النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ كتاب البر والصلة والآداب زَادَ فِيهِ: ((إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ وَلاَ إِلَى صُوَرِكُمْ. وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ)) وَأَشَارَ بِأَصابِعِهِ إِلَى صَدْرِهِ. ٣٣ - ( ... ) - قوله: (إن الله لا ينظر إلى أجسادكم) إلخ قال القاضي عياض: ((نظر الله تعالى الذي هو بمعنى الرؤية يتعلق بكل موجود. وهذا النظر هو بمعنى المجازاة والإثابة، ويتعلق هذا بمن شاء الله ذلك له، فالمعنى: أن الله لا يجازيكم ولا يثيبكم على صوركم وأموالكم، وإنما يثيبكم على ما في قلوبكم من قصد الخير ونيته. وإنما كان ذلك لأن أعمال القلب مصححة للأعمال الظاهرة. والأعمال الظاهرة إنما هي أمارات ظنية، لا دلالة عقلية. ترتب على ذلك عدم الغلو في تعظيم من حسنت أفعاله الظاهرة، إذ لعل الله تعالى يعلم من قلبه وصفاً مذموماً لا يصح معه تلك الأفعال، وترتب أيضاً عليه عدم احتقار مسلم ساءت أفعاله الظاهرة، إذ لعل الله تعالى يعلم من قلبه وصفاً محموداً يغفر له بسببه)). وهذا في الحكم على عاقبة الرجل الذي ساءت أفعاله الظاهرة، فلا يحكم عليه بكونه من أهل جهنم مثلاً، فإنه يمكن أن يغفر له الله تعالى لتوبته فيما بعد أو لسبب من الأسباب، ولا يجوز لبشر أن يتحكم على الله تعالى. أما بالنسبة لأفعاله فلا شك في أنها يحكم عليها بكونها ذنباً أو معصية، ويجب أن ينكر عليها، وإلا لتعطّلت الأحكام كلها. والذي يظهر لهذا العبد الضعيف - عفا الله عنه - من معنى الحديث أن الله تعالى لا ينظر إلى قوة أجسادكم وصوركم الحسنة، وإنما ينظر إلى أعمالكم الظاهرة والباطنة جميعاً، فأشار بقوله ((قلوبكم)) إلى الأعمال الباطنة، كما أشار بقوله ((أعمالكم)) إلى الأعمال الظاهرة، والحاصل أن من حسن عمله رضي عنه الله تعالى، سواء كان نحيف الجسم دميم الصورة، ومن ساء عمله سخط منه الله تعالى، سواء كان قوي الجسم حسن الصورة. فلا مجال في هذا الحديث لمن ادعى أن المطلوب من الإنسان تزكيته للقلب فقط، ولا عبرة بأفعاله الظاهرة، فيفعل في ظاهره ما يشاء، كما تفوه بذلك بعض الملاحدة وجهلة المتصوفة، لأن نصوص القرآن والسنة مطبقة على كون الإنسان مكلفاً بتصحيح أعماله الظاهرة، والواقع أن الأعمال الظاهرة لا تفسد إلا بفساد القلب، فهي علامة على فساد باطنه. أما أن يغفر له لوصف خفي، فذلك شيء آخر، ولا يلزم منه ألا يقع الإنكار على أعماله الظاهرة الفاسدة، فلو لم تكن هناك قيمة للأعمال الظاهرة، لما ذكر النبيّ وَلجر ((وأعمالكم)) عقيب قوله ((إلى قلوبكم)). ولكنه ◌َّل ذكر الأمرين، فدل على أن المطلوب إصلاح الباطن والظاهر جميعاً. وكذلك لا يخفى بطلان قول من استدل بهذا الحديث على أن الأجساد والصور لا يتعلق بها حكم شرعي فيجوز للمرء أن يختار لتزيين جسده وتحسين صورته ما شاء من طريق، كحلق اللحية وإرسال الشارب وما إلى ذلك. والواقع أن حديث الباب لا علاقة له بمثل هذا، وإن ما أمر به الرسول 98 من إعفاء اللحية وإحفاء الشارب من جملة الأعمال الظاهرة المأمور بها، فلا ٢٨٢ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٦٤٨٩ _ (٣٤) حدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ. حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأَصَمِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ)). (١١) - باب: النهي عن الشحناء والتهاجر ٦٤٩٠ _ (٣٥) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِىءَ عَلَيْهِ، عَنْ : : سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ قَالَ: ((تُفَتْحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الإِثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ. فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئاً. إِلَّ رَجُلاً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَخْنَاءُ. شك في كونها من جملة الشرائع التي كلّفنا الله تعالى بها. وإنما المراد من نفي النظر إلى الأجساد والصور أن حسن الصورة وقبحها لا مدخل له في رضا الله وسخطه، وإنما العبرة بالأعمال التي يباشرها، وقد صح عن النبيّ وَّ ر أنه نهى عن كثير من الأعمال التي تتعلق بالجسد والصور، كأمره بإعفاء اللحية، وقص الشوارب، وتقليم الأظفار، ولعنه على الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات، فكيف يقال إن هذه الأحكام خارجة عن شريعة الله تعالى؟ (١١) - باب: النهي عن الشحناء والتهاجر ٣٥ - (٢٥٦٥) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه أبو داود في الأدب، باب فيمن يهجر أخاه المسلم (٤٩١٦)، والترمذي في البر والصلة، باب ما جاء في المتهاجرين (٢٠٢٤)، ومالك في حسن الخلق، باب ما جاء في المهاجرة، وابن ماجه في الصيام، باب صيام يوم الإثنين والخميس (١٧٤٤). قوله: (تُفْتَحُ أبواب الجنة) قال المازَرِي: ((قال الباجي: يحتمل الفتح أنه كناية عن المغفرة ورفع الدرجات، ويحتمل أنه حقيقة، ويكون دليلاً على المغفرة)) وقال القرطبي: ((الفتح حقيقة، ولا ضرورة تحوج إلى التأويل، ويكون فتحها تأهباً من الخزنة لمن يموت في ذلك اليوم ممن غفر له، أو يكون علامة للملائكة لّ على أن الله تعالى يغفر في ذينك اليومين)). قوله: (فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله تعالى شيئاً) قال القرطبي: ((المغفور فيهما إنما هي الصغائر لحديث: ((الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارات ما بينهما إذا اجتنبت الكبائر)). قوله: (إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء﴾ أي: كان بينهما مباغضة، فيستثنى من المغفرة. وظاهر الحديث: أن هذا الرجل لا يغفر له الصغائر أيضاً، وليس المراد أنه يغفر له الصغائر ويترك إثم الشحناء غير مغفور، لأن الشحناء من الذنوب العظام، والظاهر أنه كبيرة، فلو ٢٨٣ کتاب البر والصلة والآداب فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنٍ حَتَّى يَصْطَلِحَا. أَنْظِرُوا هَذَيْنٍ حَتَّى يَصْطَلِحًا. أَنْظِرُوا هَذَيْنٍ حَتَّى يَضْطَلِحا». ٦٤٩١ - (٠٠٠) حدّثنيه زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ الذَّرَاوَرْدِيِّ. كِلاَهُمَا عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، بِإِسْنَادِ مَالِكِ، نَحْوَ حَدِيثِهِ. غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ الدَّرَاوَرْدِيِّ: ((إِلاَّ الْمُتَهَاجِرَيْنِ)) مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبْدَةً. وَقَالَ قُتَيْبَةُ: ((إِلاَّ الْمُهْتَجِرَيْنِ)). ٦٤٩٢ - (٣٦) حدّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُسْلِم بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ. سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ مَرَّةً قَالَ: ((تُعْرَضُ الأَعْمَالُ فِي كُلُّ يَوْمٍ خَمِيسٍ وَاثْنَيْنِ. كان المراد أنه لا يغفر له هذه الكبيرة، لم يكن لتخصيصه وجه، فإن الكبائر كلها مما لا يغفر إلا بالتوبة. ولا يظهر وجه لتخصيص الشحناء بالذكر إلا أن يكون المراد أنها مانعة من مغفرة الصغائر أيضاً. أو يقال: إنما خصّص بالذكر من بين الكبائر الأخرى لبيان زيادة شناعتها وأهمية الحذر منها، والله سبحانه أعلم. قوله: (أنظروا هذين) بفتح الهمزة وكسر الظاء، من الإنظار بمعنى الإمهال والتأخير، أي: أخّروا أمرهما. قال البيضاوي: ((يعني يقول الله للملائكة النازلين بهدايا المغفرة: أخروا وأمهلوا)) كذا في شرح الزرقاني للموطأ (٤: ٢٦٦). قوله: (حتى يصطلحا) أي: يتصالحا بينهما، قال ابن عبد البر: ((إن ذنوب العباد إذا وقع بينهم المغفرة والتجاوز سقطت المطالبة بها من الله لقوله: ((حتى يصطلحا)) فإذا اصطلحا غفر لهما ذلك وغيره من صغائر ذنوبهما)). ٣٦ - ( ... ) - قوله: (تُعرض الأعمال في كل يوم خميس وإثنين) قال النووي: ((هذا العرض قد يكون بنقل الأعمال من صحائف الحفظة لل إلى محل آخر، ولعله اللوح المحفوظ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الجاثية، آية ٢٩]. قال الحسن: الخزنة تستنسخ من الحفظة لل. وقد يكون العرض في هذين اليومين ليباهي الله به سبحانه بصالح أعمال بني آدم الملائكة لل، كما يباهيهم بأهل عرفة، وقد يكون العرض لتعليم الملائك اللي المقبول من الأعمال من المردود، كما جاء أن الملائكة تصعد بصحائف الأعمال لتعرضها على الله، فيقول: ضعوا هذا، واقبلوا هذا، فتقول الملائكة: وعزتك ما علمنا إلا خيراً، فيقول: إن هذا كان لغيري، ولا أقبل من العمل إلا ما ابتغي به وجهي)). وقال الزرقاني في شرح الموطأ (٤: ٢٦٧): ((ولا يعارض هذا الحديث ما صح مرفوعاً: ((إن الله تعالى يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل)). قال الولي ٢٨٤ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فَيَغْفِرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لِكُلِّ امْرِىءٍ لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئاً. إِلَّ امْرَأَ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَخْنَاءُ فَيُقَالُ: آرْكُوا هَذَيْنَ خَتَّى يَصْطَلِحًا. ارْكُوا هَذَيْنٍ حَتَّى يَصْطَلِحًا)) . ٦٤٩٣ - (١٠٠) حدّثنا أَبُو الطَّاهِرِ وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ. قَالاَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ مُسْلِم بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ قَالَ: ((تُغْرَضُ أَعْمَالُ النَّاسِ فِي كُلُّ جُمُعَةٍ مَرَّتِّيْنٍ. يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ. فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ. إِلاَّ عَبْداً بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَخْنَاءُ. فَيُقَالُ: اتْرُكُوا، أَوِ ازكُوا، هَذَیْنِ حَتَّى يَفِيئًا». (١٢) - باب: في فضل الحب في اللَّه ٦٤٩٤ - (٣٧) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِىءَ عَلَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرٍ، عَنْ أَبِي الْحُبَابِ، سَعِيدٍ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهَ: (( إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلَاَلِي. الْيَوْمَ أَظِلُّهُمْ فِي ظِلّ. يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلّ)». العراقي: لاحتمال عرض الأعمال عليه تعالى كل يوم، ثم تعرض عليه كل إثنين وخميس، ثم تعرض عليه أعمال السنة في شعبان، فتعرض عرضاً بعد عرض، ولكل عرض حكمة يستأثر بها، مع أنه لا تخفى عليه من أعمالهم خافية، أو يطلع عليها من شاء من خلقه، ويحتمل أنها تعرض في اليوم تفصيلاً، وفي الجمعة إجمالاً، أو عكسه)). قوله: (اركُوا هذين) بكسر الهمزة في أوله، وضم الكاف، من ركاه يركوه: إذا أخّره. وقيل: هو بفتح الهمزة من باب الإكرام، ومعناه التأخير أيضاً. ( ... ) - قوله: (في كل جمعة مرتين) أي: في كل أسبوع مرتين. قوله: (حتى يفيئا) أي: يرجعا عن عداوتهما . (١٢) - باب: في فضل الحب في الله ٣٧ - (٢٥٦٦) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه مالك في الشعر من الموطأ، باب ما جاء في المتحابين في الله. قوله: (أين المتحابون بجلالي؟) هو نداء تنويه وإكرام. والمراد من المتحابين بجلاله تعالى الذين أحب بعضهم بعضاً لرضاء الله سبحانه وتعالى وطاعته، لا لمنافع الدنيا . قوله: (اليوم أظلّهم في ظلّي) قال القاضي عياض: «هي إضافة خلق وتشريف، لأن الظلال كلها خلق الله تعالى، وجاء مفسّراً: ((في ظلّ عرشي)). وظاهره أنه سبحانه يظلّهم حقيقة ٢٨٥ كتاب البر والصلة والآداب ٦٤٩٥ _ (٣٨) حدّثني عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ: ((أَنَّ رَجُلاَ زَارَ أَخَاً لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى. فَأَرْصَدَ اللَّهُ لَهٌّ عَلَى مَذْرَجَتِهِ مَلَكاً. فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَخَاً لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ. قَالَ: هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا؟ قَالَ: لاَ. غَيْرَ أَنِّي أَخْبَيْتُهُ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ: فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ، بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْيَبْتَهُ فِيهِ)) . قَالَ الشَّيْخُ أَبُو أَحْمَدَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ، مُحَمَّدُ بْنُ زَنْجُوَيَةَ القُشَيْرِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى ابْنُ حَمَّدٍ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. في حر الشمس ووهج الموقف وأنفاس الخلائق، وهو تأويل الأكثر. قال عيسى بن دينار: هو كناية عن كفهم من المكاره، وجعلهم في كنفه، ومنه قولهم: السلطان ظلُّ الله في الأرض، وقولهم: فلان في ظلّ فلان، أي: في كنفه وعزته. وقد يكون الظلّ هنا كناية عن الراحة والتنعم، من قولهم ((عيش ظليل)). ٣٨ - (٢٥٦٧) - قوله: (فأرصد الله على مدرجته) معنى ((أرصده)): أقعده يرقبه، والمدرجة: بفتح الميم والراء، هي الطريق، سميت بذلك لأن الناس يدرجون عليها، أي: يمضون ويمشون. قوله: (من نعمة تَرُبُّها) بضم الراء، أي: تقوم عليها، وتسعى في صلاحها عنده، وتنهض بسببها. قال السنوسي: ((أي: هل أوجبت عليه حقاً من النعم الدنيوية لترُبّها، أي: تملكها منه وتستوفيها ... تقول: ربّه يرُبّه فهو ربّ، هذا إذا حمل الربّ على المالكية. وإذا حمل على التربية، فمعنى ((يُرُبّها)): يقوم بها ويسعى في تنميتها وإصلاحها . قوله: (بأن الله قد أحبّك) قال القاضي: ((أصل المحبة الميل، وهو على الله سبحانه محال، فمحبته سبحانه للعبد رحمته ورضاه عنه، وإرادته الخير، وفعله له فعل المحبّ)). ( ... ) - قوله: (محمد بن زنجوية القشيري) الظاهر أنه محمد بن عبد الملك بن زَنْجُوية أبو بكر الغزال، نسب هنا إلى جده، وكان جاراً للإمام أحمد بن حنبل، سمع منه أبو حاتم، وثقه النسائي، وذكره ابن حبان في الثقات. قال ابن مخلد: مات في جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين ومائتين، كما في التهذيب (٩: ٣١٥). وهذه الرواية ليست من إخراج الإمام مسلم، وإنما ذكرها تلميذه الشيخ أبو أحمد الجلودي استشهاداً، فإنه سمعها من مجمد بن زَنْجُوْيَةً بمثل ما سمعها من الإمام مسلم. ولذلك لم يعتبر محمد بن زنجوية من رجال مسلم، ورمز عليه في التهذيب بالأربعة فقط. ٢٨٦ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (١٣) - باب: فضل عيادة المريض ٦٤٩٦ - (٣٩) حدّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ. قَالاَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، (يَعْنِيَانِ ابْنَ زَيْدٍ)، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلاَّبَةَ، عَنْ أَبِيَ أَسْمَاءَ، عَنْ ثَوْبَانَ - (قَالَ أَبُو الرَّبِيعِ: رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ وَِّهَ) - وَفِي حَدِيثٍ سَعِيدٍ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: «عَائِدُ الْمَرِيضَ فِي مَخْرَفَةِ الْجَنَّةِ حَتّی یَرْجِعَ)). ٦٤٩٧ - (٤٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ. أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي (١٣) - باب: فضل عيادة المريض ٣٩ - (٢٥٦٨) - قوله: (عن ثوبان) هذا الحديث أخرجه الترمذي في الجنائز، باب ما جاء في عيادة المريض (٩٦٧). قوله: (في مخرفة الجنة) المخرفة، بفتح الميم وسكون الخاء، وفتح الراء، البستان. ٤٠ - ( ... ) - قوله: (في خُرفة الجنة) بضم الخاء وسكون الراء، وقد فسره النبيّ وَّ في رواية أبي الأشعث الآتية بقوله ((جناها)) أي: ثمرتها. وخَرَف الثمار خرْفاً: جناه، کاخترفه، وسمي الخريف خريفاً لأنه فصل تخترف فيه الثمار. فالمخرفة اسم مكان من الخرف، ولهذا فسّر بالبستان، والخُرفة: حاصل الخَرف، وهو الثمر المجنيّ. وراجع القاموس. وقد فسر بعضهم المخرفة بالطريق، وقال شمر: هي السكة بين صفين من نخل يجتني من أيهما شاء. وقال القرطبي: ((ومعنى الحديث: أن عائد المريض لما نال من أجر العيادة الموصل إلى الجنة، كأنه يجني ثمرات الجنة، أو كأنه في مخرفة الجنة، أي: في طريقها الموصل إلى الاختراف)) وقال القاضي عياض: ((عيادة المريض عظيمة الأجر، وهي فرض كفاية، لأن المريض لا يقدر أن يتصرف، ولو لم يُعَد لضاع حاله وهلك، لا سيما الغريب أو الضعيف. وهو من إغاثة الملهوف وإنقاذ الغريق)) وقال القرطبي: ((ولفظ العيادة يقتضي التكرار والرجوع إليه مرة بعد أخرى ليعلم حاله)) لكن قال الأبّي: ((والمحكّم في المرض الذي يعاد منه العرف، ولا ينبغي أن يعجل الرجوع إلا لمن يعلم أنه لا يكره ذلك، ولا يعاد من يعلم أنه يكره ذلك. ولا يبعد أن يضع العائد يده على يد المريض ... ولا ينبغي أن يذكر عنده ما يؤلمه من حال مرضه. ودخل رجل على عمر بن عبد العزيز يعوده، فذكر له من حال مرضه ما ساءه، فقال: لا يدخل هذا عليّ بعد اليوم)). وكذلك من آداب العيادة أن لا يطيل في جلوسه أو إقامته عند المريض، إلا إذا كان من أقاربه وممرّضيه الذين يستأنس بهم، وأن لا يأتيه في أوقات راحته، لئلا يتأذى بذلك. والحاصل: أن يكون المقصود إراحته وتسليته، والاجتناب عما يسوؤه أو يؤذيه. ٢٨٧ كتاب البر والصلة والآداب قِلاَبَةَ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ، عَنْ ثَوْبَانَ، مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ لَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَنْ عَادَ مَرِيضاً، لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ)). ٦٤٩٨ - (٤١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع. حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ الرَّحَبِيِّ، عَنْ ثَوْبَانَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّرِ قَالَ: ((إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا عَادَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ)). ٦٤٩٩ - (٤٢) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. جَمِيعاً عَنْ يَزِيدَ، (وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ)، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا عَاصِمُ الأَحْوَلُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، (وَهُوَ أَبُو قِلاَبَةً)، عَنْ أَبِي الأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ الرَّحَبِيِّ، عَنْ ثَوْبَانَ، مَوْلَى رَسُولِ اللّهِ وَِّهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ قَالَ: ((مَنْ عَادَ مَرِيضاً، لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ)). قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا خُرْفَةُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: ((جَنَاهَا)). ٦٥٠٠ - (٠٠٠) حدّثني سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَاصِمِ الأَحْوَلِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. ٦٥٠١ - (٤٣) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم بْنِ مَيْمُونٍ. حَدَّثَنَا بَهْزٌ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيَرَةَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ لَّهِ: ((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا أَبَّنَ آدَمَ، مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُذْنِي. قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلاناً مَرِضَ فَلَمْ تَعُذْهُ. أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْعُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ؟ يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي. قَالَ: يَا رَبِّ، وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلاَنٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ ٤٣ - (٢٥٦٩) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث لم يخرجه أحد غير المصنف من الأئمة الستة. قوله: (مرضت فلم تعدني) قال المازَرِي: ((قد فسّر معنى المرض، وأن المراد به مرض العبد، وأضافه إلى نفسه تشريفاً للعبد، والمعنى إذا شرّفت أحداً أحلته محلها، وعبّرت عنه كما تعبّر عن نفسها)). قوله: (لو عُدته لوجدتني عنده) قال المازَرِي: ((هو استعارة، أي: لوجدت ثوابي وكرامتي، وعليه يحمل: لوجد الله عنده، أي: مجازاته)) وقال القرطبي: ((هو تنزل وتلطف في الخطاب والعتاب، ومقتضاه التعريف بعظيم ثواب تلك الأشياء. ففيه أن الإحسان بالعبيد إحسان بالسادة، فينبغي للسادة أن يعرفوا ذلك ويقوموا بحقه)). ٢٨٨ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي؟ يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي. قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلاَنْ فَلَمْ تَسْقِهِ. أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي)) . (١٤) - باب: ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن أو نحو ذلك، حتى الشوكة يشاكها ٦٥٠٢ - (٤٤) حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. (قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا) جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِيِ وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: مَا رَأَيْتُ رَجُلاً أَشَدَّ عَلَيْهِ الْوَجَعُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ بَّهِ وَفِي رِوَايَةٍ عُثْمَانَ - مَكَانَ الْوَجَعِ - وَجَعاً . ٦٥٠٣ - (٠٠٠) حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ. أَخْبَرَنِي أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ. ح وَحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ، (يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ)، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ. كِلاَهُمَا عَنْ سِّفْيَانَ، عَنٍ الأَعْمَشِ. بِإِسْنَادِ جَرِيرٍ، مِثْلَ حَدِيثِهِ. ٦٥٠٤ - (٤٥) حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. (قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا) جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ. قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَهُ قوله: (وجدت ذلك عندي) أي: وجدت ثوابه وجزاءه. (١٤) - باب: ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن إلخ ٤٤ - (٢٥٧٠) - قوله: (قالت عائشة) هذا الحديث أخرجه البخاري في المرضى، باب شدة المريض (٥٦٤٦)، والترمذي في الزهد، باب ما جاء في الصبر على البلاء (٢٣٩٩)، وابن ماجه في الجنائز، باب ما جاء في ذكر مرض رسول الله وَ﴾ (١٦٢٢). قوله: (أشدّ عليه الوجعُ) أي: المرض، والعرب تسمي كل مرض وجعاً. وسيأتي وجه ذلك في الحديث الآتي. ٤٥ - (٢٥٧١) - قوله: (عن عبد الله) هذا الحديث أخرجه البخاري في المرضى، باب شدة المريض (٥٦٤٧)، وباب أشد الناس بلاءاً الأنبياء (٥٦٤٨)، وباب وضع اليد على ٢٨٩ كتاب البر والصلة والآداب وَهُوَ يُوعَكُ. فَمَسَسْتُهُ بِيَدِي. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكاً شَدِيداً. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((أَجَلْ. إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلاَنِ مِنْكُمْ)) قَالَ: فَقُلْتُ: ذَلِكَ، أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ. فَقَّالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: (أَجَلْ)) ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وََّ: «مَا مِنْ مُسْلِم يُصِيبُهُ أَذَّى مِنْ مَرَضٍ فَمَا سِوَاهُ، إِلاَّ خَطَّ اللَّهُ بِهِ سَيْئَاتِهِ، كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَّهَا)). وَلَيْسَ فِي حَدِيثٍ زُهَيْرٍ: فَمَسَسْتُهُ بِيَدِي. ٦٥٠٥ - (٠٠٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالاَ. حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَّةً. المريض (٥٦٦٠)، وباب ما يقال للمريض وما يجيب (٥٦٦١)، وباب مارخص للمريض أن يقول: إني وجع (٥٦٦٧). قوله: (وهو يوعك) الوَعك، بسكون العين، والوعك، بفتحها: ألم الحمى، وقيل: تعبها، وقيل: إرعادها للمحموم وتحريكها إياه. وعن الأصمعي: الوعك: الحر، فإن كان محفوظاً فلعل الحمى سميت وعكاً لحرارتها. وقد وُعِك الرجل يُوعك، على البناء للمجهول: إذا أصابه الوعك. قوله: (فمسسته بيدي) فيه أن من آداب العائد أن يمس المريض بيده بشرط أن لا يتأذى بذلك. قوله: (إنك لتوعك وعكاً شديداً) قال الأبّي: «قدمنا أنه لا ينبغي أن يخبر المريض بما يسوؤه من حال مرضه، وكان هذا خلافه، وليس بخلافه، لأن ذلك في حق من يتأثر ويتألم لذلك. وهو ◌َ ﴿ ليس كذلك. ألا تراه كيف أخبر عن ثواب ذلك بقوله: ((أجل)) ومضاعفة المرض عليه ليضاعف له الأجر كما ذكر)). قوله: (إني أوعك كما يوعك رجلان) وأخرج النسائي والحاكم، وصححه، عن فاطمة بنت اليمان أخت حذيفة قالت: ((أتيت النبيّ ◌َ﴿ في نساء نعوده، فإذا بسقاء يقطر عليه من شدة الحمى، فقال: إن من أشد الناس بلاءاً الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)) وأخرج الدارمي والنسائي في الكبرى، وابن ماجه، والترمذي، وصححه، وابن حبان، والحاكم عن سعد بن أبي وقاص قال: ((قلت: يا رسول الله! أيُّ الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل حسب دينه)) وفيه: ((حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة)) وأخرج الحاكم له شاهدان من حديث أبي سعيد، ولفظه: «قال: الأنبياء، قال: ثم من؟ قال: العلماء، قال: ثم من؟ قال: الصالحون)). وراجع فتح الباري (١٠: ١١١). وقال النووي تخلّفُهُ: ((قال العلماء: والحكمة في كون الأنبياء أشد بلاء، ثم الأمثل فالأمثل، أنهم مخصوصون بكمال الصبر وصحة الاحتساب، ومعرفة أن ذلك من نعم الله تعالى، ليتم لهم الخير ويضاعف لهم الأجر، ويظهر صبرهم ورضاهم». ٢٩٠ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُّنُسَ وَيَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنٍ أَبِي غَنِيَّةَ. كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ. بِإِسْنَادِ جَرِيرٍ. نَحْوَ حَدِيثِهِ. وَزَادَ فِي حَدِيثٍ أَبِي مُعَاوِيَةَ. قَالَ: ((نَعَمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا عَلَى الأَرْضِ مُسْلِمٌ)). ٦٥٠٦ - (٤٦) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. جَمِيعاً عَنْ جَرِيرٍ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، قَالَ: دَخَلَ شَبَابٌ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى عَائِشَةَ، وَهِيَ بِمِنَّى. وَهُمْ يَضْحَكُونَ. فَقَالَتَْ: مَا يُضْحِكُكُمْ؟ قَالُوا: فُلاَنْ خَرَّ عَلَىْ طُنُبِ فُسْطَاطِ، فَكَادَتْ عُنُقُهُ أَوْ عَيْنُهُ أَنْ تَذْهَبَ. فَقَالَتْ: لاَ تَضْحَكُوا. فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُوَّلَ اللّهِ وَهِ قَالَ: ((مَا مِن مُسْلِمٍ يُشَاكُ شَوْكَةً فَمَا فَوْقَهَا، إِلاَّ كُتِبَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَمُحِيَثْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ)). ٤٦ - (٢٥٧٢) - قوله: (عن عائشة) هذا الحديث أخرجه البخاري في المرضى، باب ما جاء في كفارة المرض (٥٦٤٠)، والترمذي في الجنائز، باب ما جاء في ثواب المريض ٩٦٥، ومالك في العين، باب ما جاء في أجر المريض. قوله: (على طنب فسطاط) بفتح الطاء والنون، وقد تسكن النون، حبال الفسطاط التي يشد بها، والفسطاط: بضم الفاء: الخيمة الكبيرة. قوله: (لا تضحكوا) قال النووي: ((فيه النهي عن الضحك عن مثل هذا، إلا أن يحصل غلبة لا يمكن دفعه. وأما تعمده فمذموم، لأن فيه إشماتاً بالمسلم وكسراً لقلبه)). قوله: (يشاك شوكة فما فوقها) أي: تصيبه شوكة، فتؤذي جسمه. وقوله ((فما فوقها)) يحتمل أن يراد به ما زاد على إصابة الشوكة في الإيذاء، ويحتمل أن يراد به ما كان فوق الشوكة في قلة الأذى، كما في قوله تعالى ﴿بَعُوضَةُ فَمَا فَوْقَهَا﴾ [سورة البقرة، آية ٢٦]. قوله: (إلا كتبت له بها درجة) قال النووي: ((في هذه الأحاديث بشارة عظيمة للمسلمين، فإنه قلما ينفك الواحد منهم ساعة من شيء من هذه الأمور. وفيه تكفير الخطايا بالأمراض والأسقام ومصايب الدنيا وهمومها وإن قلّت مشقتها. وفيه رفع الدرجات بهذه الأمور وزيادة الحسنات. وهذا هو الصحيح الذي عليه جماهير العلماء. وحكى القاضي عن بعضهم أنها تكفّر الخطايا فقط، ولا ترفع درجة ولا تكتب حسنة. قال: وروي نحوه عن ابن مسعود، قال: الوجع لا يكتب به أجر، لكن تكفر به الخطايا فقط، واعتمد على الأحاديث التي فيها تكفير الخطايا، ولم تبلغه الأحاديث التي ذكرها مسلم المصرحة برفع الدرجات وكتب الحسنات)). وقال الحافظ في فتح الباري (١٠: ١٠٥) ((وقع لهذا الحديث سبب أخرجه أحمد، ٢٩١ كتاب البر والصلة والآداب ٦٥٠٧ - (٤٧) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، (وَاللَّفْظُ لَهُمَا). ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ. (قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا) أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: (مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ شَوْكَةٍ فَمَا فَوْقَهَاَ، إِلاَّ رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةَ، أَوْ حَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً)) . ٦٥٠٨ _ (٤٨) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمْيْرٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((لاَ تُصِيبُ الْمُؤْمِنَ شَوْكَةٌ فَمَا فَوْقَهَا، إِلاَّ قَصَّ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطِيئَتِهِ)). ٦٥٠٩ - (٠٠٠) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً. حَدَّثَنَا هِشَامٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. ٦٥١٠ - (٤٩) حدّثني أَبُو الظَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ: ((مَا مِنْ مُصِيبَةٍ يُصابُ بِهَا الْمُسْلِمُ إِلَّ كُفْرَ بِهَا عَنْهُ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا)) . ٦٥١١ - (٥٠) حدّثنا أَبُو الطَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ وَِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهُ قَالَ: لاَّ يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ مُصِيبَةٍ حَتَّى الشَّوْكَةِ، إِلَّ قُصََّ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ، أَوْ كُفِّرَ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ)). لاَ يَدْرِي يَزِيدُ أَيَّهُمَا قَالَ عُرْوَةٌ . ٦٥١٢ - (٥١) حدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنَا حَيْوَةُ. وصححه أبو عوانة والحاكم من طريق عبد الرحمن بن شيبة العبدري أن عائشة أخبرته أن رسول الله وسي طرقه وجع، فجعل يتقلب على فراشه ويشتكي، فقالت له عائشة: لو صنع هذا بعضنا لوجدت عليه. فقال: ((إن الصالحين يشدّد عليهم، وإنه لا يصيب المؤمن نكبة شوكة))، الحديث. وفي هذا الحديث تعقب على الشيخ عز الدين بن عبد السلام حيث قال: ((ظنّ بعض الجهلة أن المصاب مأجور، وهو خطأ صريح، فإن الثواب والعقاب إنما هو على الكسب، والمصائب ليست منها، بل الأجر على الصبر والرضا)). قال الحافظ: ((ووجه التعقب أن الأحاديث الصحيحة صريحة في ثبوت الأجر بمجرد حصول المصيبة. وأما الصبر والرضا، فقدر زائد يمكن أن يثاب عليهما زيادة على ثواب المصيبة. قال القرافي: المصائب كفارات جزماً، سواء اقترن بها الرضا أم لا، لكن إن اقترن بها الرضا عظم التكفير، وإلا قلّ. كذا قال، والتحقيق أن المصيبة كفارة لذنب يوازيها وبالرضا يؤجر على ذلك. فإن لم يكن للمصاب ذنب عوض عن ذلك من الثواب بما يوازيه)). ٢٩٢ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم حَذَّثَنَا ابْنُ الْهَادِ، عَن أَبِي بَكْرٍ بْنِ حَزْم، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَلَهِ يَقُولُ: ((مَا مِنْ شَيْءٍ يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ، حَتَّى الشَّوْكَة تُصِيبُهُ، إِلاَّ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهَا حَسَنَةً، أَوْ حُطّتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ)). ٦٥١٣ - (٥٢) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللّهِ وَّهِ يَقُولُ: ((مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ، وَلاَ نَصَبٍ، وَلاَ سَقَمٍ، وَلاَ حَزَنٍ، حَتَّى الْهَمِّ يُهَمُّهُ، إِلَّ كُفْرَ بِهِ مِنْ سَيْئَاتِهِ» . ٦٥١٤ - (٠٠٠) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، كِلاَهُمَا عَنِ ابْنِ عُبَيْنَةَ، (وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ)، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنٍ مُخَيْصِنٍ، شَيْخِ مِنْ قُرَيْشٍ، سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ قَيْسٍ بْنِ مَخْرَمَةَ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: لَمَّا نَزَلَثَّ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوْءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] بَلَغَتْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَبْلَّغاً شَدِيداً. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: (( قَارِبُوا وَسَدُدُوا. فَفِي كُلِّ مَا يُصَابُ بِهِ الْمُسْلِمُ كَفَّارَةٌ. حَتَّى النَّكْبَةِ يُتْكَبُهَا، أَوِ الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا)). ٥٢ - (٢٥٧٣) - قوله: (عن أبي سعيد وأبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في المرضى، باب ما جاء في كفارة المرض (٥٦٤١ و ٥٦٤٢)، والترمذي في الجنائز، باب ما جاء في ثواب المريض (٩٦٦). قوله: (من وصب ولا نصب) الوَصَب: المرض، وزناً ومعنى، والنَصَب: التعب، وزناً ومعنى . قوله: (ولا سقم، ولا حزن) وفي رواية البخاري: ((ولا همّ، ولا حزن، ولا أذى، ولا غمّ)) وقيل في هذه الأشياء الثلاثة: أن الهمّ ينشأ عن الفكر فيما يتوقع حصوله مما يتأذى به، والغمّ كرب يحدث للقلب بسبب ما حصل، والحزن يحدث لفقد ما يشق على المرء فقده. وقيل: الهمّ والغمّ بمعنى واحد. وأما السَقَم، فهو المرض. قوله: (يهمّه) بضم الياء وفتح الهاء، بالبناء للمجهول، أي: يقع في الهمّ بسببه. (٢٥٧٤) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه الترمذي في التفسير، باب من سورة النساء (٣٠٤١). قوله: (قاربوا وسدّدوا) أي: اقتصدوا في أعمالكم ولا تغلوا، واقصدوا السّداد وهو الصواب فيما استطعتم. قوله: (حتى النكبة ينكبها) النكبة بفتح النون وسكون الكاف: المصيبة، ونكبه الدهر نكباً : بلغ منه أو أصابه بنكبة. وقوله ((يُنكبه)) بضم الياء على البناء للمجهول، أي: ينكب به. ويجوز ٢٩٣ كتاب البر والصلة والآداب قَالَ مُسْلِمٌ: هُوَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَيْصِنٍ، مِنْ أَهْلِ مَكَّةً. ٦٥١٥ - (٥٣) حدّثني عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع. حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ الصَّوَّافُ. حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ. حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ دَخَلَ عَلَى أُمِّ السَّائِبِ، أَوْ أُمِّ الْمُسَيَّبِ. فَقَالَ: ((مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ، أَوْ يَا أُمَّ الْمُسَيِّبِ، تُزَفْزِفِينَ؟)) قَالَتِ: الْحُمَّى. لاَ بَارَكَ اللَّهُ فِيهَا. فَقَالَ: ((لاَ تَسُبِّي الْحُمَّى. فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ. كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ)). ٦٥١٦ - (٥٤) حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَبِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ. قَالاَ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ، أَبُو بَكْرٍ. حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحِ. قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: أَلاَ أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: في قوله ((حتى النكبة)) الرفع والنصب والجر. فالجر بمعنى الغاية، أي: حتى ينتهي إلى النكبة، أو عطفاً على قوله ((كلّ ما يصاب به)). والنصب بتقدير عامل، أي: حتى وجدانه النكبة، والرفع على الابتداء، وخبره محذوف، وهو ((يثاب بها)). ومثل ذلك يقال في قوله ((حتى الهمّ يهمّه))، وفي قوله ((حتى الشوكة یشاکها)). ٥٣ - (٢٥٧٥) - قوله: (حدثنا جابر بن عبد الله) هذا الحديث مما تفرد به المصنف من بين الأئمة الستة. قوله: (دخل على أمّ السائب) قيل: إنها أنصارية، لكن قال الحافظ في الإصابة ٤: ٤٣٦ : ((ذكرها ابن كعب في قبائل العرب بين المهاجرين والأنصار)). قوله: (تُزَفْزِفين) بضم التاء وكسر الزاي الثانية، من باب بعثر، وقيل: بفتح التاء وفتح الزاي الثانية أيضاً، فهو من باب تدحرج، بحذف إحدى التائين في صيغة المخاطب، والمراد: ترعدين. ويقال: زفزفت الريح الحشيش: أي: حركته، وزفزف النعام في طيرانه، أي: حرك جناحه. ثم إن الرواية الصحيحة في مسلم هي بالزائين المعجمتين، وقد رواه بعضهم برائين وفائين، وبعضهم برائين وقافين، وكل منهما مرجوح. قوله: (لا تسبّي الحمّى) قال القاضي عياض: ((لم تسبّها وإنما دعت عليها، ولكن هذا لما كان يتضمن تحقير المدعو عليه وذمّه صار ذلك كالتصريح بالسبّ. وقال القرطبي: ((وحكمة ذلك أن السبّ إنما يصدر في الغالب عن التضجر وضعف الصبر، وقد يفضى إلى التسخط)). قوله: (كما يُذهب الكير خبث الحديث) ما أجمله من تشبيه! فإن الكير يذهب الصداء بحرارته، كما أن الحمّى تكفر الخطايا بسخونتها . ٥٤ - (٢٥٧٦) - قوله: (قال لي ابن عباس) هذا الحديث أخرجه البخاري في المرضى، باب فضل من يصرع من الريح (٥٦٥٢). ٢٩٤ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ. أَتَتِ النَّبِيَّ وَِّ قَالَتْ: إِنِّي أُضْرَعُ. وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ. فَادْعُ اللَّهَ لِي. قَالَ: ((إِنْ شِئْتٍ صَبَرْتٍ وَلَكِ الْجَنَّةُ. وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ)). قَالَتْ: أَضْبِرُ. قَالَتْ: فَإِنِّي أَتَكَشَّفُ. فَادْعُ اللَّهَ أَنْ لاَ أَتَكَّشَّفَ، فَدَعَا لَهَا . (١٥) - باب: تحريم الظلم ٦٥١٧ - (٥٥) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَهْرَامَ الدَّارِمِيُّ. حَدَّثَنَا مَرْوَانُ، (يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدِ الدِّمَشْقِيَّ)، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ رَبِيعةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي إِذْرِيسَ الْخَوْلاَنِيِّ، عَنْ أَبِي ذَرِّ، عَنِ النَّبِيِّ بَِّ، فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: (يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْتَكُمْ مُحَرَّماً، فَلاَ تَظَالَمُوا. يَا عِبَادِي، قوله: (هذه المرأة السوداء) وأخرجه أبو موسى في الذيل بلفظ ((فأراني حبشية صفراء عظيمة فقال: هذه سعيرة الأزدية)) فأفاد أن اسمها سعيرة، ووقع في آخر الحديث عند البخاري أن كنيتها أم زفر. وذكر ابن سعد وعبد الغني في المبهمات من طريق الزبير أن هذه المرأة ماشطة خديجة التي كانت تتعاهد النبيّ ◌َّ بالزيارة. ذكره الحافظ في فتح الباري (١٠: ١١٥) وظاهر هذا الحديث: أن المرأة كانت سافرة وجهها، ولم ينكر عليها ابن عباس، ففيه دليل على أن وجه المرأة ليس داخلاً في الحجاب، كما هو مذهب الحنفية، غير أنها تمنع من ذلك خشية الفتنة . والله أعلم - . قوله: (وإني أتكشّف) والمراد أنها ربما تنكشف عورتها في حالة الصرع من حيث لا تشعر . قوله: (إن شئت صبرتٍ ولك الجنة) فيه دليل على أن التداوي ليس بواجب، وعلى أن الأخذ بالعزيمة أفضل من الأخذ بالرخصة لمن علم من نفسه الطاقة، ولم يضعف من التزام الشدة، وأما من ضعف عن ذلك فالأفضل له الأخذ بالرخصة. وإنما جزم ابن عباس بكونها من أهل الجنة من جهة أن النبيّ وَّلقول بشرها بذلك عند الصبر على الصرع، وقد فعلت. (١٥) - باب: تحريم الظلم ٥٥ _ (٢٥٧٧) - قوله: (عن أبي ذرّ) هذا الحديث أخرجه الترمذي في صفة القيامة، (باب: ٤٨، رقم: ٢٤٩٥). قوله: (إني حرّمت الظلم على نفسي) قال المازَرِي: ((أي: تقدست عنه، لأنه إنما يظلم من يتعدى الحدود التي حُدّت، وليس فوق الله سبحانه أحد يحدّ أو يرسم، فيتجاوز ما يرسم له، فيكون ظالماً)) وقال القرطبي: ((اتفق العقلاء على استحالته عليه تعالى. قالت المعتزلة: لأن الظلم قبيح، وهذا على أصلهم في قاعدة التحسين والتقبيح. وقال غيرهم: لاستحالة تصوره في ٤٠ ٢٩٥ كتاب البر والصلة والآداب كُلُكُمْ ضَالٍّ إِلاَّ مَنْ هَدَيْتُهُ. فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّ مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أَطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي، كُلْكُمْ عَارٍ إِلَّ مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً. فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ. يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرَّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي. يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَىْ أَتْقَى قَلْبٍ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئاً. يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وآخِرَكُمْ. وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ. كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبٍ رَجُلٍ وَاحِدٍ. مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئاً. بَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي. فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّ كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ. يَا عِبَادِي، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُخْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أَوَفْيَكُمْ إِيَّاهَا. فَمَنْ وَجَدَ خَيْراً فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلاَ يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ)) . قَالَ سَعِيدٌ: كَانَ أَبُو إِذْرِيسَ الْخَوْلاَنِيُّ، إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ، جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ. حدّثنيه أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ. حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ. حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. غَيْرَ أَنَّ مَرْوَانَ أَتَمُّهُمَا حَدِيثاً. حقه تعالى كما تقدم. ولما كان تحريم الشيء يقتضي المنع منه، سمى تعالى تنزهه عنه وامتناعه عليه تحريماً)). قوله: (كلكم ضالٌ إلا من هديته) قال القاضي عياض: ((يدل على أن فطرة الناس كانت على الضلال، فيعارض حديث ((كل مولود يولد على الفطرة»، ويجاب: بأن المراد بهذا الضلال الضلال الذي كانوا عليه قبل بعثة الرسل، وبعد الفطرة ... أو يعني بالضلال: أنهم لو تركوا ما تميل إليه طباعهم من الراحة وإهمال النظر ضلوا إلا من هدى الله سبحانه)). قال العبد الضعيف - عفا الله عنه -: ويمكن الجواب عن أصل الإشكال بأن كون الناس على الهداية بفطرتهم إنما ثبت بخلق الله إياهم على الفطرة، فلو لم يخلقهم على ذلك لكانوا في ضلال، وهذا معنى قوله ((كلكم ضالّ إلا من هديته))، أي: لولا أني خلقتكم على الفطرة لكنتم جميعاً من الضالين - والله أعلم - . قوله: (إلا كما ينقص المِخْيَط إذا أدخل البحر) المخيط، بوزن منبر، الإبرة. وقال العلماء: هذا تقريب إلى الأفهام، ومعناه: لا ينقص شيئاً أصلاً، لأن ما عند الله لا يدخله نقص، والمقصود: التقريب إلى الأفهام بما شاهدوه، فإن البحر من أعظم المرئيات عياناً، والإبرة من أصغر الموجودات، مع أنها صقيلة لا يتعلق بها ماء. قوله: (جثا على ركبتيه) إجلالاً لهذا الحديث القدسي الشريف. ٢٩٦ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: حَدَّثَنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ، ابْنَا بِشْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى. قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ. فَذَكَرُوا الْحَدِيثَ بِطُولِهِ. ٦٥١٨ - (٠٠٠) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. كِلاَهُمَا عَنْ عَبْدٍ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ. حَدَّثَنَا هَمَّامٌ. حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلَّه فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: (إِنِّي حَرَّمْتُ عَلَى نَفْسِي الظُّلْمَ وَعَلَى عِبَادِي. فَلاَ تَظَالَمُوا)). وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِهِ. وَحَدِيثُ أَبِي إِذْرِيسَ الَّذِي ذَكَّرْنَاهُ أَتَمُّ مِنْ هَذَا. ٦٥١٩ - (٥٦) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبِ. حَدَّثَنَا دَاوُدُ، (يَعْنِي ابْنَ قَيْسٍ)، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَم، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَهِ قَالَ: («اتَّقُوا الظُّلَّمَ. فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتَ يَوْمَ الْقِيَّامَةِ. وَاتَّقُوا الشُّحَّ. قوله: (عن جابر بن عبد الله) هذا الحديث تفرد المصنف بإخراجه من بين الأئمة الستة. قوله: (فإن الظلم ظلمات يوم القيامة) قال القرطبي: ((ظاهره أنه على ظاهره، وإن الظالم يعاقب بأن يكون في ظلمات متوالية، حين يكون المؤمنون في نور يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، ﴿يَقُولُ الْمُتَفِقُونَ وَاَلْمُنَّفِقَتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْظُرُونَا نَقْنَيِسْ مِن نُوْرِكُمْ﴾ [سورة الحديد، آية ١٣] الآية. وقيل: يعني بالظلمات الشدائد والأهوال التي يكون فيها، ومنه: ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيَكُم مِّنْ ظُلُتِ الْبَرِّ وَاَلْبَحْرِ﴾ [سورة الأنعام، آية ٦٣] أي: شدائدهما، وقد تكون الظلمات هنا الأنكال والعقوبات. تعريف البخل والشح: قوله: (واتقوا الشّح) قال القرطبي: الحرص على تحصيل ما ليس عندك. والبخل: الامتناع من إخراج ما عندك. قال تعالى: ﴿أَشِحَةٌ عَلَيْكُمْ﴾ [سورة الأحزاب، آية ١٩]. قيل: يأتون الحرب معكم لأجل الغنيمة. وقال النووي: ((قال جماعة: الشح أشد البخل، وأبلغ في المنع من البخل، وقيل: هو البخل مع الحرص. وقيل: البخل: في أفراد الأمور، والشح: عام. وقيل: البخل: في أفراد الأمور، والشح: بالمال والمعروف. وقيل: الشح: الحرص على ما ليس عنده، والبخل بما عنده)). أما تعريف البخل، فقد ذكر غير واحد أنه منع الواجب الشرعي، ولكن تعقبه الإمام الغزالي في إحياء العلوم (٣: ٢٥٩ و٢٦٠) وحقّق أن الواجب قسمان: واجب بالشرع، وواجب بالمروءة والعادة. والسخيّ هو الذي لا يمنع واجب الشرع ولا واجب المروءة، فإن منع واحداً منهما فهو بخيل، ولكن الذي يمنع واجب الشرع أبخل. أما واجب المروءة، فهو ترك المضايقة والاستقصاء في المحقرات، فإن ذلك مستقبح، واستقباح ذلك يختلف بالأحوال والأشخاص. وبعبارة الإمام الغزالي كثّفُ: ((فالبخيل هو الذي يمنع حيث ينبغي أن لا يمنع، إما بحكم الشرع، ٢٩٧ كتاب البر والصلة والآداب فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ)). ٦٥٢٠ - (٥٧) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم. حَدَّثَنَا شَبَابَةُ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ الْمَاجِشُونُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرِّ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . وإما بحكم المروءة، وذلك لا يمكن التنصيص على مقداره. ولعلّ حدّ البخل هو إمساك المال عن غرض، ذلك الغرض هو أهمّ من حفظ المال، فإن صيانة الدين أهمّ من حفظ المال، فمانع الزكاة والنفقة بخيل. وصيانة المروءة أهم من حفظ المال. والمضايق في الدقائق مع من لا تحسن المضايقة معه هاتك ستر المروءة لحبّ المال فهو بخيل)). قال: ((ثم تبقى درجة أخرى، وهو أن يكون الرجل ممن يؤدي الواجب ويحفظ المروءة، ولكن معه مال كثير قد جمعه ليس يصرفه إلى الصدقات وإلى المحتاجين، فقد تقابل غرض حفظ المال ليكون له عدة على نوائب الزمان، وغرض الثواب ليكون رافعاً لدرجاته في الآخرة. وإمساك المال عن هذا الغرض بخل عند الأكياس، وليس ببخل عند عوامّ الخلق ... وربما يظهر عند العوام أيضاً سمة البخل عليه إن كان في جواره محتاج فمنعه وقال: أديت الزكاة الواجبة، وليس عليّ غيرها. ويختلف استقباح ذلك باختلاف مقدار ماله، وباختلاف شدة حاجة المحتاج، وصلاح دينه واستحقاقه. فمن أدى واجب الشرع وواجب المروءة اللائقة به فقد تبرأ من البخل. نعم! لا يتصف بصفة الجود والسخاء ما لم يبذل زيادة على ذلك لطلب الفضيلة ونيل الدرجات، فإذا اتسعت نفسه لبذل المال حيث لا يوجبه الشرع ولا تتوجه إليه الملامة في العادة، فهو جواد بقدر ما تتسع له نفسه من قليل أو كثير، ودرجات ذلك لا تحصر)). قال العبد الضعيف - عفا الله عنه -: لم يبين الإمام الغزالي تثقلُ الحكم الشرعي لمن لا يؤدي واجب المروءة وإن كان يؤدي واجب الشرع، هل هو آثم؟ وهل فعله داخل في البخل الممنوع بهذا الحديث؟ فإن كان داخلاً في ذلك، صار واجب المروءة واجباً في الشرع أيضاً، وعلى هذا يرجع الكلام إلى التعريف الأول للبخل، وهو أنه منع الواجب الشرعي. وإن لم يكن مانع واجب المروءة آئماً، فكيف يدخل فعله في البخل الممنوع بهذا الحديث؟ ولعلّه تَّقُهُ يريد أن منع واجب المروءة، وإن لم يكن إثماً في الشرع، ولكنه ينبىء عن داء في الباطن، ربما يؤدي إلى منع واجب الشرع أيضاً، فيسمى بخلاً من هذه الجهة، وأمرنا بعلاج هذا الداء والاتقاء منه لئلا نقع في معصية، فمن رعى حول الحمى أوشك أن يقع فيه، والله سبحانه أعلم. قوله: (فإن الشّحّ أهلك من كان قبلكم) قال القاضي: ((يحتمل أن هذا الهلاك هو الهلاك الذي أخبر عنهم به في الدنيا بأنهم سفكوا دماءهم، ويحتمل أنه هلاك الآخرة، وهذا الثاني أظهر ويحتمل أنه أهلكهم في الدنيا والآخرة)). ٥٧ - (٢٥٧٩) - قوله: (عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر) هذا الحديث أخرجه البخاري ٢٩٨ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٦٥٢١ - (٥٨) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ بِهِ قَالَ: ((الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ. مَنْ كَانَ فِي حَاجَةٍ أَخِيهِ، كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ. وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمَ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبٍ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَمَنْ سَتَّرَ مُسْلِماً، سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَّامَةِ». في المظالم، باب الظلم ظلمات يوم القيامة (٢٤٤٧)، والترمذي في البر والصلة، باب ما جاء في الظلم ٢٠٣١ . ٥٨ - (٢٥٨٠) - قوله: (عن سالم عن أبيه) يعني: ابن عمر ظه، وهذا الحديث أخرجه البخاري في المظالم، باب لا يظلم المسلم ولا يسلمه (٢٤٤٢)، وفي الإكراه، باب يمين الرجل لصاحبه أنه أخوه إذا خاف عليه القتل (٦٩٥١)، وأبو داود في الأدب، باب المؤاخاة (٤٨٩٣)، والترمذي في الحدود، باب ما جاء في الستر على المسلم (١٤٢٦). وقد تقدم شرح معاني الحديث في حديث أبي هريرة قريباً في باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره. قوله: (ولا يُسلمه) أي: لا يلقيه في المهلكة، ولا يخذله في مقابلة عدو،، وقد تقدم شرحه في الباب المذكور. قوله: (ومن ستر مسلماً) إلخ قال الحافظ في الفتح (٥: ٩٧): ((أي: رآه على قبيح فلم يظهره أي للناس، وليس في هذا ما يقتضي ترك الإنكار عليه فيما بينه وبينه. ويحمل الأمر في جواز الشهادة عليه بذلك على ما إذا أنكر عليه ونصحه فلم ينته عن قبيح فعله ثم جاهر به، كما أنه مأمور بأن يستتر إذا وقع منه شيء. فلو توجه إلى الحاكم وأقرّ لم يمتنع ذلك. والذي يظهر: أن الستر محله في معصية قد انقضت، والإنكار في معصية قد حصل التلبس بها، فيجب الإنكار عليه، وإلا رفعه إلى الحاكم، وليس من الغيبة المحرمة، بل من النصيحة الواجبة. وفيه إشارة إلى ترك الغيبة، لأن من أظهر مساوىء أخيه لم يستره)). وقال النووي تَّهُ: ((أما الستر المندوب إليه هنا، فالمراد به الستر على ذوي الهيئات ونحوهم ممن ليس هو معروفاً بالأذى والفساد. فأما المعروف بذلك، فيستحب أن لا يستر عليه، بل ترفع قضيته إلى وليّ الأمر إن لم يخف من ذلك مفسدة، لأن الستر على هذا يطمعه في الإيذاء والفساد وانتهاك الحرمات، وجسارة غيره على مثل فعله، هذا كله في ستر معصية وقعت وانقضت. أما معصية رآه عليها، وهو بعدُ متلبس بها، فتجب المبادرة بإنكارها عليه ومنعه منها من قدر على ذلك، ولا يحل تأخيرها. فإن عجز لزمه رفعها إلى ولي الأمر إذا لم تترتب على ذلك مفسدة. وأما جرح الرواة والشهود والأمناء على الصدقات والأوقاف والأيتام ونحوهم، فيجب جرجهم عند الحاجة، ولا يحلّ الستر عليهم إذا رأى منهم ما يقدح في أهليتهم)). والحاصل، فيما يظهر لي أن الستر محله المعصية الانفرادية التي لا يتعدى أثرها إلى غير ٦ ٠٠ ٠ ٠٠٫ ٢٩٩ كتاب البر والصلة والآداب ٦٥٢٢ - (٥٩) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، (وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ)، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لِ قَالَ: ((أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟)) قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ. فَقَالَ: ((إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي، يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاَةٍ وَصِيَّامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا. فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ. فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ، قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِ حَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ)). ٦٥٢٣ - (٦٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، (يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفٍَ)، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ لَ قَالَ: ((لَتُؤْذُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ». المرتكب، والتي لا يجاهر بها ولا يصرّ عليها. أما المعاصي التي يتعدى أثرها إلى غيره، أو التي يجاهر بها ويصرّ عليها، فلا. ثم إن الستر في محل الستر مستحب، فلو رفعه إلى السلطان لم يأثم بالإجماع، ولكنه خلاف الأولى، صرح به النووي كثّثُ. ٥٩ - (٢٥٨١) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه الترمذي في صفة القيامة، باب ما جاء في شأن الحساب والقصاص (٢٤٢٠). قوله: (إن المفلس من أمتي) يعني: أن المفلس الحقيقي هو هذا، وإن كان الناس يسمون من لا مال له مفلساً، فإن من أعوز المال، فإن ضرره يسير وسوف ينقطع يوماً مّا. وأما هذا الرجل الذي فقد حسناته كلها، وحمّل ذنوب غيره، فقد خسر خسراناً لا يتدارك. قوله: (أخذ من خطاياهم) قال المازَرِي: ((وزعم بعض المبتدعة أن هذا الحديث معارض لقوله تعالى: ﴿وَلَ نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ أَخْرَى﴾ [سورة فاطر، آية ١٨]. وهذا الاعتراض غلط منه وجهالة بينة، لأنه إنما عوقب بفعله ووزره وظلمه، فتوجهت عليه حقوق لغرمائه، فدفعت إليهم من حسناته، فلما فرغت وبقيت بقية قوبلت على حسب ما اقتضته حكمة الله تعالى في خلقه وعدله في عباده، فأخذ قدرها من سيئات خصومه)» كذا في شرح النووي. قلت: والحاصل: أن هذا الرجل يعاقب على إتلافه لحقوق العباد بقدر ما استحق أولئك من عقاب، وإن من أتلف حقه إنما تغفر له سيئاته لتحمّله أذى تلف حقّه، وإن مغفرة السيئات بسبب ذلك أمر منصوص معلوم، فليس فيه تحميل المعصوم وزر غيره. ٦٠ - (٢٥٨٢) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه الترمذي في صفة القيامة، باب ما جاء في شأن الحساب والقصاص (٢٤٢٢). قوله: (حتى يقاد للشاة الجلحاء) وهي التي لا قرن لها، والقرناء من لها قرن. وقال ٣٠٠ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٦٥٢٤ - (٦١) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً. حَدَّثَنَا بُرَيْدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مُوسَى. قَالَ: قَالَ رَسُوَّلُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُمْلِي لِلظَّالِمِ. فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ)). ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيْكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَبِى وَهِىَ ظَلِمَّةُ إِنَّ ﴾ [هود: ١٠٢]. ١٠٢ أَخْذَهُ أَلِمٌ شَدِيدُ النووي: ((هذا تصريح بحشر البهائم يوم القيامة وإعادتها يوم القيامة كما يعاد أهل التكليف من الآدميّين، وكما يعاد الأطفال والمجانين ومن لم تبلغه دعوة. وعلى هذا تظاهرت دلائل القرآن والسنة. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُجُوْشُ حُشِرَتْ ﴾﴾ [سورة التكوير، آية ٥]. وإذا ورد لفظ الشرع ولم يمنع من إجرائه على ظاهره عقل ولا شرع، وجب حمله على ظاهره. قال العلماء: وليس من شرط الحشر والإعادة في القيامة المجازاة والعقاب والثواب. وأما القصاص من القرناء للجلحاء، فليس هو من قصاص التكليف، إذ لا تكليف عليها، بل هو قصاص مقابلة)). وقد ذكر المازَرِي عن بعض العلماء أنهم أنكروا بعث البهائم على أساس أنها لا تكليف عليها، وفسّروا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوْشُ حُشِرَتْ ﴾﴾ [سورة التكوير، آية ٥] بأن المراد من حشرها موتها، وفسروا حديث الباب بأنه ضرب مثل إعلاماً للخلق بأنها دار جزاء لا يبقى فيها حق عند أحد. قالوا: والأحاديث الواردة في بعثها أخبار آحاد تفيد الظنّ، والمطلوب في المسألة القطع. ولكن ردّ عليه الأبّي بأن المسائل العلمية التي لا ترجع للذات والصفات، كهذه، يصح التمسك فيها بالآحاد، وبأن الاستدلال بمجموع ظواهر الآي والأحاديث يرجع إلى التواتر المعنوي. والله سبحانه أعلم. ٦١ - (٢٥٨٣) - قوله: (عن أبي موسى) هذا الحديث أخرجه البخاري في تفسير سورة هود، باب قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ اَلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَّةً﴾ (٤٦٨٦)، والترمذي في تفسير سورة هود (٣١٠٩)، وابن ماجه في الفتن، باب العقوبات (٤٠٦٧). قوله: (يُملي للظالم) أي: يمهله ويؤخر عقابه، ويطيل له في المدة. وهو مشتق من الملوة، بتثليث الميم، وهي المدة والزمان. وهذا كقوله تعالى: ﴿وَأُمْلِى لَهُمَّ إِنَّ كَيّدِى مَتِينُ [سورة الأعراف، آية ١٨٣]. قوله: (لم يُفلته) بضم الياء من باب الإفعال، أي: لم يُطلقه، يقال: أفلته: أطلقه، وانفلت: تخلص منه. وقال الحافظ: ((أي: لم يخلصه، أي: إذا أهلكه لم يرفع عنه الهلاك. وهذا على تفسير الظلم بالشرك على إطلاقه، وإن فسّر بما هو أعمّ، فيحمل كل على ما يليق به)).