنها، والتفخيم لمكانها، والتحذير من فورانها وغليانها. وقد وجد ذلك على وفق ما
أخبر. وقد جاء من أخبر أنه أبصرها من تيهاء وبُصرى على مثل ما هي من المدينة في البعد،
فتعين أنها المراد وارتفع الشك والعناد. وأما النار التي تحشر الناس فنار أخرى)).

٢٤٧
كتاب: الفتن وأشراط الساعة
(١٥) - باب: في سكنى المدينة وعمارتها قبل الساعة
٧٢١٩ - (٤٣) حدّثني عَمْرٌو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ. حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ
سُهَيْلٍ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: «تَبْلُغُ
الْمَسَاكِنُ إِهَابَ، أَوْ يَهَابَ)) .
قَالَ زُهَيْرٌ: قُلْتُ لِسُهَيْلِ: فَكُم ذُلِكَ مِنَ الْمَدِينَةِ؟ قَالَ: كَذَا وَكَذَا مِيلاً.
٧٢٢٠ - (٤٤) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، (يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ)،
عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ قَالَ: ((لَيْسَتِ السَّنَةُ بِأَنْ لاَ
تُمْطَرُوا. وَلَكِنِ السَّنَةُ أَنْ تُمْطَرُوا وَتُمْطَرُوا، وَلاَ تُنْبِتُ الأَرْضُ شَيْئًا)).
(١٥) - باب: في سكنى المدينة وعمارتها قبل الساعة
٤٣ - (٢٩٠٣) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث مما تفرد بإخراجه المصنف من بين
الأئمة الستّة.
قوله: (تبلغ المساكن إهابَ أو يَهَابَ) بكسر الهمزة والياء، وقيل: بفتح الياء، ووقع في
بعض الروايات (نهاب) بالنون. ذكر الحموي في معجم البلدان (١: ٢٨٣) أنه موضع قرب
المدينة، وذكر القاضي عياض أنه على أميال من المدينة. والمراد أن أبنية المدينة المنورة تبلغ
إلى هذا الموضع لتوسعها وكثرة ساكنيها. وقال الأبيّ: ((وبلوغ المساكن إليها معجزة وقعت))
وقال القرطبي: ((وقعت في زمان بني أميّة ثم تقاصرت حتى أقفرت الآن)).
ولم أطّلع في شيء من الكتب على تحديد هذا المكان بالضبط، أو على تحديد جهته.
٤٤ - (٢٩٠٤) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أيضاً تفرد به المصنف من بين الأئمة
الستّة. وأخرجه أحمد في مسنده (٢: ٣٤٢ و٣٥٨ و ٣٦٣).
قوله: (ليست السَّنَة بأن لا تُمطروا) وفي رواية حماد بن سلمة عند أحمد: ((إنّ السنة ليس
بأن لا يكون فيها مطر)) والسِّنَة: الجدب والقحط. وليس المراد نفي كونه سنة من حيث اللغة،
ولكن المراد أن عدم إنبات الأرض بسبب عدم المطر قحط عاديّ لا عجب فيه. وإنّما العجب
من قحط ينشأ من عدم إنبات الأرض، بالرغم من كون السّماء تمطر وتمطر. وفيه إشارة إلى أن
مثل ذلك سيقع بقرب من القيامة.

٢٤٨
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(١٦) - باب: الفتنة من المشرق من حيث يطلع قرنا الشيطان
٧٢٢١ - (٤٥) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح.
أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِع. عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ بَّهِ، وَهُوَ مُسْتَقْبِلُ الْمَشْرِّقِ
يَقُولُ: ((أَلاَ إِنَّ الْفِتْنَةَ هُهُنَّا. أَلَّ إِنَّ الْفِتْنَةَ هُهُنَا، مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ)» .
(١٦) - باب: الفتنة من المشرق من حيث يطلع قرنا الشيطان
٤٥ - (٢٩٠٥) - قوله: (عن ابن عمر) هذا الحديث أخرجه البخاري في فرض الخمس،
باب ما جاء في بيوت أزواج النبيّ بَير (٣١٠٤)، وفي بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده
(٣٢٧٩)، وفي المناقب، باب بعد باب نسبة اليمن إلى إسماعيل (٣٥١١)، وفي الطلاق، باب
الإشارة في الطلاق والأمور (٥٢٩٦)، وفي الفتن، باب قول النبيّ ◌َّر: الفتنة من قبل المشرق
(٧٠٩٢ و ٧٠٩٣). وأخرجه الترمذي في الفتن، باب بدون ترجمة (٢٢٦٨) وأحمد في مسنده
(٢: ٢٢ و٩٢ و١١٠).
قوله: (إنّ الفتنة ههنا، من حيث يطلع قرن الشّيطان،) وأشار إلى جهة المشرق. قال
الداودي: «للشمس قرن حقيقة. ويحتمل أن يريد بالقرن، قوة الشّيطان وما يستعين به على
الإضلال، وهذا أوجه. وقيل: إن الشيطان يقرن رأسه بالشمس عند طلوعها ليقع سجود عَبَدَتها
له. قيل: ويحتمل أن يكون للشمس شيطان تطلع الشمس بين قرنيه)) كذا في فتح الباري (١٣ :
٤٦)، وذكر السيوطيّ أن المراد من قرن الشيطان حزبه وأعوانه، يعني: من هذا يخرج أعوان
الشيطان، كذا في المرقاة (١١ : ٤٥٦).
وتكلم العلماء في ما هو المراد من جهة الشرق. فقال أكثرهم: إن المراد بها نجد. وقال
بعضهم: إن المراد منها العراق. قال الخطابي: ((نجد من جهة المشرق، ومن كان بالمدينة كان
نجده بادية العراق ونواحيها، وهي مشرق أهل المدينة)).
ولكن الراجح أن المراد بها النجد. وذلك لما أخرجه البخاري في الفتن عن ابن عمر وظ ◌ًا
(رقم: ٧٠٩٤) قال: ((ذكر النبيّ وَّر: اللهمّ بارك لنا في شَأمنا، اللهُمَّ بارك لنا في يمننا. قالوا:
يا رسول الله! وفي نجدنا، قال: اللهمّ بارك لنا في شأمنا، اللهُمَّ بارك لنا في يمننا. قالوا:
يا رسول الله! وفي نجدنا. فأظنّه قال في الثالثة: هناك الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن
الشّيطان)).
وكأن هذا الحديث مفسّر لحديث الباب. وبه تبين أن أرض نجد من أراضي الفتن التي
أشار إليها رسول الله وَالر. ولكن تدخل في حديث الباب أرض العراق أيضاً، لأنها كانت في
جهة المشرق من المدينة، وإن كانت مائلة إلى الشمال، ويؤيده ما سيأتي عن سالم بن عبد الله بن
عمر أنه أدخل أرض العراق في مصداق حديث الباب.

٢٤٩
كتاب: الفتن وأشراط الساعة
٧٢٢٢ - (٤٦) وحدّثني عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. ح وَحَدَّثَنَا
عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ. كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ. قَالَ الْقَوَارِيرِيُّ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ،
عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَ ◌ّهِ قَامَ عِنْدَ بَابٍ
حَفْصَةَ، فَقَالَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ ((الْفِتْنَةُ هُهُنَا مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ)) قَالَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ
ثلاثاً .
وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ فِي رِوَايَتِهِ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ بَ عِنْدَ بَابٍ عَائِشَةَ.
٧٢٢٣ - (٤٧) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِم بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ بَيْرِ قَالَ، وَهُوَ مُسْتَقْبِلُ
الْمَشْرِق («هَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هُهُنَا. هَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هُهُنَا. هَا إِنَّ الْفِتْتَةَ هُهُنَا. مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ
الشَّيْطَانِ)).
٧٢٢٤ - (٤٨) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ،
عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ مِنْ بَيْتِ عَائِشَةَ فَقَالَ: ((رَأْسُ الْكُفْرِ مِنْ
هُهُنَا، مِنَ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ)) يَعْنِي الْمَشْرِقَ.
٧٢٢٥ - (٤٩) وحدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، (يَعْنِي ابْنَ سُلَيْمَانَ)، أَخْبَرَنَا
حَنْظَلَةُ قَالَ: سَمِعْتُ سَالِماً يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ، يُشِيرُ
بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ وَيَقُولُ ((هَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هُهُنَا. هَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هُهُنَا)) ثَلاَثًاً «حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا
الشَّيْطَانِ)) .
٧٢٢٦ - (٥٠) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبَانَ وَوَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى وَأَحْمَدُ بْنُ
عُمَرَ الْوَكِيعِيُّ (وَاللَّفْظُ لابْنِ أَبَانَ). قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: سَمِعْتُ
سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، مَا أَسْأَلِكُمَّ عَنِ الصَّغِيرَةِ، وَأَرْكَبَكُمْ
لِلْكَبِيرَةِ، سَمِعْتُ أَبِي،َ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَقُولُ:
وقال الحافظ في الفتح: ((كان أهل المشرق يومئذ أهل كفر، فأخبر ◌َّ ر أن الفتنة تكون من
تلك الناحية، فكان كما أخبر. وأول الفتن كان من قبل المشرق، فكان ذلك سبباً للفرقة بين
المسلمين، وذلك مما يحبه الشيطان ويفرح به. وكذلك البدع نشأت من تلك الجهة)).
٥٠ - (٠٠٠) - قوله: (ما أسألكم عن الصّغيرة وأركبكم للكبيرة؟) هما صيغتان للتعجب.
والمراد أنكم تُكثرون السؤال عن الأشياء الصّغيرة مما يدل على ورعكم حتى عن الصغائر،
ولكنكم تكثرون ارتكاب الكبائر، وهي إثارة الفتن، والتفريق بين المسلمين، والخروج على
الأئمة. وكان ذلك معروفاً من أهل العراق.

٢٥٠
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(إِنَّ الْفِتْنَةَ تَجِيءُ مِنْ هُهُنَا)) وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ ((مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ)) وَأَنْتُمْ
يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ. وَإِنَّمَا قَتَلَ مُوسَى الَّذِي قَتَلَ، مِنْ آلٍ فِرْعَوْنَ، خَطَأْ فَقَالَ الله
عَزَّ وَجَلَّ لَهُ: ﴿وَقَثَلْتَ نَفْسًا فَنَجَيْنَكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتََّكَ فُونً﴾ [طه: ٤٠].
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ سَالِم: لَمْ يَقُلْ: سَمِعْتُ.
(١٧) - باب: لا تقوم الساعة حتى تَعْبُدَ دَوْسٌ ذا الخَلَصَةِ
٧٢٢٧ - (٥١) حدّثنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ (قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ ابْنُ
رَافِعٍ: حَدَّثَنَا) عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنّ الزّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّرَ: ((لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ أَلَّبَاتُ نِسَاءِ دَوْسٍ، حَوْلَ ذِي
الْخَلَصَةِ» .
---
قوله: (إن الفتنة تجيء من ههنا) هذا يدل على أن سالم بن عمر رحمه الله حمل جهة
المشرق في حديث الباب على العراق.
قوله: (وإنّما قتل موسى الّذي قتل) إلخ: مراده أن موسى عليه السلام إنّما قتل القبطيّ
خطأ، ولم يتعمّد قتله، ولكنه أصابه الغمّ من أجل ذلك، كما ذكره القرآن الكريم وأنتم تقتلون
المسلمين عن قصد وعمد، ومع ذلك لا تغتمّون على هذه المقاتلة، ولا تمتنعون منها .
قوله: (فقال الله عزّ وجلّ له: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَيْنَكَ مِنَ الْغَمْ﴾) إنما ذكر هذه الآية الكريمة
استدلالاً على أن موسى عليه السلام كان أصابه الغمّ من أجل قتله القبطيّ، فنجّاه الله تعالى من
الغمّ .
(١٧) - باب: لا تقوم السّاعة حتى تعبد دوس ذا الخلصة
٥١ - (٢٩٠٦) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الفتن، باب تغيّر
الزمان حتى تعبد الأوثان (٧١١٦)، وأخرجه أحمد في مسنده (٢: ٢٧١).
قوله: (حتى تضطرب) أي: تتحرك وتَرْتِجُ. وأصله بمعنى ضرب بعض الشيء بعضاً.
قوله: (أَلَيَاتُ) بفتح الهمزة واللام، جمع ألْيَة، بفتح الهمزة وسكون اللام، وهي بمعنى
العجيزة. وذكر الطيبي في شرحه للمشكاة (١٠: ١٤٥) أنها في الأصل اللحمة التي تكون في
أصل العضو، أي: المقعد.
قوله: (نساء دَوْس) وهي قبيلة من اليمن، كما في المرقاة (١٠: ٢٣٨).
قوله: (حَوْلَ ذي الخلَصةِ) وقد فسره الرواي بأنه صنم كانت تعبده دوس. وذكر بعض
العلماء أنه نفس الصنم الذي بعث إليه رسول الله وَ * جريرَ بن عبد اللّه ◌ُبه ليهدمه، فهدمه

٢٥١
كتاب: الفتن وأشراط الساعة
وخرّبه كما مر في كتاب الفضائل، باب فضائل جرير بن عبد الله. ولكن ذكرنا هناك تحقيق
الحافظ ابن حجر أنّه غير الصنم المذكور في الباب، لأنّ ذلك الصّنم الذي هدمه جرير إنما كان
باليمن في أرض خثعم، وقد صرّح في حديث الباب بأنه صنم لدوس. ودوس قبيلة أبي هريرة،
وبينهم وبين خثعم تباين في النسب والبلد. وإنما المراد في حديث الباب صنم كان عمرو بن
لحي نصبه في أسفل مكة، كانوا يلبسونه القلائد، ويجعلون عليه بيض النعام ويذبحون عنده،
وراجع أخبار مكة للأزرقي (٨: ٧١) (أما ذو الخلصة) الذي هدمه جرير، فكان على ما ذكره
الحافظ في الفتح (٨: ٧١) بيتاً بنوه مضاهاة للكعبة وسمّوها كعبة يمانية.
هذا ما حققه الحافظ، ولكنه مبنيّ على أن (ذي الخلصة) المذكور في حديث الباب صنم
منصوب ببلاد دوس، وليس في الحديث ما يصرّح بذلك. بل يحتمل أن يكون باليمن، وترحل
إليه نساء دوس من بلادهم. وعلى هذا الاحتمال يمكن أن يكون المراد في حديث الباب نفس
ذي الخلصة الذي هدمه جریر .
وأما المراد من اضطراب نساء دوس حول ذي الخلصة، فهو أن نساء دوس يركبن الدوابّ
من البلدان إلى الصنم المذكور. كذا فسّره ابن التين. وقال الحافظ في الفتح (١٣: ٧٦):
((ويحتمل أن يكون المراد أنهن يتزاحمن بحيث تضرب عجيزة بعضهن الأخرى عند الطواف حول
الصنم المذكور. وفي معنى هذا الحديث ما أخرجه الحاكم عن عبد الله بن عمر قال: لا تقوم
الساعة حتى تدافع مناكب نساء بني عامر على ذي الخلصة)).
ثم المقصود من حديث الباب، على ما ذكره العلماء بيان أنّ النّاس يرجعون إلى عبادة
الأوثان قبل أن تقوم السّاعة. قال الطيبي: ((والمعنى: أنهم يرتدون إلى جاهليتهم في عبادة
الأوثان، فتسعى نساء دوس طائفان حول ذي الخلصة))، والظاهر منه ومن حديث عائشة الآتي
أن جميع الناس يرتدون إلى الشّرك، ويعمّ الكفر جميع الأقطار بحيث لا يبقى على وجه الأرض
مسلم. ولكن يرد عليه إشكالان :
الأول: أنه يبدو معارضاً لحديث جابر عنه: ((إن الشّيطان قد أيس أن يعبده المصلّون في
جزيرة العرب)) وقد مرّ عند المصنف في كتاب صفة القيامة، باب تحريش الشيطان. فإنّ ظاهره
أن جزيرة العرب لا ترجع إلى الكفر والشرك بعد ما هداها الله تعالى للإسلام.
والثاني: أنه يبدو معارضاً كذلك للحديث المعروف: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين
حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون)) أخرجه البخاري في الاعتصام عن المغيرة بن شعبة (رقم:
٧٣١١) ولحديث معاوية ظُه: ((ولن يزال أمر هذه الأمة مستقيماً حتى تقوم السّاعة، أو حتى
يأتيهم أمر الله)) ولحديث ثوبان له: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحقّ، لا يضرّهم
من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك)) وقد مرّ عند المصنف في كتاب الإمارة.

٢٥٢
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَكَانَتْ صَنَمَا تَعْبُدُهَا دَوْسٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، بِتَبَالَةَ.
٧٢٢٨ - (٥٢) حدّثنا أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ وَأَبُو مَعْنٍ، زَيْدُ بْنُ يَزِيدَ الرَّقَاشِيُّ،
(وَاللَّفْظُ لأَبِي مَعْنٍ)، قَالاَ: حَدَّثَنَا خَالٍِّ بْنُ الْحَارِثِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنٍ
الأَسْوَدِ بْنِ الْعَلاَءِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ يَقُولُ:
ومن أجل هذا الإشكال الثاني فسّر ابن بطال حديث الباب وما أشبهه بأنه لا يقصد أن
الدين ينقطع كله في جميع أقطار الأرض حتى لا يبقى منه شيء، لأنه ثبت أن الإسلام يبقى إلى
قيام السّاعة، إلا أنه يضعف ويعود غريباً كما بدأ. ولكن ما ذهب إليه ابن بطّال لا يُغني عن
الإشكال الأوّل، لأن مقتضى حديث جابر أن جزيرة العرب على الأقل لا تُعبد فيه الأوثان.
والجواب الصحيح عن الإشكالين أنّ المراد من (أمر الله) في حديث ((لاتزال طائفة من
أمتي)) وقوع الآيات العظام التي يعقبها قيام الساعة ولا يتخلف عنها إلا شيئاً يسيراً. ومنها أن الله
تعالى يبعث ريحاً طيّبة، فتقبض روح كل مؤمن، كما سيأتي في حديث عائشة رضيّا. فالإسلام لا
يزال باقياً إلى ذلك الحين. ولا تعود جزيرة العرب إلى عبادة الأوثان إلى أن يأتي ذلك الوقت.
ثمّ يرجع العالم كله إلى الكفر وتتابع الآيات بعد ذلك، وتقوم السّاعة على شرار الخلق. وهذا
مصرح فيما أخرجه المصنف عن عبد الله بن عمرو في كتاب الإمارة، ولفظه: ((فقال عبد الله:
لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، هم شرّ من أهل الجاهلية ... فبينما هم على ذلك أقبل
عقبة بن عامر، فقال له مسلمة: يا عقبة! اسمع ما يقول عبد اللّه. فقال عقبة: هو أعلم، وأمّا أنا
فسمعت رسول الله وسلم يقول: ((لا تزال عصابة من أمّتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوّهم، لا
يضرّهم من خالفهم حتى تأتيهم السّاعة وهم على ذلك)). فقال عبد الله: أجل، ثم يبعث الله
ريحاً كريح المسك، مسّها مسّ الحرير، فلا تترك نفساً في قلبه مثقال حبة من الإيمان إلا قبضته
ثم يبقى شرار الناس، عليهم تقوم الساعة فعلى هذا، فالمراد من قوله: (حتى تأتيهم الساعة)
ساعتهم، وهي قبض روحهم بهبوب الريح، وبه تنطبق الروايات، والحمد لله تعالى.
قوله: (تَعْبدها دوس في الجاهلية بتبالة) بفتح التاء، وهي موضع باليمن. وذكر النووي
رحمه الله أنها غير تبالة التي ضرب بها المثل القائل: أهون على الحجّاج من تبالة، فإنها موضع
بقرب من الطائف. ومعنى هذا المثل أن تبالة كانت أول عمل وليه الحجّاج بن يوسف الثقفيّ،
فسار إليها، فلمّا قرُب منها قال للدليل: أين تبالة؟ فقال: ما يسترها عنك إلا هذه الأكمة.
فقال: لا أراني أميراً على موضع تستره عنّي هذه الأكمة، أهْوِنْ بها ولاية! وكرّ راجعاً ولم
يدخلها، فاتخذه الناس مثلاً، وقالوا: أهون على الحجاج من تبالة. وراجع معجم البلدان
للحموي (٢ : ٩).
٥٢ - (٢٩٠٧) - قوله: (عن عائشة) هذا الحديث مما تفرد المصنف بإخراجه من بين
الأئمة الستّة .

٢٥٣
كتاب: الفتن وأشراط الساعة
((لاَ يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى تُعْبَدَ الَّلاتُ وَالْعُزَّى)) فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ كُنْتُ لأَظُنُّ
حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَلَوْ
[التوبة: ٣٣] أَنَّ ذُلِكَ تَاماً. قَالَ: ((إِنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ ذُلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ.
(٣٣)
كَرِهَ اُلْمُشْرِكُنَ
ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ رِيحاً طَيْبَةً. فَتَوَفَّى كُلَّ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ. فَيَبْقَى مَنْ لاَ
خَيْرَ فِيهِ. فَيَرْجِعُونَ إِلَىْ دِينِ آبَائِهِمْ)) .
٧٢٢٩ - (٠٠٠) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ (وَهُوَ الْحَنَفِيُّ). حَدَّثَنَا
عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
(١٨) - باب: لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل،
فيتمنى أن يكون مكان الميت، من البلاء
٧٢٣٠ - (٥٣) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِىءَ عَلَيْهِ، عَنْ
أَبِي الزِّنَادٍ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ قَالَ: ((لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى
يَمُزَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ)) .
٧٢٣١ - (٥٤) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ بْنِ أَبَانَ بْنِ صَالِحِ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ
الرِّفَاعِيُّ، (وَاللَّفْظُ لإِبْنِ أَبَانَ)، قَالاَ: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِي إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي
حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لاَ تَذْهَبُ الدُّنْيَا
حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ عَلَى الْقَبْرِ فَيَتَمَزَّغُ عَلَيْهِ، وَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَكَانَ صَاحِبٍ هَذَا الْقَبْرِ.
قوله: (لا يذهب الليل والنهار) أي: لا تقوم السّاعة.
قوله: (أن ذلك تامّاً) تقديره: أن يكون ذلك تامّاً. تعني: أنّي فهمت من هذه الآية الكريمة
أنّ المسلمين لا يُغلبون، والكفر لا يعود بعد ما يُظهر الله الإسلام على جميع الأديان.
(١٨) - باب: لا تقوم السّاعة حتى يمرّ الرجل بقبر الرجل إلخ
٥٣ - (١٥٧) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الفتن، باب لا
تقوم السّاعة حتى يُغبط أهل القبور (٧١١٥)، وابن ماجه في الفتن، باب شدّة الزمان (٤٠٨٦).
قوله: (فيقول: يا ليتني مكانه) يعني: يتمنى الموت إمّا لفساد يرى الناس يصيب في
دينهم، أو لضرّ دنيوي نزل به، والأول لا بأس به، والثاني مذموم، وتدل رواية أبي حازم الآتية
أن الثاني هو المراد ههنا .
٥٤ - (٠٠٠) - قوله: (فيتمرّغ عليه) أي: يتقلّب. يقال: تمرّغ الرجل: إذا تقلّب وتلوّى من
وجع يجده، كما في القاموس.

٢٥٤
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ إِلاَّ الْبَلَاَءُ)).
٧٢٣٢ - (٥٥) وحدّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ. حَدَّثَنَا مَرْوَانُ، عَنْ يَزِيدَ، (وَهُوَ ابْنُ
كَيْسَانَ)، عَنْ أَبِي حَازِم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َهُ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيَأْتِيَنَّ
عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لاَ يَدْرِي الْقَاتِلُ فِي أَيِّ شَيْءٍ قَتَلَ. وَلاَ يَذْرِي الْمَقْتُولُ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ قُتِلَ)) .
٧٢٣٣ - (٥٦) وحدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبَانَ وَوَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى. قَالاً:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِي إِسْمَاعِيلَ الأَسْلَّمِيِّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لاَ تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ يَوْمٌ،
لاَ يَذْرِي الْقَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ. وَلاَ الْمَقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ)) فَقِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ ذُلِكَ؟ قَالَ: ((الْهَرْجُ.
الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ)).
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبَانَ قَالَ: هُوَ يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي إِسْمَاعِيلَ. لَمْ يَذْكُرِ
الأَسْلَمِيَّ.
٧٢٣٤ - (٥٧) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، (وَاللَّفْظُ لأَبِي بَكْرٍ)،
قوله: (وليس به الدِّين إلا البلاء) يعني: أنه لا يتمنى الموت لحفظ دِينه (بكسر الدال)
وإنما يتمناه لبلاء أصابه في دنياه. وهذا في معرض الذمّ، والمراد أن الناس يتمنون الموت لضرر
دنيوي أصابهم، مع أنه منهي عنه في الشرع.
٥٥ - (٢٩٠٨) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث مما تفرد بإخراجه المصنف من بين
الأئمة السنّة.
قوله: (لا يدري القاتل في أيّ شيء قَتَلَ) يعني: يكثر القتل والقتال، حتى يكون قتل المرء
أهون على القاتل من أن يفعل ذلك لغرض يُعتدّ به وقد رأينا مثل ذلك في زماننا كثيراً، والعياذ
بالله تعالى .
٥٦ - (٠٠٠) - قوله: (في رواية ابن أبان قال: هو يزيد بن كيسان عن أبي إسماعيل) وقد
وقع ههنا تقديم وتأخير في كلام المصنف. والأصل أن يزيد بن كيسان يكنى أبا إسماعيل،
فيزيد بن كيسان وأبو إسماعيل رجل واحد، وليس مقصود المصنف أن يزيد بن كيسان يروي عن
أبي إسماعيل، لأنهما رجل واحد. والعبارة الصحيحة أن يقول: ((في رواية ابن أبان: عن أبي
إسماعيل، وهو يزيد بن كيسان، ولم يذكر ابن أبان الأسلميّ)) وإنما مراده أن هذا الحديث رواه
ابن أبان وواصل، كلاهما عن أبي إسماعيل، وهو يزيد بن كيسان، غير أن واصل بن عبد الأعلى

٢٥٥
كتاب: الفتن وأشراط الساعة
قَالاَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ
يَقُولُ، عَنِ النَّبِّ وَّهِ: ((يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيِقَتَيْنِ مِنَ الْحَبَشَةِ)).
ذكر نسبته فقال: الأسلميّ، ولم يذكر ذلك ابن أبان، والمراد من أبي إسماعيل يزيد بن كيسان.
٥٧ - (٢٩٠٩) - قوله: (سمع أبا هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الحج، باب
قول الله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَمًا لِلنَّاسِ﴾ (١٥٩١)، وباب هدم الكعبة
(١٥٩٦)، وأخرجه النسائي في الحج، باب بناء الكعبة (٢٩٠٤).
قوله: (ذو السُّويقتين) تصغير للسَّاق، أي: له ساقان دقيقتان.
قوله: (من الحبشة) أي: رجل من الحبشة. ووقع هذا الحديث عند أحمد في مسنده (٢ :
٣١٢) بأتم من هذا السياق من طريق سعيد بن سمعان ولفظه: ((يبايع لرجل ما بين الركن
والمقام، ولن يستحلّ البيت إلا أهله. فإذا استحلّوه، فلا تسأل عن هلكة العرب. ثم تجيء
الحبشة فيخربّونه خراباً لا يُعمر بعده أبداً. هم الذين يستخرجون كنزه)) وأخرجه أيضاً أبو داود
الطيالسيّ في مسنده (رقم: ٢٣٧٣) والحاكم في مستدركه (٤: ٤٥٣) وأعقبه الحاكم بحديث
عبد الله بن عمرو ها أن النبيّ وَّل قال: ((اتركوا الحبشة ما تركوكم، فإنه لا يستخرج كنز الكعبة
إلا ذو السّويقتين من الحبشة)). وأخرجه البخاري (رقم: ١٥٩٥) عن ابن عباس رضيًّا عن النبيّ ◌َّ
قال: ((كأنّي به أسود أفحج يقلعها حجراً حجراً)) وأخرج أحمد في مسنده (٢: ٢٢٠) عن
عبد الله بن عمرو مرفوعاً: ((يخرّب الكعبة ذو السّويقتين من الحبشة ويسلبها حليتها، ويجردها
من كسوتها، ولكأنّ أنظر إليه أصيلع أفيدع، يضرب عليها بمسحاته ومعوله)).
وقال الحافظ في الفتح (٣: ٤٦١): ((قيل: هذا الحديث يخالف قوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّ يَرَوَّا أَنَّا
جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنًا﴾ [العنكبوت، آية: ٦٧]، ولأن الله حبس عن مكة الفيل ولم يمكّن أصحابه من
تخريب الكعبة، ولم تكن إذ ذاك قبلة، فكيف يسلّط عليها الحبشة بعد أن صارت قبلة للمسلمين؟
وأجيب بأن ذلك محمول على أنه يقع في آخر الزمان قرب قيام السّاعة حيث لا يبقى في الأرض
أحد يقول: الله الله، كما ثبت في صحيح مسلم: ((لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله
الله)). ولهذا وقع في رواية سعيد بن سمعان: (ولا يعمر بعده أبداً). وقد وقع قبل ذلك فيه من
القتال، وغزو أهل الشام له في زمن يزيد بن معاوية، ثم من بعده وقائع كثيرة من أعظمها وقعة
القرامطة بعد الثلاثمائة، فقتلوا من المسلمين في المطاف من لا يحصى كثرة، وقلعوا الحجر
الأسود وحوّلوه إلى بلادهم ثم أعادوه بعد مدة طويلة. ثم غزي مراراً بعد ذلك. وكل ذلك لا
يعارض قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَإِنًا﴾ [العنكبوت، آية: ٦٧]، لأن ذلك إنما وقع بأيدي
المسلمين، فهو مطابق لقوله وَله: ((ولن يستحلّ هذا البيت إلا أهله))، فوقع ما أخبر به النبيّ ◌َّ،
وهو من علامات نبوته، وليس في الآية ما يدل على استمرار الأمن المذكور فيها)).

٢٥٦
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٧٢٣٥ - (٥٨) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((يُخَرِّبُ الْكَعْبَةً
ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الْحَبَشَةِ)).
٧٢٣٦ - (٥٩) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ (يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ) عَنْ
ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيِ الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِه ◌ِ ﴿ قَالَ: ((ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ
الْحَبَشَةِ يُخَرِّبُ بَيْتَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ)).
٧٢٣٧ - (٦٠) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، (يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ)، عَنْ
ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ فِ لَ قَالَ: ((لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ
حَتَّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ قَخْطَانَ يَسُوقُ النَّاسَ بِعَصَاهُ» .
٧٢٣٨ - (٦١) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارِ الْعَبْدِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْكَبِيرِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ،
أَبُو بَكْرِ الْحَنَفِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْحَكَمِ يُحَدِّثُ، عَنْ
٦٠ - (٢٩١٠) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في المناقب، باب
ذكر قحطان (٣٥١٧)، وفي الفتن، باب تغيّر الزمان حتى تُعبد الأوثان (٧١١٧). وأخرجه أحمد
في مسنده (٢: ٤١٧).
قوله: (حتى يخرج رجل من قحطان) بفتح القاف وسكون الحاء، وهو أبو اليمن، كما في
المرقاة (١٠: ١٤٣). وقيل: قبيلة منهم. وذكر القرطبي أنه الرجل الذي ذكر في الحديث الآتي
أن اسمه جهجاه. والمراد من سوقه الناس بعصاه أنه يتصرف فيهم تصرف الراعي في غنمه.
وقال الحافظ في الفتح (٦: ٥٤٦): ((وهذا الحديث يدخل في علامات النبوة من جملة ما أخبر
به وَير قبل وقوعه ولم يقع بعد. وقد روى نعيم بن حماد في الفتن من طريق أرطأة بن المنذر -
أحد التابعين من أهل الشام - أن القحطانيّ يخرج بعد المهديّ ويسير على سيرة المهديّ. وأخرج
أيضاً من طريق عبد الرحمن بن قيس بن جابر الصّدفي، عن أبيه، عن جدّه مرفوعاً: (يكون بعد
المهديّ القحطانيّ، والذي بعثني بالحقّ ما هو دونه) وهذا الثاني مع كونه مرفوعاً صعيفُ
الإسناد، والأول مع كونه موقوفاً: أصلح إسناداً منه. فإن ثبت ذلك فهو في زمن عيسى بن
مريم، لما تقدم أن عيسى عليه السلام إذا نزل يجد المهديّ إمام المسلمين. وفي رواية أرطأة بن
المنذر أن القحطانيّ يعيش في الملك عشرين سنة. واستشكل ذلك كيف يكون في زمن عيسى
يسوق الناس بعصاه، والأمر إنما هو لعيسى؟ ويجاب بجواز أن يقيمه عيسى نائباً عنه في أمور
مهمة عامة)).
٦١ - (٢٩١١) - قوله: (يحدث عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه الترمذي في الفتن،
باب بدون ترجمة، وأحمد في مسنده (٢: ٣٢٩).

٢٥٧
كتاب: الفتن وأشراط الساعة
أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَّرِ قَالَ: ((لاَ تَذْهَبُ الأَيَّامُ وَاللَّيَالِي، حَتَّى يَمْلِكَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ
الْجَهْجَاهُ» .
قَالَ مُسْلِمٌ: هُمْ أَرْبَعَةُ إِخْوَةٍ: شَرِيكٌ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ، وَعُمَيْرٌ، وَعَبْدُ الْكَبِيرِ. بَنُو عَبْدِ
الْمَجِيدِ .
٧٢٣٩ - (٦٢) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، (وَاللَّفْظُ لابْنِ أَبِي
عُمَرَ)، قَالاَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ قَالَ:
((لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْماً كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ. وَلاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى
تُقَاتِلُوا قَوْماً نِعَالُهُمُ الشَّعَرُ)».
قوله: (يقال له الجهجاه) قال الطيبي في شرح المشكاة (١٠: ٧٥): ((هو بفتح الجيم
وإسكان الهاء. وفي بعض النسخ: (الجهجها) بهاءين، وفي بعضها: (الجهجا) بحذف الهاء التي
بعد الألف، والأول هو المشهور)).
قوله: (هم أربعة إخوة) إنما ذكره المصنف استطراداً، لأن أحد رواة هذا الحديث
عبد الكبير بن عبد المجيد، فذكر أن له ثلاثة إخوة آخرين.
٦٢ - (٢٩١٢) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الجهاد، باب
قتال الترك (٢٩٢٨)، وباب قتال الذين ينتعلون الشّعر (٢٩٢٩)، وفي المناقب، باب علامات
النبوة في الإسلام (٣٥٨٧، و٣٥٩٠ و٣٥٩١)، وأخرجه الترمذي في الفتن، باب ما جاء في
قتال الترك (٢٢١٥)، وأخرجه أبو داود في الملاحم، باب في قتال الترك (٤٣٠٣)، والنسائي
في الجهاد، باب غزوة الترك والحبشة (٣١٧٧)، وابن ماجه في الفتن، باب الترك (٤١٤٨
و ٤١٤٩).
قوله: (قوماً كأن وجوههم المجانّ المطرقة) المجانّ، بفتح الميم، جمع المِجنّ بكسر
الميم، وهو الترس. والمُطرقة التي ألبست طاقة فوق طاقة من الجلود وهي الأغشية. تقول:
طارقت بين النّعلين، أي: جعلت إحداهما على الأخرى. وقال الهروي: هي التي أطرقت
بالعصب، أي: ألبست به. كذا في الفتح (٦: ١٠٤)، وقال البيضاوي: شبه وجوههم بالترسة،
لبسطها وتدويرها، وبالمطرقة لغلظها وكثرة لحمها، ذكره الحافظ في الفتح (٦: ٦٠٨) ويؤيده
حديث عمرو بن تغلب عند البخاري (٢٩٢٧) ولفظه: (قوماً عراض الوجوه كأن وجوههم
المجان المطرقة).
وذهب أكثر العلماء إلى أن المراد من هذا القوم هم الترك، وسيأتي ذلك مصرحاً في
الحديث. كان بلادهم إذ ذاك ما بين مشارق خراسان إلى مغارب الصين وشمال الهند إلى أقصى
المعمور. وقد وقع قتال المسلمين معهم مراراً، حتى أسلم معظمهم.
قوله: (حتى تقاتلوا قوماً نعالهم الشّعر) قال القاضي عياض: معناه أنهم يصنعون من الشعر

٢٥٨
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٧٢٤٠ - (٦٣) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ. أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ: ((لاَ تَقُومُ
السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلَكُمْ أُمَّةٌ يَنْتَعِلُونَ الشَّعَرَ. وُجُوهُهُمْ مِثْلُ الْمَجَانُ الْمُطْرَقَةِ)) .
٧٢٤١ - (٦٤) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةً. عَنْ أَبِي
الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ وَلِ قَالَ: ((لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا
قَوْماً نِعَالُهُمُ الشَّعَرُ. وَلاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْماً صِغَارَ الأَعْيُنِ، ذُلْفَ الآنُفِ)) .
٧٢٤٢ - (٦٥) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، (يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ)، عَنْ
سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ﴿ قَالَ: ((لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى
يُقَائِلَ الْمُسْلِمُونَ التُّرْكَ، قَوْماً وُجُوهُهُمْ كَالْمَجَانُ الْمُطْرَقَةِ، يَلْبَسُونَ الشَّعَرَ، وَيَمْشُونَ فِي
الشَّعَرِ)).
حبالاً ويصنعون منها نعالاً وثياباً يلبسونها. ويحتمل أن تكون شعورهم كثيفة طويلة، فإذا سُدلت
فهي كاللباس، ولوصولها إلى الأرض والأرجل كالنعال.
ثم الظاهر من هذا الحديث أن القوم الذين وجوههم كالمجانّ المطرقة غير الذين نعالهم
الشّعر، لأنه ◌َ﴿ ذكر الطائفتين بكلام مستقلّ. وتؤيده رواية صالح، عن الأعرج عند البخاري
(رقم: ٢٩٢) ولفظها: ((لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا الترك، صغار الأعين حمر الوجوه، ذُلف
الأنوف، كأن وجوههم المجانّ المطرقة، ولا تقوم السّاعة حتى تقاتلوا قوماً نعالهم الشّعر))
ولذلك ذكر بعض العلماء أن المراد من الأولين الترك، ومن الآخرين أصحاب بابك الخُرَّميّ،
وكان من طائفة من الزنادقة استباحوا المحرمات، وقامت لهم شوكة كبيرة في أيام المأمون،
وغلبوا على كثير من بلاد العجم كطبرستان والريّ، إلى أن قتل بابك المذكور في أيام المعتصم،
وكان خروجه سنة ٢٠١هـ، وقتله سنة ٢٢٢هـ. وذكر الإسماعيلي من طريق محمد بن عباد قال:
بلغني أن أصحاب بابك كانت نعالهم الشّعر. وراجع فتح الباري (٦: ٢٠٤).
ولكن يظهر من الروايات الآتية عند مسلم أن الذين ينتعلون الشعر هم الذين وجوههم
كالمجانّ المطرقة، لا سيما رواية سهيل الآتية ولفظها: ((لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون
التّرك، قوماً وجوههم كالمجانّ المطرقة، يلبسون الشّعر ويمشون في الشّعر)) ويمكن التوفيق بين
الروايات أن لبس الشعر مشترك بين الترك وبين غيرهم، فربما ذكر ذلك علامة للترك، وربما ذكر
علامة لقوم آخرين، والله أعلم.
٦٤ - (٠٠٠) - قوله: (ذُلف الآنف) الذُلفِ جمع الأذلف، وأذلف الأنف، صغير الأنف،
والعرب تقول: أملح النساء الذلف. وقيل: الذَّلفُ: الاستواء في طرف الأنف. وقيل: قصر
الأنف وانبطاحه.

٢٥٩
كتاب: الفتن وأشراط الساعة
٧٢٤٣ - (٦٦) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ
أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسٍ بْنِ أَبِي حَازِم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ: («تُقَاتِلُونَ
بَيْنَ يَدَىِ السَّاعَةِ قَوْماً نِعَالُهُمُ الشَّعَرَّ. كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ. حُمْرُ الْوُجُوهِ، صِغَارُ
الأَعْيُنِ» .
٧٢٤٤ - (٦٧) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، (وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ)، قَالاً:
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ؛ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ جَابِرِ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: يُوشِكُ أَهْلُ الْعِرَاقِ أَنْ لاَ يُجْبَى إِلَيْهِمْ قَفِيزٌ وَلاَ دِرْهَمٌ. قُلْنَا: مِنْ أَيْنَ ذَاكَ؟
قَالَ: مِنْ قِبَلِ الْعَجَم. يَمْنَعُونَ ذَاكَ. ثُمَّ قَالَ: يُوشِكُ أَهْلُ الشَّأْم أَنْ لاَ يُجْبَى إِلَيْهِمْ دِينَارٌ
وَلاَ مُذْيٌ. قُلْنَا: مِنْ أَيْنَ ذَاكَ؟ قَالَ: مِنْ قِبَلِ الرُّومِ. ثُمَّ أَسْكَتَ هُنيَّةً، ثُمَّ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ: ((يَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي خَلِيفَةٌ يَخْشَي الْمَالَ حَثْياً. لاَ يَعُدُّهُ عَدَدًا)) .
قَالَ: قُلْتُ لأَبِي نَضْرَةَ وَأَبِي الْعَلَاءِ: أَتَرَيَانِ أَنَّهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ؟ فَقَالاَ: لاَ.
٧٢٤٥ - (٠٠٠) وحدّثنا ابْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ. حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، (يَعْنِي
الْجُرَيْرِيَّ)، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
٦٧ - (٢٩١٣) - قوله: (كنّا عند جابر بن عبد الله) هذا الحديث مما تفرد المصنف
بإخراجه فيما بين الأئمة الستة، وأخرجه أحمد في مسنده (٣: ٣١٧).
قوله: (أن لا يُجبى إليهم قفيز ولا درهم) قد تقدم شرحه في باب لا تقوم الساعة حتى
يحسر الفرات عن جبل من ذهب.
وحاصل المراد أن معظم البلاد سوف يسيطر عليها الكفار، فيمنعون أشياء الحاجة من
وصولها إلى المسلمين في العراق والشّام.
قوله: (أسكت هنّة) أي: مدة قليلة، وأسكت وسكت كلاهما بمعنى صمت.
قوله: (خليفة يحثي المال حثياً) الحثي والحثو بمعنى الحفن باليدين، يقال: حثا يحثي
حثياً، وحثا يحثو حثواً، وقد يؤخذ مصدر أحدهما مع فعل آخر، كما سيأتي في الرواية اللاحقة:
((يحثو المال حثياً)). والمراد من حثي المال أنه يكثر عنده المال، فيعطي النّاس بكثرة لا يحصرها
عدّ.
وقد ذكر القرطبيّ رحمه الله أن بعض العلماء جعل عمر بن عبد العزيز مصداق هذا الخبر
ولكنه غير صحيح وقد صرح أبو نضرة وأبو العلاء في آخر هذا الحديث بأنه ليس عمر بن
عبد العزيز. وذهب جمع من العلماء إلى أن المراد منه خليفة الله المهديّ الذي سيخرج في آخر
الزمان، والله سبحانه أعلم.

٢٦٠
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٧٢٤٦ - (٦٨) حدّثنا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ. حَدَّثَنَا بِشْرٌ، (يَعْنِي ابْنَ الْمُفَضَّلِ)،
ح وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، (يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ)، كِلاَهُمَا عَنْ
سَعِيدٍ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ: ((مِنْ خُلَفَائِكُمْ
خَلِيفَةٌ يَحْثُوَ الْمَالَ حَثْياً. لاَ يَعُدُّهُ عَدَداً)) .
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حُجْرٍ: ((يَحْثِي الْمَالَ)).
٧٢٤٧ - (٦٩) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ. حَدَّثَنَا
أَبِي. حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالاَ: قَالَ
رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ خَلِيفَةٌ يَقْسِمُ الْمَالَ وَلاَ يَعُدُّهُ» .
٧٢٤٨ - (٠٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي
هِنْدٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِّ ◌َِِّ. بِمِثْلِهِ.
٧٢٤٩ - (٧٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَارٍ، (وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنَّى)، قَالاً:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا نَضْرَةَ يُحَدِّثُ،
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَلِ قَالَ لِعَمَّارٍ،
حِينَ جَعَلَ يَحْفِرُ الْخَنْدَقَ، وَجَعَلَ يَمْسَحُ رَأْسَهُ وَيَقُولُ: ((بُؤْسَ ابْنِ سُمَيَّةَ. تَقْتُلُكَ فِئَةٌ بَاغِيَةٌ)).
٦٨ - (٢٩١٤) - قوله: (عن أبي سعيد) هذا الحديث أيضاً من تفردات المصنف. وأخرجه
أحمد في مسنده (٣: ٩٦ و ٩٨).
٧٠ - (٢٩١٥) - قوله: (عن أبي سعيد الخدريّ قال: أخبرني من هو خير منّي) هذا
الحديث أيضاً لم يخرجه أحد غير المصنف من الأئمة الستة، وأخرجه أحمد في مسنده (٣:
٢٢). وأخرجه البخاري من وجه آخر في الصلاة، باب التعاون في بناء المسجد.
قوله: (بؤس ابن سُمَيّة) بنصب (بؤسَ) على أنه منادى مضاف، وحرف النداء محذوف،
وتقديره: يا بؤس ابن سميّة. وسميّة اسم لأم عمّار بن ياسر ظُه. والبؤس والبأساء بمعنى
المكروه والشدة، والمعنى: يا بؤس ابن سميّة ما أشده وأعظمه.
قوله: (تقتلك فئة باغية) هذا الحديث فيه معجزة ظاهرة لرسول الله وَ ﴿ حيث أخبر أنّ
عمّاراً وَظله سيموت مقتولاً، ووقع كذلك، وأنه تقتله فئة تبغي على إمام حقّ. ومن المسلّم
تاريخياً أنه ربه قُتل بصفّين وهو من حزب عليّ رَب ◌ُته. وهو من أوضح الدلائل على أن علياً تَظُبه
كان هو المحق المصيب في حروبه مع معاوية رَّته، وإن كان معاوية وأصحابه ﴿ه معذورين في
اجتهادهم .