النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
كتاب: الفتن وأشراط الساعة
٧١٨٨ - (٠٠٠) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى
وَابْنُ بَشَّارٍ. (قَال إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا) مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ. حَدَّثَنِي أَبِي،
عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ الرَّحَبِيِّ، عَنْ ثَوْبَانَ؛ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ وَلِ قَالَ: ((إِنَّ
اللَّهَ تَعَالَى زَوَى لِيَ الأَرْضَ. حَتَّى رَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا. وَأَعْطَانِي الْكَنْزَيْنِ الأَحْمَّرَ
وَالأَبْيَضَ)). ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثٍ أَيُوبَ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةً.
٧١٨٩ - (٢٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا
ابْنُ نُمَيْرٍ، (وَاللَّفْظُ لَهُ)، حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ. أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ
أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ أَقْبَلَ ذَاتَ يَوْم مِنَ الْعَالِيَةِ. حَتَّى إِذَا مَرَّ بِمَسْجِدٍ بَنِي مُعَاوِيَةَ، دَخَلَ
فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنٍ. وَصَلَّيْنَا مَعَهُ. وَدَعَا رَّبَّهُ طَوِيلاً، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيْنَا. فَقَالَ بِّهِ: ((سَأَلْتُ رَبِي
ثَلاَثَاً. فَأَعْطَانِ ثِنْتَيْنٍ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً. سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لاَ يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ فَأَعْطَانِيهَا. وَسَأَلْتُهُ
أَنْ لاَ يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ فَأَغْطَانِهَا. وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَ يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَتَعَنِيهَا)) .
٧١٩٠ - (٢١) وحدّثناه ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ. حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ
(بعضهم) راجعاً إلى أعداء المسلمين، فيكون المراد أنّهم كلما اجتمعوا لاستئصال المسلمين، لم
يتمكنوا من ذلك، حتى تصير عاقبتهم إلى المقاتلة فيما بينهم، والله أعلم.
٢٠ - (٢٨٩٠) - قوله: (أخبرني عامر بن سعد عن أبيه) يعني: سعد بن أبي وقاص ◌َُّه،
وهذا الحديث تفرد بإخراجه المصنف من بين الأئمة السّة. وأخرجه أيضاً أحمد في مسنده (١ :
١٧٥ و ١٨١).
قوله: (مرّ بمسجد بني معاوية) وهو المعروف بمسجد الإجابة، كما ذكره السمهودي،
وكان ابن النجار أدركه خراباً، وكان رُمّم في عهد السمهودي، فذكر أنه في شماليّ البقيع على
يسار السالك إلى العريض.
قوله: (فركع فيه ركعتين) ونقل ابن شبة عن أبي غسّان، عن محمد بن طلحة قال: ((بلغني
أن النبيّ وَّه صلى في مسجد بني معاوية على يمين المحراب نحواً من ذراعين)) نقله السمهوديّ
في وفاء الوفاء (٣: ٨٢٩).
قوله: (أن لا يجعل بأسهم بينهم) البأس: الحرب الشديد، يعني: أن لا يتقاتل المسلمون
فیما بینهم.
قوله: (فمنعنيها) يعني: لم يستجب هذا الدعاء، إذ كان مخالفاً لتقديره المبرم ومشيئته التي
لا يُسأل عنها .

٢٢٢
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
حَكِيمِ الأَنْصَارِيُّ. أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِهِ؛ أَنَّهُ أَقْبَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ نَّهِ فِي طَائِفَةٍ
مِنْ أَضْحَابِهِ. فَمَرَّ بِمَسْجِدٍ بَنِي مُعَاوِيَةً. بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ .
(٦) - باب: إخبار النبيّ ◌َّ فيما يكون إلى قيام الساعة
٧١٩١ - (٢٢) حدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ أَبَا إِذْرِيسَ الْخَوْلاَنِيَّ كَانَ يَقُولُ: قَالَ حُذَيْفَةُ بَّنُ الْيَمَانِ:
وَاللَّهِ، إِنِّي لَأَعْلَّمُ النَّاسِ بِكُلِّ فِتْنَةٍ هِيَ كَائِنَةٌ، فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ السَّاعَةِ. وَمَا بِي إِلَّ أَنْ يَكُونَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ ◌ّهِ أَسَرَّ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ شَيْئاً، لَمْ يُحَدِّثْهُ غَيْرِي. وَلَكِنْ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ قَالَ،
وَهُوَ يُحَدِّثُ مَجْلِساً أَنَا فِيهِ عَنِ الْفِتَنِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ، وَهُوَ يَعُدُّ الْفِتَنَ: ((مِنْهُنَّ ثَلاَثْ
لاَ يَكَذْنَ يَذَرْنَ شَيْئاً.
(٦) - باب: إخبار النبيّ وَّ فيما يكون إلى قيام السّاعة
٢٢ - (٢٨٩١) - قوله: (قال حذيفة بن اليمان) هذا الحديث أيضاً لم يخرجه أحد من
الأئمة الستة إلا المصنف رحمه الله، وأخرجه أحمد في مسنده (٥: ٤٠٧) والبيهقي في دلائل
النبوة (٦ : ٤٠٦).
قوله: (وما بي إلا أن يكون رسول الله وَ ل﴿ أسرّ إليّ في ذلك شيئاً) هكذا وقعت الرواية في
جميع نسخ صحيح مسلم بإثبات (إلا). وقد ذكر بعض العلماء أنّ (إلا) في هذا الكلام زائدة
والأصح إسقاطها، لأن مقصود حذيفة رضيُه أن النبيّ وَّ لم يُسرّ إليه في أمر الفتن شيئاً، ولا
خصّه بإخباره دون باقي الصحابة، ولكنه أخبر بالفتن جمعاً من الصحابة وفيهم حذيفة حظُبه ولكن
توفّي الآخرون، فلم يبق من يعرفها إلا هو. وظاهرٌ أن هذا المعنى لا يتأتى بإثبات (إلا). ويؤيد
هذا القول رواية أحمد في مسنده (٥: ٤٠٧)، ولفظها: ((وما بي أن يكون النبيّ ◌َّ أسرّ إليّ في
ذلك شيئاً لم يحدّث به غيري)) وكذلك أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٦: ٤٠٦) يعني: ليس
الأمر أن النبيّ وَلّ أسرّ إليّ شيئاً. وهذا كلام واضح ينسجم بما بعده حيث قال: ((فذهب أولئك
الرهط كلهم غيري)) وفي الرواية الآتية: ((حفظه من حفظه ونسيه من نسيه)).
أمّا إذا أخذنا الكلام بإثبات (إلا) فلا ينسجم الكلام، فإنّ مقتضى هذا الاستثناء إثبات أن
النبيّ ◌َّهِ أسرّ إلى حذيفة أشياء. وذلك متعارض بكلامه التالي.
ولكن فسّر القاضي عياض رحمه الله هذا الحديث بطريق آخر، فذكر أن حذيفة عظ اته لم
يقصد نفي أن يكون رسول الله وَلّ أسرّ إليه بعض الأشياء، بل أراد إثبات ذلك. وإنما مراده هُنا
أنّني لا يمنعني أن أذكر لكم الفتن التي أخبر بها رسول الله وَّةٍ، إلا بعض الأمور التي أسرّ بها
إليّ، فلا يجوز لي أن أعلنها، نعم! هناك أمور ذكرها رسول الله ولو بمحضر من الآخرين،

٢٢٣
كتاب: الفتن وأشراط الساعة
وَمِنْهُنَّ فِتَنَّ كَرِيَاحِ الصَّيْفِ. مِنْهَا صِغَارٌ وَمِنْهَا كِبَارٌ)) .
قَالَ حُذَيْفَةُ: فَذَهَبَ أُولَئِكَ الرَّهْطُ كُلُّهُمْ غَيْرِي.
٧١٩٢ - (٢٣) وحدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. (قَالَ عُثْمَانُ:
حَدَّثَنَا. وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا) جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَامَ فِينَا
رَسُولُ اللَّهِ وَ لِهِ مَقَاماً. مَا تَرَكَ شَيْئاً يَكُونُّ فِي مَقَامِهِ ذُلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، إِلَّ حَدَّثَ بِهِ.
حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ قَدْ عَلِمَهُ أَصْحَابِي هَؤُلاءِ. وَإِنَّهُ لَيَكُونُ مِنْهُ الشَّيْءُ قَدْ نَسِيتُهُ
فَأَرَاهُ فَأَذْكُرُهُ كَمَا يَذْكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ إِذَا غَابَ عَنْهُ. ثُمَّ إِذَا رَآهُ عَرَفَهُ.
٧١٩٣ - (٠٠٠) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ
الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، إِلَى قَوْلِهِ: وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ.
٧١٩٤ - (٢٤) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح
وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنٍ ثَابِتٍ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ حُذَيْفَّةَ؛ أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَلَهَ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى أَنْ تَقُومَ
السَّاعَةُ. فَمَا مِنْهُ شَيْءٌ إِلاَّ قَدْ سَأَلْتُهُ. إِلاَّ أَنِّي لَمْ أَسْأَلْهُ: مَا يُخْرِجُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ مِنَ الْمَدِينَةِ؟
٧١٩٥ - (٠٠٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنِي وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ. أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ،
بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
٧١٩٦ - (٢٥) وحدّثني يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ. جَمِيعاً
ولكنّهم أدركتهم الوفاة، فلم يبق منهم أحد غيري، فأبيّنها لكم، وليست من الأمور التّي أسرّ بها
النبيّ ◌َّر، ولكن ربّما يزعم بعض الناس أنّها من جملة تلك الأسرار، لأنه لا يعلمها الآن
غيري. فقوله (ما بي) في أول كلامه بمعنى (ما بي من عذر يمنعني من ذكر الفتن) وحينئذ يستقيم
ذكر (إلا) في هذا الكلام كما لا يخفى.
قوله: (ومنهنّ فتن كرياح الصّيف) لعلّ التشبيه في كونها مؤذية، لأنّ رياح الصّيف حارّة في
الغالب، وإنّها تسفي الرّمال وتحرق النبات.
٢٣ - (٠٠٠) - قوله: (وإنّه ليكون منه الشّيء قد نسيته) إلخ: يعني: أنّني ربّما أنسى بعض
الأمور التي أخبر بها رسول الله وَّر أنها ستكون، ثمّ أذكرها حينما أراها تقع عياناً.
٢٤ - (٠٠٠) - قوله: (ما يُخرجُ أهل المدينة من المدينة؟) يعني: أنه سيأتي وقت يضطرّ
فيه أهل المدينة إلى الخروج منها، ولكني لم أسأل النبيّ وَّ عن السبب الذي يبعثهم على
الخروج.

٢٢٤
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عَنْ أَبِي عَاصِم. قَالَ حَجَّاجٌ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم. أَخْبَرَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ. أَخْبَرَنَا عِلْبَاءُ بْنُ
أَحْمَرَ. حَدَّثَنِيَ أَبُو زَيْدٍ، (يَعْنِي عَمْرَو بْنَ أَخْطَبَّ)، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ لَّهِ الْفَجْرَ.
وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الظُهْرُ. فَنَزَلَ فَصَلَّى. ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ. فَخَطَبَنَا حَتَّى
حَضَرَتِ الْعَصْرُ. ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى. ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ. فَخَطَبَنَا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ. فَأَخْبَرَنَا
بِمَا كَانَ وَبِمَا هُوَ كَائِنٌ. فَأَعْلَمُنَا أَحْفَظُنَا.
(٧) - باب: في الفتنة التي تموج كموج البحر
٧١٩٧ - (٢٦) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ، أَبُو كُرَيْبٍ.
جَمِيعاً عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ. قَالَ ابْنُ الْعَلَاءِ: حَدَّثَنَا أَبُوَ مُعَاوِيَّةَ. حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ،
عَنْ حُذَيْفَةَ. قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ. فَقَالَ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللّهِ وَلَ فِي الْفِتْنَةِ كَمَا
٢٥ - (٢٨٩٢) - قوله: (حدثني أبو زيد، يعني عمرو بن أخطب) هو عمرو بن أخطب بن
رفاعة الأنصاريّ الخزرجيّ ◌َُّله، مشهور بكنيته، غزا مع النبيّ وَّير ثلاث عشرة، ومسح رأسه،
وقال: اللهمّ جمّله فما شاب بعدها ونزل البصرة، وهو ممن جاوز المائة، وراجع الإصابة (٢ :
٥١٥)، والتهذيب (٨: ٤). وما أشار إليه الحافظ من كون النبيّ وَلل مسح رأسه، أخرجه أحمد
في مسنده (٥: ٣٤٠) من طريق أبي نهيك قال: حدثني أبو زيد عمرو بن أخطب الأنصاريّ قال:
((استسقى رسول الله وَ﴾ ماء فأتيته بقدح فيه ماء، فكانت فيه شعرة فأخذتها، فقال: اللهمّ جمّله،
قال: فرأيته وهو ابن أربع وتسعين ليس في لحيته شعرة بيضاء)).
وحديثه هذا مما تفرد بإخراجه المصنف من بين الأئمة الستّة، ولكن أخرجه أحمد في
مسنده (٥: ٣٤١) والطبراني في معجمه الكبير (١٧: ٢٨).
قوله: (فخطبنا حتى غربت الشّمس) ظاهره أن خطبته وَ ﴿ استمرّت طول النّهار، فيحتمل
أن يكون حقيقة، ويحتمل أن يكون على سبيل التّغليب، فتكون بين الخطبات وقفة، والله أعلم.
قوله: (فأعلمنا أحفظنا) يعني: من كان أعلم منّا حفظ تلك الأشياء أكثر من غيره. أو
المراد أن من حفظها أكثر اعتبر اليوم أعلم.
(٧) - باب: الفتنة التي تموج كموج البحر
٢٦ - (١٤٤) - قوله: (عن حذيفة) مر هذا الحديث عند المصنف في كتاب الإيمان، باب
بيان أن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً، ومرّ شرحه هناك مستوفى. وأخرجه أيضاً البخاري في
مواقيت الصلاة، باب الصلاة كفارة (٥٢٥)، وفي الزكاة، باب الصدقة تكفر الخطيئة (١٤٣٥)،
وفي الصوم، باب الصوم كفارة (١٨٩٥)، وفي المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام
(٣٥٨٦)، وفي الفتن، باب الفتنة التي تموج كموج البحر (٧٠٩٦)، وأخرجه الترمذي في الفتن،

٢٢٥
كتاب: الفتن وأشراط الساعة
قَالَ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: أَنَا. قَالَ: إِنَّكَ لَجَرِيءٌ. وَكَيْفَ قَالَ؟ قَالَ قُلْتُ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ. يُكَفِّرُهَا الصِّيَامُ
وَالصَّلاَةُ وَالصَّدَقَةُ وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُثْكَرٍ)). فَقَالَ عُمَرُ: لَيْسَ هَذَا أُرِيدُ. إِنَّمَا
أُرِيدُ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ. قَالَ فَقُلْتُ: مَا لَّكَ وَلَهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَاباً
مُغْلَقاً. قَالَ: أَفَيُكْسَرُ الْبَابُ أَمْ يُفْتَحُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لاَ. بَلْ يُكْسَرُ. قَالَ: ذُلِكَ أَحْرَى أَنْ لاَ
يُغْلَقَ أَبَداً .
باب بدون ترجمة (٢٢٥٨)، وابن ماجه في الفتن، باب ما يكون من الفتن (٤٠٠٣).
قوله: (إنك لجريء) مدحه عمر ربه على جرأته في ادعاء أنه يحفظ من رسول الله وله
حديث الفتن كما سمعه منه، لأن ذلك يدل على شدة اهتمامه بالحديث وحفظه. وذكر القسطلاني
أن عمر ظل ◌ّه قال ذلك على وجه الإنكار، كأنه أنكر على هذا الادعاء، فإنّ ذاكرة المرء تتعرض
للذهول عن بعض الأشياء، فالاحتياط أن يقول: إني أذكر جوهر الكلام ولا أدعي أني أذكر كله
بلفظه .
قوله: (فتنة الرجل في أهله وماله) إلخ: يعني: أن المرء يفتتن بهذه الأشياء، إمّا بانهماكه
فيها بحيث يؤدي إلى الإخلال بالطاعات، وإمّا بتقصيره في أداء حقوقها .
قوله: (يكفّرها الصيام والصّلاة) أي: ما صدر منه من الصغائر حال افتتانه بهذه الأشياء
تكفّره الصلوات والصّيام وسائر العبادات، لأن الحسنات يذهبن السيئات. والحديث وإن كان
ظاهره عاماً في الصغائر والكبائر جميعاً، ولكنه مخصوص بالصغائر بدليل الآيات والأحاديث
الأخرى التي تدلّ على أن الحسنات إنما تكفّر الصغائر، دون الكبائر. وهو مذهب جمهور أهل
السنّة، خلافاً للمرجئة الذين يقولون إن الحسنات تكفر الصغائر والكبائر جميعاً.
قوله: (التي تموج كموج البحر) يعني: الفتنة التي تضطرب اضطراب البحر عند هيجانه.
وكنى بذلك عن شدة المخاصمة وكثرة المنازعة وما ينشأ عن ذلك من المشاتمة والمقاتلة.
قوله: (مالك ولها؟) يعني: لا علاقة لك بها، فإنّها لا تخرج في حياتك.
قوله: (باباً مغلقاً) يعني: أن بينها وبين حياتك باباً مغلقاً، فلا تقع وأنت حيّ. وكان
حذيفة يعلم أن عمر رضيبه هو الباب، ولكن لم يصرّح بذلك تأدّباً معه، ولكن عمر رظلبه فهم
ذلك.
قوله: (أفيُكسر الباب أم يُفتح؟) وكأنه كنى بالكسر عن القتل وبالفتح عن موته الطبيعي.
قوله: (ذلك أحرى أن لا يُغلق أبداً) قال ابن بطال: ((إنما قال ذلك لأن العادة أن الغلق
إنما يقع في الصحيح. أما إذا انكسر فلا يتصور غلقه حتى يجبر)).

٢٢٦
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قَالَ: فَقُلْنَا لِحُذَيْفَةَ: هَلْ كَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ مَنِ الْبَابُ؟ قَالَ: نَعَمْ. كَمَا يَعْلَمُ أَنَّ دُونَ غَدٍ
اللَّيْلَةَ. إِنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثًاً لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ.
قَالَ: فَهِبْنَا أَن نَسْأَلَ حُذَيْفَةَ: مَنِ الْبَابُ؟ فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ: سَلْهُ. فَسَأَلَهُ. فَقَالَ: عُمَرُ.
٧١٩٨ - (٢٧) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو سَعِيدِ الأَشَجُّ. قَالاَ: حَدَّثَنَا
وَكِيْعٌ. ح وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. حَ وحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا
عِيسَى بْنُ يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عِيسَى. كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ،
بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثٍ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَفِي حَدِيثٍ عِيسَى، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ
قَالَ: سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ يَقُولُ.
٧١٩٩ - (٠٠٠) وحدّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ جَامِعِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ؛
وَالأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: مَنْ يُحَدِّثُنَا عَنِ الْفِتْنَةِ؟ وَاقْتَصَّ
الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ.
٧٢٠٠ _ (٢٨) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم. قَالاَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ
مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ. قَالَ: قَالَ جُنْدَبٌ: جِئْتُ يُوْمَ الْجَرْعَةِ. فَإِذَا رَجُلٌ
وقال الحافظ في الفتح (٦: ٦٠٦): ((وقد وافق حذيفة على معنى روايته هذه أبو ذر.
فروى الطبراني بإسناد رجاله ثقات أنه لقي عمر فأخذ بيده فغمزها، فقال له أبو ذر: أرسل يدي
يا قفل الفتنة، الحديث. وفيه أن أبا ذر قال: (لا يصيبكم فتنة ما دام فيكم) وأشار إلى عمر.
وروى البزار من حديث قدامة بن مظعون، عن أخيه عثمان أنه قال لعمر: يا غلق الفتنة! فسأله
عن ذلك فقال: مررت ونحن جلوس عند النبيّ ◌َلو فقال: هذا غلق الفتنة، لا يزال بينكم وبين
الفتنة باب شديد الغلق ما عاش)).
٢٨ - (٢٨٩٣) - قوله: (عن محمد) يعني: ابن سيرين.
قوله: (قال جندب) بضم الجيم والدال، وقيل بفتح الدال، يعني: ابن عبد الله بن سفيان
البجليّ رَظُه، له صحبة، وقد مرّت ترجمته في كتاب الفضائل، باب صفة حوضه وَله. وحديثه
هذا من أفراد مسلم، وأخرجه أيضاً أحمد في مسنده (٥: ٣٩٩).
قوله: (جئت يوم الجرعة) بفتح الجيم والراء، وقيل: بإسكان الراء. موضع بقرب الكوفة
على طريق الحيرة، ويوم الجرعة يوم خرج فيه أهل الكوفة يتلقون والياً ولاه عليهم عثمان رضيفته
فردّوه، وسألوا عثمان أن يولّ عليهم أبا موسى الأشعريّ رَظُه فولاه.

٠٠
٢٢٧
كتاب: الفتن وأشراط الساعة
جَالِسٌ. فَقُلْتُ: لَيُهَرَاقَنَّ الْيَوْمَ هُهُنَا دِمَاءٌ. فَقَالَ ذَاكَ الرَّجُلُ: كَلاَّ. وَاللَّهِ، قُلْتُ: بَلَى.
وَاللَّهِ، قَالَ: كَلاَّ. وَاللَّهِ، قُلْتُ: بَلَى. وَاللَّهِ، قَالَ: كَلَّ. وَاللَّهِ، إِنَّهُ لَحَدِيثُ
رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ حَدَّثَنِيهِ. قُلْتُ: بِئْسَ الْجَلِيسُ لِي أَنْتَ مُنْذُ الْيَوْمِ. تَسْمَعُنِي أُخَالِفُكَ وَقَدْ
سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ ﴿ فَلاَ تَنْهَانِي؟ ثُمَّ قُلْتُ: مَا هَذَا الْغَضَبَّ؟ فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِ وَأَسْأَلُهُ.
فَإِذَا الرَّجُلُ حُذَيْفَةُ.
(٨) - باب: لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من الذهب
٧٢٠١ _ (٢٩) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، (يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
الْقَارِيَّ)، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِ لهِ قَالَ: ((لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ
قوله: (ليُهراقن اليوم ههنا دماء) إنما قال ذلك لأنه رأى أهل الكوفة يزاحمون رجلاً ولاه
عثمان رَّته، فخاف أن يكون بينهم في ذلك قتال.
قوله: (بلى والله) لعلّه حلف على إمكان القتال، لا على وقوعه.
قوله: (إنّه لحديث رسول الله ( *) إلخ: يعني: أنّ ما أجزم به من عدم وقوع القتال في هذا
اليوم مستند إلى حديث حدثنيه رسول الله وَلته، ولعله كان يعلم من خلال هذا الحديث أن مقاتلة
المسلمين فيما بينهم لا تقع إلا بقتل عثمان رظُه، والله أعلم.
قوله: (بئس الجليس لي أنت) يعني: أنه كان عندك في هذا الموضوع حديث، وسمعتني
أحلف على ما يخالفه، فلم تخبرني بذلك الحديث في المرة الأولى، حتى حلفت مرّتين، وكان
المفروض من الجليس الطيّب أن يخبر به في أول مرة.
قوله: (تسمعني أخالفك) وقع في أكثر النسخ بالخاء المعجمة من المخالفة. وذكر القاضي
عياض أن رواية شيوخه بالحاء المهملة من الحلف. يعني: سمعتني وأنا أحلف أمامك. وكلتا
الروايتين معناهما صحيح.
قوله: (ثم قلت: ما هذا الغضب؟) يعني: قلت في نفسي إنه لا معنى للغضب من هذا
الرجل. ولفظ أحمد في مسنده (٥: ٣٩٩): ((ثم قلت، ما لي وللغضب؟ قال: فتركت الغضب
وأقبلت أسأله إلخ)).
(٨) - باب: لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب
٢٩ - (٢٨٩٤) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الفتن، باب
خروج النار (٧١١٩)، وأبو داود في الملاحم، باب حسر الفرات عن كنز (٤٣١٣ و٤٣١٤)،
والترمذي في صفة الجنة، باب بدون ترجمة (٢٥٦٩ و ٢٥٧٠)، وابن ماجه في الفتن، باب
أشراط الساعة (٤٠٩٥).

٢٢٨
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
حَتَّى يَحْسِرَ الْفُرَاتُ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ. يَقْتَتِلُ النَّاسُ عَلَيْهِ. فَيُقْتَلُ، مِنْ كُلِّ مِائَةٍ، تِسْعَةٌ
وَتِسْعُونَ، وَيَقُولُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ: لَعَلِيَّ أَكُونُ أَنَا الَّذِي أَنْجُو)).
٧٢٠٢ - (٠٠٠) وحدّثني أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع. حَدَّثَنَا رَوْحُ، عَنْ
سُهَيْلٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. وَزَادَ: فَقَالَ أَبِي: إِنْ رَأَيْتَهُ فَلاَ تَقْرَبَنَّهُ.
قوله: (حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب) بكسر السّين، والفرات نهر مشهور
بالعراق، والمراد من حسره أنه ينكشف لذاهب مائه، فيظهر في محلّه جبل من ذهب. وفي رواية
حفص بن عاصم الآتية: ((عن كنز من ذهب)) فيحتمل أن يكون ما يظهر جبلاً حقيقة فيه كنز من
ذهب، ويحتمل أن يكون كنزاً سمّي في هذه الرواية جبلاً لكثرة ما فيه من ذهب. وأخرج ابن
ماجه في خروج المهديّ (رقم: ٤١٣٥) عن ثوبان به قال: قال رسول الله وَله: ((يقتتل عند
كنزكم ثلاثة، كلّهم ابن خليفة، ثم لا تصير إلى واحد منهم، ثم تطلع الرّايات السّود من قبل
المشرق، فيقتلونكم قتلاً لم يُقْتَله قوم. ثم ذكر شيئاً لم أحفظه، فقال: فإذا رأيتموه فبايعوه ولو
حبواً على الثّلج، فإنّه خليفة الله المهديّ)) وقد ذكر البوصيري في زوائد ابن ماجه أن إسناده
صحيح رجاله ثقات.
فهذا إن كان المراد بالكنز فيه الكنز الذي في حديث الباب، دل على أنه إنما يقع عند
ظهور المهديّ وذلك قبل نزول عيسى عليه السلام، وقبل خروج النار جزماً. أفاده الحافظ في
الفتح (١٣ : ٨١).
قوله: (فيقتتل من كلّ مائة تسعة وتسعون) وفي رواية أبي سلمة عند ابن ماجه (رقم:
٤٩٥): ((فيقتتل الناس عليه، فيقتل من كل عشرة تسعة)) وهي رواية شاذة، والمحفوظ ما رواه
المصنف رحمه الله، وسيأتي شاهده من حديث أبيّ بن كعب رَظُه. ولو صحت رواية ابن ماجه
حملت على التقريب وإلغاء الكسر في نسبة المقتولين إلى العشرة، لأن تسعة وتسعين في مائة
حينما تذكر بالنسبة إلى العشرة تكون تسعة وكسرة، والعرب من عادتهم إلغاء الكسر. وهذا
التوجيه أولى عندي مما ذكره الحافظ من أنه يمكن الجمع باختلاف تقسيم الناس إلى قسمين.
قوله: (لعلّي أكون أنا الذي أنجو) يعني: أنه يقتحم القتال مع ما يرى من شدته، لأنه
يرجو أن يكون هو الناجي، فيفوز بالكنز دون غيره.
(٠٠٠) - قوله: (إن رأيته فلا تقربنّه) وفي رواية حفص الآتية: ((فمن حضره فلا يأخذ منه
شيئاً)) والسبب في منع الأخذ من هذا الكنز ما ينشأ عن أخذه من الفتنة والقتال كما تقدم في
الرواية السابقة. وأغرب ابن التين وأبعد النجعة حيث قال: ((إنما نهى عن الأخذ منه لأنه
للمسلمين، فلا يؤخذ إلا بحقه))، قال: ((ومن أخذه وكثر المال ندم لأخذه ما لا ينفعه. وإذا ظهر
جبل من ذهب كَسَدَ الذهب ولم يرد)» وظاهر أنه لا حاجة إلى هذا التكلف بعد ما ثبت في

٢٢٩
كتاب: الفتن وأشراط الساعة
٧٢٠٣ - (٣٠) حدّثنا أَبُو مَسْعُودٍ، سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ. حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدِ السَّكُونِيُّ،
عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ خُبَيْبٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((يُوشِكُ الْفُرَاتُ أَنْ يَحْسِرَ عَنْ كَثْرِ مِنْ ذَهَبٍ، فَمَنْ حَضَرَهُ فَلاَ يَأْخُذْ
مِنْهُ شَيْئاً».
٧٢٠٤ - (٣١) حدّثنا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ. حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ
أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ :
(يُوشِكُ الْقُرَاتُ أَنْ يَحْسِرَ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَّبٍ فَمَنْ حَضَرَهُ فَلاَ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا)».
٧٢٠٥ - (٣٢) حدّثنا أَبُو كَامِلٍ، فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ وَأَبُو مَعْنِ الرَّقَاشِيُّ (وَاللَّفْظُ لأَبِي
مَعْنٍ). قَالاَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ. أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ
سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ. قَالَ: كُنْتُ وَاقِفاً مَعَ أُبَيِّ بْنِ
كَعْبٍ. فَقَالَ: لاَ يَزَالُ النَّاسُ مُخْتَلِفَةً أَعْنَاقُهُمْ فِيَ طَلَبِ الدُّنْيَا. قُلْتُ: أَجَلْ. قَالَ: إِنِّي
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((يُوشِكُ الْفُرَاتُ أَنْ يَحْسِرَ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ. فَإِذَا سَمِعَ بِهِ
النَّاسُ سَارُوا إِلَيْهِ. فَيَقُولُ مَنْ عِنْدَهُ: لَئِنْ تَرَكْنَا النَّاسَ يَأْخُذُونَ مِّنْهُ لَيُذْهَبَنَّ بِهِ كُلِّهِ. قَالَ
فَيَقْتَتِلُونَ عَلَيْهِ. فَيَقْتَلُ، مِنْ كُلِّ مِائَةٍ، تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ)) .
الحديث نفسه أن هذا الكنز يبعث القتال والفتنة فيما بين المسلمين.
٣٠ - (٠٠٠) - قوله: (عقبة بن خالد السّكوني) بفتح السين وضم الكاف، نسبة إلى
السَّكُون، وهو بطن من كندة، وينسبون إلى السَّكون بن أشرس، كما في الأنساب للسمعاني (٧ :
١٦٥)، وجمهرة أنساب العرب لابن الأثير (٤٠٣)، وعقبة بن خالد هذا من أهل الكوفة، وثقة
أحمد بن حنبل وأبو حاتم. مات سنة ١٨٨ هـ كما في التهذيب (٧: ٢٤٠).
٣٢ - (٢٨٩٥) - قوله: (كنت واقفاً مع أبيّ بن كعب) هذا الحديث أخرجه المصنف فقط
من بين الأئمة الستّة، وأخرجه أحمد في مسنده (٥: ١٣٩).
قوله: (لا يزال الناس مختلفة أعناقهم) ذكر القاضي عياض أن المراد من الأعناق هنا
الرؤساء، وقيل: الجماعات من قولهم: (جاءني عنق من الناس) أي: جماعة. ويحتمل أن يكون
المراد الأعناق حقيقة، وكنى باختلافها عن تطلع أعناق الرجال وتشوّفها لحطام الدنيا. ولفظ
رواية الصلت بن عبد اللّه عند أحمد: ((ألا ترى الناس مختلفة أعناقهم في طلب الدنيا)) وهو في
التفسير الأخير أظهر.
قوله: (ليُذْهَبَنّ بِه كلِّه) بضم الياء على البناء المجهول، و (كلِّه) مجرور على كونه تأكيداً
للضمير المجرور قبله. يعني: أن الكنز كلّه يذهب به الآخرون.

٢٣٠
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قَالَ أَبُو كَامِلٍ فِي حَدِيثِهِ: قَالَ: وَقَفْتُ أَنَا وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ فِي ظِلِّ أُجُم حَسَّانَ.
٧٢٠٦ _ (٣٣) حدّثنا عُبَيْدُ بْنُ يَعِيشَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، (وَاللَّفْظُ لِعُبَيْدٍ)، قَالاً:
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ بْنِ سُلَيْمَانَ، مَوْلَى خَالِدِ بْنِ خَالِدٍ. حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي
صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: (مَنَعَتِ الْعِرَاقُ دِرْهَمَهَا
وَقَفِيزَها.
قوله: (في ظلّ أجم حسّان) بضم الهمزة والجيم بمعنى الحصن، وجمعه آجام. يعني: أن
أبيّ بن كعب ◌َُّبُّه حدث بهذا الحديث حينما كنا واقفين في ظلّ حصن حسّان.
٣٣ - (٢٨٩٦) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه أبو داود في الخراج، باب
في إيقاف أرض السواد وأرض العنوة (٣٠٣٥)، وأخرجه أحمد في مسنده (٢: ٢٦٢).
قوله: (منعت العراق درهمها وقفيزها) الماضي ههنا بمعنى المستقبل لتحقق وقوعه، يعني:
سوف تمنع العراق درهمها وقفيزها. وقد اختلف العلماء في تفسير هذا الحديث على أقوال
ثلاثة :
الأول: أنه إخبار بأن أهل العراق والشام ومصر سوف يقبلون الإسلام، فتسقط عنهم
الجزية، والمراد من منع الدرهم والقفيز وغير ذلك إيقاف ما كانوا يؤدونه إلى المسلمين من
الجزية قبل إسلامهم. وهذا التفسير فيه نظر، لأن أهل هذه البلاد لم يكونوا يؤدون الجزية إلى
المسلمين قبل أن يفتتحها المسلمون. وأما بعد ما افتتحت هذه البلاد، صار المسلمون هم ولاة
هذه البلاد، فلا معنى لأداء هذه البلاد الجزية. نعم كان الكفار من ساكني هذه البلاد يؤدون
الجزية إلى ولاة المسلمين، ولم يلبث أن جميعهم أسلموا حتى سقطت عنهم الجزية رأساً .
والثاني: أنه إخبار بأن الكفار الذين عليهم الجزية تقوى شوكتهم في آخر الزمان فيمتنعون
مما كانوا يؤدونه من الجزية والخراج وغير ذلك. قال الخطابي في معالم السنن (٤: ٢٤٨):
((ومعنى الحديث أن ذلك كائن، وأن هذه البلاد تفتح للمسلمين ويوضع عليها الخراج شيئاً مقدراً
بالمكاييل والأوزان، وأنه سيمنع في آخر الزمان)).
والثالث: أنه إخبار بأن الكفار يتسيطرون في آخر الزمان على معظم البلاد، فيمنعون
مسلمي هذه البلاد من الحصول على ما يحتاجون إليه من الأموال. ويؤيده ما سيأتي في باب ((لا
تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل)) إلخ من حديث جابر رضيبه، قال: ((يوشك أهل العراق
أن لا يُجبى إليهم قفيز ولا درهم. قلنا: من أين ذلك؟ قال: من قبل العجم، يمنعون ذلك. ثم
قال: يوشك أهل الشام أن لا يجيى إليهم دينار ولا مُدى. قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قبل
الروم)) والظاهر على هذا التَّفسير أن يكون حديث الباب بلفظ (مُنِعَتْ) بضم الميم وكسر النون
على البناء المجهول، ولم أر ذلك مصرحاً في شيء من الروايات، والله أعلم.

٢٣١
كتاب: الفتن وأشراط الساعة
وَمَنَعَتِ الشَّأْمُ مُدْيَهَا وَدِينَارَهَا. وَمَنَعَتْ مِصْرُ إِرْدَبَّهَا وَدِينَارَهَا. وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ.
وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ. وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ)). شَهِدَ عَلَى ذُلِكَ لَحْمُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَدَمُهُ.
(٩) - باب: في فتح قسطنطينية،
وخروج الدجال، ونزول عيسى بن مريم
٧٢٠٧ - (٣٤) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ
بِلاَلٍ. حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ قَالَ: ((لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ
حَتَّى يَنْزِلَ الرُّومُ بِالأَعْمَاقِ، أَوْ بِدَابِ.
قوله: (منعت الشّام مُذْيَها) ذكر النووي أنه بضم الميم وسكون الدال على وزن (قفل) وقد
ورد هكذا في سنن أبي داود وسنن البيهقي (٩: ١٣٧) وهو مكيال معروف لأهل الشام. قال
العلماء: إنه يسع خمسة عشر مّوكاً، والمكّوك صاع ونصف. وقد وقع في مسند أحمد (مُدّها)
بضم الميم وتشديد الدال، وقد أقّره أحمد محمد شاكر في نسخته (١٣: ٢٩١) (رقم: ٧٥٥٥)
وهو مكيال أصغر من المدى بكثير، لأنه إنما يسع رطلين فقط. ولا يبعد أن تكون نسخة المسند
وقع فيها تصحيف، والله أعلم. وأما القفيز، فمكيال معروف لأهل العراق، وهو ثمانية
مكاكيك. وأما الإرْدَبّ، فبكسر الهمزة وسكون الراء وفتح الدال وتشديد الباء، مكيال لأهل
مصر يسع أربعة وعشرين صاعاً .
قوله: (وعُدتم من حيث بدأتم) هو في معنى الحديث المعروف: ((بدأ الإسلام غريباً،
وسيعود كما بدأ)) وقد سبق شرحه في كتاب الإيمان، وحاصل معناه أن الإسلام بدأ في قلّة من
العَدد والعُدَد، وسيعود إلى تلك الحالة في آخر الزمان.
(٩) - باب: في فتح قسطنطينية، وخروج الدجال إلخ
٣٤ - (٢٨٩٧) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث مما تفرد بإخراجه المصنف من بين
الأئمة الستّة.
قوله: (حتى ينزل الرّوم بالأعماق) بفتح الهمزة، وهو اسم موضع. ذكر الطيبي في شرحه
للمشكاة (١٠: ٧٨) عن التوربشتي أنه موضع من أطراف المدينة، وذكر النووي أنه موضع بقرب
حلب، ويؤيده ما ذكره الحموي في معجم البلدان (١: ٢٢٢) أنها كورة قرب دابق بين حلب
وأنطاكية .
قوله: (أو بدابق) بكسر الباء، وقيل بفتحها، وهو اسم موضع أيضاً، وفسّره التوربشتي
بأنها دار نخلة، موضع سوق بالمدينة، ولا تساعده كتب أخرى. وذكر الحموي في معجم
البلدان (٣: ٤١٦) أنها قرية قرب حلب من أعمال عَزَاز، بينها وبين حلب أربعة فراسخ، عندها

٢٣٢
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ مِنَ الْمَدِينَةِ. مِنْ خِيَارِ أَهْلِ الأَرْضِ يَوْمَئِذٍ. فَإِذَا تَصَافُوا قَالَتِ الرُّومُ:
خَلُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الَّذِينَ سُبُوْا مِنَّا نُقَاتِلُهُمْ. فَيَقُولُ الْمُسْلِمُونَ: لاَ. وَاللَّهِ، لاَ نُخَلِّيٍ بَيْنَكُمْ
مَرْج معشّب نَزِه، كان ينزله بنو مروان إذا غزا الصائفة إلى ثغر مصِّيصة. وبه قبر سليمان بن
عبد الملك بن مروان، وكان سليمان قد عسكر بدابق، وعزم أن لا يرجع حتى يفتح القسطنطينية
أو تؤدي الجزية. ثم ذكر الحموي عن الجوهريّ أنّ دابقاً: اسم بلد، والأغلب عليه التذكير
والصرف، لأنه في الأصل اسم نهر، وقد يؤنث، وقد ذكره الشّعراء، فذكر أبياتاً .
قوله: (فيخرج إليهم جيش من المدينة) قال الأبيّ: ((يحتمل أنها مدينته وَلقر، لأنها صارت
كالعلم عليها. وسياق الحديث يدل أنها بالشام)) وقال عليّ القاري رحمه الله في المرقاة (١٠ :
١٤٦): ((قال ابن الملك: قيل: المراد بها حلب، والأعماق ودابق موضعان بقربه. وقيل:
المراد بها دمشق. وقال في الأزهار: وأما ما قيل من أن المراد بها مدينة النبيّ وَطّ فضعيف،
لأن المراد بالجيش الخارج إلى الروم جيش المهديّ بدليل آخر الحديث، ولأن المدينة المنورة
تكون خراباً في ذلك الوقت.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ((لعلّه يشير إلى ما رواه أبو داود (رقم: ٤٢٩٤) عن
معاذ بن جبل ربه مرفوعاً: ((عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب خروج الملحمة،
وخروج الملحمة فتح قسطنطينية، وفتح قسطنطينية خروج الدجال)) لكن ليس في ذلك الحديث أنه
ليس بين خراب يثرب وخروج الملحمة فصل، وقد تذكر الأشياء في أشراط الساعة وبينها فصل
كبير، كما سيأتي عند الحاكم في المستدرك (٤: ٤٨٢): ((فيخرج إليهم جلب من المدينة)) بدل
((جيش من المدينة)) و (الجلب) ما جُلب من بعيد، وهذا اللفظ أوفق بأن يكون الجيش جاء من
بُعد، والله سبحانه أعلم.
قوله: (خلّوا بيننا وبين الذين سبوا منّا) رواه بعضهم بفتح السّين والباء على البناء
للمعروف. ومرادهم أنّنا لا نريد أن نقاتل إلا الرجال الذين غزوا بلادنا وَسَبَوا ذرارينا. وإنما
يريدون بذلك مخاتلة المسلمين ومخادعة بعضهم عن بعض، ويبغون به تفريق كلمتهم، فإنهم
يظهرون الصداقة لمن لم يسب منهم أحداً .
ورواه الآخرون (سُبُوا) بضم السّين والباء، على البناء للمجهول. ومعناه: أنّنا إنما نريد أن
نقاتل الذين كانوا منّا، فسباهم المسلمون حتّى أسلموا بعد إقامتهم بدار الإسلام، وجعلوا
يقاتلوننا من هناك.
وصوّب القاضي رواية من رواه ببناء المعروف، لكن قال النوويّ رحمه الله: ((قلت:
كلاهما صواب، لأنهم سُبُوا أولاً، ثم سَبَوا الكفّار. وهذا موجود في زماننا. بل معظم عساكر
الإسلام في بلاد الشّام ومصر سُبُوا، ثم هم اليوم بحمد الله يسبون الكفار، وقد سبوهم في زماننا
مراراً كثيرة، يسبون في المرة الواحدة من الكفار ألوفاً)).

٢٣٣
كتاب: الفتن وأشراط الساعة
وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا. فَيُقَاتِلُونَهُمْ. فَيَنْهَزِمُ ثُلُثْ لاَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَبَداً. وَيُقْتَلُ ثُلُثُهُمْ، أَفْضَلُ
الشُّهَدَاءِ عِنْدَ اللَّهِ. وَيَفْتَتِحُ الُّلُثُ. لاَ يُفْتَنُونَ أَبَداً. فَيَفْتَتِحُونَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ. فَبَيْنَمَا هُمْ
ثم قال التوربتشتي: ((والأظهر أن هذا القول منهم يكون بعد الملحمة الكبرى التي تدور
رحاها بين الفئتين بعد المصالحة والمناجزة لقتال عدو يتوجه إلى المسلمين، وبعد غزوة الروم
بهم)) .
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: الملحمة الكبرى ما وقع إليه الإشارة في حديث معاذ
الذي ذكرناه عن أبي داود. وأخرج الترمذي في الفتن (رقم: ٢٢٣٨) عنه مرفوعاً: ((الملحمة
العظمى وفتح القسطنطينية وخروج الدجال في سبعة أشهر)) وأخرجه ابن ماجه في الملاحم (رقم:
٤١٤٤) وتفصيل هذه الملحمة ما أخرجه أبو داود في باب ما يذكر من ملاحم الروم (رقم:
٤٢٩٢) عن ذي مخبر رُبه قال: سمعت رسول الله وَله يقول: ((ستصالحون الرّوم صلحاً آمناً،
فتغزون أنتم وهم عدواً من ورائكم، فتُنصرون وتَغنمون وتسلمون، ثم ترجعون حتى تنزلوا بمرج
ذي تلول، فيرفع رجل من أهل النصرانية الصليب، فيقول: غلب الصليب، فيغضب رجل من
المسلمين فيدقّه، فعند ذلك تغدر الرّوم وتجمع للملحمة)) وزاد الوليد بن مسلم في روايته: ((ويثور
المسلمون إلى أسلحتهم فيقتلون، فيكرم الله تلك العصابة بالشهادة)) وأخرجه أحمد أيضاً في
مسنده (٤: ٩١). وأخرجه الحاكم في المستدرك (٤: ٤٢١) بطريق منقطع فيه ضعف، وزاد فيه:
((فيجتمعون للملحمة، فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً))، وفسّر
البرزنجي في (الإشاعة لأشراط السّاعة)) (ص: ٩٩) الغايةَ بالراية.
قوله: (فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبداً) يعني: أن ثُلثاً من جماعة المسلمين ينهزمون
أمام أهل الرّوم الكفّار فلا يُلْهَمُون التوبة عن فرارهم من الزحف، ويموتون وفي صفيحة أعمالهم
هذا الذنب. وقال علي القاري في المرقاة (١٠: ١٤٧): ((كناية عن موتهم على الكفر وتعذيبهم
على التأبيد)).
قوله: (لا يُفْتَنُونَ أَبَداً) بضم الياء على البناء للمجهول، يعني: أنهم لا يقعون في فتنة الكفر
أبداً، وتحسن عاقبتهم.
قوله: (فيفتتحون قسطنطينية) بضم القاف وسكون السين وضم الطاء الأولى وكسر الثانية
بينهما ياء، مدينة معروفة تسمى اليوم استانبول. وقد يستشكل هذا بأن قسطنطينية افتتحها
السلطان المعروف محمد الفاتح من سلاطين آل عثمان في جمادى الأولى سنة ٨٥٧هـ وهي بيد
المسلمين منذ ذلك الوقت إلى اليوم، ولم يخرج الدجال بعد فتحها، مع أن ظاهر هذا الحديث
أن الدجال يخرج فورَ ما يرجع المسلمون من فتح القسطنطينية إلى الشّام. ويمكن الجواب عنه
بطريقين :
الأول: أن في هذا الحديث ما يدّل على أن القسطنطينية سوف تصير إلى الكفّار أو إلى

٢٣٤
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
يَقْتَسِمُونَ الْغَنَائِمَ، قَدْ عَلَّقُوا سُيُوفَهُمْ بِالزَّيْتُونِ، إِذْ صَاحَ فِيهِمُ الشَّيْطَانُ: إِنَّ الْمَسِيحَ قَدْ
عملائهم مرة أخرى، وذلك قبل خروج الدجّال. فيفتتحها المسلمون مرة أخرى. وإلى هذا
المعنى أشار شيخ مشايخنا السهار نفوري رحمه الله في بذل المجهود (١٧ : ٢٠٩) حيث قال:
((والمراد بفتح القسطنطينية فتح المهديّ إيّاها)).
الثّاني: أن القسطنطينية كانت عاصمة لكفّار الرّوم في زمن رسول الله ونَ ﴿ وفي زمن
الصحابة ، فيحتمل أن يكون المراد من القسطنطينية في حديث الباب عاصمة كبيرة من
عواصم بلاد الكفّار، لا القسطنطينية بعينها التي سميت اليوم بإستانبول. ولذلك جاء ذكرها في
بعض الروايات بلفظ المدينة فقط. ولم تذكر القسطنطينية، كما في رواية لأبي داود في باب تواتر
الملاحم (رقم: ٤٢٩٦). والذي ينبغي أن يفهم ههنا أن الأحاديث الواردة في أشراط السّاعة
إنّما تبيّن أهمّ الوقائع التي أصبحت كالعلامة لقرب القيامة، وقد تُذكر علامة من هذه العلامات
إثر الأخرى بحيث يتوهمّ أنهما متصلتان زماناً، ولكن ربّما يكون بينهما فصل كبير، ولا سيّما
نظراً إلى تصرفات الرواة عند روايتهم لها بالمعنى.
وإن ذلك ممّا أشار إليه الطيبي في شرح قوله عليه السلام: ((عمران بيت المقدس خراب
يثرب، وخراب يثرب خروج الملحمة، وخروج الملحمة فتح القسطنطينية، وفتح قسطنطينية
خروج الدجّال)). قال الطيبي رحمه الله في شرحه للمشكاة (١٠: ٨٢): ((إنه ◌َ ر جعل الفتح
علامة لخروج الدجال، لا أنها مستعقبة له من غير تراخ)) وقال عليّ القاري في المرقاة (١٠ :
١٥٢): ((قال الأشرف: لما كان بيت المقدس باستيلاء الكفار عليه وكثرة عمارتهم فيها أمارة
مستعقبة بخراب يثرب، وهو أمارة مستعقبة بخروج الملحمة، وهو أمارة مستعقبة بفتح
قسطنطينية، وهو أمارة مستعقبة بخروج الدجال، جعل النبيّ وَّ كلَّ واحد عينَ ما بعده وعبّر به
عنه، ا.هـ وخلاصته أن كل واحد من هذه الأمور أمارة لوقوع ما بعده وإن وقع هناك مهلة)).
ولذلك فلا ينبغي أن نجزم في حديث الباب بأن فتح القسطنطينية يقع بعد الملحمة الكبرى
متصلاً، أو بأن خروج الدجال يقع بعد فتح القسطنطينية متصلاً، بل يمكن أن يكون بينهما فصل
سنوات، أو قرون. أمّا ما أخرجه أبو داود (رقم: ٤٢٩٥) عن معاذ بن جبل ظبه مرفوعاً:
((الملحمة الكبرى وفتح القسطنطينية وخروج الدجّال في سبعة أشهر)) ففي إسناده أبو بكر بن أبي
مريم الغسّاني، ولا يحتج بحديثه، كما في تلخيص المنذري. وقد ذكر أبو داود رحمه الله أن
الأصح منه حديث عبد الله بن بسر رفعه: ((بين الملحمة وفتح المدينة ست سنين، ويخرج
المسيح الدجال في السابعة)) ولكن نبّه المنذري في التلخيص (٦: ١٦٥) على أن في إسناده
بقية بن الوليد، وفيه مقال، قلت: وهو مدلّس قد عنعنه. فلا ينبغي أن يجزم بمدة من هذه المدُد.
قوله: (إنّ المسيح قد خلفكم) إلخ: المراد من المسيح هنا الدجّال. سمّي بذلك لكونه
ممسوح العين اليسرى.

٢٣٥
كتاب: الفتن وأشراط الساعة
خَلَفَكُمْ فِي أَهْلِيكُمْ. فَيَخْرُجُونَ. وَذْلِكَ بَاطِلٌ. فَإِذَا جَاؤُوا الشَّأْمَ خَرَجَ. فَبَيْنَمَا هُمْ يُعِدُّونَ
لِلْقِتَالِ، يُسَؤُّونَ الصُّفُوفَ، إِذْ أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ. فَيَنْزِلُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ (بََّ)، فَأَمَّهُمْ. فَإِذَا
رَآهُ عَدُوُّ اللَّهِ، ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ. فَلَوْ تَرَكَهُ لاَنْذَابَ حَتَّى يَهْلِكَ. وَلَكِنْ يَقْتُلُهُ
اللَّهُ بِيَدِهِ. فَيُرِيهِمْ دَمَهُ فِي خَرْبَتِهِ)) .
قوله: (وذلك باطل) يعني: أن خبر خروج الدجّال باطل.
قوله: (فإذا جاؤوا الشّام خرج) يحتمل أن يكون مجيئهم إلى الشّام وخروج الدجّال متّصلاً
بفتح القسطنطينية، ويحتمل أن يكون ذلك بعد الفتح بكثير، كما حقّقناه آنفاً، فلا يجزم بأحد
الاحتمالين، وإن كان الظاهر هو الأول.
قوله: (يُعدّون للقتال) أي: يتأهبون لقتال الدجّال.
قوله: (فلو تركه لانذاب حتى يهلك) إلخ: يعني: أنه كان من الممكن أن يهلك الدجّال
من غير أن يقتله عيسى عليه السلام لكونه ينذاب أمامه كما ينذاب الملح في الماء، ولكن أراد
الله أن يقتله بيد عيسى عليه السلام.
قوله: (فيريهم دمه في حربته) يعني: أن عيسى عليه السلام يُري دم الدجّال في حربته .
وقال ابن الملك في مبارق الأزهار (١: ٢٣٠): ((فإن قلت: قد صحّ أن النبيّ وَّر قال في
صفة عيسى عليه السلام: (لا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي
طرفه) فكيف يبقى الدجال حيّاً حين يراه عيسى عليه السلام، حتى يقتله، قلت: يجوز أن يكون
الدجال مستثنى عن الحكم المذكور لحكمة، وهي إراءة دمه في الحربة ليزداد كونه ساحراً في
قلوب المؤمنين. أو نقول: يحتمل أن هذه الكرامة تكون ثابتة لعيسى عليه السلام أول نزوله، ثم
تكون زائلة حين يرى الدجّال، ودوام الكرامة ليس بلازم. وكان شيخي والدي تغمده الله بغفرانه
يقول وجهاً آخر. وهو أن نفس عيسى عليه السلام الذي يموت به الكافر يحتمل أن يكون هو
النفس المقصود به إهلاك كافر، لا النفس المعتاد، فعدم موت الدجال يكون لعدم النفس
القصديّ)).
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: كل ما ذكره ابن الملك محتمل، وكذلك يحتمل أن يكون
هلاك الكفار بأنفاس عيسى عليه السلام استعارة لسرعة إبادته لهم، فلا يقع الإشكال أصلاً. أما
في حق الدجّال، فإن الحديث نفسه بيّن السبب في كونه لم يهلك بذوبانه أمام المسيح عليه
السلام، وذلك أن الله تعالى أراد أن يُقْتَل الدجّال بيد عيسى عليه السّلام، ليُري الناس دمه على
حربته .

٢٣٦
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(١٠) - باب: تقوم الساعة والروم أكثر الناس
٧٢٠٨ - (٣٥) حدّثنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ. حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ.
أَخْبَرَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ. حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُلَيٍّ،َ عَنَ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ الْمُسْتَوْرِدُ الْقُرَشِيُّ،
عِنْدَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ،وَهِ يَقُولُ: («تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرُّومُ أَكْثَرُ النَّاسِ)).
فَقَالَ لَهُ حَمْرٌوَ: أَبْصِرْ مَا تَقُولُ. قَالَ: أَقُولُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ. قَالَ: لَئِنْ قُلْتَ
ذُلِكَ، إِنَّ فِيهِمْ لَخِصَالاً أَزْبَعاً: إِنَّهُمْ لأَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ. وَأَسْرَعُهُمْ إِفَاقَةً بَعْدَ مُصِيبَةٍ.
وَأَوْشَكُهُمْ كَرَّةً بَعْدَ فَرَّةٍ. وَخَيْرُهُمْ لِمِسْكِينٍ وَيَتِيمٍ وَضَعِيفٍ.
(١٠) - باب: تقوم الساعة والزّوم أكثر الناس
٣٥ - (٢٨٩٨) - قوله: (حدثني موسى بن عليّ عن أبيه) المشهور فيه أنه موسى بن عُلَيّ،
بضم العين مصغراً، وذكر الترمذي وابن سعد أن أهل العراق يسمّونه بضم العين مصغراً، وأهل
مصر بفتح العين بدون تصغير. وهو من ثقات أهل مصر، وثقه أحمد والعجلي والنسائي. ولد
بإفريقيا سنة ٩٠هـ ومات بالإسكندرية سنة ١٦٣هـ، وروي عن ابن معين أنه قال فيه: ليس
بالقويّ. وقال ابن عبد البر: ما انفرد به فليس بالقويّ. كذا في التهذيب (١٠: ٣٦٢).
وأبوه عليّ بن ربَاح ثقة أيضاً، وأغزاه عبد العزيز إفريقيا، فلم يزل بها حتى مات. وإنما
وقع الاختلاف في ضبط اسمه لسبب ذكره المقري، وهو أن بني أمية إذا سمعوا بمولود اسمه
عَلِيّ قتلوه، فبلغ ذلك ربَاحاً، فقال: هو عُلَيّ (بضم الميم) ذكره الحافظ في التهذيب (٧:
٣١٩). وقد روى الترمذي عن موسى بن عليّ أنه كان يتحرج من تصغير اسم أبيه.
قوله: (قال المستورد القرشيّ) هو المستورد بن شدّاد الفهريّ رَظُله، وقد مر ترجمته في
باب الحوض من كتاب الفضائل، وفي باب فناء الدنيا من كتاب صفة الجنة والنار. وحديثه هذا
من أفراد مسلم، وأخرجه أحمد في مسنده (٤: ٢٣٠).
قوله: (والرُّوم أكثر الناس) لعلّ المراد من الرّوم النّصارى، لأن أهل الرّوم كانوا يومئذ
نصارى، وقد تحقق ذلك باتساع دينهم في الآفاق، ويكثرون بقرب من القيامة.
قوله: (أبصر ما تقول) كأنه نبّه المستورد ربه ليتثبّت في نقل الحديث.
قوله: (إن فيهم لخصالاً أربعاً) قال الأبيّ: ((هو مدح لتلك الأوصاف، لا أنها مدح لهم
من حيث اتصافهم بها، ويحتمل أنه إنما ذكرها من حيث إنها سبب كثرتهم)).
قلت: ويستنبط منه أنه لا بأس بمدح الأوصاف الحسنة وإن وُجدت في الكفّار، ويحسن
ذكرها على سبيل الاعتبار، ولحضّ المسلمين على الأخذ بها، فإنهم أحق بها وأهلها. والحقّ
ضالة.
قوله: (وأوشكهم كرّةً بعد فرّة) أي: أسرعهم وهو اسم تفضيل من وَشُكَ، بوزن كُرُم،

٢٣٧
كتاب: الفتن وأشراط الساعة
وَخَامِسَةٌ حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ: وَأَمْنَعُهُمْ مِنْ ظُلْمِ الْمُلُوكِ.
٧٢٠٩ - (٣٦) حدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى النُّجِيِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ. حَدَّثَنِي
أَبُو شُرَيْحٍ؛ أَنَّ عَبْدَ الْكَرِيمِ بْنَ الْحَارِثِ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ الْمُسْتَوْرِدَ الْقُرَشِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللَّهِ وَلَّ يَقُولُ: ((تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرُّومُ أَكْثَرُ النَّاسِ)). قَالَ: فَبَلَغَ ذُلِكَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ
فَقَالَ: مَا هَذِهِ الأَحَادِيثُ الَّتِي تُذْكَرُ عَنْكَ أَنَّكَ تَقُولهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَ؟ فَقَالَ لَّهُ
الْمُسْتَوْرِدُ: قُلْتُ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ. قَالَ: فَقَالَ عَمْرٌو: لَئِنْ قُلْتَ ذُلِكَ، إِنَّهُمْ
لأَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ. وَأَجْبَرُ النَّاسِ عِنْدَ مُصِيبَةٍ. وَخَيْرُ النَّاسِ لِمَسَاكِينِهِمْ وَضُعَفَائِهِمْ.
بمعنى: أسرع، والكرّة بعد الفرّة: رجوع الجيش وصولته بعد انهزامه وفراره. يعني: أنّهم
يُسرعون في الهجوم بعد فرارهم.
قوله: (وخامسة حسنة جميلة) كأنه تذكر صفة خامسة بعد ما عدّ الأربعة، فذكرها وإنّما
وصف هذه الخصلة بكونها حسنة جميلة، مع أن ما سبق كان حسناً أيضاً، لأنها في نظره أحسن
الجميع، والمراد أنها حسنة أيضاً.
قوله: (وأمنعهم من ظلم الملوك) لعل المراد أنّهم يمنعون الملوك من الظّلم، أو أنهم
يحمون الناس من ظلم الملوك. وأخرجه أحمد في مسنده، فلم يذكر (وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة)
وجعل الخامسة رابعة.
وقال القرطبي رحمه الله: ((هذه الخلال الأربع الحميدة لعلها كانت في الروم التي أدرك.
وأما اليوم فهم أنحس الخليقة وعلى الضد من تلك الأوصاف)).
٣٦ - (٠٠٠) - قوله: (أن عبد الكريم بن الحارث حدثه) إلخ: ذكر النووي أن هذا
الحديث مما استدركه الدارقطني على مسلم لأن عبد الكريم لم يدرك المستورد ظ له، فالحديث
مرسل. ولكن تعقبه النووي بأن هذا الطريق لم يذكره المصنف إلا متابعة، وإن طريق موسى بن
عليّ الذي ذكره قبل هذا متّصل، والحديث المرسل إذا روي من طريق آخر متصل فهو صحيح
عند من لا يقبل المراسيل أيضاً .
قوله: (وأجبر الناس عند مصيبة) أي: أنهم يجبرون ما أصابهم من نقص عند مصيبة
ويتلافَون ذلك. ورواه بعضهم (أصبر الناس)، وبعضهم (أخبر الناس) بمعنى: أنهم أخبر بعلاج
المصيبة .

٢٣٨
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(١١) - باب: إقبال الروم في كثرة القتل عند خروج الدجال
٧٢١٠ - (٣٧) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ. كِلاَهُمَا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ،
(وَاللَّفْظُ لابْنِ حُجْرٍ)، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلاَلٍ، عَنْ
أَبِي قَتَادَةَ الْعَدَوِيِّ، عَنْ يُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: هَاجَتْ رِيحٌ حَمْرَاءُ بِالْكُوفَةِ. فَجَاءَ رَجُلٌ لَيْسَ
لَهُ هِجِّيرَى إِلاَّ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، جَاءَتِ السَّاعةُ. قَالَ: فَقَعَدَ وَكَانَ مُتَّكِئاً. فَقَالَ:
إِنَّ السَّاعَةَ لاَ تَقُومُ، حَتَّى لاَ يُقْسَمَ مِيرَاثٌ، وَلاَ يُفْرَحَ بِغَنِيمَةٍ. ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا - (وَنَخَّاهَا
نَحْوَ الشَّأُمِ) - فَقَالَ: عَدُوٌّ يَجْمَعُونَ لأَهْلِ الإِسْلاَمِ وَيَجْمَعُ لَهُمْ أَهْلُ الإِسْلاَمِ. قُلْتُ: الرُّومَ
تَعْنِي؟ قَالَ: نَعَمْ. وَتَكُونُ عِنْدَ ذَاكُمُ الْقِتَالِ ردَّةٌ شَدِيدَةٌ. فَيَشْتَرِطُ الْمُسْلِمُونَّ شُرْطَةٌ لِلْمَوْتِ
(١١) - باب: إقبال الرّوم في كثرة القتل عند خروج الدجّال
٣٧ - (٢٨٩٩) - قوله: (عن يُسير بن جابر) بضم الياء الأولى مصغراً، ويقال له: أُسير بن
جابر أيضاً. ويقال: إنه أدرك زمن النبيّ وَلّر، وله رؤية، وذكره العجلي من ثقات أصحاب
عبد الله بن مسعود رَظُله. مات سنة ٨٥هـ، وحديثه هذا لم يخرجه أحد من الأئمة الستة إلا
المصنف رحمه الله، وأخرجه أحمد في مسنده (١: ٣٨٤ و٤٣٥). وأبو داود الطيالسي، كما في
منحة المعبود (٢: ٢١٣).
قوله: (ليس له هجّيرى) بكسر الهاء وتشديد الجيم المكسورة، وفي آخرها ألف مقصورة،
وهو في اللغة: العادة والدأب والديدن. وقد يطلق هذا اللفظ على من يعتاد تكرير لفظ في أثناء
كلامه، سواء كان ذلك اللفظ في محلّه أو في غيره محلّه، ويقال له بالأردية: ((تكيه كلام)).
والمراد أن هذا الرجل كلّما رأى شيئاً استغربه جاء إلى عبد اللّه بن مسعود وقال له: يا عبد الله بن
مسعود جاءت السّاعة! فلمّا رأى الريح الحمراء تهيج، زعم أن القيامة جاءت، فأتى عبد الله بن
مسعود وأخبره بزعمه .
قوله: (حتى لا يُقسم ميراث ولا يفرح بغنيمة) يعني: أن القيامة إنما تجيء بعد ما يقع قتال
شديد يكثر فيه القتلى بحيث لا يكون لمورث من يرث ماله، ولا يفرح المنتصرون بما غنموا من
الأموال، لأن حزنهم على قتلاهم أشدّ من ذلك.
قوله: (يجمعون لأهل الإسلام) يعني: يجمعون عسكراً لقتال أهل الإسلام.
قوله: (ردّة شديدة) بفتح الراء، أي: عطفة قوية، أو صولة شديدة، كما في النهاية.
قوله: (فيشترط المسلمون شرطة) إلخ: بضم الشين، طائفة من الجيش تتقدم للقتال،
والمراد من اشتراطها للموت أنهم يعزمون على أن هذه الطائفة لا ترجع إلا غالبة، فإمّا أن تنتصر
على عدّوها، أو تموت.

٢٣٩
كتاب: الفتن وأشراط الساعة
لاَ تَرْجِعُ إِلاَّ غَالِبَةً. فَيَقْتَتِلُونَ حَتَّى يَحْجُزَ بَيْنَهُمُ اللَّيْلُ. فَيَفِيءُ هَؤُلاَءِ وَهَؤُلاءِ. كُلٌّ غَيْرُ
غَالِبٍ. وَتَفْنَى الشُّرْطَةُ. ثُمَّ يَشْتَرِطُ الْمُسْلِمُونَ شُرْطَةً لِلْمَوْتِ. لاَ تَرْجِعُ إِلاَّ غَالِبَةً.
فَقْتَتِلُّونَ. حَتَّى يَحْجُزَ بَيْنَهُمُ اللَّيْلُ. فَيَفِيءُ هَؤُلاَءِ وَهَؤُلاءِ. كُلٌّ غَيْرُ غَالِبٍ. وَتَفْنَى الشُّرْطَةُ.
ثُمَّ يَشْتَرِطُ الْمُسْلِمُونَ شُرْطَةً لِلْمَوْتِ. لاَ تَرْجِعُ إِلَّ غَالِبَةً. فَيَقْتَتِلُونَ حَتَّى يُمْسُوا. فَيَفِيءُ
هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ. كُلُّ غَيْرُ غَالِبٍ. وَتَفْنَى الشُّرْطَةُ. فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الرَّابِعِ، نَهَدَ إِلَيْهِمْ بَقِيَّةُ أَهْلٍ
الإِسْلاَمِ. فَيَجْعَلُ اللَّهُ الدَّبَرَةَ عَلَيْهِمْ. فَيَقْتُلُونَ مَقْتَةً - إِمَّا قَالَ: لاَ يُرَىَّ مِثْلُهَا، وَإِمَّا قَالَ: لَمَّ
يُرَ مِثْلُهَا - حَتَّى إِنَّ الطَّائِرَ لَيَمُرُّ بِجَنَبَاتِهِمْ، فَمَا يُخَلِّفُهُمْ حَتَّى يَخِرَّ مَيْتاً. فَيَتَعَادُّ بَنُو الأَبِ،
كَانُوا مِائَةً. فَلاَ يَجِدُونَهُ بَقِيَ مِنْهُمْ إِلَّ الرَّجُلُ الْوَاحِدُ. فَبِأَيِّ غَنِيمَةٍ يُفْرَحُ؟ أَوْ أَيُّ مِيَراثٍ
يُقَاسَمُ؟ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذْلِكَ إِذْ سَمِعُوا بِبَأْسٍ، هُوَ أَكْبَرُ مِنْ ذُلِكَ.
قوله: (فيفيء هؤلاء وهؤلاء) يعني: يرجع كل من الفريقين إلى معسكرهم.
قوله: (كلّ غير غالب) استشكل هذا القول بإزاء ما سيأتي من قوله (وتفنى الشرطة)، لأن
الشرطة إذا فنيت صارت مغلوبة، والأخرى غالبة. والجواب عنه بأن عدم الغلبة إنما هو بالنسبة
إلى العسكرين جميعاً. وإن هلاك الشرطة لا يستلزم كون العسكر كله مغلوباً .
قوله: (نهد إليهم) أي: نهض وتقدم. والنّهود في الأصل: الارتفاع، ومنه نهود الثديين.
قوله: (فيجعل الله الدَّبْرَة عليهم)، الدبرة: بفتح الدال وسكون الباء، هي الدُّولة تدور على
الأعداء، وهي الهزيمة. ورواه بعضهم (الدّائرة) ومعناه قريب من الأول.
قوله: (حتى إن الطّائر ليمرّ بجنباتهم) إلخ: الجنبات، بفتح الجيم والنون: النواحي. وقوله
(يخلّفهم) من باب التفعيل، معناه: يجعلهم خلفه، أي: يجاوزهم. والمراد أنّه يكثر القتلى،
وتكون نعوشهم مبثوثة إلى مسافة بعيدة جداً، بحيث لو أراد طائر أن يطير في سائر نواحيهم، فإنه
لا يستطيع ذلك في طيرانه الواحد. ولو فعل ذلك خرّ ميّتاً. وذلك لكون الحرب تجاوزت إلى
مسافة بعيدة مترامية الأطراف، أو لعدم تحمله للنتن.
قوله: (فيتعادّ بنو الأب) يعني: أن جماعة من الذين حضروا القتال وكانوا أبناء لأب واحد
أو جدّ واحد يريدون أن يعدّوا أنفسهم، فلا يجدون من بقي منهم إلا واحداً في مائة، ويجدون
باقيهم مقتولين .
قوله: (فلا يجدونه بقي منهم) قال علي القاري في المرقاة (١٠: ١٥٠): ((الضمير
المنصوب لمائة، بتأويل المعدود أو العدد، أي: فلا يجدون عددهم ... وقيل: إن بني الأب
بمعنى القوم، والقوم مفرد اللفظ جمع المعنى)).
قوله: (سمعوا ببأس هو أكبر من ذلك) البأس ههنا بمعنى الفتنة والمصيبة، يعني: أنهم

٢٤٠
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَجَاءَهُمُ الصَّرِيخُ؛ إِنَّ الدَّجَّالَ قَدْ خَلَفَهُمْ فِي ذَرَارِيِّهِمْ. فَيَرْفُضُونَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ. وَيُقْبِلُونَ.
فَيَبْعَثُونَ عَشَرَةَ فَوَارِسَ طَلِيعَةً. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((إِنِّي لأَغْرِفُ أَسْمَاءَهُمْ، وَأَسْمَاءَ
آبَائِهِمْ، وَأَلْوَانَ خُيُولِهِمْ. هُمْ خَيْرُ فَوَارِسَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ يَوْمَئِذٍ. أَوْ مِنْ خَيْرٍ فَوَارِسَ عَلَى
ظَهْرِ الأَرْضِ يَوْمَئِذٍ» .
قَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةً فِي رِوَايَتِهِ: عَنْ أُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ .
٧٢١١ - (٠٠٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ الْغُبَرِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ،
عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلاَلٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ يُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ مَسْعُودٍ فَهَبَّتْ
رِيحٌ حَمْرَاءُ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِهِ.
وَحَدِيثُ ابْنِ عُلَيَّةَ أَتَمُّ وَأَشْبَعُ.
٧٢١٢ - (٠٠٠) وحدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ (يَعْنِي ابْنَ الْمُغِيرَةِ). حَدَّثَنَا
حُمَيْدٌ (يَعْنِي ابْنَ هِلاَلٍ) عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ، قَالَ: كُنْتُ فِي بَيْتِ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ. وَالْبَيْتُ مَلَآنُ. قَالَ: فَهَاجَتْ رِيحُ حَمْرَاءُ بِالْكُوفَةِ. فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثٍ
ابْنِ عُلَيَّةً.
(١٢) - باب: ما يكون من فتوحات المسلمين قبل الدجال
٧٢١٣ - (٣٨) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ
جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ عُثْبَةَ. قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ،وَهُفِي غَزْوَةٍ. قَالَ: فَأَتَّى
يسمعون في هذه الحالة أنه نزلت عليهم مصيبة أعظم ممّا فرغوا منها، وهي مصيبة خروج
الدجّال.
قوله: (فجاءهم الصّريخ) فعيل من الصُّراخ، وهو الصوت، أي: صوت المستصرخ وهو
المستغيث.
قوله: (فيرفضون ما في أيديهم) أي: فيتركون ويُلقون ما في أيديهم من مال الغنيمة فزعاً
على الأهل والعيال.
قوله: (عشرة فوارس طليعة) الفوارس جمع فارس، أي: راكب، والطليعة: من يُبعث
ليطلع على حال العدوّ كالجاسوس، فعلية بمعنى فاعلة، يستوي فيه الواحد والجمع.
(١٢) - باب: ما يكون من فتوحات المسلمين قبل الدجّال
٣٨ - (٢٩٠٠) - قوله: (عن نافع بن عتبة) وهو ابن خال جابر بن سمرة ◌ًا، أسلم يوم