النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ كتاب فضائل الصحابة ٦٣٢٧ - (١٤٤) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ، (يَعْنِي ابْنَ سُلَيْمَانَ)، عَنِ الْجَعْدِ، أَبِي عُثْمَانَ. قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللّهِ بَّهِ. فَسَمِعَتْ أُمِّيءَ أُ سُلَيْمِ صَوْتَهُ. فَقَالَتْ: بِأَبِي وَأُمِّي، يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُنَيْسٌ، فَدَعَا لِي رَسُولُ اللَّهِ وَلَه ثَلاَثَ دَعَّوَاتٍ، قَدْ رَأَيْتُ مِنْهَا اثْنَيْنٍ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَرْجُو الثَّالِئَةَ فِي الآخِرَةِ. ٦٣٢٨ - (١٤٥) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِع. حَدَّثَنَا بَهْزٌ. حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: أَتَى عَلَيَّ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ وَأَنَّا أَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ. قَالَ: فَسَلَّمَ عَلَيْنَا. فَبَعَثَنِي إِلَى حَاجَةٍ، فَأَبْطَأْتُ عَلَىْ أُمِّي. فَلَمَّا جِئْتُ قَالَتْ: مَا حَبَسَكَ؟ قُلْتُ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ لِحَاجَةٍ. قَالَتْ: مَا حَاجَتُهُ؟ قُلْتُ: إِنَّهَا سِرٍّ. قَالَتْ: لاَ تُحَدِّثَنَّ بِسِرٌ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ أَحَداً. قَالَ أَنَسٌ: وَاللَّهِ لَوْ حَدَّثْتُ بِهِ أَحَداً لَحَدَّثْتُكَ، يَا ثَابِتُ. ٦٣٢٩ - (١٤٦) حدّثنا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ. حَدَّثَنَا عَارِمُ بْنُ الْفَضْلِ. حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ الحجاج البصرة مائة وعشرون)). وقال ابن قتيبة فى المعارف: ((كان بالبصرة ثلاثة ما ماتوا حتى رأى كل واحد منهم من ولده مائة ذكر لصلبه: أبو بكرة، وأنس، وخليفة بن بدر)) وزاد غيره رابعاً، وهو المهلب بن أبي صفرة. ١٤٤ - ( ... ) - قوله: (قد رأيت منها اثنتين في الدنيا) لعله أراد بهما كثرة ماله وكثرة ولده. قوله: (وأنا أرجو الثالثة في الآخرة) ولعلها المغفرة التي دعا له بها رسول الله وَل ور، كما جاء في رواية البخاري في الأدب المفرد، والله سبحانه أعلم. ١٤٥ - (٢٤٨٢) - قوله: (أخبرنا ثابت، عن أنس) هذا الحديث أخرجه البخاري في الاستئذان، باب حفظ السر (٦٢٨٩). قوله: (إنها سرّ) قال بعض العلماء: ((كأن هذا السر كان يختص بنساء النبيّ وَّ، وإلا فلو كان من العلم ما وسع أنساً كتمانه)) وقال ابن بطال: (الذي عليه أهل العلم أن السر لا يباح به إذا كان على صاحبه منه مضرة. وأكثرهم يقول: إنه إذا مات لا يلزم من كتمانه ما كان يلزم في حياته، إلا أن يكون عليه فيه غضاضة))، وقال الحافظ بعد نقله: ((قلت: الذي يظهر انقسام ذلك بعد الموت إلى ما يباح، وقد يستحب ذكره ولو كرهه صاحب السر، كأن يكون فيه تزكية له من كرامة أو منقبة أو نحو ذلك، وإلى ما يكره مطلقاً، وقد يحرم، وهو الذي أشار إليه ابن بطال، وقد يجب، كأن يكون فيه ما يجب ذكره، كحق عليه، كأن يعذر بترك القيام به فيرجى بعده إذا ذكر لمن يقوم به عنه أن يفعل ذلك)). ١٨٢ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم سُلَيْمَانَ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: أَسَرَّ إِلَيَّ نَبِيُّ اللَّهِ وَه ◌ِرًّا، فَمَا أَخْبَرْتُ بِهِ أَحَداً بَعْدُ. وَلَقَدْ سَأَلَتْنِي عَنْهُ أُمُّ سُلَيْمِ، فَمَا أَخْبَرْتُهَا بِهِ. (٣٣) - باب: من فضائل عبد الله بن سلام، رضي اللّه عنه ٦٣٣٠ - (١٤٧) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى. حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَه يَقُولُ، لِحَيِّ يَمْشِي، إِنَّهُ فِي الْجَنَّةِ، إِلاَّ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ. ٦٣٣١ - (١٤٨) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ. حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ قَيْسٍ بْنِ عُبَادٍ قَالَ: كُنْتُ بِالْمَدِينَةِ فِي نَاسٍ. (٣٣) - باب: من فضائل عبد الله بن سلام ١٤٧ - (٢٤٨٣) - قوله: (سمعت أبي يقول) وهو سعد بن أبي وقاص ظه، وحديثه هذا أخرجه البخاري في مناقب الصحابة باب مناقب عبد الله بن سلام ظته (٣٨١٢). قوله: (ما سمعت رسول الله وَّفي يقول) إلخ يشكل عليه أنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة أنه وَل بشر جماعة من الصحابة غير عبد الله بن سلام بالجنة. وأجاب عنه النووي بأن سعداً رَ ◌ّه نفى سماعه من النبيّ وَّر، فلا ينافي البشارات الأخرى التي لم يسمعها سعد. ولكن يبعد من مثل سعد أن لا يكون عارفاً هذه البشارات، وهو من جملة العشرة المبشر لهم. فالأحسن ما حققه الحافظ في الفتح (٧: ١٣) من أنه قال هذا الكلام بعد موت المبشرين، لأن عبد الله بن سلام عاش بعدهم ولم يتأخر معه من العشرة غير سعد وسعيد، ويؤخذ هذا من قوله: ((لحيّ يمشي)). وقد أخرج ابن حبان من طريق مصعب بن سعد عن أبيه سبب هذا الحديث، ولفظه: ((سمعت النبيّ ◌َليل يقول: يدخل عليكم رجل من أهل الجنة، فدخل عبد الله بن سلام)). قوله: (إلا لعبد الله بن سلام) بتخفيف اللام، وهو من بني قينقاع، وهم من ذرية يوسف الصديق، وكان اسم عبد الله بن سلام في الجاهلية (الحصين))، فسماه النبيّ وَّر عبد الله. أخرجه ابن ماجه، وكان خلقاء الخزرج من الأنصار. أسلم أول ما دخل النبيّ وَّر المدينة، وزعم الداودي أنه كان من أهل بدر، ولا يثبت. وغلط من قال إنه أسلم قبل وفاة النبيّ وَّ بعامين. وَمَات ◌ُله سنة ٤٣هـ. ١٤٨ - (٢٤٨٤) - قوله: (عن قيس بن عباد) بضم العين وتخفيف الباء، هو القيسي الضُبعي أبو عبد الله البصري. قدم المدينة في خلافة عمر. كان ثقة قليل الحديث. وقال النسائي وابن خراش: (ثقة، وكانت له مناقب وحلم وعبادة. وذكر أبو مخنف عن شيوخه فيمن قتله الحجاج ١٨٣ كتاب فضائل الصحابة فِيهِمْ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَّ. فَجَاءَ رَجُلٌ فِي وَجْهِهِ أَثَرٌ مِنْ خُشُوعٍ. فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْم: هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ يَتَّجَوَّزُ فِيهِمَا. ثُمَّ خَرَّجَ فَاتَّبَعْتُهُ. فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ. وَدَخَلْتُ فَتَحَدَّثْنَا. فَلَمَّا اسْتَأْنَسَ قُلْتُ لَهُ: إِنَّكَ لَمَّا دَخَلْتَ قَبْلُ، قَالَ رَجُلٌ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ مَا لاَ يَعْلَمُ. وَسَأُحَدِّئُكَ لِمَ ذَاكَ؟ رَأَيْتُ رُؤْيَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ. فَقَصَصْتُهَا عَلَيْهِ. رَأَيْتُنِي فِي رَوْضَةٍ - ذَكَرَ سَعَتَهَا وَعُشْبَهَا وَخُضْرَتَهَا - وَوَسْطَ الرَّوْضَةِ عَمُودٌ مِنْ حَدِيدٍ. أَسْفَلُهُ فِي الأَرْضِ وَأَعْلاَهُ فِي السَّمَاءِ. فِي أَعْلاَهُ عُرْوَةٌ. فَقِيلَ لِيَ: ارْقَهْ. فَقُلْتُ لَهُ: لاَ أَسْتَطِيعُ، فَجَاءَنِي مِنْصَفٌ (قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: وَالْمِنْصَفُ الْخَادِمُ) فَقَالَ بِثِيَابِي مِنْ خَلْفِي - وَصَفَ أَنَّهُ رَفَعَهُ مِنْ خَلْفِهِ بِيَدِهِ - فَرَقِيتُ حَتَّى كُنْتُ فِي أَعْلَى الْعَمُودِ، فَأَخَذْتُ بِالْعُرْوَةِ. فَقِيلَ لِي: اسْتَمْسِكْ. فَلَقَدِ اسْتَيْقَظْتُ وَإِنَّهَا لَفِي يَدِي، فَقَصَصْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ نَّهِ فَقَالَ: ((تِلْكَ الرَّوْضَةُ ممن خرج مع ابن الأشعث، كذا في التهذيب (٨: ٤٠٠) وذكر في الخلاصة أنه مات بعد الثمانين. قوله: (ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم) هذا إنكار من عبد الله بن سلام حيث قطعوا له بالجنة، فيحمل على أن هؤلاء بلغهم خبر سعد بن أبي وقاصٍ بأن ابن سلام من أهل الجنة، ولم يسمع هو. ويحتمل أنه كره الثناء عليه بذلك تواضعاً وإيثاراً للخمول وكراهة للشهرة. كذا في شرح النووي. وذكر الحافظ احتمالاً ثالثاً، وهو أنه لم ينكر على من عده من أهل الجنة، وإنما أنكر على تعجب قيس بن عباد من قولهم، فذكر أن مثل ذلك لا يبعد. ولكن هذا التوجيه بعيد كما ترى. ويظهر لي وجه رابع، وهو أن القوم حين ذكروا كونه من أهل الجنة، لم يستندوا في ذلك إلى نص، وإنما ذكروا ذلك ككلام مبتدأ من عند أنفسهم. فأنكر عليهم عبد الله بن سلام من هذه الجهة، ونبه على أن مثل هذا الكلام لا يقال إلا بعد ثبوت النص في ذلك، فكان من الواجب عليهم أن يذكروا مستنداً لقولهم لئلا يكون تحكماً على الله تعالى، والعياذ بالله. ومن أجل ذلك ذكر قصة رؤياه التي يمكن أن يستند إليها في ذلك . - والله أعلم - . قوله: (فجاءني منصف) بكسر الميم وسكون النون وفتح الصاد، بمعنى الخادم كما فسره ابن عون. قوله: (فقال بثيابي) أي أخذ بشيابي. قوله: (فلقد استيقظت وإنها لفي يدي) أي: أن الاستيقاظ كان حال الأخذ من غير فاصلة، ولم يرد أنه بقيت في يده في حال يقظته، ولو حمل على ظاهره لم يمتنع في قدرة الله، لكن الذي ١٨٤ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم الإِسْلاَمُ. وَذُلِكَ الْعَمُودُ عَمُودُ الإِسْلاَمِ. وَتِلْكَ الْعُزْوَةُ عُزْوَةُ الْوُثْقَى. وَأَنْتَ عَلَى الإِسْلاَمِ حَتَّى تَمُوتَ)). قَالَ: وَالرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَّلاَمِ. ٦٣٣٢ - (١٤٩) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ. حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ. حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ. قَالَ: قَالَ قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ : كُنْتُ فِي حَلْقَةٍ فِيهَا سَعْدُ بْنُ مَالِكِ وَابْنُ عُمَرَ. فَمَرَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ. فَقَالُوا: هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. فَقُمْتُ فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُمْ قَالُوا كَذَا وَكَذَا. قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا مَا لِيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ. إِنَّمَا رَأَيْتُ كَأَنَّ عَمُوداً وُضِعَ فِي رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ. فَنُصِبَ فِيهَا. وَفِي رَأْسِهَا عُرْوَةٌ. وَفِي أَسْفَلِهَا مِنْصَفٌ - وَالْمِنْصَفُ الْوَصِيفُ - فَقِيلَ لِيَ: ارْقَهْ. فَرَقِيتُ حَتَّى أَخَذْتُ بِالْعُرْوَةِ. فَقَصَصْتُهَا عَلَى رَسُولِ اللّهِ بِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهْ: ((يَمُوتُ عَبْدُ اللَّهِ وَهُوَ آخِذٌ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى)) . ٦٣٣٣ - (١٥٠) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، (وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ)، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ. قَالَ كُنْتُ جَالِساً فِي حَلْقَةٍ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ. قَالَ: وَفِيهَا شَيْخُ حَسَنُ الْهَيْئَةِ. وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامِ. قَالَ: فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُمْ حَدِيثاً حَسَناً. قَالَ: فَلَمَّا قَامَ قَالَ الْقَوْمُ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رِّجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا. قَالَ: فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لأَتْبَعَنَّهُ فَلأَعْلَمَنَّ مَكَانَ بَيْتِهِ. قَالَ: فَتَبِغْتُهُ، فَانْطَلَقَ حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْمَدِينَةِ. ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ. قَالَ: فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لِي. فَقَالَ: مَا حَاجَتُكَ يَا ابْنَ أَخِي؟ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: سَمِعْتُ الْقَوْمَ يَقُولُونَ لَكَ، لَمَّا قُمْتَ: مَنْ يظهر خلاف ذلك. ويحتمل أن يريد أن أثرها بقي في يده بعد الاستيقاظ، كأن يصبح فيرى يديه مقبوضة. كذا في فتح الباري (٧: ١٣١). ١٥٠ - ( ... ) - قوله: (عن خرشة بن الحر) هو بثلاث فتحات، ابن الحر الفزاري، كان يتيماً في حجر عمر بن الخطاب ربه، وقال الآجري عن أبي داود: له صحبة، وأخته سلامة بنت الحر لها صحبة، وذكره ابن عبد البر وأبو نعيم وابن مندة في الصحابة. وذكره ابن حبان والعجلي في ثقات التابعين. وقال ابن سعد: مات في ولاية بشر على العراق، وقال خليفة: مات سنة أربع وسبعين. كذا في الإصابة (١: ٤٢٢)، والتهذيب (٣: ١٣٨). قوله: (فاستأذنت عليه فأذن لي) تقدم مثل هذه الواقعة لقيس بن عباد، والظاهر أنهما واقعتان، فقصة قيس بن عباد رواها ابن سيرين، وقصة خرشة رواها سليمان بن مسهر. وهذا يدل على أن كون عبد الله بن سلام من أهل الجنة كان معروفاً بين الناس، حتى أن خرشة بن الحر سمع من الناس عين ما سمعه قيس بن عباد. ١٨٥ كتاب فضائل الصحابة سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا. فَأَعْجَبَنِي أَنْ أَكُونَ مَعَكَ. قَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ، وَسَأُحَدِّئُكَ مِمَّ قَالُوا ذَاكَ، إِنِّي بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ، إِذْ أَتَانِي رَجُلٌ فَقَالَ لِي: قُمْ، فَأَخَذَّ بِيَدِي فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ. قَالَ: فَإِذَا أَنَا بِجَوَادَّ عَنْ شِمَالِ. قَالَ: فَأَخَذْتُ لَآَخُذَ فِيهَا. فَقَالَ لِي: لاَ تَأْخُذْ فِيهَا فَإِنَّهَا طُرُقُ أَصْحَابِ الشِّمَالِ. قَالَ: فَإِذَا جَوَادٌ مَنْهَجْ عَلَى يَمِينِي. فَقَالَ لِي: خُذْ هُهُنَا. فَأَتَى بِي جَبَلاً. فَقَالَ لِيَ: اصْعَدْ. قَالَ: فَجَعَلْتُ إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَصْعَدَ خَرَرْتُ عَلَى أَسْتِي. قَالَ: حَتَّى فَعَلْتُ ذُلِكَ مِرَاراً. قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ بِي حَتَّى أَتَّى بِي عَموداً. رَأْسُهُ فِي السَّمَاءِ وَأَسْفَلُهُ فِي الأَرْضِ. فِي أَعْلاَهُ حَلْقَةٌ. فَقَالَ لِيَ: اصْعَدْ فَوْقَ هَذَا. قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَضْعَدُ هَذَا؟ وَرَأْسُهُ فِي السَّمَاءِ. قَالَ: فَأَخَذَ بِيَدِي فَزَجَلَ بِي. قَالَ: فَإِذَا أَنَا مُتَعَلِّقٌ بِالْحَلْقَةِ. قَالَ: ثُمَّ ضَرَبَ الْعَمُودَ فَخَرَّ، قَالَ: وَبَقِيتُ مُتَعَلِّقاً بِالْحَلْقَةِ حَتَّى أَصْبَحْتُ. قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيِّ وَّهِ فَقَصَصْتُهَا عَلَيْهِ. فَقَالَ: ((أَمَّا الطُّرُقُ الَّتِي رَأَيْتَ عَنْ يَسَارِكَ فَهِيَ طُرُقُ أَضْحَابِ الشّمَالِ. قَالَ: وَأَمَّا الطُّرُقُ الَّتِي رَأَيْتَ عَنْ يَمِينِكَ فَهِيَ طُرُقُ أَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَأَمَّا الْجَبَّلُ فَهُوَ مَنْزِلُ الشُّهَدَاءِ. وَلَنْ تَنَالَهُ. وَأَمَّا الْعَمُودُ فَهُوَ عَمُودُ الإِسْلاَمِ. وَأَمَّا الْغَزْوَةُ فَهِيَ عُرْوَةُ الإِسْلاَمِ. وَلَنْ تَزَالَ مُتَمَسُكاً بِهَا حَتَّى تَمُوتَ)). (٣٤) - باب: فضائل حسَّان بن ثابت، رضي اللّه عنه ٦٣٣٤ - (١٥١) حدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ. كُلُّهُمْ عَنْ سُفْيَانَ. قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ قوله: (فإذا أنا بجواد) هو جمع جادّة، وهي الطريق البينة المسلوكة. قوله: (فإذا جواد منهج) أي: طرق واضحة بينة مستقيمة. والنهج: الطريق المستقيم. ونهج الأمر وأنهج: إذا وضح، وطريق منهج ومنهاج ونهج، أي بين واضح. قوله: (فزجل بي) أي: رمى بي. وأكثر ما تستعمل في الشيء الرخو. وزحل، بالحاء المهملة، قريب منه. يقال: زحلت الشيء: نحّيته وأبعدته. وروي بالوجهين، ورواية الجيم أصح وأولى. كذا في شرح الأتّي. قوله: (ولن تناله) لأنه رأى أنه لم يستطع صعود الجبل، بل خرّ منه على استه. (٣٤) - باب: فضائل حسان بن ثابت ١٥١ _ (٢٤٨٥) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في المساجد، باب الشعر في المسجد (٤٥٣)، وفي بدء الخلق، باب ذكر الملائكة (٣٢١٢)، وفي الأدب، باب هجاء المشركين (٦١٥٢)، وأخرجه أبو داود في الأدب، باب ما جاء في الشعر (٥٠١٣ ١٨٦ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم عُمَرَ مَرَّ بِحَسَّانَ وَهُوَ يُنْشِدُ الشِّعْرَ فِي الْمَسْجِدِ. فَلَحَظَ إِلَيْهِ. فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أُنْشِدُ، وَفِيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ. ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ. فَقَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ، أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ عَه يَقُولُ: ((أَجِبْ عَنِّي. اللَّهُمَّ أَيَذْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ)»؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ. ٦٣٣٥ - (٠٠٠) حدّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعِ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ؛ أَنَّ حَسَّانَ قَالَ، فِي حَلْقَةٍ فِيهِمْ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ، يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ: فَذَكَرَ مِثْلَهُ. ٦٣٣٦ - (١٥٢) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ. أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ. أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتِ الأَنْصَارِيَّ يَسْتَشْهِدُ أَبَا هُرَيْرَةَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ، هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيِّ نَّهِ يَقُولُ: ((يَا حَسَّانُ، أَجِبْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ بِ. اللَّهُمَّ أَيَذْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ)). قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: نَعَمْ. ٦٣٣٧ - (١٥٣) حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيٍّ، (وَهُوَ ابْنُ ثَابِتٍ)، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَراءَ بْنَ عَازِبٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ يَقُولُ و ٥٠١٤) والنسائي في المساجد، باب الرخصة في إنشاد الشعر الحسن في المسجد (٧١٦). قوله: (مرّ بحسّان) يعني: ابن ثابت بن المنذر بن حرام الخزرجي الأنصاري ظُبه، شاعر رسول الله صل. وأمه فريعة بنت خالد، أسلمت وبايعت. وقصصه مشهورة. وذكر النووي أنه عاش هو وآباؤه الثلاثة كل واحد منهم مائة وعشرين سنة. وعاش حسان ستين سنة في الجاهلية وستين في الإسلام. مات سنة أربعين، وقيل: خمسين، وقيل: أربع وخمسين كما في الإصابة. قوله: (فلحظ إليه) قال القرطبي: ((أي: أومأ إليه أن اسكت. وهذا يدل على أن عمر رضيبه كان يكره إنشاد الشعر في المسجد، وكان قد بنى رحبة خارجه وقال: من أراد أن يلغط وينشد شعراً، فليخرج إلى هذه الرحبة)). قوله: (وفيه من هو خير منك) يعني النبيّ ◌َّر. وفيه جواز إنشاد الشعر في المسجد إذا كان متضمناً لمدح النبيّ وَطير، أو الرد على الكفار، أو لمعان دينية وخلقية. أما الشعر المشتمل على الفواحش أو الكذب وغيره، فلا يجوز إنشاده في المسجد. قوله: (أجب عني) يعني: أجب الكفار عني فيما انتقدوا به عليّ. ١٥٣ - (٢٤٨٦) - قوله: (سمعت البراء بن عازب قال) هذا الحديث أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب ذكر الملائكة (٣٢١٣)، وفي المغازي، باب مرجع النبيّ وَّ من الأحزاب (٤١٢٣ و ٤١٢٤)، وفي الأدب، باب هجاء المشركين (٦١٥٣). ١٨٧ كتاب فضائل الصحابة لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ: ((اهْجُهُمْ، أَوْ هَاجِهِمْ، وَجِبْرِيلُ مَعَكَ)). ٦٣٣٨ - (٠٠٠) حَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ. حِ وَحَدَّثَنِي أَبُو. بَكْرِ بْنُ نَافِع. حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ. كُلَّهُمْ عَنْ شُغْبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. ٦٣٣٩ - (١٥٤) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَام، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ كَانَ مِمَّنْ كَثَّرَ عَلَى عَائِشَةَ. فَسَبَبْتُهُ. فَقَالَتْ: يَا ابْنَ أُخَّتِي، دَعْهُ، فَإِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَهُ. ٦٣٤٠ - (٠٠٠) حدّثناه عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. ٦٣٤١ - (١٥٥) حدّثني بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ، (يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ)، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي الضُّحَىُ، عَنْ مَسْرُوقٍ. قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ وَعِنْدَهَا حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يُنْشِدُهَا شِعْراً. يُشَبِّبُ، بِأَبْيَاتٍ لَهُ. فَقَالَ: قوله: (وجبريل معك) هذه الرواية مفسرة للرواية السابقة في أن المراد من ((روح القدس)): جبريل غلَلاءِ. ١٥٤ - (٢٤٨٧) - قوله: (عن هشام، عن أبيه) هذا الحديث أخرجه البخاري في المناقب، باب من أحب أن لا يُسب نسبه (٣٥٣١)، وفي المغازي، باب حديث الإفك (٤١٤٥)، وفي الأدب، باب هجاء المشركين (٦١٥٠). قوله: (ممن كثّر على عائشة) أي: أكثر في الطعن عليها في قصة الإفك على ما هو المشهور، وسيأتي ما فيه. قوله: (ينافح) أي: يدافع ويرامي. يقال: نفحت الدابة إذا رمحت بحوافرها، ونفحه بالسيف: إذا تناوله من بعيد. وأصل النفح: الضرب. وقيل للعطاء نفح: لأن المعطي يضرب السائل به . ١٥٥ - (٢٤٨٨) - قوله: (عن مسروق) هذا الحديث أخرجه البخاري في المغازي، باب حديث الإفك (٤١٤٦)، وفي تفسير سورة النور، باب ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُواْ لِمِثْلِ أَبَدًا﴾ (٤٧٥٥)، وباب ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَتِّ﴾ (٤٧٥٦). قوله: (يُشَبِّبُ) التشبيب وإن كان أصل معناه: التغزل بامرأة وذكر حسنها وشبابها، ولكنه ربما يتوسع في استعماله لمطلق إنشاد الشعر، وإن لم يكن فيه غزل، وهو المراد ههنا، والمقصود مدح عائشة ١٨٨ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ تُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: لَكِنَّكَ لَسْتَ كَذَلِكَ. قَالَ مَسْرُوقٌ: فَقُلْتُ لَهَا: لِمَ تَأْذَنِينَ لَهُ يَدْخُلُ قوله: (حصان) إلخ بفتح الحاء والصاد، وهو وزن يكثر في أوصاف المؤنث وفي الأعلام منها، كأنهم قصدوا بتوالي الفتحات مشاكلة خفة اللفظ لخفة المعنى، أي المسمى بهذا اللفظ خفيف على النفس. وحصان: من الحصن والتحصين، وهو الامتناع على الرجل من نظرهم إليها. والمراد كونها عفيفة محفوظة من الأنظار السيئة. وأما ((رزان)) فهو من الرزانة وهو كمال العقل ورجل رزين. وامرأة رزان، بمعنى الوقور، وقوله تزن: صيغة مجهول من الزنّ، وهو الرمي والقذف. والريبة: السيئة والفاحشة. قوله: (وتصبح غرثى) إلخ صيغة صفة من الغرث، بفتح الغين والراء، وهو الجوع وخلو البطن، أي: أنها خميصة البطن من لحوم الفتيات الغافلات، والمراد منهن العفائف. وكونها خاوية البطن عن لحوم العفائف كناية من أنها لا تغتاب واحدة من النساء العفائف، لأن الله تعالى وصف الغيبة بأكل لحم الأخ الميت. وتمام هذه الأبيات على ما ذكرها ابن هشام في السيرة (٤: ١٤): وتصبح غرثى من لحوم الغوافل حصان رزان ما تزن بريبة عقيلة حيّ من لؤى بن غالب مهذبة قد طيب الله خيمها كرام المساعي، مجدهم غير زائل وطهرها من كل سوء وباطل فلا رفعت سوطي إليّ أناملي فإن كنت قد قلت الذي زعموا لكم لآل رسول الله زين المحافل وكيف وودي ما حييت ونصرتي له (١) رتب عال على الناس كلهم فإن الذي قد قيل ليس بلائط(٢) تقاصر عنه سورة المتطاول ولكنه قول امرىء بي ماحـلـ وزاد فيه الحاكم في رواية له من غير رواية ابن إسحاق: نبي الهدى والمكرمات الفواضل حليلة خير الخلق دينا ومنصبا من المحصنات غير ذات الغوائل رأيتك وليغفر لك الله حرة قوله: (لكنك لست كذلك) ظاهره أن حسان بن ثابت ربه كان قد تكلم فيمن تكلم في (١) قال السيهيلي في الروض الأنف ٢٣/٤: ((الرتب: ما ارتفع من الأرض وعلا. والرتب أيضاً: قوة في الشییء وغلظ فيه)). (٢) أي ليس بلاصق. يقال: ما يليط ذلك بفلان، أي ما يلصق، ومنه سمى الربا لياطاً، لأنه ألصق بالبيع وليس بيعاً. قاله السهيلي. ١٨٩ كتاب فضائل الصحابة عَلَيْكِ؟ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ: ﴿وَلَّذِى تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١١]. فَقَالَتْ: فَأَيُّ عَذَابِ أَشَدُّ مِنَ الْعَمَى؟ عائشة خيّا، وهو الظاهر من قولها: ((أيُّ عذاب أشد من العمى؟)) ولكن يشكل عليه أن حسان بن ثابت ربه قد أنكر في أبياته المذكورة أن يكون تكلم في عائشة ما لا ينبغي، وخاصة في قوله: فلا رفعت سوطي إليّ أناملي فإن كنت قد قلت الذي زعموا لكم لآل رسول الله زين المحافل وكيف وودي ما حييت ونصرتي وكأنه صرح بأنه لم يقذف عائشة يؤثّا أبداً، وإنما نسب إليه بعض الناس أقوالاً لم يقلها، وهو اللائق به ظه، ويحتمل أن تكون نسبة هذه الأقوال إليه صارت مشهورة بين الناس بما يصعب ردّها، وتأثرت عائشة خيها بهذه الشهرة. وقد نسب البعض إليه أبياتاً تدل على أنه كان من جملة القاذفين، وهي كالتالي: وحمنة، إذ قالوا هجيرا، ومسطح، لقد ذاق حسان الذي كان أهله وسخطة ذي العرش الكريم فأترحوا تعاطوا برجم الغيب زوج نبيّهم لكن ذكر السهيلي في الروض الأنف (٤: ٢٣ و٢٤) أن البيت الأول من هذه الأبيات یروی علی خلاف هذا، وهو: لقد ذاق عبد الله ما كان أهله وحمنة، إذ قالوا هجيرا، ومسطح، وعلى هذا الأساس مال السهيلي تقُّ إلى أن حسان بن ثابت لم يخض في قذف عائشة غيّا، والله سبحانه أعلم. ولو ثبت منه القذف، فإنه تاب من ذلك توبة نصوحاً، فلا ملامة عليه بعد ذلك. قوله: (وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَِّى تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ إلخ قال الحافظ في الفتح (٨: ٤٨٥): ((وهذا مشكل، لأن ظاهره أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِى تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ [سورة النور، آية ١١] هو حسان بن ثابت. وقد تقدم قبل هذا أنه عبد الله بن أبي، وهو المعتمد. وقد وقع في رواية أبي حذيفة عند سفيان الثوري عند أبي نعيم في المستخرج: ((وهو ممن تولى كبره)) فهذه الرواية أخف إشكالاً». قال العبد الضعيف عفا الله عنه: لعلّ مسروقاً لم يُرد أن حسان بن ثابت هو الذي تولى كبره، أو هو ممن تولى كبره، ولكنه ذكر هذه الآية لمجرد الإشارة إلى قصة الإفك، ولبيان أن الله تعالى أنزل في القرآن مذمة هؤلاء الذين تعاطوا القذف، سواء كانوا ممن اختلقوا هذه القصّة، أو ممن صدّقوها بدون تحقيق. وإن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِى تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ [سورة النور، آية ١١] وإن كان المقصود منه عبد الله بن أبيّ، ولكن حسان بن ثابت كان في زعم مسروق ممن صدّقه ولم يكذبه في ذلك. فلذلك تلا هذه الآية في معرض ذكر حسّان ظُبه، - والله أعلم - . قوله: (فأي عذاب أشدّ من العمى؟) وكان حسان ◌َُّبه قد ذهب بصره، فزعمت عائشة أنه ١٩٠ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم إِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ، أَوْ يُهَاجِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ. ٦٣٤٢ - (٠٠٠) حدّثناه ابْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةً، فِي هَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: قَالَتْ: كَانَ يَذُبُّ عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَلِهِ. وَلَمْ يَذْكُرْ: حَصَانٌ رَزَانٌ. ٦٣٤٣ - (١٥٦) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: قَالَ حَسَّانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اثْذَنْ لِي فِي أَبِي سُفْيَانَ. قَالَ: ((كَيْفَ بِقَرَابَتِي مِنْهُ؟)) قَالَ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ، لأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ الْخَمِيرِ. فَقَالَ حَسَّانُ : وَإِنَّ سَنَامَ الْمَجْدِ مِنْ آلِ هَاشِمٍ بَنُو بِنْتِ مَخْزُومٍ. وَوَالِدُكَ الْعَبْدُ قَصِيدَتَهُ هَذِهِ. من عواقب ما تكلم فيها. ورواية شعبة هذه صريحة في أن عائشة رؤيتها صرّحت بكون عذابه في صورة العمى. ووقع في رواية سفيان الثوري عند البخاري أنها قالت: ((أو ليس قد أصابه عذاب عظيم؟)) ثم قال سفيان: تعني ذهاب بصره. وحاصل ذلك أن عائشة قد ذكرت إصابة العذاب بدون تعیین، وفسره سفیان من عنده بالعمى . قوله: (إنه كان ينافح) فيه رعاية عظيمة من قبل عائشة لعلاقة حسّان برسول الله وَلقر بالرغم من أنها كانت تزعم أن حسّان من جملة القاذفين لها، وكان من مقتضاه أن تظل ساخطة له، ولكنّها آثرت علاقته برسول الله وَّر على عواطفها الشخصية. ١٥٦ - (٢٤٨٩) - قوله: (ائذن لي في أبي سفيان) أي: في هجاء أبي سفيان بن الحارث ابن عم رسول الله ◌َ، وذلك قبل أن يتشرف أبو سفيان بالإسلام، وكان يؤذي النبيّ مّر والمسلمین في ذلك الوقت، ثم أسلم وحسن إسلامه. قوله: (كيف بقرابتي منه؟) يعني: أن من عادة الشعراء أنهم حين يهجون رجلاً، فإنّما يعيبون نسبه، وإنك إن هجوت أبا سفيان وعبت نسبه، فإن ذلك يرجع إلى نسبي، لما لي من العلاقة القريبة بآبائه . قوله: (كما تُسَلّ الشّعرة من الخمير) أي: من العجين. يريد أنّي أخرج نسبك من الهجو كما تخرج الشعرة من العجين ليس عليها أثر منه. قوله: (وإنّ سنام المجد من آل هاشم) وإن هذا الشِّعر مثال لما فعله حسّان من هجو نسب أبي سفيان وإخراج نسب رسول الله وَ ظله منه. والمراد ببنت مخزوم فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم أم عبد الله والزبير وأبي طالب، وأما قوله: ((ووالدك العبد)) فهو إشارة إلى أن جدة أبي سفيان بن الحارث - واسمها ١٩١ كتاب فضائل الصحابة ٦٣٤٤ - (٠٠٠ ) حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ. حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. قَالَتِ: اسْتَأْذَنَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتِ النَّبِيَّ وَ فِي هِجَاءِ الْمُشْرِكِينَ. وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا سُفْيَانَ. وَقَالَ بَدَلَ - الْخَمِيرِ - الْعَجِينِ. ٦٣٤٥ - (١٥٧) حدّثنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ. حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي. حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ. حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلاَلٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لَ قَالَ: ((اهْجُوا قُرَيْشاً. فَإِنَّهُ أَشَدُّ عَلَيْهَا مِنْ رَشْقٍ بِالنَّبْلِ)) فَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ رَوَاحَةَ فَقَالَ: ((اهْجُهُمْ)) فَهَجَاهُمْ فَلَمْ سميّة - بنت لموهب، وموهب كان غلاماً لبني عبد مناف. وهذا الشعر من قصيدته التي يقول فيها : لقد علم الأقوام أنّ ابن هاشم هو الغصن ذو الأفنان، لا الواحد الوغد ومالك فيهم محتد يعرفونه فدونك فالصق، مثل ما لصق القُرْد وإن سنام المجد من آل هاشم بنوبنت مخزوم، ووالدك العبد كريما، ولم يقرب عجائزك المجد وما ولدت أفناء زهرة منكم ولکن هجین، لیس یُوری له زَنْد ولست كعبّاس، ولا كابن أمّه كما نيط خلف الرّاكب القدح الفَرْد وأنت زنيم نيط في آل هاشم وإن امرأ كانت سميّة أمَّه وسمراء مغلوبٌ إذا بُلِغ الجهد وراجع لهذه القصيدة وشرحها ديوان حسّان بن ثابت مع شرحه للبرقوقي (ص: ١٥٩ - ١٦١). ١٥٧ - (٢٤٩٠) - قوله: (عن عائشة) هذا الحديث لم يخرجه أحد من الأئمة الستة إلا المصنف تذشم . قوله: (من رشق بالنبل) الرَّشْق، بفتح الراء هو الرمي بالنبل وهي السّهام. وأما الرِّشق، بكسر الراء، فهو اسم للنبل التي ترمى دفعة واحدة. قال النووي: ((وأما أمره وَلقر بهجائهم وطلبه ذلك من أصحابه واحداً بعد واحد، ولم يرض بقول الأول والثاني حتى أمر حسّان، فالمقصود منه النّكاية في الكفار، وقد أمر الله تعالى بالجهاد في الكفار والإغلاظ عليهم، وكان هذا الهجو ١٩٢ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم يُرْضِ. فَأَرْسَلَ إِلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكِ. ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ. فَلَمَا دَخَلَ عَلَيْهِ، قَالَ حَسَّانُ: قَدْ آنَ لَّكُمْ أَنْ تُرْسِلُوا إِلَى هَذَا الأَسَدِ الضَّارِبِ بِذَنَبِهِ. ثُمَّ أَذْلَعَ لِسَانَهُ فَجَعَلَ يُحَرِّكُهُ. فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لأَفْرِيَنَّهُمْ بِلِسَانِي فَرْيَ الأَدِيمِ. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((لاَ تَعْجَلْ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرِ أَعْلَمُ قُرَيْشٍ بِأَنْسَابِهَا. وَإِنَّ لِي فِيهِمْ نَسَباً. حَتَّى يُلَخْصَ لَكَ نَسَبِي)) فَأَتَاهُ حَسَّانُ. ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: يَا رَّسُولَ اللَّهِ، قَدْ لَخَّصَ لِي نَسَبَكَ. وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لأَسُلَّنَكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلَّ الشّعْرَةُ مِنَ الْعَجِينِ . قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَلَّهِ يَقُولُ لِحَسَّانَ: ((إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ لاَ يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ، مَا نَافَحْتَ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ». وَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((هَجَاهُمْ حَسَّانُ فَشَفَى وَاشْتَفَى)). أشدّ عليهم من رشق النبل، فكان مندوباً لذلك مع ما فيه من كفّ أذاهم وبيان نقصهم، والانتصار بهجائهم المسلمين. قال العلماء: ينبغي أن لا يبدأ المشركون بالسب والهجاء مخافة من سبّهم الإسلام وأهله. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْوًّا بِغَيْرِ عِلَّمٍ﴾ [سورة الأنعام، آية ١٠٨]، ولتنزيه ألسنة المسلمين عن الفحش، إلا أن تدعو إلى ذلك ضرورة لابتدائهم به، فيكفّ أذاهم ونحوه كما فعل النبيّ وَّر)). وكان الشّعر في ذلك الزمان من أقوى وسائل الدعاية والإعلام، فاستعملها رسول الله ويل للانتصار للإسلام، فيؤخذ منه أن تستخدم مثل هذه الوسائل المباحة لنشر دعوة المسلمين، وللردّ على الكفار المعاندين للإسلام وأهله بما فيه نكاية لهم ومدافعة لشرّهم. قوله: (إلى هذا الأسد الضّارب بذنبه) شبّه حسّان نفسه بالأسد، ولسانه بذنبه، فكما أن الأسد في حالة اغتياظه يضرب بذنبه جنبيه، كذلك يفعل حسّان بلسانه حين يحركه استعداداً للهجاء . قوله: (ثمّ أَدَلَعَ لسانه) أي: أخرجه عن الشفتين. قوله: (لأفرينّهم بلساني فري الأديم) أي: لأمزّقنّ أعراضهم تمزيق الجلد. والفري في الأصل: القطع. قوله: (قد لخّص لي نسبك) يعني: أن أبا بكر ◌َبه شرح لي ملخّصاً لنسب عشيرتك. ويقال: إنه لما بلغ أبا سفيان بن الحارث قصيدة حسّان المذكورة، قال: ((هذا شعر لم يغب عنه ابن قحافة» کذا في دیوان حسّان. قوله: (فشفى واشتفى) أي: شفى غيره من المؤمنين، واشتفى هو بنفسه بما انتقم من الكفار. ١٩٣ كتاب فضائل الصحابة قَالَ حَسَّانُ : وَعِنْدَ اللَّهِ فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ هَجَوْتَ مُحَمَّداً فَأَجَبْتُ عَنْهُ هَجَوْتَ مُحَمَّداً بَرَّا تَقِيًّا رَسُولَ اللَّهِ شِيمَتُهُ الْوَفَاءُ لِعِرْضٍ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي تُثِيرُ النَّفْعَ مِنْ كَنَفَيْ كَدَاءٍ ثَكِلْتُ بُنَيَّتِي إِنْ لَمْ تَرَوْهَا يُبَارِينَ الأَعِنَّةَ مُضْعِدَاتٍ عَلَى أَكْتَافِهَا الأَسَلُ الظُّمَاءُ قوله: (شيمته الوفاء) أي: خلقه الوفاء بالعهد. والشيمة بكسر الشين: الخلق، جمعه شِیم. قوله: (ثكلت بُنَّتي) إلخ أي: فقدتُها، وهو دعاء على ابنته بالموت، والضّمير في قوله ((إن لم تروها)» للخيل. قوله: (تثير النّقع) وهو الغبار. يقول: إنكم سوف ترون خيول المسلمين تثير الغبار في حوالي مكة، وإن لم تفعل فإني أدعو على ابنتي بالموت. قوله: (من كنفي كداء) الكنفان: بفتحتين، الجانبان. وكداء ثنية معروفة بمكة. وهو مجرور ههنا لكونه مضافاً إليه، وهو مخالف لقافية الأبيات الأخرى، ويسمّى إقواء. ولكن وقع هذا الشعر في بعض الروايات بلفظ: ((موعدها كداء)»، وفي بعضها: ((غايتها كداء)) وهو أوفق بقوافي الشّعر وأبعد عن عيب الإقواء، وجاء هذا الشعر في ديوان حسان هكذا: تثير النقع، موعدها كداء عدمنا خيلنا إن لم تروها وهو خال عن الإقواء وعن الإضمار للخيل بدون ذكرها . قوله: (يُبارين الأعنّة مُضْعِدات) المباراة: المعارضة، والأعنّة جمع عنان، وهو سير اللجام الذي تمسك به الدابّة. والإصعاد: التوجّه إلى شيء والذهاب إليه، ولا يطلق ذلك على الرجوع. والمعنى أنها، يعني الخيل، حين تتوجه إلى الحرب، فإنّها تُعَارض أعنّتها في الصّلابة والقوة، لأنّ العنان ربما يكون من الحديد. وقيل: إنّها تضاهي أعنّتها في اللين وسرعة الانقياد. يعني أنها تنقاد لراكبها كما أنّ أعنّتها تنقاد لحاملها. وقيل: المراد أنّها تعارض أعنّتها في الجذب، لقوة نفوسها وقوة رؤوسها . قوله: (الأسَلُ الفُلماء) الأسل، بفتح الهمزة والسين: الرماح. والظّماء جمع ظمأى، أي: العطاش. وفي بعض الروايات: ((الأسد الظماء)) وهي جمع أسد، شبه راكبيهاً بالأسد لشَجاعتهم وصولتهم. ١٩٤ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم تُلَطِّمُهُنَّ بِالْخُمُرِ النِّسَاءُ تَظَلُّ جِيَادُنَا مُتَمَطَرَاتٍ فَإِنْ أَعْرَضْتُمُو عَنَّا اعْتَمَرْنَا وَكَانَ الْفَتْحُ وَانْكَشَفَ الْغِطَاءُ يُعِزُّ اللَّهُ فِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَّ فَاصْبِرُوا لِضِرَابِ يَوْمٍ يَقُولُ الْحَقَّ لَيْسَ بِهِ خَفَاءُ وَقَالَ اللَّهُ: قَدْ أَرْسَلْتُ عَبْداً هُمُ الأَنْصَارُ عُرْضَتُهَا اللِّقَاءُ وَقَالَ اللَّهُ: قَدْ يَسَّرْتُ جُنْداً سِبَابٌ أَو قِتَالٌ أَوْ مِجَاءُ لَنَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ مَعَدِّ قوله: (تظلّ جيادنا متمظّرات) إلخ قال ابن منظور في اللسان: ((تمطرت الخيل: ذهبت مسرعة وجاءت متمطّرة أي: جاءت يسبق بعضها بعضاً)) و((تلطّمهن)) تفعيل من لَطم يَلْطمُ لطماً: إذا ضرب خدّه أو صفحة خدّه بكفه مفتوحة. والخُمُر، على وزن كُتب، جمع خمار، وهو ما تغطي به المرأة رأسها. وقد فسّر شرّاح الحديث هذا الشعر بأن خيل المسلمين مسرعة في سيرها عند القتال، وإنها كريمة على أهلها، ولذلك تمسح النّساء الغبار عن وجوهها بخمرها إكراماً لها وإظهاراً لحبّهن لها. وقد فسّره علماء الأدب بطريق آخر، وهو أنّها تتبع العدوّ مسرعة في سيرها، حتّى أن نساء العدوّ يلطمن وجوهها بخمرهنّ ليرددنها عن أنفسهنّ. وهذا المعنى أليق بكلمة اللّطم. وقد ذكروا أن ذلك وقع فعلاً عند فتح مكة، فكأن الله تعالى أجرى على لسان حسّان ما قدّره عند فتح مكة، ويروى أيضاً أن النّاس قد أمروا يوم فتح مكة بأن يسيروا إلى كداء، تفاؤلاً بشعر حسّان ه، فكان الأمر كذلك. قوله: (فإن أعرضتمو عنّا اعتمرنا) ظاهر هذا أن حسّان قال هذه القصيدة في عمرة الحديبية حين صدّ عن البيت، وقيل: إنه قالها يوم فتح مكة. والظاهر هو الأول. لأنه يقول: إن أعرضتم عنّا ولم تصدّونا عن البيت أدّينا عمرتنا، وحصل لنا الفتح في هذا الأمر، وإلا فانتظروا يوماً يعز الله فيه المسلمين. وهو يوم فتح مكة. قوله: (وإلا فاصبروا لضِراب يوم) إلخ الضِّراب، بكسر الضاد، المضاربة والقتال. وقوله (يُعزّ الله فيه من يشاء)) فيه تجاهل العارف، وهو من صنائع البديع. والمراد أن الله يعزّ المسلمین، ولکنه لم يصرح بذلك. قوله: (هم الأنصار، عُرْضَتُها اللقاء) عُرضتها، بضم العين، قصدها، يقال: اعترضت عُرْضه: أي: قصدت قصده. والمراد أن الأنصار قصدهم لقاء العدوّ والقتال. وقد يكون ((العُرضة)) بمعنى القوة. يقال: فلان عُرضة لكذا، أي: قَويٌّ عليه. والمراد أن الأنصار أقوياء على القتال. وإنّما خصّ الأنصار بالذكر، لأنهم الذين قاموا بمؤازرة رسول الله وَطل حين عانده قومه . قوله: (لنا في كل يوم من مَعَدّ) أراد بمعد قريشاً لأنهم من ولد معد بن عدنان. ١٩٥ كتاب فضائل الصحابة وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ فَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنْكُمْ وَرُوحُ الْقُدْسِ لَيْسَ لَهُ كِفَاءُ وَجِبْرِيلٌ رَسُولُ اللَّهِ فِينَا (٣٥) - باب: من فضائل أَبِي هُرَيْرَةَ الدوسيّ، رضي اللّه عنه ٦٣٤٦ - (١٥٨) حدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْيَمَامِيُّ. حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ أَبِي كَثِيرٍ، يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلى الإِسْلاَّمِ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ. فَدَعَوْتُهَا يَوْماً فَأَسْمَّعَتْنِي فِي رَسُولِ اللَّهِ بَّهِ مَا أَكْرَهُ. فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ وَأَنَا أَبْكِي. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الإِسْلاَم فَتَأْبَى عَلَيَّ. فَدَعَوْتُهَا الْيَوْمَ فَأَسْمَعَتْنِي فِيكَ مَا أَكْرَهُ. فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ. قوله: (فمن يهجو رسول الله ( 8﴿ منكم) إلخ يقول: إن رسول الله وَلقوله من العزّة والشرف بمكان لا يضره هجاؤكم ولا ينفعه مدحكم ونصركم، لأنكم من الهوان بحيث لا يعبأ بكم، وهو من العزة والمنعة والوجاهة بحيث لا ينال منه ولا يرتقي إليه . قوله: (ليس له كفاء) بكسر الكاف، أي: نظير ومثيل. (٣٥) - باب: من فضائل أبي هريرة الدّوسي رضـ ١٥٨ - (٢٤٩١) - قوله: (حدثني أبو هريرة) هذا الحديث أخرجه المصنف وحده من بين الأئمة الستة. وأبو هريرة ◌َُّه اشتهر بكنيته، حتى كأنه ليس له اسم غيرها. واختلفوا في اسمه واسم أبيه اختلافاً شديداً وأشبه الأقوال أنه كان له في الجاهلية اسمان: عبد شمس وعبد عمرو، وفي الإسلام عبد الله وعبد الرحمن بن صخر. وإنما لقب بأبي هريرة لأنه وجد هرة في صغره فحملها في كمّه فكني بها وغلب ذلك عليه. وقد روي أن الذي كناه بذلك حين رآه يحملها: النبيّ ◌َّ، وأسلم عام خيبر وشهدها ثم لازم النبيّ وَّر وواظبه رغبة في العلم راضياً بشبع بطنه، وقد روى خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثاً، في الصحيحين منها ستمائة وتسعة أحاديث. استعمله عمر على البحرين ثم عزله، ثم أراد رده على العلم فأبى ولم يزل يسكن المدينة، وبها توفي سنة ٥٧هـ. وكان من علماء الصحابة شديد التواضع والعبادة. كان هو وامرأته وخادمه يعتقبون الليل أثلاثاً. يصلي هذا، ثم يوقظ هذا. وكان يقول: نشأت يتيماً، وهاجرت مسكيناً، وكنت أجير السبرة بنت غزوان بطعام بطني، فزوجنيها الله، فالحمد لله الذي جعل الدين قواماً. هذا ملخص ما في شرح القرطبي. قوله: (وأنا أبكي) وإنما بكى إما لما سمع من المكروه في رسول الله وَلّ، أو لما أيس من إسلام أمّه . ١٩٦ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((اللَّهُمَّ اهدِ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ)) فَخَرَجْتُ مُسْتَبْشِراً بِدَغْوَةٍ نَبِيِّ اللَّهِ نَّه فَلَمَّا جِئْتُ فَصِرْتُ إِلَى الْبَابِ. فَإِذَا هُوّ مُجَافٌ، فَسَمِعَتْ أُمِّي خَشْفَ قَدَمَيَّ. فَقَالَتْ: مَكَانَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، وَسَمِعْتُ خَضْخَضَةَ الْمَاءِ. قَالَ: فَاغْتَسَلَتْ وَلَبِسَتْ دِرْعَهَا وَعَجِلَتْ عَنْ خِمَارِهَا. فَفَتَحَتِ الْبَابَ. ثُمَّ قَالَتْ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلَ، فَأَتَيْتُهُ وَأَنَا أَبْكِي مِنَ الْفَرَحِ. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَبْشِرْ قَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ دَعْوَتَكَ وَهَدَى أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ. فَحَمِدَ اللَّهُ وَأَثْتَى عَلَيْهِ وَقَالَ خَيْراً. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادعُ اللَّهَ أَنْ يُحَبِّبَنِي أَنَا وَأُمِّ إِلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَيُحَبِّبَهُمْ إِلَيْنَا. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((اللَّهُمَّ حَبِّبْ عُبَيْدَكَ هَذَا - يَعْنِي أَبَا هُرَيْرَةَ - وَأُمَّهُ إِلَى عِبَادِكَ الْمُؤْمِنِينَ. وَحَبِّبْ إِلَيْهِمُ الْمُؤْمِنِينَ)) فَمَا خُلِقَ مُؤْمِنٌ يَسْمَعُ بِي، وَلاَ يَرَانِي، إِلَّ أَحَبَّنِي. ٦٣٤٧ - (١٥٩) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. جَمِيعاً عَنْ سُفْيَانَ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ الأَعْرَجِ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ بَّهِ. قوله: (فإذا هو مُجاف) هو اسم مفعول من الإجافة. وأجاف الباب: إذا أغلقه. قوله: (خشف قدميّ) أي: صوت مشيهما، وخضخضة الماء: صوت تحريكه: وإنما سمعه لأن أمه كانت تغتسل . قوله: (وعجلت عن خمارها) أي: عجلت في الخروج إلى الباب دون أن تغطي رأسها بالخمار. قوله: (ادع الله أن يحبّني إلخ) قال الأبيّ: ((يحتمل أنه تلطف في سؤال أن يحبه الله تعالی، لأن ذلك فرع محبة الله سبحانه إيّاه، لحديث أن الله إذا أحبّ عبداً نادى جبريل في السماء، الحدیث)». قوله: (عُبَيْدُكَ هذا) هذا التصغير ليس للتحقير، بل هو أسلوب من أساليب المحبة كما يفعل الأب مع أبنائه. ١٥٩ - (٢٤٩٢) - قوله: (سمعت أبا هريرة) هذا الحديث مرّ بعض أطرافه عند المصنف في اللباس والزينة، باب استحباب لبس النعل في اليمنى أولاً، وأخرجه البخاري في العلم، باب حفظ العلم (١١٨ و١١٩)، وفي البيوع، باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَأَنْتَشِرُواْ فِىِ الْأَرْضِ﴾ [سورة الجمعة، آية ١٠] (٢٠٤٧)، وفي الحرث والمزارعة، باب ما جاء في ١٩٧ كتاب فضائل الصحابة وَاللَّهُ الْمَوْعِدُ. كُنْتُ رَجُلاً مِسْكِيناً. أَخْدُمُ رَسُولَ اللّهِ وَّهِ عَلَى مِلْءٍ بَظْنِي. وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ يَشْغَلُهُمْ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ. وَكَانَتِ الأَنْصَارُ يَشْغَلُهُمُ الْقِيَامُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: ((مَنْ يَبْسُطُ ثَوْبَهُ فَلَنْ يَثْسَى شَيْئاً سَمِعَهُ مِنِّي)). فَبَسَطْتُ ثَوْبِي حَتَّى قَضَىُ حَدِيثَهُ. ثُمَّ ضَمَمْتُهُ إِلَيَّ. فَمَا نَسِيتُ شَيْئاً سَمِعْتُهُ مِنْهُ. الغرس (٢٣٥٠)، وفي المناقب، باب سؤال المشركين أن يريهم الله آية (٣٦٤٨)، وفي الاعتصام، باب الحجة على من قال: إن أحكام النبيّ وَ ل* كانت ظاهرة (٧٣٥٤)، وأخرجه الترمذي في مناقب أبي هريرة ظه (٣٨٣٤) وما بعده. قوله: (وَالله الموعد) بفتح الميم. قال الحافظ في الفتح (٥: ٢٨): ((فيه حذف تقديره: وعند الله الموعد، لأن الموعِد إمّا مصدر، وإمّا ظرف زمان، أو ظرف مكان، وكل ذلك لا يخبر به عن الله تعالى. ومراده أن الله تعالى يحاسبني إن تعمدت كذباً، ويحاسب من ظنّ بي السوء» وقال بعضهم: تقدير الكلام: ولقاء الله تعالى أو مجازاته موعود. وراجع الأبي. قوله: (على ملء بطني) أي: ألازمه مقتنعاً بقُوتي، ولا أجمع مالاً أذخره زيادة على ذلك، بل إذا حصل القوت من وجه مباح اكتفيت به. وليس المراد أنه كان يخدم رسول الله وَيقوم على طريق الإجارة، أو كان طعامه أجرته. قوله: (يشغلهم الصفق بالأسواق) الصَّفقُ، بإسكان الفاء، مصدر أصله ضرب اليد على اليد، وجرت به عادتهم عند عقد البيع، فكان التصفيق يعتبر علامة لتمام عقد البيع. فاستعيرت الكلمة للعقد. قوله: (يشغلهم القيام على أموالهم) يعني به: الزراعة والفلاحة، وقد صرح به في رواية يونس الآتية: ((كان يشغلهم عمل أرضهم)). قوله: (من يبسط ثوبه) إلخ ووقع في رواية شعيب عن الزهري عند البخاري في البيوع: ((وقد قال رسول الله وَلقول في حديث يحدّثه: إنه لن يبسط أحد ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه ثم یجمع إليه ثوبه إلا وعى ما أقول)). قوله: (فما نسيت شيئاً سمعته منه) وفي رواية شعيب المذكورة: ((فبسطت نمرة عليّ، حتى إذا قضى رسول الله وقدر مقالته جمعتها إلى صدري، فما نسيت من مقالة رسول الله وَ لاو تلك من شيء)) وهذا يدل على أن بشارة رسول الله#* كانت لخصوص تلك المقالة التي كان يقولها إذا ذاك. وقد أخرج الترمذي (رقم: ٣٨٣٥) من طريق سعيد المقبريّ عن أبي هريرة وصححه قال: ((قلت: يا رسول الله أسمع منك أشياء فلا أحفظها. قال: ابسط رداءك، فبسطت، فحدّث حديثاً كثيراً، فما نسيت شيئاً حدثني به)) وهذا يدل على أن النبيّ وَلو حدثه حينئذ بأحاديث كثيرة مختلفة . ١٩٨ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٦٣٤٨ - (٠٠٠) حدّثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ. أَخْبَرَنَا مَعْنٌ. أَخْبَرَنَا مَالِكٌ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنَا عَبَّدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. كِلاَهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِهَذَا الْحَدِيثِ. غَيْرَ أَنَّ مَالِكاً انْتَهَى حَدِيثُهُ عِنْدَ انْقِضَاءِ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةً. وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِهِ الرِّوَايَةَ عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ: ((مَنْ يَبْسُطْ ثَوْبَهُ)) إِلَى آخِرِه. ٦٣٤٩ - (١٦٠) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى النُّجِيبِيُّ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَلاَ يُغْجِبُكَ أَبُو هُرَيْرَةَ، جَاءَ فَجَلَسَ إِلَى جَنْبٍ حُجْرَتِي. يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ بِهِ. يُسْمِعُنِي ذُلِكَ، وَكُنْتُ ولقد طعن بعض المستشرقين وبعض أتباعهم في أبي هريرة ◌ُه بسبب إكثاره في الرواية عن رسول الله وَلهر، وإن حديثه هذا يبين لذلك سبباً واضحاً يكفي في الرد على هذا الطعن. وقد اعترف بذلك عدة من الصحابة غيره. فقد أخرج الترمذي (٣٨٣٧) في مناقبه عن مالك بن أبي عامر قال: ((جاء رجل إلى طلحة بن عبيد الله فقال: يا أبا محمد! أرأيت هذا اليمانيّ، يعني أبا هريرة، هو أعلم بحديث رسول الله وَّليل منكم؟ نسمع منه ما لا نسمع منكم، أو يقول على رسول الله وَّيقر ما لم يقل؟ قال: أمّا أن يكون سمع من رسول الله ربَّ ما لم نسمع، فلا أشكّ إلا أنه سمع من رسول الله وَّخير ما لم نسمع، وذاك أنه كان مسكيناً لا شيء له، ضيفاً لرسول الله وَلخير ، يده مع يد رسول الله وَي﴾. وكنّا نحن أهل بيوتات وغنى، وكنّا نأتي رسول الله وَّل طرفي النّهار، فلا نشكّ إلا أنه سمع من رسول الله وَ﴿ ما لا نسمع، ولا نجد أحداً فيه خير يقول على رسول الله ( 38 ما لم يقل)) قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن إسحاق. وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٣/ق ١٣٣/٢) وأخرجه الحاكم في المستدرك (٣: ٥١١) بسند صحيح على شرط مسلم. وأخرج الترمذي أيضاً (٣٨٣٦) بسند حسن عن ابن عمر أنه قال لأبي هريرة: ((يا أبا هريرة! أنت كنت ألزمنا لرسول الله (وَل﴿ وأحفظنا لحديثه)) وستأتي بعض أقوال الصحابة بعد رواية واحدة إن شاء الله . ١٦٠ - (٢٤٩٣) - قوله: (أن عائشة قالت) هذا الحديث أخرجه البخاري في المناقب، باب صفة النبيّ ◌َر (٣٥٦٨)، وأبو داود في العلم، باب في سرد الحديث (٣٦٥٥)، والترمذي في المناقب، باب في كلام النبيّ ◌َلّر (٣٦٣٩). قوله: (ألا يعجبك أبو هريرة) يحتمل أن يكون من الإعجاب، ويحتمل أن يكون من التعجيب، بمعنى أن يكون سبباً للتعجب، ولعل الثاني أوفق بالسياق. ووقع في رواية البخاري ((أبو فلان)) بغير تصريح باسم أبي هريرة. ١٩٩ كتاب فضائل الصحابة أُسَبِّحُ فَقَامَ قَبْلَ أَنْ أَقْضِيَ سُبْحَتِي، وَلَوْ أَدْرَكْتُهُ لَرَدَدْتُ عَلَيْهِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ لَمْ يَكُنْ يَسْرُدُ الْحَدِيثَ كَسَرْهُمْ. (٠٠٠) - قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: يَقُولُونَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَدْ أَكْثَرَ. وَاللَّهُ الْمَوْعِدُ. وَيَقُولُونَ: مَا بَالُ الَّمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ لاَ يَتَحَدَّثُونَ مِثْلَ أَحَادِيثِهِ؟ وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذُلِكَ: إِنَّ إِخْوَانِي مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلُ أَرَضِيهِمْ. وَإِنَّ إِخْوَانِي مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمْ الصَّفْقُ بَالأَسْوَاقِ. وَكُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللّهِ وَ عَلَى مِلْءٍ بَطْنِي، فَأَشْهَدُ إِذَا غَابُوا، وَأَحْفَظُ إِذَا نَسُوا، وَلَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ يَوْماً: ((أَيُّكُمْ قوله: (وكنت أسبّح) أي: أصلّي نافلة، أو أذكر الله تعالى، والأول أوجه كما في فتح الباري. قوله: (لرددت عليه) أي: لأنكرت عليه وبينت له أن الترتيل في التحديث أولى من السرد. قوله: (لم يكن يسرد الحديث كسردكم) أي: لا يتابع الحديث استعجالاً بعضه إثر بعض، لئلا يلتبس على المستمع. وزاد الإسماعيلي من رواية ابن المبارك عن يونس: ((إنما كان حديث رسول الله وَل﴾ فصلاً، فهما تفهمه القلوب)) ذكره الحافظ في الفتح (٦: ٦٧٨) وهذا يدل على أن عائشة يا لم تنكر على مطلق رواية الحديث، وإنما أنكرت على الاستعجال في قراءته أو سرده، لأنه لا يُفهم إلا بالتأنّي، وعلى جمع الأحاديث الكثيرة في وقت واحد، لأنها لا تُحفظ بهذا الطريق عادة. واعتذر الحافظ لأبي هريرة بأنه كان واسع الرواية كثير المحفوظ، فكان لا يتمكن من المهل عند إرادة التحديث، كما قال بعض البلغاء: أريد أن أقتصر، فتتزاحم القوافي على فيّ. (٢٤٩٢) - قوله: (وأحفظ إذا نسوا) وقد شهد بذلك آخرون أيضاً. فقد روى البيهقي في مدخله من طريق أشعث عن مولى لطلحة قال: كان أبو هريرة جالساً، فمرّ رجل بطلحة فقال له: لقد أكثر أبو هريرة، فقال طلحة: قد سمعنا كما سمع ولكنه حفظ ونسينا)) ذكره الحافظ في الفتح (٨: ٧٧) وأخرج البخاري في التاريخ والبيهقي في المدخل من حديث محمد بن عمارة بن حزم: أنه قعد في مجلس فيه مَشيخة من الصحابة بضعة عشر رجلاً، فجعل أبو هريرة يحدثهم عن رسول الله و * بالحديث فلا يعرفه بعضهم، فيراجعون فيه حتى يعرفوه، ثم يحدثهم بالحديث كذلك حتى فعل مراراً، فعرفت يومئذ أن أبا هريرة أحفظ الناس)) ذكره الحافظ في الفتح (١ : ٢١٤). وأخرج الحاكم في المستدرك (٣: ٥١٠) بسند صحيح أقره الذهبي عن أبي بن كعب ربه أنه قال: ((كان أبو هريرة جريًا على النبيّ ◌َ ه يسأله عن أشياء لا نسأله عنها)) وأخرجه أيضاً أحمد في مسنده (٥: ١٣٩). وأخرج الحاكم أيضاً عن حذيفة ظ به قال: قال رجلاً لابن ٢٠٠ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم يَبْسُطُ ثَوْبَهُ فَيَأْخُذْ مِنْ حَدِيثِي هَذَا، ثُمَّ يَجْمَعُهُ إِلَى صَدْرِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَتْسَ شَيْئاً سَمِعَهُ)) فَبَسَطْتُ بُرْدَةٌ عَلَيَّ، حَتَّى فَرَغَ مِنْ حَدِيثِهِ، ثُمَّ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي، فَمَا نَسِيتُ بَعْدَ ذُلِكَ الْيَوْمِ شَيْئاً حَدَّثَنِي بِهِ. وَلَوْلاَ آيَتَانِ أَنْزَلَهُمَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ مَا حَدَّثْتُ شَيْئاً أَبَداً: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُونَ مَّا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيْنَتِ وَالْمُدَى﴾ [البقرة: ١٦٠.١٥٩] إِلَى آخِرِ الآيَتَيْنِ. ، ٦٣٥٠ - (٠٠٠) وحدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ. أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةً قَالَ: إِنَّكُمْ تَقُولُونَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيَثَ عَنْ رَسُولِ اللّهِ بَلِهِ. بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ. (٣٦) - باب: من فضائل أهل بدر رضي اللَّه عنهم، وقصة حاطب بن أبي بلتعة ٦٣٥١ _ (١٦١) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْب وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ - وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو - (قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالُ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا) سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ. أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ، وَهُوَ كَاتِبُ عَلِيٍّ. قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ يَقُولُ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَالْهِ أَنَا وَالزُّبَيْرَ وَالْمِقْدَادَ. فَقَالَ: ((اثْتُوا رَوْضَةَ خَاخِ، فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً مَعَهَا عمر: ((إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله وَله، فقال ابن عمر: أعيذك بالله أن تكون في شك مما یجیئی به، ولكنه اجترأ وجبنّا)). (٣٦) - باب: من فضائل أهل بدر وقصة حاطب إلخ ١٦١ - (٢٤٩٤) - قوله: (سمعت عليّاً) هذا الحديث أخرجه البخاري في الجهاد، باب الجاسوس (٣٠٠٧)، وباب إذا اضطرّ الرجل إلى النظر في شعور أهل الذمّة والمؤمنات إذا عصين الله وتجريدهن (٣٠٨١)، وفي المغازي، باب فضل من شهد بدراً (٣٩٨٣)، وباب غزوة الفتح (٤٢٧٤)، وفي الاستئذان، باب من نظر في كتاب من يحذر على المسلمين ليستبين أمره (٦٢٥٩)، وفي تفسير سورة الممتحنة (٤٨٩٠)، وفي استتابة المرتدين، باب ما جاء في المتأولين (٦٩٣٩)، وأخرجه أبو داود في الجهاد، باب في حكم الجاسوس إذا كان مسلماً (٢٦٥٠ و٢٦٥١)، والترمذي في التفسير، باب ومن سورة الممتحنة (٣٣٠٢). قوله: (ائتوا روضة خاخ) موضع بين مكة والمدينة بقرب المدينة. وهو بخائين معجمتين في جميع الروايات إلا في رواية أبي عوانة للبخاري، فقد وقع فيها ((روضة حاج)) بالحاء والجيم، وقد اتفق العلماء على أنه غلط من أبي عوانة، وقد اشتبه عليه ((روضة خاخ)) بموضع آخر اسمه «ذات حاج)) وهو موضع بين المدينة والشّام.