النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَاناً. وَإِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ، عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ، إِلاَّ بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَقَالَ: إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لِأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ. وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَاباً لاَ يَغْسِلُهُ الْمَاءُ. تَقْرَؤُهُ نَائِماً وَيَقْظَانَ. وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي فاختالتهم بالخاء المعجمة، أي: حبستم عن دينهم وصدّتهم عنه. قوله: (ما لم أنزل به سلطاناً) أي: حجة وبرهاناً، سميت به لتسلطه على القلوب بالقهر والغلبة، والمعنى: (ما ليس على إشراكه دليل عقلي ولا نقليّ) و (ما) ههنا مفعول لقوله: (یشرکوا). قوله: (وإن الله نظر إلى أهل الأرض) أي: قبل بعثة النبيّ الكريم وَّر. قوله: (فمقتهم عربهم وعجمهم) المقت: أشد البغض، والمعنى أن الله تعالى أبغضهم لسوء صنيعهم وخبث عقيدتهم واتفاقهم، قبل بعثة النبيّ وَّ، على الشرك، سواء كان بعبادة الأصنام، كما وقع لمعظم أهل العرب، أو بعبادة عيسى عليه السلام، كما وقع للنصارى، أو بعبادة عزیر علیه السلام، كما وقع ليهود. قوله: (إلا بقايا من أهل الكتاب) الظاهر أن المراد به أتباع عيسى عليه السلام الذين بقوا على دينه وشريعته بدون أن يرتكبوا فيه تحريفاً، إلى أن بُعث النبيّ الكريم وَّر. قوله: (لأبتليك وأبتلي بك) أما ابتلاء النبيّ وَّر، فهو امتحانه كيف يصبر على إيذاء الكفرة والمشركين، وأما الابتلاء به، فهو امتحان من بعث إليهم هل يصدقونه أو يكذبونه. قوله: (كتاباً لا يغسله الماء) والمراد منه أن القرآن الكريم لا يبقى محفوظاً في الصحف والزبر فحسب، وإنما يبقى محفوظاً في صدور المؤمنين، فمن أراد محوه من الصحف والزبر - والعياذ بالله - لم تنعدم نسخه، لبقائه في صدور الحفّاظ، وهذا من معجزات النبيّ وَّل. وقيل: معناه أنه يبقى كتاباً مستمراً متداولاً بين الناس، لا ينسخ ولا ينسى بالكلية. وعبر عن إبطال حكمه وترك قراءته والإعراض عنه بغسل أوراقه بالماء على سبيل الاستعارة، أو كتاباً واضحاً آياته بيناً معجزاته، لا يبطله جور جائر ولا يدحضه شبهة مناظر. فمثل الإبطال معنى بالإبطال صورة. وقيل: كني به عن غزارة معناه وكثرة جدواه، من قولهم: (مال فلان لا يفنيه الماء والنار). كذا في شرح الطيبي. قوله: (تقرؤه نائماً ويقظان) قال الطيبي: ((أي: يصير لك ملكة بحيث يحضر في ذهنك وتلتفت إليه نفسك في أغلب الأحوال، فلا تغفل عنه نائماً ويقظان. وقد يقال للقادر على الشيء الماهر به: هو يفعله نائماً) وقال الشيخ علي القاري: ((أقول: لا احتياج إلى التأويل بالنسبة إلى قلبه الجليل، لأنه - ◌َّلو - تنام عيناه ولا ينام قلبه. وقد شوهد كثير من الناس صغيراً وكبيراً أنهم يقرؤون وهم نائمون)). ١٨٢ الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم أَنْ أُحَرِّقَ قُرَيْشاً. فَقُلْتُ: رَبِّ، إِذاً يَثْلَغُوا رَأْسِي فَيَدَعُوهُ خُبْزَةً. قَالَ: اسْتَخْرِجْهُمْ كَمَا اسْتَخْرَجُوكَ. وَاغْزُهُمْ نُغْزِكَ. وَأَنْفِقْ فَسَنُنْفِقَ عَلَيْكَ. وَابْعَتْ جَيْشاً نَبْعَثْ خَمْسَةً مِثْلَهُ. وَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ مَنَ عَصَاكَ. قَالَ: وَأَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلاَثَةٌ: ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌّ. وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى، وَمُسْلِمٍ. وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ. قَالَ: وَأَهْلُ النَّارِ خَمْسَةٌ: الضَّعِيفُ الَّذِي لاَ زَبْرَ لَهُ، قوله: (أن أحرّق قريشاً) أي: أمرني أهلكهم، أي: الكفار منهم. وفي رواية الطبراني في المعجم الكبير (١٧: ٣٥٩): ((وإن الله أمرني أن أغزو قريشاً)) ومن طريق معمر عنده أيضاً: ((إن الله أوحى إليّ أن أغزو قريشاً)). قوله: (إذاً يثلغوا رأسي) بفتح اللام، أي: يشدخوا ويكسروا، وقوله (فيدعوه خبزة) أي: فيتركوه بالشدخ مثل خبزة. قوله: (استخرجهم كما استخرجوك) أي: أخرجهم كما أخرجوك، وفيه إشارة إلى ما وقع من الإعلان يوم البراءة أن كفار جزيرة العرب لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيّف. قوله: (واغزُهم نُغْزِك) بضم النون وسكون الغين وكسر الزاي، من أغزيته: إذا جهزته للغزو، وهیأت له أسبابه. قوله: (وأنفق فسننفق عليك) أي: أنفق في سبيل الله والجهاد، نخلف عليك بدله في الدنيا والآخرة. قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَبْرُ الزَِّقِينَ﴾. قوله: (وابعث جيشاً - نبعث خمسة مثله) يعني: نبعث لنصرك خمسة أمثال جيشك من الملائكة، كما فعل ببدر. قوله: (ذو سلطان مقسط) أي: من له سلطة فيقيم بها العدل. قال الأبيّ: ((ويدخل فيه الرجل في أهله لحديث: ((كل راعٍ مسؤول عن رعيته))، وحديث (لا يُؤمّنّ الرجل في سلطانه)). قوله: (لكل ذي قربى ومسلم) بالجر، لكونه معطوفاً على (ذي قربى) يعني: أنه رحيم لكل ذي قربى ولكل مسلم. قوله: (عفيف متعفف) العفيف من كانت العفة سجية له، والمتعفّف من يتكلف العفة، والمراد من يتعفّف عن كسب الحرام وإن كان ذا عيال. وفي رواية للطبراني: ((ورجل غني عفيف متصدق)) . قوله: (الضعيف الذي لا زَبْر له) الزَّبْر، بفتح الزاي وسكون الباء، ما يُزبر الإنسان أي: يمنعه، ويطلق عموماً على العقل، لأنه يكفّ الإنسان عما لا ينبغي، فالمعنى: الضعيف الذي لا عقل عنده يمنعه من المحرمات. وقيل: المراد من لا مال له، وردّه القرطبي وقال: ليس بشيء. ١٨٣ كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعاً لاَ يَتْبَعُونَ أَهْلاً وَلاَ مَالاً. وَالْخَائِنُ الَّذِي لاَ يَخْفَى لَهُ طَمَعٌ، وَإِنْ دَقَّ إِلَّ خَانَهُ. وَرَجُلٌ لاَ يُصْبِحُ وَلاَ يُمْسِي إِلَّ وَهُوَ يُخَادِعُكَ عَنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ)). وَذَكَرَ الْبُخْلَ وقال الطيبي في شرح المشكاة (٩: ١٧٤): ((المعنى: لا تماسك له عند مجيء الشهوات فلا يرتدع عن فاحشة ولا يتورع عن حرام)». قوله: (الذين هم فيكم تبعاً) كذا وقع منصوباً في نسخ صحيح مسلم، وفي رواية الطبراني: (هم فيكم تبع)) بالرفع. وهو أوفق بالقياس، وأما كونه منصوباً فيمكن تأويله على أنه حال من فعل محذوف، كأنه قال: ((هم يعيشون فيكم تبعاً)) وفي رواية أحمد: ((الذين هم فيكم تبعاً، أو تبعاء، شك يحيى)) وعلى التقدير الأخير هو جمع تابع، والله أعلم. قوله: (لا يتبعون أهلاً ولا مالاً) روي (لا يتبعون) بتشديد التاء وتخفيفها جميعاً، فعلى الأول هو مضارع من الاتّباع، وعلى الثاني من تَبع يَتْبَعُ. ووقع في بعض النسخ (لا يبتغون) أي: لا يطلبون. وهذه الجملة تفسير (الضعيف الذي لا زَبْرَ له)، ومعناه: أنهم لا يسعون في تحصيل منفعة دينية أو دنيوية، بل يهملون أنفسهم إهمال الأنعام، فلا يطلبون أهلاً ولا مالاً بطريقة معروفة، بل هم تبع لقادتهم يسيرون معهم حيث ساروا. وإنّما استحقّوا النّار لأنهم لم يستعملوا ما وهبهم الله تعالى من العقل والفكر لتمييز الكفر من الإيمان، فوقعوا في الكفر تبعاً لقادتهم. وقال الشيخ علي القاري في المرقاة (٩: ٢٢٠): (((لا يبغون أهلاً) أي: لا يطلبون زوجة ولا سريّة، فأعرضوا عن الحلال وارتكبوا الحرام (ولا مالاً) أي: ولا يطلبون مالاً حلالاً من طريق الكدّ والكسب الطيّب. فقيل: هم الخدم الذين يكتفون بالشبهات والمحرمات التي سهل عليهم مأخذها عما أبيح لهم، وليس لهم داعية إلى ما وراء ذلك من أهل ومال. وقيل: هم الذين يدورون حول الأمراء ويخدمونهم ولا يبالون من أي وجه يأكلون ويلبسون، أمن الحلال أم من الحرام، ليس لهم ميل إلى أهل ولا إلى مال، بل قصروا أنفسهم على المأكل والمشرب)). قوله: (والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دقّ إلا خانه) هذا هو القسم الثاني من أهل النّار، و (الطمع) ههنا مصدر بمعنى المفعول، أي: لا يخفى عليه شيء مما يمكن أن يُطمع فيه، وإن دقّ بحيث لا يكاد أن يدرك، إلا وهو يسعى في التفحص عنه والتطلع إليه حتى يجده فيخونه. وهذا هو الإغراق في الوصف بالطمع والخيانة. وذكر أهل اللغة أن كلمة (خفي) من الأضداد، فتأتي بمعنى (ظهر) كما تأتي بمعنى (استتر)، وجاءت هنا بمعنى (لا يظهر)، أي: لا يظهر له طمع، وإن دقّ، إلا سعى في تحصيله وإن كان بطريق الخيانة، والله أعلم. قوله: (وهو يخادعك عن أهلك ومالك) أي: بسببهما، فعن بمعنى الباء، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَتَطِقُ عَنِ الْمَوَ (٣)﴾، كذا في مرقاة المفاتيح. قوله: (وذكر البخل أو الكذب) قال التوربشتي: ((أي: البخيل والكذاب، أقام المصدر ١٨٤ الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم أَوِ الْكَذِبَ ((وَالشِّنْظِيرُ الْفَحَّاشُ))، وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو غَسَّانَ فِي حَدِيثِهِ: ((وَأَنْفِقْ فَسَنُنْفِقَ عَلَيْكَ)). ٧١٣٧ - (٠٠٠) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٌّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِهِ («كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدَاً، حَلاَلٌ)). ٧١٣٨ - (٠٠٠) حدّثني عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرِ الْعَبْدِيُّ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَام، صَاحِبِ الدَّسْتَوَائِيِّ. حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِيَاضٍ بْنِ حِمَارٍ؛ أَنَّ رَسُولِّ اللّهِ بَلَهَ خَطَبَ ذَاتَ يَوْمٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: قَالَ يَحْيَى: قَالَ شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ. قَالَ: سَمِعْتُ مُطَرِّفاً فِي هَذَا الْحَدِيثِ. ٧١٣٩ - (٦٤) وحدّثني أَبُو عَمَّارٍ، حُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ. حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ مَطَرٍ. حَدَّثَنِي قَتَادَةُ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ عِيَاضٍ بْنِ حِمَارٍ، أَخِي بَنِي مُجَاشِعٍ، قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ وَهِ ذَاتَ يَوْمٍ خَطِيباً. فَقَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي)). وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ هِشَامٍ، عَنْ قَتَادَةَ، وَزَادَ فِيهِ: ((وَإِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لاَ يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلاَ يَبْغِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ)). وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: ((وَهُمْ فِيكُمْ تَبَعاً لاَ يَبْغُونَ أَهْلاً وَلاَ مَالاَ)) . فَقُلْتُ: فَيَكُونُ ذُلِكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَاللّهِ، لَقَدْ أَدْرَكْتُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. مقام اسم الفاعل))، وقال الطيبي: ((ولعل الراوي نسي ألفاظاً ذكرها ول# في شأن البخيل أو الكذاب، فعبّر بهذه الصيغة)) ووقع في أكثر النسخ (البخل أو الكذب) بالترديد، وفي بعض النّسخ (البخل والكذب) بالواو، وحينئذ تنتهي الأقسام الخمسة على الكذب، ويكون الشّنظير تفسيراً للقسم الثالث، وهو (رجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك). قوله: (والشنظير الفخّاش) الشنظير: السيء الخلق، والفحّاش: نعت للشنظير، وليس بتفسير له، أي: يكون مع سوء خلقه فحّاشاً. كذا قال الطيبي. وقال النووي: إنه تفسير للشنظير. ٦٤ - (٠٠٠) - قوله: (فقلت: فيكون ذلك يا أبا عبد اللّه) قائله قتادة، وأبو عبد الله هو مطرّف بن عبد الله بن الشّخّير. وكأن قتادة استغرب أن يقع عن بعض الناس مثل ذلك. قوله: (لقد أدركتهم في الجاهلية) ظاهره مشكل لكون مطرف بن عبد الله لم يدرك زمن الجاهلية، وإنه يعد من التابعين، ويقال: إنه ولد في حياة النبيّ وَل. فلعلّ مراده أنه أدرك بعض آثار الجاهلية في بعض الأمكنة. كذا قال النووي والأبي. ولينظر هل يحتمل أن يكون القائل مطرف بن عبد الله ويكون أبو عبد الله كنية عياض بن حمار ه، فلو صحّ ذلك، لاستقام الكلام، ولكنه لم أجد في ترجمته عياض بن حمار كنيته، والله أعلم. ١٨٥ كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَرْعَىْ عَلَى الْحَيِّ، مَا بِهِ إِلاَّ وَلِيدَتُهُمْ يَطَؤُّهَا . (١٧) - باب: عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر، والتعوذ منه ٧١٤٠ - (٦٥) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ: ((إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَفْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ. إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ. يُقَالُ: هَذَا مَفْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إِلَيْهِ يَزَمَ الْقِيَامَةِ)) . ٧١٤١ - (٦٦) حدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِم، عَنِ ابْنٍ عُمَرَ. قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيْ. إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَالْجَنَّةُ. وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَالثَّارُ)) قوله: (وإن الرجل ليرعى على الحيّ) إلخ: الظاهر أن معناه أن رجلاً في الجاهلية ربما كان يرعى غنم الحيّ بأجمعه، ولا يأخذ على ذلك أجراً معيّناً، إلا أنه كان يطأ وليدة لهم. وهذا تفسير لقوله عليه السلام: ((وهم فيكم تبع لا يبتغون أهلاً ولا مالاً)) فإن مثل ذلك الراعي كان خادماً لأهل حيّه تابعاً لهم، لا يبتغي زوجة حلالاً، ولا مالاً حلالاً، وإنما يفعل ذلك لأجل جارية يطؤها . (١٧) - باب: عرض مقعد الميت من الجنة أو النار إلخ ٦٥ - (٢٨٦٦) - قوله: (عن ابن عمر) هذا الحديث أخرجه البخاري في الجنائز، باب الميّت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشيّ (١٣٧٩)، وفي بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة (٣٢٤٠)، وفي الرقاق، باب سكرات الموت (٦٥١٥)، وأخرجه الترمذي في الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر (١٠٧٢)، والنسائي في الجنائز، باب وضع الجريدة على القبر (٢٠٧١)، وابن ماجه في الزهد، باب ذكر القبر والبلى (٤٣٢٤). قوله: (عُرِض عليه مقعده بالغداة والعشيّ) قال القرطبي: ((يجوز أن يكون هذا العرض على الروح فقط، ويجوز أن يكون عليه مع جزء من البدن ... والمراد بالغداة والعشيّ وقتهما، وإلا فالموتى لا صباح عندهم ولا مساء ... وهذا في حق المؤمن والكافر واضح. فأما المؤمن المخلّط فمحتمل في حقه أيضاً، لأنه يدخل الجنة في الجملة. ثم هو مخصوص بغير الشهداء، لأنهم أحياء، وأرواحهم تسرح في الجنة. ويحتمل أن يقال: إن فائدة العرض في حقهم تبشير أرواحهم باستقرارها في الجنة مقترنة بأجسادها، فإن فيه قدراً زائداً على ما هي فيه الآن)) كذا في فتح الباري (٣: ٢٤٣). ١٨٦ الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قَالَ: ((ثُمَّ يُقَالُ: هَذَا مَفْعَدُكَ الَّذِي تُبْعَثُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) . ٧١٤٢ - (٦٧) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ. جَمِيعاً عَنِ ابْنِ عُلَيَّةً. قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ. قَالَ: وَأَخْبَرَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَلَمْ أَشْهَدْهُ مِنَ النَّبِيِّ نَهُ. وَلَّكِنْ حَدَّثَنِيهِ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ ◌َّهَ فِي حَائِطٍ لِبَنِي النَّجَّارِ، عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ، وَنَحْنُ مَعَهُ، إِذْ حَادَتْ بِهِ فَكَادَتْ تُلْقِهِ. وَإِذَا أَقْبُرٌ سِتَّةٌ أَوْ خَمْسَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ (قَالَ: كَذَا كَانَ يَقُولُ الْجُرَيْرِيُّ) فَقَالَ: ((مَنْ يَعْرِفُ أَصْحَابَ هَذِهِ الأَقْبُرِ))؟ فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَّا. قَالَ: ((فَمَتَى مَاتَ هَؤُلاءِ؟)) قَالَ: مَاتُوا فِي الإِشْرَاكِ. فَقَالَ: ((إِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا، فَلَوْلاَ أَنْ لاَ تَدَافَنُوا، لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ) ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: (تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ)) قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ. فَقَالَ: ((تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ)) قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. قَالَ: ((تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ)) قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ. قَالَ: ((تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ)) قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَالِ. ٧١٤٣ - (٦٨) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَلِ قَالَ: ((لَوْلاَ أَنْ لاَ تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ)). ٧١٤٤ - (٦٩) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ قوله: (حتى يبعثك الله) أي: لا تصل إليه إلى يوم البعث. ٦٦ - (٢٨٦٧) - قوله: (عن زيد بن ثابت) هذا الحديث لم يخرجه أحد غير المصنف من الأئمة الستة، وأخرجه أحمد في مسنده (٥: ١٩٠) والطبراني في المعجم الكبير (٥: ١٢٢). قوله: (إذ حادت به) أي: مالت عن الطريق ونفرت، والظاهر أنها فعلت ذلك لسماعها صوت العذاب. قوله: (ماتوا في الإشراك) أي: ماتوا مشركين. قوله: (فلولا أن لا تدافنوا) يعني: أنكم لو سمعتم صوت العذاب الذي يعذب به الموتى في القبر، لأمسكتم عن دفن الموتى في القبور، فلولا هذه الخشية لدعوت الله أن يسمعكم صوت العذاب. ٦٨ - (٢٨٦٨) - قوله: (عن أنس) هذا الحديث أخرجه النسائي في الجنائز، باب عذاب القبر (٢٠٥٨)، وأخرجه أحمد في مسنده (٣: ١٠٣ و١٧٦). ١٨٧ كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها ابْنُ مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَوْنٍ بْنٍ أَبِي جُحَيْفَةَ. ح وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. جَمِيعاً عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، (وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ)، حَدَّثَنَّا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. حَدَّثَنِي عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْبَرَاءِ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ لَّهِ بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ. فَسَمِعَ صَوْتاً. فَقَالَ: ((يَهُودُ تُعَذَّبُ فِي قُبُورِهَا)). ٧١٤٥ - (٧٠) حدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ قَتَادَةَ. حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللّهِ وَهَ: ((إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَضْحَابُهُ، قوله: (عن أبي أيوب) هذا الحديث أخرجه البخاري في الجنائز، باب التعوذ من عذاب القبر (١٣٧٥)، والنسائي في الجنائز، باب عذاب القبر (٢٠٥٩). قوله: (يهود تعذب في قبورها) وقد وقعت هذه القصة عند الطبراني بشيء من التفصيل، ولفظه: ((خرجت مع النبيّ وَّر حين غربت الشمس ومعي كوز من ماء، فانطلق لحاجته حتى جاء، فوضأته، فقال: ألم تسمع ما أسمع؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: أسمع أصوات اليهود يعذبون في قبورهم)) وقال الكرماني: صوت الميت من العذاب يسمعه غير الثقلين، فكيف سمع ذلك؟ ثم أجاب بقوله: هو في الضجة المخصوصة، وهذا غيرها، أو سماع رسول الله وَل على سبيل المعجزة. كذا في عمدة القاري (٤: ٢٢٩). ٧٠ - (٢٨٧٠) - قوله: (حدثنا أنس بن مالك) هذا الحديث أخرجه البخاري في الجنائز، باب الميّت يسمع خفق النعال (١٣٣٨)، وباب ما جاء في عذاب القبر (١٣٧٤)، وأخرجه أبو داود في الجنائز، باب المشي في النعل بين القبور (٣٢٣١)، وفي السنّة، باب في المسألة في القبر وعذاب القبر (٤٧٥١ و٤٧٥٢)، وأخرجه النسائي في الجنائز، باب المسألة في القبر (٢٠٥٠)، وباب مسألة الكافر (٢٠٥١). قوله: (إن العبد إذا وضع في قبره) وزاد أبو داود في السنّة (٤: ٢٣٨) قبله من طريق سعيد عن قتادة، عن أنس: ((إن نبيّ اللهِ وَّ ر دخل نخلاً لبني النجّار، فسمع صوتاً ففزع، فقال: من أصحاب هذه القبور؟ قالوا: يا رسول الله! ناسٌ ماتوا في الجاهلية، فقال: تعوّذوا بالله من عذاب النار ومن فتنة الدّجال. قالوا: وممّ ذاك يا رسول الله؟ قال: إن المؤمن إذا وضع في قبره)) فذكر الحديث فأفاد هذا الطريق سبب هذا الحديث. ثم ذكر الأبيّ في شرحه أن لفظ (القبر) هنا خرج مخرج الغالب، وإلا فالغريق ومن في الفلاة ومن ترك في بيت حتى صار له كالقبر، يسألون أيضاً. ١٨٨ الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ)) قَالَ: مسألة سماع الموتى: قوله: (إنه ليسمع قرع نعالهم) هذا الحديث حجة لمن أثبت السماع للموتى، وهو مذهب عبد الله بن عمر ﴿ه، وذكر ابن عبد البر رحمه الله أنه اختيار ابن جرير الطبري وابن قتيبة وأكثر العلماء. وروى عن عائشة فيها أنها ذهبت إلى نفي سماع الموتى، وتأولت في حديث قليب بدر، ووافقها طائفة من العلماء على ذلك، ورجحه القاضي أبو يعلى من أكابر الحنابلة. وذكر ابن الهمام رحمه الله تعالى أن أكثر مشايخ الحنفية على أن الميت لا يسمع، استدلالاً بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْنَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُرِ﴾ [فاطر، آية: ٢٢] ولذلك قالوا: لو حلف لا يكلم فلاناً، فكلمه ميتاً لا يحنث. وقد دلّ حديث الباب صريحاً على أن الميت يسمع قرع نعال أصحابه، وكذلك صح عن النبيّ وَله على ما سيأتي قريباً أنه خاطب الكفار من قتلى بدر، وقال للصحابة: ((ما أنتم بأسمع لما أقول منهم)) أخرجه الشيخان. وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسير سورة الروم (٣ : ٤٣٨): ((والصحيح عند العلماء رواية عبد الله بن عمر لما لها من الشواهد على صحتها من وجوه كثيرة، من أشهر ذلك ما رواه ابن عبد البر مصححاً له عن ابن عباس مرفوعاً: ((ما من أحد يمر بقبر أخيه المسلم كان يعرفه في الدنيا فيسلّم عليه، إلا ردّ الله عليه روحه حتى يردّ عليه السلام)) وثبت عنه وَ له لأمته إذا سلّموا على أهل القبور أن يسلّموا عليهم سلام من يخاطبونه، فيقول المسلم: السّلام عليكم دارَ قوم مؤمنين. وهذا خطاب لمن يسمع ويعقل. ولولا هذا الخطاب لكانوا بمنزلة خطاب المعدوم والجماد، والسلف مجمعون على هذا. وقد تواترت الآثار عنهم بأن الميت يعرف بزيارة الحيّ له، ويستبشر)). ومع هذا فالرّاجح في هذه المسألة ما ذهب إليه المتوسطون المحققون من العلماء، وهو أن الأصل في الميّت عدم السّماع، ولكن لا يستحيل أن يُسمعهم الله تعالى كلاماً في بعض الأحيان على سبيل خرق العادة، وقد ثبت وقوع ذلك في حديث الباب، وفي حديث قتلی بدر، وفي حديث ابن عباس الذي رواه ابن عبد البر وصححه، فينبغي أن نؤمن بالسماع في هذه المواقع، ونتوقف في المواقع الأخرى التي لم يرد فيها نصّ. قال والدي العلامة المفتي محمد شفيع رحمه الله في أحكام القرآن له (٣: ١٦٨): ((فالقول بإطلاق سماع الموتى في كل فرد وفي كل حين، قول بما ليس لك به علم، والقول بنفيه رأساً مزاحمة النصوص المذكورة آنفاً، ولذلك قلنا بثبوته في الجملة، أعني في حين دون حين، لشخص دون شخص، في كلام دون كلام، وبذلك تتوافق النصوص والآثار الواردة في هذا الباب)». وقد أطال رحمه الله تعالى في تحقيق المسألة، وسرد النصوص والآثار المتعلقة بها، ١٨٩ كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها (يَأْتِيهِ مَلَكَانٍ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: وتكلم عليها باعتدال واتّزان يطمئن إليهما القلب وينشرح لهما الصدر، فليراجعه من شاء التفصيل . مسألة لبس النعال عند القبور: ثم قال العيني رحمه الله في عمدة القاري (٤: ١٦٣): ((وفيه جواز لبس النعل لزائر القبور الماشي بين ظهرانيها. وذهب أهل الظاهر إلى كراهة ذلك. وبه قال يزيد بن زريع وأحمد بن حنبل. وقال ابن حزم في المحلى: ولا يحل لأحد أن يمشي بين القبور بنعلين سبتيتين، وهما اللذان لا شعر عليهما، فإن كان فيهما شعر جاز ذلك ... واحتج هؤلاء بحديث بشير بن الخصاصية أن رسول الله و 8 رأى رجلاً يمشي بين القبور في نعلين، فقال: ويحك يا صاحب السبتيتين! ألق سبتيتيك. رواه الطحاوي، وأخرجه أبو داود وابن ماجه بأتم منه. وأخرجه الحاكم وصححه ... وقال الجمهور من العلماء بجواز ذلك. وهو قول الحسن وابن سيرين والنخعي والثوري وأبي حنيفة ومالك والشافعي وجماهير الفقهاء من التابعين ومن بعدهم. وأجيب عن حديث ابن الخصاصية بأنه إنما اعترض عليه بالخلع احتراماً للمقابر. وقيل: لاختياله في مشيه، وقال الطحاوي: إن أمره وَيوي بالخلع لا لكون المشي بين القبور بالنعال مكروهاً، ولكن لما رأى ◌َله قذراً فيهما يقذر القبور أمر بالخلع. وقال الخطابي يشبه أن يكون إنما كره ذلك لأنه فعل أهل النعمة والسعة فأحب أن يكون دخول المقبرة على التواضع)). قوله: (يأتيه ملكان) ووقع في حديث أبي هريرة عند الترمذي، وحسّنه: ((أسودان أزرقان، يقال لأحدهما المنكر وللآخر النكير)) وفي رواية لابن حبان: ((يقال لهما منكر ونكير)) وزاد الطبراني في الأوسط من طريق أخرى عن أبي هريرة: ((أعينهما مثل قدور النحاس، وأنيابهما مثل صياصي البقر، وأصواتهما مثل الرعد)). وذكر بعض الفقهاء أن اسم اللذين يسألان المذنب منكر ونكير، وأن اسم اللذين يسألان المطيع مبشّر وبشير. كذا في فتح الباري (٣: ٢٣٧). مسألة عذاب القبر: قوله: (فيُقعِدانه) به استدل الجمهور على أن سؤال الميت وعذابه في القبر يكون على روحه مع الجسد، لا على الروح فقط، وإن أحاديث هذا الباب تدل على ثبوت عذاب القبر، وفيه مذاهب: الأول: مذهب الخوارج، وهو إنكار عذاب القبر مطلقاً، وبه قال بعض المعتزلة مثل ضرار بن عمرو وبشر المريسي ومن وافقهما. وهو قول مردود بالنصوص المتواترة معنًى، وقد فصّلها العلامة العيني رحمه الله تعالى في عمدة القاري (٤: ١٦١ و١٦٢) والتفتازاني في شرح ١٩٠ الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم المقاصد (٥: ١١١ - ١١٦)، والشريف الجرجاني في شرح المواقف (٨: ٣١٧) وردّ كل منهم على ما استبدل به المنكرون لعذاب القبر. الثاني: أن عذاب القبر إنما يقع على الكفار، دون المؤمنين، وهو مذهب بعض المعتزلة، كالجياني حكاه عنهم الحافظ في فتح الباري (٣: ٢٣٣). وحديث عذاب القبر لمن كان لا يستتر من بوله ولمن كان يمشي بالنميمة يردّ عليهم، وكذلك بعض الأحاديث الأخرى. الثالث: إن السؤال يقع على الروح فقط من غير عود إلى الجسد، وهو مذهب ابن حزم وابن هبيرة، كما نقل عنهما الحافظ في الفتح (٣: ٢٣٥). وحديث الباب حجة عليهم، لأنه لا معنى لإقعاد الروح، وإنما يقع الإقعاد على الجسد. الرابع: أن السؤال في القبر يقع على البدن فقط، وأن الله يخلق فيه إدراكاً بحيث يسمع ويعلم، ويلذّ ويألم. وهو قول ابن جرير وجماعة من الكرّاميّة، كما نقل عنهم الحافظ. الخامس: أن الميت لا يشعر بالتعذيب ولا بغيره إلا بين النفختين. وحاله كحال النائم والمغشيّ عليه، لا يحسّ بالضرب ولا بغيره إلا بعد الإفاقة. وهذا مذهب أبي الهذيل ومن تبعه، حكاه الحافظ أيضاً، وردّ عليه بحديث الباب. السادس: مذهب جمهور أهل السنّة، وهو أنه تُعاد الروح إلى الجسد أو إلى بعضه عند السؤال أو العذاب، كما ثبت في الحديث. ولو كان على الروح فقط، لم يكن للبدن بذلك اختصاص، ولا يمنع من ذلك كون الميت قد تتفرق أجزاؤه، لأن الله قادر على أن يعيد الحياة إلى جزء من الجسد ويقع عليه السؤال، كما هو قادر على أن يجمع أجزاءه. وقال الحافظ: ((والحامل للقائلين بأن السؤال يقع على الروح فقط أن الميت قد يشاهد في قبره حال المسألة لا أثر فيه من إقعاد ولا غيره، ولا ضيق في قبره ولا سعة، وكذلك غير المقبور كالمصلوب. وجوابهم أن ذلك غير ممتنع في القدرة. بل له نظير في العادة، وهو النائم، فإنه يجد لذة وألماً لا يدركه جليسه، بل اليقظان قد يدرك ألماً أو لذة لما يسمعه أو يفكّر فيه ولا يدرك ذلك جليسه. وإنما أتى الغلط من قياس الغائب على الشاهد، وأحوال ما بعد الموت على ما قبله. والظاهر أن الله تعالى صرف أبصار العباد وأسماعهم عن مشاهدة ذلك، وستره عنهم إبقاء عليهم لئلا يتدافنوا، وليست للجوارح الدنيوية قدرة على إدراك أمور الملكوت إلا من شاء الله)) . قال: ((وقد ثبتت الأحاديث بما ذهب إليه الجمهور، كقوله: ((إنه ليسمع خفق نعالهم))، وقوله: ((وتختلف أضلاعه لضمة القبر))، وقوله: ((يسمع صوته إذا ضربه بالمطراق))، وقوله: (يضرب بين أذنيه))، وقوله: ((فيُقعدانه))، وكل ذلك من صفات الأجساد)). ١٩١ كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟)) قَالَ: ((فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ)) قَالَ: ((فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقَعَدِكَ مِنَ النَّارِ. قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مِقْعَداً مِنَ الْجَنَّةِ)) قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ وَلِ: ((فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا)) . قَالَ قَتَادَةُ: وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعاً. وَيُمْلأُ عَلَيْهِ خَضِراً إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ . وقال الحافظ أيضاً في رسالته (الجواب الكافي عن السؤال الخافي) (ص: ٤١ من الرسائل المنيرية ج: ٧٤): ((وأما السادس، وهو هل العذاب على الروح أو الجسد؟ فالجواب: أنه عليهما، لكن حقيقته على الروح، ويتألم الجسد مع ذلك ويتنعم مع ذلك، لكن لا يظهر أثر ذلك لمن يشاهده من أهل الدنيا، حتى لو نبش على الميت لوجد كهيئته يوم وضع)). قوله: (ما كنت تقول في هذا الرجل؟) زاد أبو داود في أوله: ((ما كنت تعبد؟ فإن هداه الله قال: كنت أعبد الله، فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟)) ولأحمد من حديث عائشة: ((ما هذا الرجل الذي كان فيكم؟)) والمراد منه رسول الله وَ لقر، كما وقع تفسيره عند البخاري: ((ما كنت تقول في هذا الرجل. لمحمد وَّ)) وقال العيني في العمدة: (٤: ١٥٩): ((فإن قلت: هذه عبارة خشنة ليس فيها تعظيم ولا توقير، قلت: قُصد بها الامتحان للمسؤول، لئلا يتلقن تعظيمه عن عبارة القائل)). ثم اشتهر فيما بين الناس أن الميّت يرى صورة النبيّ -8* عند هذا السؤال، ولكني لم أجد ذلك مصرحاً في شيء من الروايات. ثم رأيت في رسالة للحافظ ابن حجر رحمه الله اسمها (الجواب الكافي عن السؤال الخافي) (وهي رسالة أجاب فيها على عدة أسئلة من أحوال الموتى والقبور) أنه قال: ((وأما الثامن، وهو هل يكشف له (أي: للميت) حتى يرى النبيّ وَّر؟ فالجواب: أن هذا لم يرد في خبر صحيح، وإنما ادعاه من لا يحتج به بغير مستند، إلا من جهة قوله (في هذا الرجل) وإن الإشارة بلفظ (هذا) تكون للحاضر. وهذا لا معنى له، لأنه حاضر في الذهن)) راجع له مجموعة الرسائل المنيرية، طبع إدارة الطباعة المنيرية ١٣٤٦ هـ (ج: ٤، ص: ٤١). قوله: (ويُملأ عليه خضراً) بفتح الخاء وكسر الضاد، وهو بمعنى الأخضر، تقول العرب: أخضر خَضِر يعنون به التأكيد، والمراد هنا: النعم الغضّة الطريّة، يعني: يملأ عليه نعماً غضّة وافرة. وضبطه بعضهم بضم الخاء وفتح الضّاد، وهو جمع خضرة، ولكن الأول أشهر. ثم قال القاضي عياض رحمه الله: ((يحتمل أن يكون هذا الفسح له على ظاهره، وأنه يرفع عن بصره ما يجاوره من الحجب الكثيفة، بحيث لا تناله ظلمة القبر ولا ضيقه إذا ردّت إليه روحه ... ويحتمل أن يكون على ضرب المثل والاستعارة للرحمة والنعيم، كما يقال: سقى الله قبره، والاحتمال الأول أصح)) كذا في شرح النووي. ٠ ١٩٢ الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٧١٤٦ - (٧١) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالِ الضَّرِيرُ. حَذَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرِيْع. حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِّ ◌َِ: ((إِنَّ الْمَيْتَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، إِنَّهُ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ إِذَا انْصَرَفُوا)) . ٧١٤٧ - (٧٢) حدّثني عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، (يَعْنِي ابْنَ عَطَاءٍ)، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ؛ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ وَلَ قَالَ: ((إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ)) فَذَكَرَ بِمِثْلٍ حَدِيثٍ شَيْبَانَ، عَنْ قَتَادَةً. ٧١٤٨ - (٧٣) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارِ بْنِ عُثْمَانَ الْعَبْدِيُّ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَذَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْئَدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عَنِ النَّبِّ وَّرِ قَالَ: ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] قَالَ: ((نَزَّلَتْ فِي عَذَابٍ الْقَبْرِ. فَيُقَالُ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: ربِّيَ اللَّهُ وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ نَّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلّ: ٧٣ - (٢٨٧١) - قوله: (عن البراء بن عازب) هذا الحديث أخرجه البخاري في الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر (١٣٦٩)، وفي تفسير سورة إبراهيم، باب ﴿يُثَبِّتُ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاَلْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ (٤٦٩٩)، وأخرجه الترمذي في تفسير سورة إبراهيم (٣١٢٠)، وأبو داود في السنّة، باب في المسألة في القبر وعذاب القبر (٤٧٥٠)، وابن ماجه في الزهد، باب ذكر القبر والبلى (٤٣٢٣). قوله: (فيقال له: من ربّك؟) قال العيني في عمدة القاري (٤: ٢٢٨): ((فإن قلت: المساءلة عامة على جميع الأمم، أم على أمة محمد ◌َّار؟ فذهب الحكيم الترمذي إلى أنها تختص بهذه الأمة، وقال: كانت الأمم قبل هذه الأمة تأتيهم الرسل، فإن أطاعوا فذاك، وإن أبوا فاعتزلوهم وعوجلوا بالعذاب. فلما أرسل الله محمداً صلى الله تعالى عليه وسلم رحمة للعالمين أمسك عنهم العذاب، وقُبل الإسلام ممن أظهره، سواء أسرّ الكفر أو لا. فلما ماتوا قيّض الله لهم فتان القبر، ليستخرج سرهم بالسؤال، وليميز الله الخبيث من الطيّب، ويثبت الذين آمنوا، ويضل الظالمين، انتهى)). ثم قال العيني رحمه الله: ((ويؤيده حديث زيد بن ثابت ته مرفوعاً: إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، الحديث أخرجه مسلم، ويؤيده أيضاً قول الملكين: ما تقول في هذا الرجل محمد؟ وحديث عائشة أيضاً عند أحمد بلفظ (وأما فتنة القبر، فبي يفتنون، وعني يُسألون. وذهب ابن القيم إلى عموم المساءلة، وقال: ليس في الأحاديث ما ينفي المساءلة عمن تقدم من الأمم. وإنما أخبر النبيّ وَّير أمته بكيفية امتحانهم في القبور، لا أنه نفى ذلك عن غيرهم. قال: والذي يظهر أن كل نبي مع أمته كذلك، فيعذب كفارهم في قبورهم بعد سؤالهم وإقامة الحجة عليهم، كما يعذبون في الآخرة بعد السؤال وإقامة الحجة)). ١٩٣ كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاَلْقَوْلِ الثَّابِتِ فِ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَفِ الْآَخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. ٧١٤٩ _ (٧٤) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِع. قَالُوا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، (يَعْنُونَ ابْنَ مَهْدِيٍّ)، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْبَرَاءِ بَّنِ عَازِبٍ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِأَلْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، قَالَ: نَزَلتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ . ٧١٥٠ - (٧٥) حدّثني عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ. حَدَّثَنَا بُدَيْلٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: ((إِذَا خَرَجَتْ رُوحُ الْمُؤْمِنِ تَلَقَّاهَا مَلَكَانٍ يُصْعِدَانِهَا)) . قَالَ حَمَّادٌ: فَذَكَرَ مِنْ طِيبٍ رِيحِهَا، وَذَكَرَ الْمِسْكَ. قَالَ: ((وَيَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ: رُوحٌ طَئِبَةٌ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الأَرْضِ. صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكِ وَعَلَى جَسَدٍ كُنْتِ تَعْمُرِينَهُ. فَيُنْطَلَقُ بِهِ إِلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ. ثُمَّ يَقُولُ: انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِرِ الأَجَلِ)) . قوله: (﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الشَّابِتِ﴾ [إبراهيم، آية: ٢٧]) قال العيني رحمه الله: ((والقول الثابت هو كلمة التوحيد، لأنها راسخة في قلب المؤمن. وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْخَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾: لا إله إلا الله، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾، قال: المسألة في القبر)). قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث مما تفرد المصنف بإخراجه من بين الأئمة الستّة. ٧٥ - (٢٨٧٢) - قوله: (فذكر من طيب ريحها، وذكر المسك) قال الطيبي في شرح المشكاة (٣: ٤٣٣): ((يحتمل أن يكون فاعل (فذكر) رسول الله ولو أو الصحابيّ. يريد أنه رَّ وصف طيب ريحها، وذكر المسك، لكن لم يعلم أن ذلك كان على طريقة التشبيه أو الاستعارة، أو غير ذلك». قوله: (وعلى جسد كنتِ تعمرينه) بضم الميم، يعني الجسد الذي كنت مقيمة فيه، فصار معموراً بك. وهو استعارة، شُبّه تدبيرها البدن بالعمل الصالح بعمارة من يتولى مدينة ويعمرها بالعدل والإحسان. قوله: (انطلقوا به إلى آخر الأجل) قال علي القاري في المرقاة (٤: ٢١): ((والمراد بالأجل هنا مدة البرزخ)) وقال الطيبي: ((يعلم من هذا أن لكل أحد أجلين، أولاً وآخراً. ويشهد له قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلَاً وَأَجَلٌ مُسَمِّى ◌ِندَهُ﴾ [الأنعام، آية: ٢]، أي: أجل الموت، وأجل القيامة)) والحاصل أن الملائكة يؤمرون بإمساكها إلى القيامة حتى تدخل الجنة)). ١٩٤ الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قَالَ: ((وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا خَرَجَتْ رُوحُهُ - قَالَ حَمَّدٌ: وَذَكَرَ مِنْ نَتْنِهَا، وَذَكَرَ لَعْناً - وَيَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ: رُوحٌ خَبِثَةٌ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الأَرْضِ. قَالَ فَيُقَالُ: انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِرِ الأَجَلِ)». قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَرَدَّ رَسُولُ اللّهِ بَّهِ رَيْطَةُ، كَانَتْ عَلَيْهِ، عَلَى أَنْفِهِ، هَكَذَا . ٧١٥١ - (٧٦) حدّثني إِسْحَاقُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سَلِيطِ الْهُذَلِيُّ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ. قَالَ: قَالَ أَنَسٌِّ: كُنْتُ مَعَ عُمَرَ. ح وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، (وَاللَّفْظُ لَهُ)، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ عُمَرَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ. فَتَرَاءَيْنَا الْهِلاَلَ. وَكُنْتُ رَجُلاً حَدِيدَ الْبَصَرِ. فَرَأَيْتُهُ. وَلَيْسَ أَحَدٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَآهُ غَيْرِي. قَالَ فَجَعَلْتُ أَقُولُ لِعُمَرَ: أَمَا تَرَاهُ؟ فَجَعَلَ لاَ يَرَاهُ. قَالَ: يَقُولُ عُمَرُ: سَأَرَاهُ وَأَنَا مُسْتَلْقٍ عَلَى فِرَاشِي. ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُنَا عَنْ أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللّهِ لَّهَ كَانَ يُرِينَا مَصَارِعَ أَهْلِ بَدْرٍ بِالأَمْسِِ. يَقُولُ: ((هَذَا مَضْرَعُ فُلاَنٍ غَداً، إِنْ شَاءَ اللَّهُ)) قَالَ فَقَالَ عُمَرُ: فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقْ، مَا أَخْطَؤُوا الْحُدُودَ الَّتِي حَدَّ رَسُولُ اللَّهِ وَ. قَالَ: فَجُعِلُوا فِي بِثْرِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ. فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ وَ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِمْ فَقَالَ: ((يَا فُلاَنَ بْنَ فُلاَنٍ، وَيَا فُلاَنَ بْنَ فُلاَنٍ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ حَقًّا؟ فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي اللَّهُ حَقًّا)). قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تُكَلِّمُ أَجْسَاداً لاَ أَرْوَاحَ فِيهَا؟ قَالَ: ((مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ. غَيْرَ أَنَّهُمْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَرُدُّوا عَلَيَّ شَيْئًا)». قوله: (رَيْطَة) الرَّيْطَة، بفتح الراء: ثوب رقيق، وقيل: هي الملاءة، وكان سبب ردها على الأنف ما ذكر من نتن ريح روح الكافر. ٧٦ - (٢٨٧٣) - قوله: (إسحاق بن عمر بن سليط) بفتح السّين وكسر اللام. هو أبو يعقوب البصري، قال أبو حاتم: صدوق، وقال الآجري عن أبي داود: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في الثقات. مات سنة ٢٢٩ و ٢٣٠هـ كما في التهذيب (١: ٢٤٤). قوله: (قال أنس) هذا الحديث أخرجه النسائي في الجنائز، باب أرواح المؤمنين (٢٠٧٤) . قوله: (يُرينا مصارع أهل بدر بالأمس) يعني: أن رسول الله وَلّر أراهم قبل غزوة بدر بيوم المواضعَ التي قُتل فيها رؤوس المشركين في اليوم الآتي. قوله: (ما أخطؤوا الحدود التي حدّ رسول الله وَ*) يعني: أنّهم قُتلوا في عين تلك المواضع التي أرانا رسول الله وَ لهو إيّاها قبل يوم، وهذا من معجزات النبيّ الكريم ◌َلو. ١٩٥ كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها ٧١٥٢ - (٧٧) حدّثنا هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتِ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَيْهِ تَرَكَ قَتْلَى بَدْرٍ ثَلاَثًاً. ثُمَّ أَتَاهُمْ فَقَامَ عَلَيْهِمْ فَنَادَاهُمْ فَقَالَ: ((يَا أَبًا جَهْلِ بْنَ هِشَام، يَا أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، يَا عُثْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، يَا شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، أَلَيْسَ قَدْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّ)) فَسَمِعَ عُمَرُ قَوْلَ النَّبِيِّ وََّ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَسْمَعُوا وَأَنَّى يُجِيبُوا وَقَدْ جَيِّفُوا؟ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ. وَلَكِنَّهُمْ لاَ يَقْدِرُونَ أَنْ يُجِيبُوا)) ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ فَسُحِبُوا. فَأُلْقُوا فِي قَلِيبٍ بَدْرٍ . ٧٧ - (٢٨٧٤) - قوله: (عن أنس بن مالك) هذا الحديث أخرجه المصنف فقط فيما بين الأئمة الستّة. وأخرجه أحمد في مسنده (٣: ٢٨٧). قوله: (ترك قتلى بدر ثلاثاً) وفي حديث أبي طلحة عند البخاري في المغازي (رقم: ٣٩٧٦): ((أن نبيّ الله وَلّ أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلاً من صناديد قريش، فقُذفوا في طويّ من أطواء بدر خبيث مُخبث. وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال. فلما كان ببدر اليوم الثالث، أمر براحلته فشُدّ عليها رحلها، ثم مشى واتّبعه أصحابه وقالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شفة الركيّ، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم)). قوله: (يا أميّة بن خلف) استشكل بأن أمية بن خلف لم يكن في القليب، لأنه كان ضخماً فانتفخ، فألقوا عليه من الحجارة والتراب ما غيّبه، أخرج ذلك ابن إسحاق من حديث عائشة. لكن يجمع بينهما بأنه كان قريباً من القليب، فنودي فيمن نودي، لكونه كان من جملة رؤسائهم. كذا في فتح الباري (٧: ٣٠٢). قوله: (كيف يسمعوا) قال النووي: ((هكذا هو في عامة النسخ المعتمدة: (كيف يسمعوا، وأنّى يجيبوا) من غير نون، وهي لغة صحيحة وإن كانت قليلة الاستعمال)). قوله: (وقد جيّفوا) بفتح الجيم وتشديد الياء، أي: أنتنوا، وصاروا جيّفاً. يقال: جيّف الميت وجاف، وأجاف، وأروح، وأنتن بمعنى. كذا في شرح النووي والأبي. قوله: (ما أنتم بأسمع لما أقول منهم) به استدل من قال بسماع الموتى، وتأولته عائشة بقولها: ((ما قال: إنهم ليسمعون ما أقول، إنما قال: إنهم الآن ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق)) أخرجه البخاري في المغازي (رقم: ٣٩٧٩) وقال قتادة: ((أحياهم الله تعالى، حتى أسمعهم قوله، توبيخاً وتصغيراً ونقيمة وحسرة وندماً)) أخرجه البخاري أيضاً (رقم: ٣٩٧٦) باب قتل أبي جهل من المغازي. وقد سبق الكلام على مسألة سماع الموتى في هذا الباب قريباً. قوله: (ثم أمر بهم فسُحبوا، فألقوا في قليب بدر) القليب: البئر، أو العادّية القديمة منها، ويؤنث، جمعه أقلبة وقُلْب وقُلُب، كما في القاموس. وظاهر هذا الحديث أنهم ألقوا في القليب ٦ : ١٩٦ الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٧١٥٣ - (٧٨) حدّثني يُوسُفُ بْنُ حَمَّادِ الْمَعْنِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَىَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ. ح وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم. حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ. حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ. قَالَ: ذَكَرَ لَنَا أَنَسُ بْنُ مَأَلِكِ، عَنْ أَبِي طَلْحَةً قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ، وَظَهَرَ عَلَيْهِمْ نَبِيُّ اللّهِ وَّهِ أَمَرَ بِبِضْعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلاً . (وَفِي حَدِيثِ رَوْحٍ، بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلاً) مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ. فَأَلْقُوا فِي طَوِيٍّ مِنْ أَظْوَاءِ بَدْرٍ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ، بِمَعْنَى حَدِيثٍ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍٍ. (١٨) - باب: إثبات الحساب ٧١٥٤ _ (٧٩) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ. جَمِيعاً عَنْ إِسْمَاعِيلَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةً. بعد مخاطبة رسول الله ◌َّي﴿ إياهم، ويعارضه ما مرّ من حديث أبي طلحة، حيث ذكر قذفهم في طويّ قبل المخاطبة، وكذلك أخرج البخاري عن ابن عمر: ((وقف النبيّ وَّرِ على قليب بدر، فقال: هل وجدتم إلخ)) وظاهره أنهم كانوا في القليب حين خاطبهم النبيّ وَّر، ولم أر أحداً من الشرّاح تعرّض لهذا التعارض، ويمكن أن يجمع بينهما بأن بعضهم كان مقذوفاً في القليب قبل المخاطبة، وبعضهم كان خارجها، فألقي فيها بعد المخاطبة، كما قدّمنا عن الحافظ في أميّة بن خلف، والله أعلم. ٧٨ - (٢٨٧٥) - قوله: (عن أبي طلحة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الجهاد، باب من غلب العدوّ فأقام على عرصتهم ثلاثاً (٣٠٦٥)، وفي المغازي، باب قتل أبي جهل (٣٩٧٦). قوله: (بأربعة وعشرين رجلاً من صناديد قريش) فالمذكور في حديث أنس السابق أربعة منهم، وسمى الحافظ الباقين في الفتح (٧: ٣٠٢) على سبيل الاحتمال، فذكر فيهم عبيدة، والعاص والد أبي أحيحة، وسعيد بن العاص بن أمية، وحنظلة بن أبي سفيان، والوليد بن عتبة، والحارث بن عامر، وطعيمة بن عدي، ونوفل بن خويلد، وزمعة بن الأسود، وأخوه عقيل، والعاصي بن هشام أخو أبي جهل، وأبو قيس بن الوليد أخو خالد، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج السهمي، وعلي بن أمية بن خلف، وعمرو بن عثمان عم طلحة أحد العشرة، ومسعود بن أبي أمية أخو أم سلمة، وقيس بن الفاكه بن المغيرة، والأسود بن عبد الأسود أخو أبي سلمة، وأبو العاص بن قيس السهمي، وأميمة بن رفاعة. فهؤلاء العشرون تنضم إلى الأربعة فتكمل العدّة. قوله: (في طويّ) يعني: بئراً مطوية. (١٨) - باب: إثبات الحساب ٧٩ - (٢٨٧٦) - قوله: (عن عائشة) هذا الحديث أخرجه البخاري في العلم، باب من ١٩٧ كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((مَنْ حُوسِبَ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، عُذِّبَ)) فَقُلْتُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨]؟ فَقَالَ: ((لَيْسَ ذَاكِ الْحِسَابُ. إِنَّمَا ذَاكَ الْعَرْضُ. مَنْ تُوقِشَ الْحِسَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُذِّبَ)). ٧١٥٥ - (٠٠٠) حدّثني أَبُو الرَّبِيع الْعَتَكِيُّ وَأَبُو كَامِلٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ. حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. ٧١٥٦ - (٨٠) وحدّثني عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرِ بْنِ الْحَكَمِ الْعَبْدِيُّ. حَدَّثَنَا يَحْيَى، (يَعْنِ ابْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ)، حَدَّثَنَا أَبُو يُونُسَ الْقُشَيْرِيُّ. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ، سمع شيئاً فراجع حتى يعرفه (١٠٣)، وفي تفسير سورة إذا السماء انشقت، باب ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ﴾﴾ (٤٩٣٩)، وفي الرقاق، باب من نوقش الحساب عذّب (٦٥٣٦ و ٦٥٣٧)، وأخرجه أبو داود في الجنائز، باب عيادة النساء (٣٠٩٣)، والترمذي في صفة القيامة، باب من نوقش الحساب عُذّب (٢٤٢٦)، وفي تفسير سورة إذا السماء انشقت (٣٣٣٧). قوله: (فسوف يحاسب حساباً يسيراً) وأخرج أحمد من وجه آخر عن عائشة: (سمعت رسول الله (858* يقول في بعض صلاته: اللهم حاسبني حساباً يسيراً، فلما انصرف قلت: يا رسول الله ما الحساب اليسير؟ قال: أن ينظر في كتابه فيتجاوز له عنه، إن من نوقش الحساب يا عائشة يومئذ هلك)) ذكره الحافظ في الفتح (١١: ٤٠١). قوله: (إنّما ذاكَ العرض) قال القرطبي: ((معنى: قوله إن الحساب المذكورة في الآية إنما هو أن تعرض أعمال المؤمن عليه حتى يعرف منة الله عليه في سترها عليه في الدنيا وفي عفوه عنها في الآخرة، كما في حديث ابن عمر في النجوى))، وحديث النجوى الذي أشار إليه القرطبي ما مرّ في كتاب التوبة، آخر باب قبول توبة القاتل، ولفظه: ((قال رجل لابن عمر: كيف سمعت رسول الله ير يقول في النجوى؟ قال: سمعته يقول: يُدنى المؤمن يوم القيامة من ربّه عزّ وجلّ، حتى يضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه، فيقول: هل تعرف؟ فيقول: أي: ربّ! أعرف. قال: فإنّي سترتها عليك في الدنيا، وإنّي أغفرها لك اليوم)). قوله: (من نوقش الحساب يوم القيامة عذّب) قال النووي: ((معنى (نوقش): استقصي عليه. قال القاضي: وقوله (عذب) له معنيان: أحدهما: أن نفس المناقشة وعرض الذنوب والتوقيف عليها هو التعذيب لما فيه من التوبيخ. والثاني: أنه مفض إلى العذاب بالنار، ويؤيده قوله في الرواية الأخرى: (هلك) مكان (عذّب). هذا كلام القاضي. وهذا الثاني هو الصحيح. ومعناه أن التقصير غالب في العباد، فمن استقصي عليه ولم يسامح هلك ودخل النار، ولكن الله يعفو ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء)). ٨٠ - (٠٠٠) - قوله: (حدثنا ابن أبي مليكة، عن القاسم) هذا مما استدركه الدارقطني على ١٩٨ الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: (لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ إِلَّ هَلَكَ)) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: حِسَاباً يَسِيراً؟ قَالَ: ((ذَاكَ الْعَرْضُ. وَلَكِنْ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ)). ٧١٥٧ - (٠٠٠) وحدّثنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ. حَدَّثَنِي يَحْيَى (وَهُوَ الْقَطَّانُ) عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنِ ابْنٍ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةً، عَنِ النَّبِيِّ وَّ قَالَ: ((مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ)) ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلٍ حَدِيثٍ أَبِي يُونُسَ. (١٩) - باب: الأمر بحسن الظن باللّه تعالى، عند الموت ٧١٥٨ - (٨١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ. قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَِّ، قَبْلَ وَفَاتِهِ بِثَلاثٍ، يَقُولُ: ((لاَ يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلاَّ وَهُوَ يُحْسِنُ بِاللَّهِ الظَّنَّ». ٧١٥٩ - (٠٠٠) وحدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، مسلم، لأن هذه الرواية دلت على أن ابن أبي مليكة لم يسمع هذا الحديث عن عائشة بلا واسطة، وإنما سمعها بواسطة القاسم، لكن أخرجه المصنف فيما مضى من طريق أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، ولم يذكر القاسم. وتعقبه النووي وغيره بأنه محمول على أنه سمع هذا الحديث مرة عن عائشة بلا واسطة، وأخرى بواسطة القاسم، فرواه بكلا الوجهين. قلت: ويؤيده أن البخاري أخرجه في الرقاق من طريق عثمان بن الأسود قال: سمعت ابن أبي مليكة قال: سمعت عائشة رضيّا إلخ فصرّح فيه بأن ابن أبي مليكة سمعه من عائشة، وسقط احتمال إسقاط رجل من السند. (١٩) - باب: الأمر بحسن الظنّ بالله تعالى عند الموت ٨١ - (٢٨٧٧) - قوله: (عن جابر) هذا الحديث أخرجه أيضاً أبو داود في الجنائز، باب ما يستحب من حسن الظنّ بالله عند الموت (٣١١٣). قوله: (وهو يحسن بالله الظنّ) قال النووي: ((قال العلماء: معنى حسن الظنّ بالله تعالى أن يظنّ أنه يرحمه ويعفو عنه. قالوا: وفي حالة الصحة يكون خائفاً راجياً، ويكونان سواء، وقيل: يكون الخوف أرجح، فإذا دنت أمارات الموت غلب الرجاء أو محضه، لأن مقصود الخوف الانكفاف عن المعاصي والقبائح، والحرص على الإكثار من الطاعات والأعمال، وقد تعذر ذلك أو معظمه في هذا الحال، فاستحب إحسان الظن المتضمن للافتقار إلى الله تعالى والإذعان له، ويؤيده الحديث المذكور بعده: ((يبعث كل عبد على ما مات عليه)) ولهذا عقّبه مسلم للحديث الأول)). ١٩٩ كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ وَأَبُو مُعَاوِيَةً. كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. ٧١٦٠ - (٨٢) وحدّثني أَبُو دَاوُدَ، سُلَيْمَانُ بْنُ مَعْبَدٍ. حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، عَارِمٌ. حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ. حَدَّثَنَا وَاصِلٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ بَّهَ، قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلاَثَةِ أَيَّامِ، يَقُولُ: ((لاَ يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّ وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ)) . ٧١٦١ - (٨٣) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ. قَالاَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ. قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَّهَ يَقُولُ: ((يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ». ٧١٦٢ - (٠٠٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِع، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. وَقَالٍّ: عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهُ. وَلَمْ يَقُلْ: سَمِعْتُ. ٧١٦٣ - (٨٤) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيِيُّ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. أَخْبَرَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَقُولُ: ((إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ عَذَاباً، أَصَابَ الْعَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ، ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى أَعَمَالِهِمْ)). ٨٣ - (٢٨٧٨) - قوله: (عن أبي سفيان عن جابر) هذا الحديث أخرجه المصنف فقط فيما بين الأئمة السّة، وأخرجه أحمد في مسنده (٣: ٣٣١ و ٣٦٦). قوله: (يبعث كل عبد على ما مات عليه) أي: يُبعث على الحالة التي مات عليها. قال القاضي عياض رحمه الله: (ولله درّ مسلم في ذكر هذا الحديث عقب الذي قبله، ويدل على سعة معرفته، لأنه أورده كالتفسير له، ثم جاء بعده بالآخر لقوله: ((بعثوا على أعمالهم))، ليرى أن ذلك الحديث الذي قبله وإن كان مفسّراً لما قبله، فليس مقصوراً عليه، وإنما هو عامّ فيه وفي غيره، بدليل هذا الآخر. ثم وصل به ابتداء أحاديث الفتن، وقدّم فيها حديث الجيش الذي يخسف بهم، ثم قال: ((يبعثهم الله على نيّاتهم))، كذا في شرح الأبيّ. ٨٤ - (٢٨٧٩) - قوله: (أن عبد الله بن عمر قال) هذا الحديث تفرد بإخراجه المصنف أيضاً من بين الأئمة الستّة، وأخرجه أحمد في مسنده (٢: ٤٠). قوله: (أصاب العذاب من كان فيهم) المراد منه العذاب الدنيوي، فإنه يعمّ المطيع والعاصي، وهو مفاد قوله تعالى: ﴿وَأَثَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَضَةٌ﴾ فالعذاب ٢٠٠ الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ۔ يصيب المطيع أيضاً، إمّا لكونه لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر على ما ينبغي، وإمّا لتعجيل ثوابه في الآخرة. وقوله عليه السّلام: ((ثم بعثوا على أعمالهم)) معناه: أن العذاب الدنيوي وإن عمّ المطيع والعاصي، ولكن المجازاة في الآخرة إنما تكون حسب الأعمال، فيستحق العاصي العقوبة والمطيع الثواب. والله سبحانه وتعالى أعلم. قد تمّ شرح كتاب صفة الجنة والنّار قبيل العصر من اليوم السابع من شهر ربيع الآخر سنة ١٤١٤ من الهجرة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام. وأسأل الله سبحانه أن يوفقني لإكمال باقي الشرح على ما يحبه ويرضاه، إنه تعالى على كل شيء قدير.