النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار
٠٠٠٪ - وحدّثنيه أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدارِمِيُّ. حَدَّثَنَا حَبَّانُ. حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا
سُهَيْلٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.
(٢٠) - باب: استحباب الدعاء عند صياح الديك
٦٨٥٧ _ (٨٢) حدّثني قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ
الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ قَالَ: ((إِذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ، فَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنَ
فَضْلِهِ. فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكاً. وَإِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحِمَارِ، فَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّهَا رَأَتْ
شَيْطَاناً» .
ربّنا وربّ كل شيء، منزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، أعوذ بك من شرّ كل ذي شرّ،
ومن شرّ كل دابة أنت آخذ بناصيتها، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك
شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن، فليس دونك شيء، اقض عني الدين
وأغنني من الفقر» وقد مرّ نحوه من رواية أبي هريرة في باب ما يقول عند النّوم، غير أن
المصنف تَكُ فرّقه حديثين، فأخرج قطعة هناك وأخرى ههنا .
(٢٠) - باب: استحباب الدعاء عند صياح الديك
٨٢ - (٢٧٢٩) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في بدأ الخلق، باب
خير مال المسلم غنم يتبع به شغف الجبال (٣٣٠٣)، وأبو داود في الأدب، باب ما جاء في
الديك والبهائم (٥١٠٢)، والترمذي في الدعوات، باب ما يقول إذا سمع نهيق الحمار (٣٤٥٥).
قوله: (الدِّيكة) جمع ديك، ويجمع في القلّة على أدياك، وفي الكثرة على ديوك وديكة.
وقال ابن سيدة: الديك ذكر الدجاج. وعن الداودي: وقد يسمى الديك دجاجة، والدجاجة تقع
على الذكر والأنثى.
قوله: (فإنّها رأت مَلَكَأ) هذا بإدراك يخلقه الله تعالى منه. وقال القاضي عياض تغذّتُهُ: ((إنما
أمرنا بالدعاء حينئذ لتؤمّن الملائكة وتستغفر وتشهد للداعي بالتضرع والإخلاص)) واستدل النووي
وغيره على استحباب الدعاء عند حضور الصالحين. وورد في صحيح ابن حبان: ((لا تسبّوا
الديك فإنه يدعو إلى الصلاة)) وفي رواية البزار: ((صرخ ديك قريب من رسول الله وَله، فقال
رجل: اللهمّ العنه. فقال النبيّ وَّر: مه، كلا، إنه يدعو إلى الصلاة)) ذكره العيني في عمدة
القارىء (٧: ٢٩٥ و٢٩٦).
قوله: (وإذا سمعتم نهيق الحمار) قال العيني: ((وهو صوته المنكر. وإنما أمر بالتعوذ عنده
لحضور الشيطان، فيخاف شرّه فيتعوذ منه. وروى أبو موسى الأصبهاني في ترغيبه من حديث أبي
رافع قال: قال رسول الله وَله: لا ينهق الحمار حتى يرى شيطاناً، ويمثل له شيطان، فإذا كان
كذلك فاذكروا الله تعالى وصلّوا عليّ)).

٤٦٢
الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٢١) - باب: دعاء الكرب
٦٨٥٨ - (٨٣) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، (وَاللَّفْظُ
لابْنِ سَعِيدٍ)، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ. حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنِ
ابْنِ عَبَّاسِ؛ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ وَ﴿ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ: ((لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ. لاَ
إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ. لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الْأَرَضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ
الْكَرِیم».
وقال الأبّي: ((فيه مرجوحية كسب الحمار، لأن كسبه ملزوم بدخول الشيطان المنزل.
وأجيب بأنه إنما قال: رأت شيطاناً، وليست الرؤية ملزومة للدخول. بل قد يقال: فيه راجحيّة
كسبه، لأن الشّيطان يدخل ولا يرى، والحمار بنهيقه ينّه على طرده بالتعوذ. وقد كان له وَ لّ حمار
یسمی یعفوراً)).
(٢١) - باب: دعاء الكرب
٨٣ - (٢٧٣٠) - قوله: (عن ابن عباس) هذا الحديث أخرجه البخاري في الدعوات، باب
الدعاء عند الكرب (٦٣٤٥)، وفي التوحيد، باب: وكان عرشه على الماء (٧٤٢٦)، وباب قول
الله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَبِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ (٧٤٣١)، وأخرجه الترمذي في الدعوات، باب ما يقول عند
الكرب (٣٤٣١)، وابن ماجه في الدعاء، باب الدعاء عند الكرب (٣٩٢٩).
قوله: (كان يقول عند الكرب) بفتح الكاف وسكون الراء، هو ما يدهم المرء مما يأخذ
بنفسه فيغمّه ويحزنه. يعني: أن رسول الله وَّ ر كان يقول هذه الكلمات إذا نزل به ما يحزنه.
قوله: (ربّ العرش العظيم) رواه الداوديّ برفع ((العظيم)) على أنه نعت للربّ تعالى، ورواه
الجمهور بالجرّ على كونه صفة للعرش. وكذا اختلفت القراءات في قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ
اُلْعَظِيمِ﴾ .
قال الطيبي: ((صدر هذا الثناء بذكر الربّ ليناسب كشف الكرب، لأنه مقتضى التربية،
والحلم الذي يدل على العلم، إذ الجاهل لا يتصور منه حلم ولا كرم، وهما أصل الأوصاف
الإكرامية)).
قوله: (وربّ العرش الكريم) على اختلاف الروايات في رفع ((الكريم)) وجرّه. وزاد
البخاري في الأدب المفرد بعد هذا: ((اللهمّ اصرف عنّي شرّه)).
وقد ذكر الحافظ في الفتح (١١: ١٤٧) عدّة واقعات دعا فيها السّلف بهذا الدعاء في محن
أصابتهم، ففرج الله سبحانه وتعالى عنهم. ومن دعوات الكرب ما أخرجه أصحاب السنن إلا
الترمذي عن أسماء بنت عميس، قالت: قال لي رسول الله وَله: «ألا أعلمك كلمات تقولينهن

٤٦٣
كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار
٦٨٥٩ - (٠٠٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامِ، بِهَذَا
الإِسْنَادِ. وَحَدِيثُ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ أَتَّمُّ.
٦٨٦٠ - (٠٠٠) وحدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ الْعَبْدِيُّ. حَدَّثَنَا
سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ؛ أَنَّ أَبَا الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيَّ حَدَّثَهُمْ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ وَلِ كَانَ يَدْعُو بِهِنَّ وَيَقُولُهُنَّ عِنْدَ الْكَرْبِ، فَذَكَرَ بِمِثْلٍ حَدِيثٍ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ،
عَنْ أَبِهِ، عَنْ قَتَادَةَ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)).
٦٨٦١ - (٠٠٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم. حَدَّثَنَا بَهْزٌ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ.
أَخْبَرَنِي يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِّي الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَل
كَانَ، إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ، قَالَ. فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ مُعَاذٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَزَادَ مَعَهُنَّ: ((لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ
رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾.
(٢٢) - باب: فضل سبحان الله وبحمده
٦٨٦٢ - (٨٤) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا حَبَّان بْنُ هِلاَلٍ. حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ.
حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجِسْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ؛ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ وَ لِهِ سُئِلَ: أَيُّ الْكَلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((مَا اضْطَفَى اللَّهُ لِمَلاَئِكَتِهِ أَوْ لِعِبَادِهِ: سُبْحَانَ
اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ».
عند الكرب؟ الله الله ربّي لا أشرك به شيئاً)). وأخرجه الطبري من طريق أبي الجوزاء عن ابن
عباس مثله. ولأبي داود وصححه ابن حبان عن أبي بكرة رفعه: ((دعوات المكروب: اللهم
رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كلّه، لا إله إلا أنت)).
قوله: (حزبه أمر) أي: نابه وألم به أمر شديد.
(٢٢) - باب: فضل سبحان الله وبحمده
٨٤ - (٢٧٣١) - قوله: (عن أبي ذرّ) هذا الحديث أخرجه الترمذي في الدعوات، باب أيّ
الكلام أحبّ إلى الله (٣٥٨٧).
قوله: (ما اصطفى الله) إلخ يعني: أفضل الكلام هو الذي اختاره الله تعالى لملائكته
وعباده، وهو ((سبحان الله وبحمده)) وتقدم شرح هذه الكلمة مبسوطاً في باب فضل التهليل
والتسبيح والدعاء. وقد وقع عند الترمذي برواية إسماعيل بن إبراهيم عن الجريريّ: ((سُبحان ربّي
وبحمده» .

٤٦٤
الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٦٨٦٣ - (٨٥) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، عَنْ شُعْبَةَ،
عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجِسْرِيِّ، مِنْ عَنَزَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي
ذَرُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((أَلاَ أُخَبِرُكَ بِأَحَبِ الْكَلاَمَ إِلى اللَّهِ؟)) قُلَّتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،
أَخْبِرْنِ بِأَحَبُّ الْكَلاَمِ إِلَى اللَّهِ. فَقَالَ: ((إِنَّ أَحَبَّ الْكَلاَمِ إِلَّى اللَّهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ) .
(٢٣) - باب: فضل الدعاء للمسلمين بظهر الغيب
٦٨٦٤ - (٨٦) حدّثني أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصِ الْوَكِيعِيُّ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ.
حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيٍ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللّهِ بِهِ: (مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَدْعُوَ لأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ، إِلاَّ قَالَ الْمَلَكُ: وَلَكَ،
بمثلٍ)).
٦٨٦٥ - (٨٧) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ. حَدَّثَنَا
٨٥ - ( ... ) - قوله: (عن أبي عبد الله الجسريّ من عنزة) اسمه حِمْيَريّ بن بشير، وهو
اسم بلفظ النسبة، و((الجسريّ)) بفتح الجيم وسكون السين، نسبة إلى جسر، وهو بطن من عنزة
وقضاعة، كما في التقريب. وهو من ثقات التابعين، ولم يسمع من أبي ذرّ وأبي الدرداء. أخرج
عنه البخاري في الأدب المفرد، ولم يخرج عنه في الصحيح.
(٢٣) - باب: فضل الدعاء للمسلمين بظهر الغيب
٨٦ - (٢٧٣٢) - قوله: (طلحة بن عبيد الله بن كريز) بفتح الكاف وكسر الراء، كما في
الخلاصة، وهو أبو المطرف الكوفي ويقال: المصري، روى عن عدة من الصحابة. قال ابن
سعد: كان قليل الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كلما يجيء في الأخبار ((كریز))
يعني بضم الكاف إلا هذا ليس له في الصحيح إلا هذا الحديث، وراجع التهذيب (٥: ٢٢).
قوله: (عن أبي الدرداء) هذا الحديث أخرجه أبو داود في الصلاة، باب الدعاء بظهر
الغيب (١٥٣٤)، وابن ماجه في المناسك، باب فضل دعاء الحاجّ (٢٩٢٧).
قوله: (بظهر الغيب) أي: في غيبة المدعو له وفي سرّه، لأنه أبلغ في الإخلاص. وفيه
فضل الدعاء لأخيه المسلم بظهر الغيب، ولو دعا لجماعة من المسلمين حصلت هذه الفضيلة.
ولو دعا لجملة المسلمين، فالظاهر حصولها أيضاً. وكان بعض السلف إذا أراد أن يدعو لنفسه،
يدعو لأخيه المسلم بتلك الدعوة، لأنها تستجاب، ويحصل له مثلها. كذا في شرح النووي.
قوله: (ولك بمثل) رواه أكثر الرواة بكسر الميم وسكون الثاء، ورواه بعضهم بفتحهما،
ومعناهما واحد.

٤٦٥
كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار
مُوسَى بْنُ سَرْوَانَ الْمُعَلِّمُ، حَدَّثَنِي طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيزِ. قَالَ: حَدَّثَنْنِي أُمُّ الدَّرْدَاءِ،
قَالَتْ: حَدَّثَنِي سَيِّدِي؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَقُولُ: ((مَنْ دَعَا لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ، قَالَ
الْمَلَكُ الْمُؤَكَّلُ بِهِ : آمِينَ. وَلَكَ بِمِثْلٍ)).
٦٨٦٦ - (٨٨) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ
الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ صَفْوَانَ، (وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ)،
وَكَانَتْ تَحْتَهُ الدَّرْدَاءُ. قَالَ قَدِمْتُ الشَّامَ. فَأَتَيْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فِي مَنْزِلِهِ فَلَمْ أَجِدْهُ. وَوَجَدْتُ
أُمَّ الدَّرْدَاءِ. فَقَالَتْ: أَتُرِيدُ الْحَجَّ، الْعَامَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَتْ: فَادْعُ اللَّهَ لَنَا بِخَيْرٍ، فَإِنَّ
النَّبِيَّ وَِّ كَانَ يَقُولُ: ((دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لأَخِيهِ، بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ. عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكْ
مُؤَكَّلٌ. كُلَّمَا دَعَا لِأَخِيهِ بِخَيْرٍ، قَالَ الْمَلَكُ الْمُؤَكَّلُ بِهِ: آمِينَ. وَلَكَ بِمِثْلٍ)).
2732 - قَالَ: فَخَرَجْتُ إِلَى السُّوقِ فَلَقِيتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ. فَقَالَ لِي مِثْلَ ذَلِكَ. يَرْوِيهِ
عَنِ النَّبِيِّ وََّ.
٦٨٦٧ - (٠٠٠) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ
عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. وَقَالَ: عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
صَفْوَانَ .
(٢٤) - باب: استحباب حمد الله تعالى بعد الأكل والشرب
٦٨٦٨ - (٨٩) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ، (وَاللفْظُ لابْنٍ نُمَيْرٍ)، قَالاً:
حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ
أَنَسِ بْنِ مَالِكِ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ:
٨٧ - ( ... ) - قوله: (حدثنا موسى بن سروان المعلّم) كذا رواه الأكثرون ((سروان))
بالسين، ورواه بعضهم ((ثروان)) بالثاء، ويقال ((فروان)) بالفاء. وذكره الحافظ في التهذيب باسم
(موسى بن ثروان)) وهو من تبع الأتباع، وثقه ابن معين، وذكره ابن حبان في الثقات، وراجع
التهذيب (١٠ : ٣٣٨).
قوله: (حدثني سيّدي) تعني به: زوجها أبا الدرداء ◌ُبه، وفيه توقير المرأة لزوجها. وأم
الدرداء اسمها هجيمة .
(٢٤) - باب: استحباب حمد الله تعالى بعد الأكل والشرب
٨٩ - (٢٧٣٤) - قوله: (عن أنس بن مالك) هذا الحديث أخرجه الترمذي في الأطعمة،
باب ما جاء في الحمد إذا فرغ من الطعام (١٨١٧).

٤٦٦
الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا. أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا)) .
وحدّثنيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْرَقُ. حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، بِهَذَا
الإِسْنَادِ.
(٢٥) - باب: بيان أنه يستجاب للداعي
ما لم يعجل فيقول: دعوت فلم يستجب لي
٦٨٦٩ - (٩٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ،
عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، مَوْلَى ابْنٍ أَزْهَرَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِّ قَالَ: ((يُسْتَجَابُ
لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ فَيَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ فَلاَ، أَوْ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي)) .
٦٨٧٠ - (٩١) حدّثني عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ لَيْثٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي.
حَدَّثَنِي عُقْيَلُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدٍ، مَوْلَى
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ. وَكَانَ مِنَ الْقُرَّاءِ وَأَهْلِ الْفِقْهِ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ
قوله: (يأكل الأكْلَة) هو مرّة من الأكل. قال النووي: ((وفيه استحباب حمد الله تعالى
عقب الأكل والشرب. وقد جاء في البخاري صفة التحميد: ((الحمد لله حمداً كثيراً طيّباً طيّباً
مباركاً فيه غير مكفيّ ولا موّع ولا مستغني عنه ربّنا)). وجاء غير ذلك، ولو اقتصر على
((الحمد لله)) حصل أصل السنة)).
(٢٥) - باب: بيان أنه يستجاب للدّاعي ما لم يعجل إلخ
٩٠ - (٢٧٣٥) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الدعوات، باب
يستجاب للعبد ما لم يعجل (٦٣٤٠)، وأبو داود في الصلاة، باب الدعاء (١٤٨٤)، والترمذي
في الدعوات، (باب: ١٤٥، حديث: ٣٦٠٢ و ٣٦٠٣)، ومالك في القرآن من الموطأ، باب ما
جاء في الدعاء، وابن ماجه في الدعاء، باب يستجاب لأحدكم ما لم يعجل (٣٨٩٨).
قوله: (يستجاب لأحدكم) واعلم أن إجابة الدعاء يكون بإحدى الطرق الثلاثة: إما أن
يعطى الداعي ما طلبه بعينه، أو يعطى ما هو أفضل منه في الدنيا، أو يدّخر له ثواب الدعاء في
الآخرة، فيكون أفضل مما طلبه فمن لم يحصل له في الدنيا ما طلبه بالدعاء لا ينبغي له أن
يقول: لم يستجب لي، لأنه يحتمل أن يتأخر مطلوبه لمصلحة الله أعلم بها، ويحتمل أن يكون
قد أعطى أفضل من مطلوبه في الدنيا والآخرة. فقوله ((لم يستجب لي)) كأنه يعتب على الله
عزّ وجلّ - والعياذ بالله - جسارة في جناب الله تعالى تحرمه من كل واحد من الطرق الثلاثة
لإجابة الدعاء.

٤٦٧
كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار
رَسُولُ اللَّهِ وَله: (يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، فَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ رَبِّي فَلَمْ يَسْتَجِبْ
لي)».
٦٨٧١ - (٩٢) حدّثني أَبُو الطَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ، (وَهُوَ ابْنُ
صَالِحٍ)، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي إِذْرِيسَ الْخَوْلاَنِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َلِّهِ؛
أَنَّهُ قَالَ: ((لاَ يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِثم أَوْ قَطِيعَةِ رَحِم. مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ)). قِيلَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الإِسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: ((يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ، وَقَذَ دَعَوْتُ، فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ
لِ. فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ، وَيَدَعُ الدُّعَاءَ)).
':
٩٢ - ( ... ) - قوله: (فيستحسر عند ذلك) قال أهل اللغة: يقال: حَسِر واستحسر: إذا
أعيا وانقطع عن الشيء، والمراد هنا أنه ينقطع عن الدعاء، ومنه قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ
عِبَادَتِهِ، وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [سورة الأنبياء، آية ١٩]، أي: لا ينقطعون عنها. كذا في شرح النووي.
ودلّ الحديث: على أدب عظيم من آداب الدعاء، وهو أنه يلازم الطلب ولا ييأس من
الإجابة، لما في ذلك من الانقياد والاستسلام وإظهار الافتقار، حتى قال بعض السلف: ((لأنا
أشدّ خشية أن أحرم الدعاء من أن أحرم الإجابة)) وكأنه أشار إلى حديث ابن عمر رفعه: ((من فتح
له منكم باب الدعاء فتحت له أبواب الرحمة)) الحديث أخرجه الترمذي بسند لين، وصححه
الحاكم فوهم. كذا في فتح الباري (١١ : ١٤١).
ومن جملة آداب الدعاء: تحري الأوقات الفاضلة، كالصلاة، والسجود، وعند الأذان،
ومنها تقديم الوضوء والصلاة، واستقبال القبلة، ورفع اليدين، وتقديم التوبة، والاعتراف
بالذنب، والإخلاص وافتتاحه بالحمد والثناء والصلاة على النبيّ وَّة، والسؤال بالأسماء
الحسنى، والله سبحانه أعلم.
قد تمّ شرح كتاب الذكر والدعاء بتوفيق الله تعالى ظهيرة يوم الثلاثاء الرابع من شهر ذي
القعدة سنة ١٤١٣هـ، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقني لإكمال باقي الشرح بالعافية على ما
يحبه ويرضاه. إنه تعالى سميع قريب مجيب الدعوات.

٤٦٨
الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ
كتاب: الرقاق
(٢٦) - باب: أكثر أهل الجنة الفقراء،
وأكثر أهل النار النساء، وبيان الفتنة بالنساء
٦٨٧٢ - (٩٣) حدّثْنا هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ. حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ. ح وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ
حَرْبٍ. حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذِ الْعَنْبَرِيُّ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى. حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ.
ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ. كُلُّهُمْ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو
كَامِلٍ، فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ، (وَاللَّفْظُ لَهُ)، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع. حَدَّثَنَا التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي
عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيَّدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ: ((قُمْتٌ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ. فَإِذَا عَامَّةُ
كتاب الرقاق
الرِّقاق والرّقائق جمع رقيقة، وسميت الأحاديث التي تذكر في هذا الكتاب رقاقاً لأنها
تحدث في القلب رقّة وتزيل منها القسوة والغفلة، وتذكّر الآخرة، وتنشىء الإنابة إلى الله تعالى.
قال أهل اللغة: الرّقة: الرحمة وضدّ الغلظ، ويقال لكثير الحياء: رقّ وجهه استحياءاً. وقال
الراغب: متى كانت الرقّة في جسم فضدّها الصفاقة كثوب رقيق وثوب صفيق، ومتى كانت في
نفس فضدّها القسوة، كرقيق القلب وقاسي القلب.
وأفرد جماعة الأحاديث الرقاق بالتأليف، فمن أشهرها كتاب الزهد والرقائق لعبد الله بن
المبارك، ومنها كتاب الزهد لأحمد بن حنبل، وكتاب الزهد لوكيع بن الجرّاح. وقد ذكرها
جماعة من المحدِّثين في كتبهم في باب مستقل، منهم البخاري ومسلم والنسائي في السنن
الكبرى .
(٢٦) - باب: أكثر أهل الجنة الفقراء، وأكثر أهل النار النساء إلخ
٩٣ - (٢٧٣٦) - قوله: (عن أسامة بن زيد) هذا الحديث أخرجه البخاري في النكاح، باب
لا تأذن المرأة في بيت زوجها لأحد إلا بإذنه (٥١٩٦)، وفي الرقاق، باب صفة الجنّة
والنّار (٦٥٤٧).
قوله: (قمت على باب الجنّة) يحتمل: أن يكون وقع ذلك في ليلة الإسراء، أو في المنام،

٤٦٩
کتاب الرقاق
مَنْ دَخَلَهَا الْمَسَاكِينُ. وَإِذَا أَضْحَابُ الْجَدْ مَحْبُوسُونَ. إِلاَّ أَضْحَابَ النَّارِ. فَقَدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى
النَّارِ. وَقُمْتُ عَلَى بَابِ النَّارِ. فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا النِّسَاءُ)).
٦٨٧٣ - (٩٤) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ
أَبِي رَجَاءِ الْعُطَارِدِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسِ يَقُولُ: قَالَ مُحَمَّدٌ وَّهِ: ((اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ
فَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ. وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ)).
وذكر الداودي احتمالاً آخر، وهو أن يكون وقع ذلك حين كسفت الشمس وأُري
رسول الله ار الجنة والنار.
قوله: (وأصحاب الجَدِّ محبوسون) الجدّ: الحظّ والنصيب، والمراد من أصحاب الجدّ
هنا: الأغنياء وذووا الوجاهة في الدنيا، وإنما حبسوا من أجل المحاسبة على أموالهم، وهذا
محمول على الأكثرية. قال الأبّي: ((لا يدل على أن غيرهم لم يكن حينئذ دخلها، إذ لا يقول
أحد: إن أبا ذر وأهل الصفة أفضل من عثمان وابن عوف ﴿ه)) وتعقبه السنوسي بأن التقدم في
الدخول لا يؤذن بالأفضلية بل بخفة الحساب فقط.
قوله: (إلا أصحاب النار) يعني: أن من قُضي بكونه من أهل النار فإنه لا يحبس، بل
يعجّل مسيره إليها والعياذ بالله.
قوله: (فإذا عامّة من دخلها النساء) وقد ذكر النبيّ وَّ ﴿ سبب ذلك في الحديث المعروف
أنهنّ يكثرن اللعن ويكفرن العشير. ومن المشاهد أنهن أميل إلى زخارف الدنيا وإيثار العاجلة
على العاقبة - والله أعلم - .
٩٤ - (٢٧٣٧) - قوله: (سمعت ابن عبّاس يقول) هذا الحديث أخرجه البخاري في بدء
الخلق، باب ما جاء في صفة الجنّة (٣٢٤١)، وفي النكاح، باب كفران العشير (٥١٩٨)، وفي
الرقاق، باب فضل الفقر (٦٤٤٩)، وباب صفة الجنة والنار (٦٥٤٦)، وأخرجه الترمذي في صفة
جهنم، باب ما جاء أن أكثر أهل النار النساء (٢٦٠٥ و ٢٦٠٦).
قوله: (فرأيت أكثر أهلها الفقراء) قال ابن بطال: ((ليس قوله: ((اطلعت في الجنة فرأيت
أكثر أهلها الفقراء)» يوجب فضل الفقير على الغني، وإنما معناه أن الفقراء في الدنيا أكثر من
الأغنياء، فأخبر عن ذلك، كما تقول: أكثر أهل الدنيا الفقراء إخباراً عن الحال، وليس الفقر
أدخلهم الجنة، وإنما دخلوا بصلاحهم مع الفقر، فإن الفقير إذا لم يكن صالحاً لا يفضل)) وتعقبه
الحافظ في الفتح (١١: ٢٨٠) فقال: ((ظاهر الحديث التحريض على ترك التوسع من الدنيا، كما
أن فيه تحريض النساء على المحافظة على أمر الدين لئلا يدخلن النار)) وقد أطال الحافظ قبل
ذلك في تحقيق أفضلية الفقر على الغنى أو العكس، والحق أن المدار وإن كان على الأعمال
الصالحة دون خصوص الفقر أو الغنى، ولكن الغنى ربما يسبب المعصية والطغيان، والفقر يؤدي

٤٧٠
الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٦٨٧٤ - (٠٠٠) وحدّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا الثَّقَفِيُّ. أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، بِهَذَا
الإِسْنَادِ.
٦٨٧٥ - (٠٠٠) وحدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. حَدَّثَنَا أَبُو الأَشْهَبِ. حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ الطَّلَعَ فِي النَّارِ، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَيُّوبَ.
٦٨٧٦ - (٠٠٠) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ.
سَمِعَ أَبَا رَجَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَّ رَسُولُ اللهِ وَهِ: فَذَكَرَ مِثْلَهُ.
٦٨٧٧ - (٩٥) حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي
التََّّاحِ. قَالَ: كَانَ لِمُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ امْرَأَتَانٍ. فَجَاءَ مِنْ عِنْدِ إِحْدَاهُمَا. فَقَالَتِ الأُخْرَىُ:
جِئْتَ مِنْ عِنْدِ فُلاَنَةَ؟ فَقَالَ: جِئْتُ مِنْ عِنْدِ عِمْرَانَ بْنِ حُصِيْنٍ. فَحَدَّثَنَا؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَهُ
قَالَ: ((إِنَّ أَقَلَّ سَاكِنِي الْجَنَّةِ النِّسَاءُ)».
٦٨٧٨ - (٠٠٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ.
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ. قَالَ: سَمِعْتُ مُطَرِّفاً يُحَدِّثُ؛ أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانٍ، بِمَعْنَى
حَدِيثٍ مُعَاذٍ.
٦٨٧٩ - (٩٦) حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ، أَبُو زُرْعَةَ. حَدَّثَنَا ابنُ بُكَيْرِ.
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينارٍ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ مِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ وَهَ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ
إلى الإنابة والعبادة والتواضع لله، فالأفضل أن لا يتوسع المرء في اختيار الغنى إلا بما لا بدّ منه
لحاجته - والله أعلم - .
٩٥ - (٢٧٣٨) - قوله: (جئت من عند عمران بن حصين) وكأنه قد لقيه قبل أن يأتي إلى
امرأته الأولى، أو بعد أن يخرج منها، وإنما ذكر ذلك تنبيهاً لامرأته الثانية أن لا تسيء الظنّ به
وبامرأته الأولى، ولا تقع فيهما، لأن ذلك قد يسبّب عذاب النّار. وحديث عمران بن حصين
هذا رواه عنه أبو رجاء أيضاً عند البخاري، فالصحيح أن أبا رجاء سمع هذا الحديث من ابن
عباس وعمران بن حصين كليهما. راجع فتح الباري (١١ : ٢٧٩) لتحقيقه.
٩٦ - (٢٧٣٩) - قوله: (حدثنا عبيد الله بن عبد الكريم أبو زرعة) هو الحافظ المعروف، لم
يرو مسلم عنه في صحيحه غير هذا الحديث.
قوله: (عن عبد الله بن عمر) هذا الحديث أخرجه أبو داود في الصلاة، باب
الاستعاذة (١٥٤٥). وقد وقع هذا الحديث في أكثر نسخ صحيح مسلم ههنا، ولكنه وقع في
بعض النسخ، كنسخة الأبّي في آخر الباب السابق قبيل كتاب الرقاق.

٤٧١
کتاب الرقاق
نِعْمَتِكَ. وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ)).
٦٨٨٠ - (٩٧) حدّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ وَمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ
سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ. عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَه:
((مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً. هِيَ أَضَرُّ، عَلَى الرِّجَالِ، مِنَ النِّسَاءِ)).
٦٨٨١ - (٩٨) حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذِ الْعَنْبَرِيُّ وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدٍ
الأَعْلَى. جَمِيعاً عَنِ الْمُعْتَمِرِ. قَالَ ابْنُ مُعَاذٍ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: قَالَ
أَبِي: حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَسَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْروٍ بْنِ نُفَيْلٍ؛
أَنَّهُمْا حَدَّثَا عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَّهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: ((مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِي النَّاسِ، فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَّى
الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ)).
قوله: (وتحوّل عافيتك) أي: من انتقالها من السمع والبصر وسائر الأعضاء، والزوال: أن
يفارق الشيء بلا بدل، والتحول أن يأتي بدله شيء آخر، فتحوّل العافية أن تبدل الصحة بالمرض
مثلاً، والغنى بالفقر. وقد يكون فيه إشارة لطيفة إلى أن المرض والفقر من النعم الباطنة لكونها
مسببتين للأجر، فمن تغيّرت صحته إلى المرض، فإنه لا تزول عنه النعمة وإنما تتغير صورتها ،
ولكنّنا لما بنا من ضعف قد أمرنا بالاستعاذة من المرض والفقر خشية أن لا نطيقهما ولا نؤدي
حقهما .
قوله: (وفُجَاءَةِ نِقْمَتِك) الفُجاءة بضم الفاء والمدّ، وفَجْأة، على وزن ضَربة، لغتان، وهي
البغتة. والمقصود منه الاستعاذة من النقمة التي تفاجىء الإنسان.
قوله: (وجميع سخطك) بفتح السين والخاء، وهو ضد الرضا، والمراد أنا نعوذ بك من
جميع أسباب غضبك أو من جميع آثاره، كذا فسّره علي القاري في المرقاة.
٩٧ - (٢٧٤٠) - قوله: (عن أسامة بن زيد) هذا الحديث أخرجه البخاري في النكاح، باب
ما يتقى من شؤم المرأة (٥٠٩٦)، والترمذي في الأدب، باب ما جاء في التحذير من فتنة
النساء (٢٧٨١)، وابن ماجه في الفتن، باب فتنة النساء (٤٠٤٦).
قوله: (أضرّ على الرجال من النّساء) فيه أن فتنة الرجال بسبب النساء أشد من الفتنة
بغيرهنّ، وذلك لأن من طبيعة الرجل أن يميل إلى النّساء، وإن هذا الميلان ربّما يؤدي إلى
معصية كنظره إلى غير محرم منهن، أو الاستلذاذ بها بطريق غير مشروع، وربما يؤدي إلى تعاطي
المحظورات لإرضائها، وإن كانت حلالاً. ولذلك قال الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ
اُلْسَاءِ﴾ [سورة آل عمران، آية ١٤] فجعل النّساء من جملة الشّهوات، وقدّمهن على بقية الأنواع إشارة
إلى أنهنّ الأصل في ذلك.

٤٧٢
الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٦٨٨٢ - (٠٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ
الأَحْمَرُ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا
جَرِيرٌ. كُلُّهُمْ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
٦٨٨٣ - (٩٩) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا نَضْرَةَ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
الْخُذْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ، قَالَ: ((إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ. وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا. فَيَنْظُرُ
كَيْفَ تَعْمَلُونَ. فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ. فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ».
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ بَشَارٍ: ((لِيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ)).
٢٧ - باب: قصة أصحاب الغار الثلاثة، والتوسل بصالح الأعمال
٦٨٨٤ - (١٠٠) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيُّ. حَدَّثَنِي أَنَسٌ، (يَعْنِي ابْنَ
عِيَاضٍ، أَبَا ضَمْرَةً)، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ
٩٩ - (٢٧٤٢) - قوله: (عن أبي سعيد الخدريّ) هذا الحديث أخرجه الترمذي في الفتن،
باب ما أخبر النبيّ ◌َّيه بما هو كائن إلى يوم القيامة (٢١٩١)، وابن ماجه في الفتن، باب فتنة
النساء (٤٠٤٨).
قوله: (إن الدنيا حلوة خضرة) التشبيه في شيئين: أحدهما: حسنها للنفوس ونضارتها
ولذتها، كالفاكهة الخضراء الحلوة، فإن النفوس تطلبها طلباً حثيثاً، وكذا الدنيا. والثاني: سرعة
فنائها وفسادها، فإن الشيء الأخضر والحلو يتسارع إلى الفساد والفناء.
قوله: (فاتقوا الدنيا واتقوا النّساء) أي: قوا أنفسكم من الافتتان بهنّ.
قوله: (فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النّساء) إشارة إلى ما وقع في أرض بلعام في
عهد موسى ظلّلا، حيث أشار بلعام على قومه بأن يرسلوا النساء إلى عسكر بني إسرائيل،
ففعلوا، وزنى بهم بعض بني إسرائيل فابتلوا بالطاعون، وقد مرت هذه القصة بتفاصيلها في هذا
الشرح في كتاب الطبّ، باب الطاعون والطيرة، تحت حديث (رقم: ٥٧٢٦).
(٢٧) - باب: قصة أصحاب الغار الثلاثة،
والتوسل بالأعمال الصالحة
١٠٠ - (٢٧٤٣) - قوله: (عن عبد الله بن عمر) هذا الحديث أخرجه البخاري في الأنبياء،
باب ما ذكر عن بني إسرائيل، (رقم: ٣٤٦٥)، وفي البيوع، باب إذا اشترى شيئاً لغيره بغير إذنه
فرضي، (رقم: ٢٢١٥)، وفي الإجارة، باب من استأجر أجيراً فترك أجره فعمل فيه المستأجر

٤٧٣
كتاب الرقاق
رَسُولِ اللَّهِ وَله؛ أَنَّهُ قَالَ: ((بَيْنَمَا ثَلاثَةُ نَفَرِ يَتَمَشَّوْنَ أَخَذَهُمُ الْمَطَرُ. فَأَوَوْا إِلَى غَارٍ فِي جَبَلٍ .
فَانْحَطَّتْ عَلَى فَم غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ، فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِيَعْضِ: انْظُرُوا
أَعْمَالاً عَمِلْتُمُوهَاَ صَالِحَةً لِلَّهِ، فَادْعُوا اللَّهَ تَعَالَى بِهَا، لَعَلَّ اللَّهَ يَفْرُجُهَا عَنْكُمْ. فَقَالَّ أَحَدُهُمْ:
اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدانِ شَيْخَانِ كَبِيرانٍ وَامْرَأَتِي. وَلِيَ صِبْيَةٌ صِغَارٌ أَرْعَى عَلَيْهِمْ. فَإِذَا أَرَحْتُ
عَلَيْهِمْ، حَلَبْتُ، فَبَدَأْتُ بِوَالِدَّ فَسَقَيْتُهُمَّا قَبْلَ بَنِيٍّ. وَأَنَّهُ تَأَى بِي ذَاتَ يَوْمِ الشَّجَرُ. فَلَمْ آتٍ
حَتَّى أَمْسَيْتُ فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا. فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَخْلُبُ. فَجِئْتُ بِالْحِلَابِ. فَقُمْتُ عِنْدَ
فزاد، (رقم: ٢٢٧٢)، وفي الحرث والمزارعة، باب إذا زرع بمال قوم بغير إذنهم،
(رقم: ٢٣٣٣)، وفي الأدب، باب إجابة دعاء من برّ والديه، (رقم: ٥٩٧٤)، وأبو داود في
البيوع، باب في الرجل يتجر في مال الرجل بغير إذنه، (رقم: ٣٣٨٧).
قوله: (بينما ثلاثة نفر) ذكر الحافظ في الفتح (٦: ٥٠٦) أنه لم يقف على أسمائهم.
قوله: (يتمشّون) وفي حديث أبي هريرة عند ابن حبان والبزار أنهم خرجوا يرتادون
لأهلیھم.
قوله: (فأووا إلى غار في الجبل) قيل: إن هذا الغار مسمى بالرقيم، وهو الذي ذكره
القرآن الكريم في قصة أصحاب الكهف، والذي يدل على ذلك ما أخرجه البزار والطبراني بإسناد
حسن عن النعمان بن بشير أنه سمع النبيّ وَل* يذكر الرقم، قال: انطلق ثلاثة فكانوا في كهف،
فوقع الجبل)) فذكر الحديث، وراجع الفتح.
قوله: (صخرة من الجبل) وزاد الطبراني في حديث النعمان بن بشير من وجه آخر: ((إذ
وقع حجر من الجبل مما يهبط من خشية الله حتى سدّ فم الغار)).
قوله: (فادعوا الله تعالى بها) أي: متوسلين بتلك الأعمال الصالحة، وفيه دليل على أنه
يستحب للإنسان أن يدعو في حال كربه وفي دعاء الاستسقاء وغيره بصالح عمله، ويتوسّل إلى
الله تعالى به، لأن هؤلاء فعلوه فاستجيب لهم، وذكره النبيّ ◌َّار في معرض الثناء عليهم وجميل
فضائلهم.
قوله: (فإذا أرحت عليهم) أي: إذا رددت الماشية من المرعى إليهم وإلى موضع مبيتها،
وهو مراحها بضم الميم. ويقال: أرحت الماشية وروّحتها بمعنى.
قوله: (نأى بي ذات يوم الشّجرُ) يعني: بعُد. والمقصود أنه استطرد مع غنمه في الرعي
إلى أن بعُد عن مكانه زيادة على العادة، وذهب إلى أشجار بعيدة، فلذلك أبطأ في الرجوع. وفي
حديث عليّ رَُّّه عند البزار: ((فإن الكلأ تناآَى عليّ)) أي: تباعد، والكلأ: المرعى.
قوله: (فجئت بالحلاب) بكسر الحاء: الإناء الذي يحلب فيه يسع حلبة ناقة، ويقال له :

٤٧٤
الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
رُؤُوسِهِمَا. أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا مِنْ نَوْمِهِمَا. وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْقِيَ الصِّبْيَّةَ قَبْلَهُمَّا. وَالصُّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ
عِنْدَ قَدَمَيَّ. فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأَبِي وَدَأْبَهُمْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ. فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ
المحلب بكسر الميم. قال القاضي: وقد يريد بالحلاب هنا: اللبن المحلوب.
قوله: (وأكره أن أسقي الصبية قبلهما) وفي رواية للبخاري في الأنبياء: ((وكرهت أن
أدعهما فيستكنا لشربتهما)) وهو من الاستكانة، يعني: كرهت أن أدع سقيهما فيضعفا لعدم
شربهما اللبن.
قوله: (والصِّبية يتضاغون) أي: يصيحون، وهو تفاعل من الضعفاء بمعنى الصياح ببكاء.
قال الأبّي: ((لا يقال: إن نفقة الأبوين كانت في شرعهم آكد من نفقة الولد، لأن هذا الشرب ما
كان حاجيّاً، وإنما هو تكميليّ، وبكاؤهم إنما هو على عادة الصبيان في البكاء على ما هو دون
هذا)).
ولكن ورد في بعض الروايات ما يردّ على تأويل الأبّي، وهو لفظ البخاري في الأنبياء:
((وأهلي وعيالي يتضاغون من الجوع)) فإنه يظهر من هذه الرواية أنهم ما كانوا يطلبون التفكّه فقط،
وإنما كانوا جائعين. والظاهر أن الرجل إنّما لم يسقهم اللبن معتقداً بأن أبويه مثلهم في الجوع،
وهما أولى بالتقديم في السّقي، وكان يتوقع استيقاظهما في كل لحظة، فأخّر سقي صبيته بسبب
هذا التوقع، لا لأنه كان يريد أن يحرمهم من ذلك.
وقال الحافظ: ((وقد استُشكل تركه لأولاده الصغار يبكون من الجوع طول ليلتهما مع قدرته
على تسكين جوعهم. فقيل: كان في شرعهم تقديم نفقة الأصل على غيرهم. وقيل: يحتمل أن
بكاءهم ليس من الجوع، وقد تقدم ما يرده. وقيل: لعلهم كانوا يطلبون زيادة على سدّ الرمق،
وهذا أولى)).
وقد يخطر بالبال أن ما فعله هذا الرجل بالصّبية كان اجتهاداً منه تغذُّ في تقديم حق
الوالدين، والحديث إنما جاء ثناءاً على نيّته الخالصة لوجه الله تعالى، وأنه لم يفعل ذلك إلا
إيثاراً لوالديه على نفسه وأهله وابتغاء لمرضاة الله سبحانه، فأثيب على ذلك. أما أنه كان مصيباً
في هذا الاجتهاد أو مخطئاً، فليس في هذا الحديث تعرض لهذه الجهة، والله سبحانه وتعالى
أعلم.
قوله: (فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك) إلخ فيه أن من عمل عملاً صالحاً لا يجزم
بإخلاصه، بل يكون بين الخوف والرجاء، ويجتهد في الإخلاص، ثم يفوض أمره إلى الله تعالى.
وبهذا يظهر الجواب عما استشكله بعضهم بأن التوسل بالعمل الصالح فيه نوع من الادعاء وما
يسمّيه العلماء والزهاد ((رؤية عمل)). والجواب يظهر من قول كل واحد من هؤلاء الثلاثة ((اللهمّ
إن كنت تعلم إلخ)) فإنّه دليل على أنه لم يكن عند أحدهم ادعاء أو رؤية عمل، وإنّما فوّضوا

٤٧٥
كتاب الرقاق
ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَاقْرُجْ لَنَا مِنْهَا فُرْجَةً، نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ. فَفَرَجَ اللَّهُ مِنْهَا فُرْجَةٌ. فَرَأَوْا مِنْهَا
السَّمَاءَ .
وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَتْ لِيَ ابْنَهُ عَمِّ أَحْبَبْتُهَا كَأَشَدْ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ.
وَطَلَبْتُ إِلَيْهَا نَفْسَهَا. فَأَبَتْ حَتَّى آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ. فَتَعِبْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مِائَةَ دِينَارٍ . فَجِئْتُهَا
بِهَا. فَلَمَّا وَقَعْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ. وَلاَ تَفْتَحِ الْخَاتَمَ إِلاَّ بِحَقُّهِ. فَقُمْتُ
عَنْهَا. فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ انْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَاقْرُجْ لَنَا مِنْهَا فُرْجَةً. فَفَرَجَ لَهُمْ.
أمرهم إلى الله تعالى. فالتوسّل بالأعمال الصالحة إنّما ينبغي أن يكون هكذا، لا على طريق
الادعاء، والله سبحانه أعلم.
قوله: (فطلبت إليها نفسها) أي: راودتها في نفسها لتمكّنني من الفجور بها، ويظهر من
الروايات الأخرى أنها امتنعت أوّلاً عفة، ثمّ ألمّ بها قحط، فجاءته تطلب المال فأبى إلا أن
تمكنه من نفسها. كذا وقع في رواية سالم عند البخاري. ووقع في حديث النعمان بن بشير عند
الطبراني أنها كانت ذات زوج فترددت إليه ثلاث مرات تطلب منه شيئاً من معروفه، ويأبى عليها
إلا أن تمكنه من نفسها، فأجابت في الثالثة بعد أن استأذنت زوجها، فأذن لها، وقال لها: أغني
عيالك.
قوله: (حتى آتيها بمائة دينار) ووقع في رواية سالم المذكورة: ((فأعطيتها عشرين ومائة
دينار)) وجمع بينهما الحافظ في الفتح بأنه يمكن أن يكون قد أعطاها عشرين زائدة من عنده دون
أن تطلبه المرأة، ويمكن أن يكون غير سالم ألغى الكسر.
قوله: (فلما وقعت بين رجليها) وفي رواية عبيد الله بن عمر عن نافع عند البخاري في
الأنبياء: ((فلما قعدت بين رجليها)) وفي رواية سالم عند البخاري أيضاً: ((حتى إذا قدرت عليها))
وفي حديث النعمان بن بشير: ((فلما كشفتها)).
قوله: (ولا تفتح الخاتم إلا بحقّه) وفي رواية عبيد الله المذكورة: ((ولا تفضّ الخاتم)) قيل:
إن الخاتم كناية عن عذرتها، وكأنها كانت بكراً وكَنَّتِ عن الإفضاء. بكسر الخاتم، وفيه نظر،
لما قدمنا من حديث النعمان بن بشير أنها كانت ذات زوج. وعليه؛ فيمكن تفسير قولها بأنّ عليها
خاتم زوجها، لا يحل لأحل غيره أن يفضّها، وليس ذلك كناية عن العذرة، بل عن انتهاك حرمة
الزوج.
قوله: (فقمت عنها) وفي رواية لحديث النعمان بن بشير عند الطبراني: ((فأسلمت إليّ
نفسها، فلمّا كشفتها ارتعدت من تحتي، فقلت: مالكِ؟ قالت: أخاف الله ربّ العالمين. فقلت:
خفتيه في الشدّة ولم أخفه في الرخاء، فتركتها)).

٤٧٦
الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنِّي كُنْتُ اسْتَأْجَزْتُ أَجِيراً بِفَرَقٍ أَرُزْ. فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ:
أَعْطِنِي حَقْي. فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ فَرَقَهُ فَرَغِبَ عَنْهُ. فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرأْ
وَرِعَاءَهَا. فَجَاءَنِي فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ وَلاَ تَظْلِمْنِي حَقْي. قُلْتُ: اذْهَبْ إِلَىْ تِلْكَ الْبَقَرِ وَرِعَائِهَا
فَخُذْهَا. فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ وَلاَ تَسْتَهْزِىءُ بِي. فَقُلْتُ: إِنِّي لاَ أَسْتَهْزِىءُ بِكَ. خُذْ ذَلِكَ الْبَقَرَ
قوله: (بفرق أرزٌ) أما الفَرَق فهو بفتح الفاء والرّاء، وقيل: بسكون الراء، والأول أشهر،
وهو مكيال يسع ثلاثة آصع. وأما الأرزّ، فالمشهور أنه بفتح الهمزة، وضم الراء. وفيه لغات
أخرى من ضم الهمزة وسكون الراء، وتشديد الزاي وتخفيفها، وهي من الحبوب الغذائية
المعروفة. وقد وقع في رواية للبخاري في المزارعة أنه استأجره على فرق من الذّرة، وجمع
بينهما الحافظ بأنه كان استأجر أكثر من واحد، فاستأجر بعضهم بفرق أرز، وبعضهم بفرق ذرة.
وقد وقع في حديث ابن أبي أوفى عند الطبراني أنه كان استأجر قوماً كل واحد منهم بنصف
درهم، ووجه تطبيقه برواية الباب أن الفرق المذكور كانت قيمته نصف درهم إذ ذاك.
قوله: (فرغب عنه) أي: لم يأخذه وذهب. ووقع في حديث النعمان بن بشير بيان السبب
في ترك الرجل أجرته، ولفظه: ((كان لي أجراء يعملون، فجاءني عمّال، فاستأجرت كل رجل
منهم بأجر معلوم، فجاء رجل ذات يوم نصف النهار فاستأجرته بشرط أصحابه، فعمل في نصف
نهاره كما عمل رجل منهم في نهاره كلّه، فرأيت عليّ في الذُّمام أن لا أنقصه عمّا استأجرت به
أصحابه لما جهد في عمله. فقال رجل منهم: تعطي هذا مثل ما أعطيتني؟ فقلت: يا عبد الله:
لم أبخسك شيئاً من شرطك، وإنما هو مالي أحكم فيه بما شئت. قال: فغضب وذهب وترك
أجره)).
قوله: (حتى جمعت منه بقراً ورعاءها) وفي رواية عبيد الله عند البخاري في الأنبياء: ((وإنّي
عمدت إلى ذلك الفرق فزرعته، فصار من أمره أني اشتريت منه بقراً)) والحاصل: أنه تضاعف
مقدار الأرزّ بالزراعة فاشترى بها بقراً، واستأجر بها من يرعاها، وتدل رواية سالم عند البخاري
على أنه اشترى بها الإبل والغنم والرقيق أيضاً.
قوله: (فخذها) ووقع في حديث ابن أبي أوفى عند الطبراني ما يدل على أنّ قيمة هذه
الأموال صارت عشرة آلاف درهم. ثم ههنا احتمالان: الأول: أن يكون فرق الأجرة غير
متعيّن، وإنما كان ديناً في ذمة المستأجر، وتركه الأجير قبل أن يقبضه. وعلى هذا الاحتمال ما
كان يجب على المستأجر أن يدفع إلى الأجير ما حصلت له من الزيادة بالزراعة، لأنّ الفرق لم
يكن مملوكاً للأجير، وإنما كان حقه ديناً في الذمة، فلما تركه قبل قبضه بقي الدين في الذمة كما
كان، ولم يتعلق حقه بعين ذلك الفرق، بل بقي مملوكاً للمستأجر، فكان تصرفه في ملكه، فطاب
له نماؤُه، ولكنه أعطاه النّماء على سبيل التطوع والتورع.
والاحتمال الثاني: أن يكون فرق الأجرة متعيّناً إما بتعيينه من العاقدين، أو بأنّ الأجير كان

٤٧٧
کتاب الرقاق
وَرِعَاءَهَا. فَأَخَذَهُ فَذَهَبَ بِهِ. فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا مَا
بَقِيَ. فَفَرَجَ اللَّهُ مَا بَقِيَ.
قبضه، ثم رده، فصار متعيّناً بالقبض ومملوكاً للأجير. وحينئذ، يصير تصرف المستأجر فيه تصرف
الفضوليّ، والربح في هذه الصورة مملوكة للفضوليّ ملكاً خبيثاً عندنا، فيجب التصدق به إلا أن
يجيزه المالك. والظاهر المذكور في أكثر كتب الحنفية أن الفضوليّ يتصدق بالربح على الفقراء،
لكن أفتى بعض المتأخرين من الحنفية بأنه يجوز ردّ الربح إلى المالك أيضاً، لأن الخبث إنما جاء
لحقه، فيمكن أن يزول الخبث بردّه إليه. فقد ذكر في الهداية مسألة من غصب عبداً فآجره، يجب
عليه التصدق بغلّته، ولكن ((الخبث لأجل المالك، ولهذا لو أدى إليه يباح له التناول، فيزول
الخبث بالأداء إليه)) (راجع الهداية مع فتح القدير والكفاية ٧: ٣٧٣) من كتاب الغصب. وذكر في
جامع الفصولين (٢: ٢٦٥): أن أحد شريكي الدار لو آجر الدار بغيبة من الآخر وأخذ الأجر، يردّ
على شريكه نصيبه لو قدر، وإلا تصدق به. وفي حديث الباب ما يقوّي قولهم، لأن المستأجر في
قصة الباب لم يتصدق بالربح على الآخرين من الفقراء، وإنّما ردّه إلى الأجير.
مسألة التوسل في الدعاء:
وإن حديث الباب يدل على جواز التوسل في الدعاء بالأعمال الصالحة. أما التوسّل
بالذوات والأشخاص فقد كثر فيه كلام العلماء، وظهرت فيه مناظرات ربّما أدّت بعض
المتجادلين إلى تضليل بعضهم بعضاً. ولو نظر الإنسان في المسألة بعين الإنصاف مجردة عن
العصبيّة المذهبيّة، لظهر أنّ هذا الخلاف بين العلماء من أهل الحقّ لا يرجع إلى كثير طائل، بل
ربّما نشأت المجادلات بسوء التفاهم دون تعيين المعنى المقصود من التوسّل بالذوات. والواقع
أن كلمة ((التوسل)) مجملة، لا ينبغي التسارع في الحكم عليها إلا بعد تعيين المراد منها. والذي
يظهر بعد التتبّع أن هذه الكلمة محتملة لمعان آتية:
الأول: أن يكون مقصود المتوسّل أنّ المعطي الحقيقيّ هو الله سبحانه وتعالى، ولكنه
فوض هذه الأمور إلى عبد من عباده الصالحين، فيذكر الله سبحانه في الدعاء تبركاً باسمه،
والمقصود دعاء المتوسّلِ به، لأنه هو الذي تقع الأمور بإمضائه في اعتقاده. فهذا شرك
بالإجماع.
الثاني: أن يدعو الله تعالى بقصد أن يفوّض الأمور إلى المتوسّل به الآن، فينجز حاجته،
وهذا أيضاً في حكم الأوّل، لأن المتصرف في الأمور هو الله تعالى، لا شريك له في ذلك.
الثالث: أن يكون التوسّل بمعنى أن يطلب الدعاءَ من المتوسّل به، لكون دعاءه أرجى
للإجابة عند الله تبارك وتعالى لصلاحه وفضله، والتوسّل بهذا المعنى جائز بالإجماع ولم يثبت
مثل هذا التوسّل إلا بالأحياء، فيختص جوازه بالأحياء.

٤٧٨
الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٦٨٨٥ - (٠٠٠) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. قَالاَ: أَخْبَرَنَا أَبُو
عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجِ. أَخْبَرَنِي مُوسى بْنُ عُقْبَةَ. ح وَحَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا
وإن هذا المعنى هو المراد في حديث أنس المعروف: ((أن عمر بن الخطّاب ظبه كان إذا
قُحطوا استسقى بالعبّاس بن عبد المطلب، فقال: اللهُمّ إنّا كنا نتوسّل إليك بنبيّنا فتسقينا، وإنّا
نتوسّل إليك بعمّ نبيّنا فاسقنا)) أخرجه البخاري في الاستسقاء (رقم: ١٠١٠، باب: ٣).
الرابع: أن يكون التوسّل بمعنى الإقسام على الله بذات المتوسّل به وهذا أيضاً غير جائز،
لأن القسم بالمخلوقات - كما يقول ابن تيمية كلُ - لا يجوز على المخلوق، فكيف يجوز على
الخالق. الخامس: أن يدعو الله سبحانه وتعالى متوسّلاً بعلاقته مع عبد صالح يرجى كونه مقرّباً
إلى الله تعالى، وهو الذي عبّر عنه بعض العلماء بدعاء الله ببركة عبد صالح، وهذا يعمّ الأحياء
والأموات.
والذي يظهر لهذا العبد الضعيف - عفا الله عنه -: أنّ التوسّل بهذا المعنى لا يرجع إلا إلى
التوسّل بالأعمال الصالحة الذي انعقد الإجماع على جوازه. وذلك لأنّ من يقول: اللّهمّ إنّي
أتوسّل إليك بعبدك فلان)) (ولا يقصد به المعاني الثلاثة الأولى) فإنه لا يريد بذلك إلا أنّني أحبّ
ذلك العبد وأعتقد فضله وصلاحه، وبما أنّه محبوبٌ لديك، فإنّني أستجلب رحمتك بعلاقتي به.
فهو في الحقيقة استجلاب لرحمة الله تعالى بعلاقة المرء برجل صالح وحبّه إيّاه.
فلو صرّح بذلك رجل في دعائه وقال: ((اللّهمّ إنّي أتوسّل إليك بحبّي للنبيّ وَّو ((فالظاهر أن
العلامة ابن تيمية تقلقُ تعالى لا يمنعه، لأنّه يقول بجواز التوسّل بالأعمال الصالحة، وإن حبّ
النبيّ ◌َّله من أفضل الأعمال الصالحة بالإجماع. ورأيت في كلام العلامة ابن تيمية تَّقُ ما هو
كالصريح في ذلك، قال كثُّ تعالى: ((نعم؛ لو سأل الله بإيمانه بمحمد بَله ومحبته له، وطاعته
له، واتباعه له، لكان قد سأله بسبب عظيم يقتضي إجابة الدعاء، بل هذا أعظم الأسباب
والوسائل)) (قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة لابن تيمية ص ٦٥) فلو اختصر رجل في العبارة
وقال: ((اللهمّ إنّي أتوسّل إليك بالنبيّ ◌َّر)) ولم يقصد به إلا المعنى الذي ذكرناه، وهو من أظهر
معاني التوسّل، فليس في القرآن والسنّة أو في الأصول الثابتة بهما ما يمنع من هذا التوسل، بل
هو أولى بالجواز من التوسّل بالأعمال الصّالحة الأخرى، لأن من يتوسل بصلاته أو صومه أو
صدقته فقد تعتريه شائبة الإعجاب بعمله الصّالح، أمّا من يتوسّل بحبّه للنبيّ وَّر، أو بحبّ
صحابته مثلاً، فهو أقرب إلى التواضع، فكأنّه يقول: ليس لي عمل يصلح أن أتقرّب به إليك، إلا
أنّني أحبّ هؤلاء المقرّبين، وبوسيلة هذا الحبّ أستغيث بك وأستجلب رحمتك. وهذا أوفق بما
رواه أنس به، قال: ((إن رجلاً سأل النبيّ وَّو عن الساعة، فقال: متى السّاعة؟ قال: وماذا
أعددت لها؟ قال: لا شيء إلا أنّي أحبّ الله ورسوله. فقال: أنت مع من أحببت)) قال أنس:
((فما فرحنا بشيء فَرَحنا بقول النبيّ بَّهِ: أنت مع من أحببت. قال أنس: فأنا أحب النبيّ ◌َّ وأبا

٠٢٠ : ٤٧٩
کتاب الرقاق
عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفِ الْبَجَلِيُّ. قَالاً:
بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبّي إيّاهم، وإن لم أعمل بمثل أعمالهم)) أخرجه البخاري
في مناقب عمر رَّلُه، (رقم: ٣٦٨٨)، ومسلم في البّر والصلة، باب المرء مع من أحبّ.
وإن التوسّل بهذا المعنى ثابت بالسنّة. فقد أخرج الترمذيّ عن عثمان بن حنيف رضُله: أن
رجلاً ضرير البصر أتى النبيّ ◌َ ﴿ فقال: ادْعُ الله أن يعافيني، قال: إن شئت دعوت، وإن شئت
صبرت فهو خير لك. قال: فادعه. قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء:
اللهُمَّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك محمد نبيّ الرحمة. إنّي توجّهت بك إلى ربّي في حاجتي
هذه، لتُقضى لي. اللهمّ فشفّعه فيّ)) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا
من هذا الوجه من حديث أبي جعفر، وهو الخطميّ (كتاب الدعوات، باب: ١١٩،
حديث: ٣٥٧٨).
وأخرجه الحاكم في المستدرك (١: ٥١٩) ولفظه: ((ائت الميضأة فتوضأ، ثم صل ركعتين،
ثم قل: اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجه إليك بنبيّك محمد وَ ﴿ نبيّ الرحمة، يا محمد! إني أتوجه بك
إلى ربّي، فيجلّي لي عن بصري. اللهُمّ شفّعه فيّ وشفّعني في نفسي. قال عثمان: فوالله ما تفرقنا
ولا طال بنا الحديث حتى دخل الرجل وكأن لم يكن به ضرّ)) وصححه الحاكم وأقرّه عليه
الذهبيّ.
ورواه أيضاً ابن ماجه والنسائي وابن خزيمة في صحيحه، وقال الشوكاني تَّثُ في ((تحفة
الذاكرين)) (ص: ١٦٢) بعد نقل هذا الحديث: ((وأخرجه الطبراني، وقال بعد ذكر طرقه التي
روى بها: والحديث صحيح وصححه ابن خزيمة، فقد صحح هذا الحديث هؤلاء الأئمة. وقد
تفرد النسائي بذكر الصلاة، ووافقه الطبراني في بعض الطرق التي رواها. وفي الحديث دليل
على جواز التوسل برسول الله وَ﴿ إلى الله عزّ وجلّ، مع اعتقاد أن الفاعل هو الله سبحانه
وتعالى، وأنه المعطي المانع، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن)).
أمّا ما أجاب به العلامة ابن تيمية تََّثُ عن هذا الحديث بعد اعترافه بثبوته، فهو قوله في
كتابه ((التوسل والوسيلة)) (ص: ٦٤): ((وحديث الأعمى لا حجة لهم فيه، فإنه صريح في أنه إنما
توسّل بدعاء النبيّ وَّ﴿ وشفاعته)) ولكنه تفسير لا يوافق سياق الحديث، لأن الرجل قد سبق أن
طلب الدعاء من النبيّ وَّر، ثمّ أمره النبيّ وَطّ بأن يدعو بنفسه لنفسه متوسّلاً بالنبيّ وَّر. ولو كان
المراد من التوسّل هنا طلب الدعاء من النبيّ ◌َ﴿ لدعا له رسول الله وَّ وانتهى الأمر،
ولكنه وسير علّمه طريق الدعاء لنفسه في المستقبل وعلّمه في ذلك أن يتوسّل بذاته، وليس معنى
ذلك هنا إلا أن يتوسّل إلى الله تعالى بحبه للنبيّ وَله. أمّا قوله: ((اللهم فشفّعه فيّ)) فالمراد منه
إجابة دعائه * فكأن النبيّ ◌َ ﴿ وعده بأنّه سوف يدعو له، فأمره أن يدعو بقبول شفاعته ودعائه.

٤٨٠
الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ. حَدَّثَنَا أَبِي وَرَقَبَةُ بْنُ مَسْقَلَةَ. ح وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَحَسَنٌ
الْحُلْوَانِيُّ. وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، (يَعْنُونَ ابْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ)، حَدَّثَنَا
وممّا يدل على صحة ما قلنا أنه لو كان التوسّل هنا بمعنى طلب الدعاء من النبيّ وَلّ لما
جاز مثل التوسّل بعد وفاته ويقول على ما ذهب إليه ابن تيمية تغلّثُ، ولكن وقع في رواية الطبرانيّ أن
عثمان بن حنيف له قد أمر رجلاً بالدعاء بهذا اللفظ بعد وفاته وَ ◌ّ ر. ولفظ رواية الطبراني:
((عن عثمان بن حنيف أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له، فكان عثمان لا
يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلقي عثمان بن حنيف، فشكا ذلك إليه، فقال له عثمان بن
حنيف: ائت الميضأة، فتوضأ، ثم ائت المسجد، فصلّ فيه ركعتين ثم قل: اللّهم إني أسألك
وأتوجه إليك بنبيّنا محمد بَّه نبيّ الرحمة إلخ)) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٢: ٢٧٩)،
وقال: ((وقد قال الطبراني عقبه: والحديث صحيح)).
أما الدعاء ((بحق فلان)) أو ((بجاه فلان))، فحكمه في الأصل يتوقف على المعنى المقصود
به، فإن أراد القائل أن له حقّاً واجباً على الله تعالى لذاته، فهو ضلال محض. أمّا إن أراد بذلك
أنّ الله تعالى بفضل وعده بثواب الصالحين قد جعل له حقّاً، فهو معنى صحيح. وكذلك إن أراد
أن له جاهاً عند الله تعالى، أي: مرتبة مقبولة لإيمانه وعمله الصالح، فلا بأس به أيضاً. لكن
الدعاء بوسيلة هذا الحقّ أو الجاه يحتمل معنيين: الأول: أن يعتقد أنه كلّما ذكر حقّ ذلك الرجل
الصالح أو جاهه في الدعاء وجب على الله استجابته، فهذا أيضاً حرام، لأنّ الله تعالى لا يجب
عليه ذلك في حال من الأحوال. والثاني: أن يقصد أن المتوسّل به مرتبة مقبولة عند الله تعالى،
وإنّي أحبّه، وبوسيلة حبّي إيّاه أستغيث الله تعالى وأستجلب رحمته، فهذا معنى صحيح لا محظور
فيه كما مرّ قريباً. ولكن لما كان قوله ((بحق فلان)) أو ((بجاه فلان)) يحتمل المعنى الفاسد أيضاً،
بل المعنى الفاسد فيه أظهر، فقد كرهه الفقهاء، وروي عن أبي حنيفة وأصحابه أنهم منعوا من
ذلك. قال الحصكفي في الدر المختار: ((وكره قوله بحق رسلك وأنبيائك وأوليائك)) وقال ابن
عابدين في رد المحتار (٦: ٣٩٧): ((ومجرد إيهام اللفظ ما لا يجوز كاف في المنع كما
قدمناه، ... فلذا - والله أعلم - أطلق أئمتنا المنع)).
أما قول الرجل في الدعاء: ((اللّهمّ إني أتوسّل إليك بنبيك ◌َّر)) فليس بهذه المثابة، لأن
الأظهر في معناه ما قلنا من التوسّل بحبّ النبيّ وَّر، فيجوز بهذا المعنى، ويحرم بالمعاني
الفاسدة .
وكلّ ما ذكرنا هو تحقيق لنفس المسألة. أمّا إذا ظهر هناك فساد في عقائد العامّة، فجعلوا
يقصدون بالتوسّل المعاني المشتملة على الشرك أو ما يقاربه، فالاجتناب عنه أولى، ولو كان
بمعنى صحيح، ولا سيما إذا لم يثبت مثل هذا التوسّل إلا في واقعات معدودة في عهد