النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ كتاب فضائل الصحابة مِنْي هَذَا؟)) فَبَسَطُوا أَيْدِيَهُمْ. كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ يَقُولُ: أَنَا، أَنَا. قَالَ: ((فَمَنْ يَأْخُذُهُ بِحَقْهِ؟)) قَالَ: فَأَحْجَمَ الْقَوْمُ. فَقَالَ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ، أَبُو دُجَانَةَ: أَنَا آخُذُهُ بِحَقُّهِ. قَالَ: فَأَخَذَهُ فَفَلَقَ بِهِ هَامَ الْمُشْرِكِينَ. (٢٦) - باب: من فضائل عبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر، رضي اللَّهُ تعالى عنهما ٦٣٠٤ - (١٢٩) حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ. كِلاَهُمَا عَنْ سُفْيَانَ. قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةً قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُنْكَدِرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، جِيءَ بِأَبِي مُسَجَّى، وَقَدْ مُثِلَ بِهِ. قَالَ: فَأَرَدْتُ قوله: (فأحجم القوم) أي: تأخروا، وهو من الإحجام بتقديم الحاء على الجيم، وقيل: هو بتقديم الجيم على الحاء. وادعى القاضي عياض أن الرواية بتقديم الجيم، فهما لغتان معناهما واحد. وإنما تأخر القوم بعد ما كثر اشتياقهم إلى السيف، لأنهم عرفوا أن الوفاء بحق سيف رسول الله ولي أمر خطير، وخافوا أن يلحقهم العجز في ذلك. أو فهموا أن طلب السيف بعد العلم بأن أخذه مشروط بأداء حقه ربما يكون فيه ادّعاء مذموم. قوله: (فقال سماك بن خرشة أبو دجانة) هو من أنصار الصحابة، مواقفه يوم بدر معروفة، وقد عاش بعد النبيّ ◌َّ واستشهد باليمامة، ويقال: إنه شارك في قتل مسيلمة الكذاب. قوله: (أنا آخذه بحقه) وأخرج الدولابي هذه القصة في الكنى عن الزبير بن العوام نظر ته، ولفظه: ((فقام أبو دجانة - سماك بن خرشة -، فقال: أنا، فما حقه؟ قال: لا تقتل به مسلماً ولا تفرّ به من كافر)) كذا في الإصابة (٤: ١٥٩). (٢٦) - باب: من فضائل عبد الله بن عمرو بن حرام إلخ ١٢٩ - (٢٤٧١) - قوله: (سمعت جابر بن عبد الله) هذا الحديث أخرجه البخاري في الجنائز، باب الدخول على الميت بعد الموت (١٢٤٤)، وباب ما يكره من النياحة على الميت (١٢٩٣)، وفي الجهاد، باب ظل الملائكة على الشهيد (٢٨١٦)، وفي المغازي، باب من قتل من المسلمين يوم أحد (٣٠٨٠)، وأخرجه النسائي في الجنائز، باب البكاء على الميت (١٨٤٥). قوله: (جيء بأبي) يعني: عبد الله بن عمرو بن حرام رُه، وهو أنصاري خزرجي معدود من أهل العقبة وكان من النقباء، شهد بدراً، واستشهد يوم أحد. وقد أخرج الترمذي من حديث جابر: ((لقيني النبيّ وَّه فقال: يا جابر! مالي أراك منكسراً؟ فقلت: يا رسول الله! قتل أبي وترك ديناً وعيالاً، فقال: ألا أخبرك؟ ما كلم الله أحداً قط إلا من وراء حجاب، وكلم أباك كفاحاً، قال: يا عبدي! سلني أعطك)). ١٦٢ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم أَنْ أَرْفَعَ الثَّوْبَ، فَنَهَانِي قَوْمِي. ثمَّ أَرَدْتُ أَنْ أَرْفَعَ الثَّوْبَ، فَنَهَانِي قَوْمِي. فَرَفَعَهُ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ، أَوْ أَمَرَ بِهِ فَرُفِعَ، فَسَمِعَ صَوْتَ بَاكِيَةٍ أَوْ صَائِحَةٍ. فَقَالَ: ((مَنْ هَذِهِ؟)) فَقَالُوا: بِنْتُ عَمْرٍو، أَوْ أُخْتُ عَمْرٍ. فَقَالَ: ((وَلِمَ تَبْكِي؟ فَمَا زَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حتی رُفع». ٦٣٠٥ - (١٣٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى. حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: أُصِيبَ أَبِي يَوْمَ أُخْدٍ. فَجَعَلْتُ أَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ وَأَبْكِي، وَجَعَلُوا يَنْهَوْنَنِي، وَرَسُولُ اللّهِ بِّهَ لاَ يَنْهَانِي. قَالَ: وَجَعَلَتْ فَاطِمَةُ، بِنْتُ عَمْرٍو تَبْكِيهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَلِهِ: ((تَبْكِيهِ، أَوْ لاَ تَبْكِيهِ، مَا زَالَتِ الْمَلائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا، حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ». ٦٣٠٦ - (٠٠٠) حدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ. حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجِ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ. كِلاَهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، غَيْرَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجِ لَيْسَ فِي حَدِيثِهِ ذِكْرُ الْمَلائِكَةِ وَبُكَاءِ الْبَاكِيَةِ. ٦٣٠٧ - (٠٠٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ. حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ. أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: جِيءَ بِأَبِي يَوْمَ أُحُدٍ مُجَدَّعاً، فَوُضِعَ بَيْنَ يَدَىِ النَّبِيِّ بَِّ. فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ. قوله: (مسجّى) أي: مغطى بثوب. وقوله ((قد مثل به)) يعني: أن الكفار قطعوا أعضاءه على طريق المثلة . قوله: (فنهاني قومي) لعلهم نهوه زعماً منهم بأن الكشف عن وجه الميت لا يجوز، ولم ينه رسول الله ﴿ دلالة على أنه يجوز، ويحتمل أن يكون نهيهم خشية أن يزيد ذلك حزناً وبكاءاً على جابر، لأنه كان يبكي عندئذ كما هو مصرح في الرواية الآتية، ولم ينهه رسول الله وَليل لما رأى من شدة اشتياقه، ولأن ذلك ربما يؤدي إلى التسلية. قوله: (فما زالت الملائكة تظله بأجنحتها) وفيه منقبة عظيمة لعبد الله بن عمرو بن حرام ظه. وروى مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أنه بلغه أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو بن حرام كانا قد حفر السيل عن قبرهما، وكانا في قبر واحد مما يلي السيل، فحفر عنهما فوجدا لم يتغيرا، كأنهما ماتا بالأمس، وكان أحدهما وضع يده على جرحه فدفن وهو كذلك، فأميطت يديه عن جرحه ثم أرسلت، فرجعت كما كانت. وكان بين الوقعتين ست وأربعون سنة. وراجع الإصابة (٢: ٣٤٢). ( ... ) - قوله: (مُجدَّعاً) أي: مقطوع الأطراف. ١٦٣ كتاب فضائل الصحابة (٢٧) - باب: من فضائل جليبيب، رضي الله عنه ٦٣٠٨ - (١٣١) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سَلِيطِ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ كِنَانَةَ بْنِ نُعَيْمٍ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ كَانَ فِي مَغْزَى لَهُ. فَأَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ. فَقَالَ لأَصْحَابِهِ: ((هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟)) قَالُوا: نَعَمْ فُلَاناً وَفُلاَنَاً وَفُلاَناً. ثمَّ قَالَ: ((هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟)) قَالُوا: نَعَمْ، فُلاناً وَفُلاَنَاً وَفُلانً، ثُمَّ قَالَ: ((هَل تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟)) قَالُوا: لاَ. قَالَ: ((لَكِنِّي أَفْقِدُ جُلَيْبِيباً فَاطْلُبُوهُ)) فَطُلِبَ فِي الْقَتْلَى. فَوَجَدُوهُ إِلَى جَنْبِ سَبْعَةٍ قَدْ قَتَلَهُمْ. ثُم قَتَلُوهُ. فَأَتَى النَّبِيُّ نَ فَوَقَفَ عَلَيْهِ. فَقَالَ: ((قَتَلَ سَبْعَةً. ثُمَّ قَتَلُوهُ. هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ. هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ)) قَالَ: فَوَضَعَهُ عَلَى سَاعِدَيْهِ لَيْسَ لَهُ إِلَّ سَاعِدَا النَّبِيِّ نََّ. قَالَ: فَحُفِرَ لَهُ وَوُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَلَمْ يَذْكُرُ غَسْلاً. (٢٧) - باب: من فضائل جليبيب ١٣١ - (٢٤٧٢) - قوله: (عن أبي برزة) يعني: الأسلمي رظُه، وهذا الحديث تفرد المصنف بإخراجه من بين الأئمة الستة . قوله: (كان في مغزى له) أي: في غزوة، ولم أقف على تعيينها . قوله: (لكني أفقد جُليبيباً) وهو من الصحابة الذين لم يشتهر ذكرهم، ولا يعرف اسم أبيه أو قبيلته. قال أنس بن مالك ربه: ((كان رجل من أصحاب رسول الله وَ ل( يقال له جُلَیبیب، وكان في وجهه دمامة، فعرض عليه رسول الله وَّلقر التزويج، فقال: إذن تجدني يا رسول الله كاسداً، فقال: إنك عند الله لست بكاسد)). أخرجه البرقاني في مستخرجه كما في الإصابة. وذكر ابن عبد البر في الاستيعاب (١: ٢٥٩) عن أبي برزة الأسلمي ربه أنه كانت فيه دمامة وقصر، فأراد رسول الله وَّل﴿ إنكاحه إلى بنت رجل من الأنصار، فكأن الأنصاري وإمرأته كرها ذلك، فسمعت ابنتهما بما أراد رسول الله ◌َ ﴿ من ذلك، فتلت: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [سورة الأحزاب، آية ٣٦] وقالت: رضيت وسلمت لما يرضى لي به رسول الله وَّر، فدعا لها رسول الله وَير: اللهم اصبب عليها الخير صباً، ولا تجعل عيشها كداً)) ثم قتل عنها جليبيبها، فلم يكن في الأنصار أيم أنفق منها . قوله: (هذا مني وأنا منه) ما أعظم هذه الفضيلة التي حازها هذا الصحابي مع كونه غير مشهور . قوله: (ليس له إلا ساعدا النبيّ وَّ﴾﴾ أي: لم يكن له سرير غير ساعدي النبيّ وَّ، وهذا مصرح فيما أخرجه ابن عبد البر بسنده. ١٦٤ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (٢٨) - باب: من فضائل أبي ذر، رضي اللَّهُ عنه ٦٣٠٩ - (١٣٢) حدّثنا هَذَّابُ بْنُ خَالِدِ الأَزْدِيُّ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ. أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلالٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ. قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَرَجْنَا مِنْ قَوْمِنَا غِفَارٍ . وَكَانُوا يُحِلُّونَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ. فَخَرَجْتُ أَنَا وَأَخِي أُنَيْسٌ وَأُمُّنَا. فَنَزَلْنَا عَلَى خَالٍ لَنَا. فَأَكْرَمَنَا خَالُنَا وَأَحْسَنَ إِلَيْنَا. فَحَسَدَنَا قَوْمُهُ فَقَالُوا: إِنَّكَ إِذَا خَرَجْتَ عَنْ أَهْلِكَ خَالَفَ إِلَيْهِمْ أُنَيْسٌ. فَجَاءَ خَالُنَا فَتَنَا عَلَيْنَا الَّذِي قِيلَ لَهُ. فَقُلْتُ: أَمَّا مَا مَضَى مِنْ مَعْرُوفِكَ فَقَدْ كَذَّرْتَهُ، وَلَاَ جِمَاعَ لَكَ فِيمَا بَعْدُ. فَقَرَّبْنَا صِرْمَتَنَا. فَاحْتَمَلْنَا عَلَيْهَا. وَتَغَطَّى خَالُنَا ثَوْبَهُ فَجَعَلَ يَبْكِي. فَانْطَلَقْنَا حَتَّى نَزَلْنَا بِحَضْرَةٍ مَكَّةً. (٢٨) - باب: من فضائل أبي ذر ١٣٢ - (٢٤٧٣) - قوله: (قال أبو ذرّ) هذه قصة إسلام أبي ذر، وقد أخرجها البخاري في المناقب، باب قصة إسلام أبي ذر ه (٣٥٢٢)، وفي فضائل الصحابة، باب إسلام أبي ذر (٣٨٦١). واسم أبي ذر ◌ُه جندب بن جنادة وقيل: جندب بن السكن، وقبيلته غفار من بني كنانة. وكانت معروفة بقطع الطريق. وروى الواقدي أنه كان لا يعبد الأصنام، وكان يوحد الله حتى في الجاهلية، وكان خامس خمسة في الإسلام ثم انصرف إلى بلاد قومه فأقام بها حتى قدم عام الحديبية. وحديث الباب يقص قصة إسلامه. قوله: (وكانوا يُحلّون الشهر الحرام) ولعل هذا هو السبب في خروج أبي ذر من قومه، حيث كره أن يقيم بين أظهرهم، وهم يُحلّون الشهر الحرام. قوله: (خالف إليهم أنيس) بضم الهمزة وفتح النون، وهو أخو أبي ذر. وقد اتهمه القوم أمام خاله بأنه يتردد إلى زوجته في غيابه، فكأنهم أشاروا إلى أنه قد حدثت بينه وبينها علاقات مذمومة . قوله: (فَتَثًا علينا) أي: أظهر علينا، ويقال: نثا الخبر: أي: أفشاه وأشاعه، وأكثر ما يستعمل في خبر السوء. قوله: (ولا جِمَاع لك فيما بعد) أي: لا اجتماع بيننا وبينك بعد ما أسأت بنا الظن ولا نقيم معك بعد هذا . قوله: (فقربنا صرمتنا) الصرمة، بكسر الصاد، القطعة من الإبل، وقد يستعمل لقطيع من الغنم، والمقصود أننا طلبنا إيلنا، وركبنا عليها لنغادره. قوله: (فجعل يبكي) لعله فعل ذلك ندماً على ما فعل بأضيافه، أو حزناً على فراقهم. قوله: (حتى نزلنا بحضرة مكة) الظاهر أن مراده أنهم نزلوا بموضع قريب من مكة، ولم يدخلوا مكة . ١٦٥ كتاب فضائل الصحابة فَنَافَرَ أُنَيْسٌ عَنْ صِرْمَتِنَا وَعَنْ مِثْلِهَا، فَأَنَيَا الْكَاهِنَ، فَخَيَّرَ أُنَيْساً، فَأَتَانَا أُنَيْسٌ بِصِرْمَتِنَا وَمِثْلِهَا مَعَهَا . قَالَ: وَقَدْ صَلَّيْتُ، يَا ابْنَ أَخِي، قَبْلَ أَنْ أَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ وَهِ بِثَلاَثِ سِنِينَ. قُلْتُ: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ. قُلْتُ: فَأَيْنَ تَوَجَّهُ؟ قَالَ: أَتَوَجَّهُ حَيْثُ يُوَجِّهُنِي رَبِّي، أُصَلِّي عِشَاءً حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ أُلْقِيتُ كَأَنِّي خِفَاءٌ، حَتَّى تَعْلُوَنِي الشَّمْسُ. فَقَالَ أُنَيْسٌ: إِنَّ لِي حَاجَةٌ بِمَكَّةَ فَاكْفِي. فَانْطَلَقَ أُنَيْسٌ حَتَّى أَتَى مَكَّةَ، فَرَاتَ عَلَيَّ . ثُمَّ جَاءَ فَقُلْتُ: مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: لَقِيتُ رَجُلاً بِمَكَّةَ عَلَى دِينِكَ. يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ. قُلْتُ: فَمَا يَقُولُ الناسُ؟ قَالَ: يَقُولُونَ: شَاعِرٌ، كَاهِنٌ، سَاحِرٌ، وَكَانَ أُنَيْسٌ أَحَدَ الشُّعَرَاءِ. قوله: (فنافر أنيس عن صرمتنا وعن مثلها) المنافرة هنا: أن يفتخر أحد الرجلين على الآخر، ويتراهنان على ذلك، ويتحاكمان إلى رجل ثالث، ليحكم أيهما أفضل، فمن حكم له بالأفضلية سبق الرهان وأخذ من الآخر الشيء المشروط. فنافر أنيس رجلاً وكانت المنافرة في الشعر أيهما أشعر، وتحاكما إلى كاهن على أن من حكم له الكاهن يأخذ من الآخر قطعة من الإبل، مساوية لصرمة أبي ذر وأنيس ﴿ه، وهذا معنى قوله ((عن صرمتنا وعن مثلها)) فكانت صرمتهم معلقة بين أن تذهب عنهم، أو تجيء إليهم بمثلها. وهذا نوع من المخاطرة والقمار، كان معروفاً في الجاهلية، وإنما تعاطاها أنيس قبل أن يسلم، فلما جاء الإسلام حرم القمار. قوله: (فخير أنيساً) أي: حكم له بأنه خير من صاحبه وأفضل، ففاز أنيس في المنافرة. قوله: (وقد صليت يا ابن أخي!) هذا خطاب من أبي ذر لعبد الله بن الصامت، يريد أنه كان يصلي قبل أن يؤمن برسول الله وَله. وقد أخرج ابن سعد في طبقاته (٤: ٢٢٢) من طريق الواقدي عن أبي معشر قال: ((كان أبو ذر يتأله في الجاهلية ويقول: لا إله إلا الله، ولا يعبد الأصنام) وظاهر أن أفعال هذه الصلاة كانت تختلف عن الصلاة المشروعة. قوله: (ألقيت كأني خفاء) بكسر الخاء، بمعنى الغطاء أو الكساء، وجمعه أخفية. والمراد أني كنت أصلي من الليل طويلاً، حتى إذا كان آخر الليل اضطجعت على فراشي ونمت كأني کساء. قوله: (فقال أنيس: إن لي حاجة بمكة) الظاهرة من سياق هذا الحديث أن أنيساً قال ذلك عندما كانوا مقيمين بموضع قريب من مكة. وقوله ((فاكفني)) معناه: قم بالأمور التي أقوم بها هنا. قوله: (فراث عليّ) أي: تأخر في الرجوع. قوله: (على دينك) هذا اللفظ يؤيد ما سبق من رواية الواقدي أن أبا ذر ظته كان موحداً، حتى في الجاهلية. ١٦٦ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قَالَ أُنَيْسٌ: لَّقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ، فَمَا هُوَ بِقَوْلِهِمْ. وَلَقَدْ وَضَعْتُ قَوْلَهُ عَلَىْ أَقْرَاءِ الشِّعْرِ. فَمَا يَلْتَئِمُ عَلَى لِسَانِ أَحَدٍ بَعْدِي؛ أَنَّهُ شِعْرٌ. وَاللَّهِ، إِنَّهُ لَصَادِقٌ، وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ. قَالَ: قُلْتُ: فَاكْفِنِي حَتَّى أَذْهَبَ فَأَنْظُرَ. قَالَ: فَأَتَيْتُ مَكَّةَ. فَتَضَعَّفْتُ رَجُلاً مِنْهُمْ. فَقُلْتُ: أَيْنَ هَذَا الَّذِي تَدْعُونَهُ الصَّابِىءَ؟ فَأَشَارَ إِلَيَّ، فَقَالَ: الصَّابِىءَ. فَمَالَ عَلَيَّ أَهْلُ الْوَادِي بِكُلِّ مَدَرَةٍ وَعَظُم. حَتَّى خَرَرْتُ مَغْشِيًّا عَلَيَّ. قَالَ: فَارْتَفَعْتُ حِينَ ارْتَفَعْتُ، كَأَنِّي نُصُبُّ أَحْمَرُ. قَالَ: فَأَتَّيْتُ زَمْزَمَ فَغَسَلْتُ عَنِّي الدِّمَاءَ، وَشَرِبْتُ مِنْ مَائِهَا. وَلَقَدْ لَبِثْتُ، يَا ابْنَ أَخِي ثَلاَئِينَ، بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ. مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّ مَاءُ زَمْزَمَ. فَسَمِنْتُ حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَظْنِي. وَمَا وَجَدْتُ عَلَى كَّبِدِي سُخْفَةَ جُوعٍ. قَالَ: فَبَيْنَا أَهْلُ مَكَّةَ فِي لَيْلَةٍ قَمْرَاءَ قوله: (ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر) الأقراء جمع القرء، بفتح القاف وسكون الراء، وهو في اللغة: القافية. وأقراء الشعر: أنواعه وأنحاؤه، كما في القاموس. والمراد أني قارنت بين قوله وبين أنواع من الشعر. قوله: (فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر) ومراده أني تيقنت بأن ما يقوله رسول الله ◌َو ليس شعراً، وكذلك لا يستطيع أحد غيري أن يجعله شعراً، وإن ذلك لا يلتئم على لسانه . قوله: (فتضعفت رجلاً منهم) يعني: نظرت إلى أضعف من في أهل مكة لأسأله، لأن الضعيف مأمون الغائلة غالباً . قوله: (فأشار إليّ، فقال: الصابىء) منصوب على الإغراء، يعني أن ذلك الرجل بدلاً من أن يدلني على رسول الله وَلقول، دعا الناس إليّ قائلاً: خذوا هذا الصابىء. قوله: (بكل مدرة وعظم) المدرة، بفتح الميم والدال والراء، حجر من المدر. يعني: جعلوا يضربونني بالحجارة والعظام. قوله: (كأني نصب أحمر) بضم النون والصاد، ويجوز بسكون الصاد أيضاً، وهو الصنم والحجر كانت الجاهلية تنصبه وتذبح عنده فيحمرّ بالدم. فشبه أبو ذر ظُه نفسه بالنصب الأحمر لتلوثه بالدماء التي سالت بسبب ضربهم إياه بالحجارة والعظام. قوله: (حتى تكسرت عُكّنُ بطني) أما العكن، بضم العين وفتح الكاف، فهي طاقات لحم البطن، والمراد من التكسر: الانثناء والانطواء، يعني: انطوت كن بطني بسبب السِّمن. قوله: (سخفة جوع) بفتح السين وضمها، وهي الرقة والضعف والهزال. قال الأصمعي: السخفة: الخفة، ولا أحسب قولهم ((سخيف)) إلا منه. قوله: (في ليلة قمراء إضحيان) الليلة القمراء: ليلة طلع قمرها، والإضحيان، بكسر الهمزة والحاء، وسكون الضاد بينهما، ويجوز فتح الهمزة أيضاً: وهي الليلة المضيئة. ١٦٧ كتاب فضائل الصحابة إِضْحِيَانَ، إِذْ ضُرِبَ عَلَى أَسْمِخَتِهِمْ. فَمَا يَطُوفُ بَالْبَيْتِ أَحَدٌ. وَامْرَأَتَيْنِ مِنْهُمْ تَدْعُوَانِ إِسَافاً وَنَائِلَةَ. قَالَ فَأَتَتَا عَلَيَّ فِي طَوَانِهِمَا. فَقُلتُ: أَنكِحًا أَحَدَهُمَا الأُخْرَى. قَالَ: فَمَا تَنَاهَتَا عَنْ قَوْلِهِمَا. قَالَ: فَأَتَتَا عَلَيَّ فَقُلْتُ: هَنَّ مِثْلُ الْخَشَبَةِ. غَيْرَ أَنِّي لا أَكْنِي. فَانْطَلَقَتَا تُوَلْوِلاَنٍ، وَتَقُولَانٍ: لَوْ كَانَ هُهُنَا أَحَدٌ مِنْ أَنْفَارِنَا. قَالَ: فَاسْتَقْبَلَّهُمَا رَسُولُ اللّهِ تَّهِ وَأَبُو بَكْرٍ. وَهُمَا هَا بِطَانٍ. قَالَ: ((مَا لَكُمَا؟)) قَالَتا: الصَّابِىءُ بَيْنَ الْكَعْبَةِ وَأَسْتَارِهَا. قَالَ: ((مَا قَالَ لَكُمَا؟)) قَالَتَا: إِنَّه قَالَ لَنَا كَلِمَةً تَمْلأُ الْفَمَ. وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ حَتَّى اسْتَلَمَ الْحَجَرَ. وَطَافَ بِالْبَيْتِ هُوَ وَصَاحِبُهُ. ثُمَّ صَلَّى. فَلَمَّا قَضَى صَلاَتَهُ - (قَالَ أَبُو ذَرٍ) . : فَكُنْتُ أَنَا أَوَّلَ مَنْ حَيَّهُ بِتَحِيَّةِ الإِسْلاَم. قَالَ: فَقُلْتُ: السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: ((وَعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ)). ثُمَّ قوله: (إذ ضرب على أسمختهم) الأسمخة جمع السماخ، بكسر السين، والسماخ والصماخ بمعنى ثقب الأذن، وهنا كناية عن الأذن نفسها. والضرب على الأذن كناية عن النوم، قال تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَىْ ءَاذَانِهِمْ﴾ [سورة الكهف، آية ١١]. والمراد أن القوم كانوا نائمين. قوله: (وامرأتين منهم تدعوان إساف ونائلة) يعني: رأيت هناك امرأتين تطوفان، وتدعوان الصنمين المسمّيين بإساف ونائلة، وكان إساف ونائلة صنمين وضعوهما على الصفا والمروة. قوله: (انكحا أحدهما الأخرى) يعني: قلت لهما: انكحا إسافاً ونائلة. وإساف صنم سمي باسم رجل ونائلة صنم سمي باسم امرأة. وإنما قال ذلك تعبيراً لهما على عبادة الصنمين و دعائهما . قوله: (فما تناهتا عن قولهما) أي: لم تمتنعا عن دعائهما لإساف ونائلة. قوله: (هن مثل الخشبة) قال ذلك على طريق السب المقذع، والهن في اللغة العربية كل شيء يستهجن ذكره، والمراد هنا: ذكر الرجل. وليس المقصود منه إلا سب إساف ونائلة على ما أصرتا عليه من دعاء الأوثان. قوله: (غير أني لا أَكْنى) يعني: سببت إسافاً ونائلة بالكلام الصريح الذي لا كناية فيه. قوله: (فانطلقتا تولولان) الولولة: الدعاء بالويل. قوله: (أحد من أنفارنا) جمع نفر أو نفير، وهو الذي ينفر عند الاستغاثة. وروي ((أنصارنا)) وهو أوضح. والمراد: لو كان أحد من أنصارنا لأغاثنا وانتصر لنا. قوله: (كلمة تملأ الفم) أي: كلمة عظيمة لا شيء أقبح منها. وقيل: معناه: لا يمكن كرهاً وحكايتها كأنها تسد فم حاكيها وتملؤه لاستعظامها . قوله: (وعليك ورحمة الله) هكذا وقع في جميع النسخ بغير لفظ ((السلام)) صريحاً، ومثله في مسند أحمد (٥: ١٧٥) وطبقات ابن سعد (٤: ٢٢١). ويؤخذ منه: أن من قال في رد ١٦٨ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قَالَ: (مَنْ أَنْتَ؟)) قَالَ: قُلْتُ: مِنْ غِفَارٍ. قَالَ: فَأَهْوَىُ بِيَدِهِ فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ. فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: كَرِهَ أَنِ انْتَمَيْتُ إِلَى غِفَارٍ. فَذَهَبْتُ آخُذُ بِيَدِهِ. فَقَدَعَنِي صَاحِبُهُ. وَكَانَ أَعْلَمَ بِهِ مِنِّي. ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ. ثُمَّ قَالَ: (مَتَى كُنْتَ هُهُنَا؟)) قَالَ: قُلْتُ: قَدْ كُنْتُ هُهُنَا مُنْذُ ثَلاَئِينَ، بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ. قَالَ: ((فَمَنْ كَانَ يُطْعِمُكَ؟)) قَالَ: قُلْتُ: مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّ مَاءُ زَمْزَمَ. فَسَمِنْتُ حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي. وَمَا أَجِدُ عَلَى كَبِدِي سَخْفَةَ جُوعٍ. قَالَ: ((إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ. إِنَّهَا طَعَامُ طُغْمِ)). فَقَالَ أَبُو بَكْرِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اثْذَنْ لِي فِي طَعَامِهِ اللَّيْلَةَ. فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ وَأَبُو بَكْرٍ. وَانْطَلَقْتُ مَعَهُمَا. فَفَتَحَ أَبُو بَكْرٍ بَاباً. فَجَعَلَ يَقْبِضُ لَنَا مِنْ زَبِيبِ الطَّائِفِ. وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ طَعَامٍ أَكَلْتُهُ بِهَا. ثُمَّ غَبَرْتُ مَا غَبَرْتُ. ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِّ فَقَالَ: ((إنَّهُ قَدْ وُجُهَتْ لِي أَرْضْ ذَاتُ نَخْلٍ. لاَ أَرَاهَا إِلاَّ يَثْرِبَ. السلام ((وعليك)) أجزأه، لأن العطف يقتضي كونه جواباً، والمشهور من أحواله وَل# وأحوال السلف رد السلام بكماله، فيقول: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. قوله: (كره أن انتميت إلى غفار) وذلك لأن بني غفار كانوا معروفين بقطع الطريق، وقد وقع ذلك صريحاً فيما أخرجه ابن سعد في طبقاته (٤: ٢٢٣) من طريق الواقدي من غير هذا السياق وفيه: ((قال: فعجب النبيّ ◌َ أنهم يقطعون الطريق، فجعل النبيّ وَّه يرفع بصره فيه ويصوبه تعجباً من ذلك لما كان يعلم منهم، ثم قال: إن الله يهدي من يشاء)» وقد روى الواقدي أيضاً أن أبا ذر نفسه كان يقطع الطريق، فروي عن خفاف بن أيماء بن رحضة قال: ((كان أبو ذر رجلاً يصيب الطريق وكان شجاعاً يتفرد وحده يقطع الطريق ويغير على الصّرم في عماية الصبح على ظهر فرسه أو على قدميه كأنه السبع، فيطرق الحي ويأخذ ما أخذ. ثم إن الله قذف في قلبه الإسلام وسمع بالنبيّ ◌َلّر )). قوله: (فَقَدَعَنِي صاحبه) أي: منعني، يقال: قدعه وأقدعه: إذا كفه ومنعه. والمراد من الصاحب أبو بكر قوله: (إنها طعام طعم) بضم الطاء وإسكان العين، أي تشبع شاربها كما يشبعه الطعام. قوله: (ثم غبرت ما غبرت) أي: بقيت ما بقيت في هذه الحالة. قوله: (إنه وجهت لي أرض) إلخ، أي: أريت جهتها بالوحي. قوله: (لا أراها إلا يثرب) ضبطوا ((أراها)) بضم الهمزة، أي: لا أظنها إلا يثرب، وفيه دلالة على أن النبيّ وَل و قد أُري أرضاً ذات نخل من غير أن تسمى في الوحي، ولكنه فهم أنها أرض يثرب، وهذا قبل تسمية المدينة طابة وطيبة، وقد جاء بعد ذلك حديث في النهي عن ١٦٩ كتاب فضائل الصحابة فَهَلْ أَنْتَ مُبَلِغْ عِنِّي قَوْمَكَ؟ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَنْفَعَهُمْ بِكَ وَيَأْجُرَكَ فِيهِمْ)). فَأَتَيْتُ أُنَيْساً فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: صَنَعْتُ أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ. قَالَ: مَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكَ. فَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ. فَأَتَيْنَا أُمَّنَا. فَقَالَتْ: مَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكُمَا. فَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ. فَاحْتَمَلْنَا حَتَّى أَتَيْنَا قَوْمَنَا غِفَاراً. فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمْ. وَكَانَ يَؤُمُّهُمْ أَيْمَاءُ بْنُ رَحَضَةَ الْغِفَارِيُّ . وَكَانَ سَيِّدَهُمْ. وَقَالَ نِصْفُهُمْ: إِذَا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ِ الْمَدِينَةَ أَسْلَمْنَا. فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ الْمَدِينَةَ، فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمُ الْبَاقِي. وَجَاءَتْ أَسْلَمُ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِخْوَتُنَا، نُسْلِمُ عَلَى الَّذِي أَسْلَمُوا عَلَيْهِ. فَأَسْلَمُوا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((غِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا. وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ)). ٦٣١٠ - (٠٠٠) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ. أَخْبَرَنَا النَّصْرُ بْنُ شُمَيْلٍ. تسميتها يثرب. والمراد أنه قد أوحى إليّ أني سوف أهاجر إلى تلك الأرض، ويكون المسلمون فيها آمنين. قوله: (فهل أنت مبلّغ عني قومك؟) يعني: ارجع إلى وطنك وادع قومك إلى الإسلام، لأنه لا حاجة في إقامتك بمكة والمسلمون فيها مضطهدون، فاغتنم هذا الوقت لحمل رسالة الإسلام إلى قومك، ثم ائتني إن شئت بعد ما هاجرتُ إلى المدينة. قوله: (ما بي رغبة عن دينك) أي: لست معرضاً عن الإسلام، بل أقبله. قوله: (فاحتملنا حتى أتينا قومنا) أي: حملنا أنفسنا ومتاعنا على إيلنا وسافرنا . وقد أخرج ابن سعد في طبقاته (٤: ٢٢٤) من طريق الواقدي أنه قال لرسول الله وَاليه : (يا رسول الله! أما قريش، فلا أدعهم حتى أثأر منهم، ضربوني. فخرج حتى أقام بعسفان، وكلما أقبلت عير لقريش يحملون الطعام ينفّر بهم على ثنية غزال، فتلقى أحمالها فجمعوا الحنط. قال: يقول أبو ذر لقومه: لا يمس أحد حبة حتى تقولوا: لا إله إلا الله، فيقولون: لا إله إلا الله، ويأخذون الغرائر)). قوله: (وكان يؤمهم إِيْمَاءُ بن رحضة الغفاري) هو بكسر الهمزة في المشهور، وحكى القاضي فتحها أيضاً. ورحضة بفتحات ثلاثة، كان سيد بني غفار، ويظهر من هذا الحديث أنه أسلم قديماً، وذكر الزبير بن بكار أنه حضر بدراً مع المشركين، كما في الإصابة (١ : ١٠٣) فيكون إسلامه بعد ذلك، وابنه خفاف بن إيماء صحابي مشهور، وقد وقع عند أحمد في مسنده (٥: ١٧٥) في هذه الرواية: ((وكان يؤمهم خفاف بن إيماء بن رحضة الغفاري)). وعليه فیمکن أن یکون الابن قد أسلم قبل أبيه. ١٧٠ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ. حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلاَلٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ - قُلْتُ: فَاكْفِنِي حَتَّى أَذْهَبَ فَأَنْظُرَ - قَالَ: نَعَمْ، وَكُنْ عَلَى حَذَرٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ. فَإِنَّهُمْ قَدْ شَيِفُوا لَهُ وَتَجَهَّمُوا . ٦٣١١ - (٠٠٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ. حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ. قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ هِلاَلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: يَا ابْنَ أَخِي، صَلَيْتُ سَنَتَيْنِ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ نَّهِ. قَالَ: قُلْتُ: فَأَيْنَ كُنْتَ تَوَجَّهُ؟ قَالَ: حَيْثُ وَجَهَنِي اللَّهُ. وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثٍ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: فَتَنَافَرَا إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْكُهَّانِ. قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ أَخِي، أُنْيْسٌ يَمْدَحُهُ حَتَّى غَلَبَهُ. قَالَ: فَأَخَذْنَا صِرْمَتَهُ فَضَمَمْنَاهَا إِلَى صِرْمَتِنَا، وَقَالَ أَيْضاً فِي حَدِيثِهِ: قَالَ: فَجَاءَ النَّبِيُّ وَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنٍ خَلْفَ الْمَقَامِ. قَالَ: فَأَتَيْتُهُ، فَإِنِّي لأَوَّلُ النَّاسِ حَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ الإِسْلاَمِ. قَالَ: قُلْتُ: السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: ((وَعَلَيْكَ السَّلاَمُ،َ مَنْ أَنْتَ)). وَفِي حَدِيثِهِ أَيْضاً: فَقَالَ: ((مُنْذُ كَمْ أَنْتَ هُهُنَا؟)) قَالَ: قُلْتُ: مُنْذُ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَفِيهِ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَتْحِفْنِي بِضِيَافَتِهِ اللَّيْلَةَ. ( ... ) - قوله: (فإنهم قد شنفوا له وتجهموا) هو بكسر النون بمعنى: أبغضوا، يقال: شنف له، كفرح: أبغضه وتنكره، فهو شيف. والشانف: المعرض. يقال: إنه لشانف عنا بأنفه: رافع. كذا في القاموس. أما التجهم فهو مشتق من الجهم، وهو الوجه الغليظ المجتمع السمج. وجهمه، من باب منع وسمع وتجهمه وتجهم له: إذا استقبله بوجه كريه. والمراد أن أنيساً لما أذن لأبي ذر ◌ّ في الذهاب إلى مكة، حذّره من أهلها، لأن أنيساً لما ذهب إلى مكة أولاً، رأى في وجوه أهلها غلظة وكراهية للمسلمين، ولمن يستخبر عن شأنهم، فأشار أنيس على أبي ذر بأن يكون منهم على حذر، لئلا يصيبوه بإيذاء. ( ... ) - قوله: (فلم يزل أخي أنيس يمدحه حتى غلبه) قال القرطبي: ((أي: أنه لم يزل ينشد الشعر المقتضي المدح حتى حكم له الكاهن بالغلبة على الآخر وأنه أشعر منه)) ولعل مراده أن أنيساً جعل ينشد الأشعار في مدح الكاهن نفسه مرتجلاً، وعجز الآخر عن ذلك، فحكم له بالغلبة . ثم قال القرطبي: ((وإنما ذكر هذا المعنى ليبيّن أن أخاه أنيساً كان شاعراً مجيداً، بحيث يحكم له بغلبة الشعراء، ومن هو كذلك يعلم أنه عالم بالشعر. ولما كان كذلك، وسمع القرآن، علم قطعاً أنه ليس بشعر، كما قال: وقد وضعته على أقراء الشعر، فلم يلتئم أنه شعر)). قوله: (منذ خمس عشرة) هذا معارض لما مرّ في الرواية السابقة أنه قال: ((منذ ثلاثين)) وهذا من تصرف الرواة، وقد وقع وَهْمٌ في إحدى الروايتين، ومثل هذه الأوهام لا تقدح في صحة أصل الحديث، كما مرّ مراراً. ١٧١ كتاب فضائل الصحابة ٦٣١٢ - (١٣٣) وحدّثني إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ السَّامِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، (وَتَقَارَبَا فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ. وَاللَّفْظُ لابْنِ حَاتِم)، قَالاَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٌّ. حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، عَنِّ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: لَمَّا بَلَغَ أَبَا ذَرِّ مَبْعَثُ النَّبِيِّ وَّهِ بِمَكَّةَ قَالَ لأَخِيهِ: ارْكَبْ إِلَى هَذَا الْوَادِي. فَاعْلَمْ لِي عِلْمَ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ يَأْتِيهِ الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ. فَاسْمَعْ مِنْ قَوْلِهِ ثُمَّ اثْتِي. فَانْطَلَقَ الآخَرُ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةً. وَسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَبِي ذَرِّ فَقَالَ: رَأَيْتُهُ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الأَخْلاَقِ. وَكَلاَماً مَا هُوَ بِالشِّعْرِ. فَقَالَ: مَا شَفَيْتَنِي فِيمَا أَرَدْتُ فَتَزَوَّدَ وَحَمَلَ شَنَّةً لَهُ، فِيهَا مَاءٌ. حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ. فَأَتَّى ١٣٣ - (٢٤٧٤) - قوله: (الساميّ) هذه نسبة إلى سامة بن لؤي بن غالب. وإبراهيم بن محمد بن عرعرة السامي من أهل البصرة ثقة حافظ معروف لطلب العلم، مات في رمضان سنة ٢٣١هـ كما في الأنساب للسمعاني (٧: ٣١ و٣٢). قوله: (عن ابن عباس) هذه رواية أخرى في قصة إسلام أبي ذر عظاته، وتختلف عن رواية عبد الله بن الصامت الماضية في أمور كثيرة، والجمع بين الروايتين صعب جداً. ولذلك قال القرطبي كلُّهُ: ((وقد ظهر بين طريق ابن عباس وطريق ابن الصامت فيما رواه من حديث أبي ذر اختلاف يبعد الجمع بينهما فيه. ففي حديث ابن الصامت أن أبا ذر لقي النبيّ وَّر أول ما لقيه ليلاً يطوف بالكعبة، فأسلم إذ ذاك بعد أن أقام ثلاثين بين يوم وليلة ولا زاد له، وإنما يتغذى من ماء زمزم. وفي حديث ابن عباس أنه كان له قربة وزاد، وأن علياً أضافه ثلاث ليال، ثم أدخله بيته فأسلم، ثم خرج فصرح بالإسلام. وكل من السندين صحيح، فالله يعلم أي المتنين كان. ويحتمل أن أبا ذر أتى النبيّ وَّر حول الكعبة فأسلم، ولم يعلم عليّ إذ ذاك. ثم إن أبا ذر بقي مستتراً بحاله إلى أن استتبعه علي، ثم أدخله على النبيّ وَّر، فجدد إسلامه، فظن الراوي أن ذلك أول إسلامه، وفي هذا الاحتمال بعد، والله أعلم بالواقع. ولم أر من الشارحين من نبّه على هذا التعارض)). وقد اقتصر البخاري في صحيحه على رواية ابن عباس هذه، فلعله رجحها على رواية ابن الصامت. ومن العلماء من تكلف للجمع بين الروايتين في بعض الأمور، كما فعله الحافظ في الفتح، ولكنني لم أهتد إلى طريق سائغ للجمع بينهما في جميع الأمور المختلفة، ولا سبيل في مثل هذا إلا أن نكل العلم إلى الله تعالى. ويحتمل أن يكون بعض الرواة قد اشتبه عليه الأمر فخلط قصة أبي ذر بقصة أخرى، والله سبحانه أعلم. قوله: (ما شفيتني فيما أردت) يعني: ما أتيتني بالتفاصيل التي كنت أحب أن أعرفها . قوله: (وحمل شنة) أي: قربة. وهذه الرواية صريحة في أنَّ أبا ذر كان معه زاد حين سافر إلى مكة، وقد مرّ في رواية عبد الله بن الصامت أنه لم يكن له طعام إلا ماء زمزم مدة ثلاثين ١٧٢ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم الْمَسْجِدَ فَالْتَمَسَ النَّبِيِّ وَهِ وَلاَ يَعْرِفُهُ. وَكَرِهَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ. حَتَّى أَدْرَكَهُ - يَغْنِي اللَّيْلَ - فَاضْطَجَعَ. فَرَآهُ عَلِيٍّ فَعَرَفَ أَنَّهُ غَرِيبٌ. فَلَمَّا رَآهُ تَبِعَهُ. فَلَمْ يَسْأَلْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شَيْءٍ. حَتَى أَصْبَحَ، ثُمَّ احْتَمَلَ قُرَيْبَتَهُ وَزَادَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَظَلَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَلاَ يَرَىُ النَّبِيَّ وَُّ، حَتَّى أَمْسَى. فَعَادَ إِلَى مَضْجَعِهِ. فَمَرَّ بِهِ عَلِيٍّ. فَقَالَ: مَا أَنَى لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَهُ؟ فَأَتَامَهُ. فَذَهَبَ بِهِ مَعَهُ. وَلاَ يَسْأَلُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شَيْءٍ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الثَّالِثِ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ. فَأَقَامَهُ عَلِيٍّ مَعَهُ. ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَلاَ تُحَدِّثُنِي؟ مَا الَّذِي أَقْدَمَكَ هَذَا الْبَلَدَ؟ قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتَنِي عَهْداً وَمِيثاقاً لَتُرْشِدَنِّي، فَعَلْتُ. فَفَعَلَ. فَأَخْبَرَهُ. فَقَالَ: فَإِنَّهُ حَقٌّ . وَهُوَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهَ. فَإِذَا أَصْبَحْتَ فَاتَّبِعْنِي. فَإِنِّي إِنْ رَأَيْتُ شَيْئاً أَخَافُ عَلَيْكَ، قُمْتُ كَأَنِّي أُرِيقُ الْمَاءَ. فَإِنْ مَضَيْتُ فَاتَّبِعْنِي حَتَّى تَدْخُلَ مَذْخَلِي. فَفَعَلَ. فَانْطَلَقَ يَقْفُوهُ. حَتَّى يوماً. ويمكن الجمع بينهما بأنه كان معه زاد في ابتداء السفر، ولكنه قد فني بعد وصوله إلى مكة المكرمة. قوله: (فلما رآه تبعه) وفي رواية في بعض نسخ البخاري: ((أتبعه)) كما ذكره القاضي عياض وهو أوضح، يعني: أن علياً رَُّه أتبع أبا ذر نفسه بعد ما علم أنه غريب، وأما على رواية مسلم، فالمعنى أن أبا ذر تبع علياً، وقد حذف الراوي أنه فعل ذلك على دعوة من علي. وقد وقع ذلك صريحاً في رواية مسلم بن قتيبة عند البخاري، ولفظه: ((فمرّ بي علي، فقال: كأن الرجل غريب؟ قال: قلت: نعم. قال: فانطلق إلى المنزل: قال: فانطلقت معه)). قوله: (قُرَيْبَتَهُ) هذا تصغير للقربة، وفي رواية عمرو بن عباس عند عبد الرحمن بن مهدي عند البخاري ((قربته)) بدون تصغير. وهذا يدل على أن أبا ذر كان معه زاد إلى ذلك الحين، فيبعد التوفيق بينه وبين ما مرّ من رواية عبد الله بن الصامت. قوله: (ما أنى للرجل) أي: ما حان، وهو لغة في ((آن)). وفي رواية عمرو بن عباس عند البخاري: ((أما نال للرجل أن يعلم منزله؟)) وهو بمعنى ((آن)). أيضاً. وقول على هذا يحتمل معنيين: الأول: أنك لا تزال غريباً إلى الآن، ولم تهتد إلى منزل تقيم به في مكة. والثاني: أني دعوتك بالأمس إلى منزلي، وصرت ضيفاً لي فصار منزلي كأنه منزلك. أما عرفت ذلك حتى الآن، حتى تنتظر أن أدعوك مرة ثانية؟ قوله: (كأني أريق الماء) ولعل المراد منه البول. وفي رواية ابن قتيبة عند البخاري: ((كأني أصلح نعلي)). قوله: (فإن مضيت فاتّبعني) يعني: إن لم أقف في الطريق، أو وقفت ثم مضيت بعد حصول الأمن من الخوف، فاتبعني . قوله: (فانطلق يقفوه) أي: يتبعه. ١٧٣ كتاب فضائل الصحابة دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ وَّهِ وَدَخَلَ مَعَهُ. فَسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ. وَأَسْلَمَ مَكّانَهُ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ◌َّ: (ارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ فَأَخْبِرْهُمْ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي)). فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لأَصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ فَخَرَجَ حَتَّى أَتَّى الْمَسْجِدَ. فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ. وَثَارَ الْقَوْمُ فَضَرَبُوهُ حَتَّى أَضْجَعُوهُ. فَأَتَى الْعَبَّاسُ فَأَكَبَّ عَلَيْهِ. فَقَالَ: وَيْلَكُمْ، أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْ غِفَارٍ. وَأَنَّ طَرِيقَ تُجَّارِكُمْ إِلَى الشَّامِ عَلَيْهِمْ. فَأَنْقَذَهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ عَادَ مِنَ الْغَدِ بِمِثْلِهَا. وَثَارُوا إِلَيْهِ فَضَرَبُوهُ. فَأَكَّبَّ عَلَيْهِ الْعَبَّاسُ فَأَنْقَذَّهُ. (٢٩) - باب: من فضائل جرير بن عبد الله، رضي الله تعالى عنه ٦٣١٣ - (١٣٤) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ بَيَانٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمِ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، ح وحدّثني عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ. حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ بَيَانٍ قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمٍ يَقُولُ: قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: مَا قوله: (وأسلم مكانَه) بالنصب لنزع الخافض، أي أسلم في مكانه ذلك. كأنه كان يرتقب بعض العلامات في النبيّ وَّر، فلما تحقّقها لم يتردد في الإسلام. وهذه الرواية مخالفة تماماً لما مر من رواية عبد الله بن الصامت، لأن مقتضى هذه الرواية أن أبا ذر إنما لقي النبيّ و 18 بدلالة من عليّ، وقد مرّ في رواية ابن الصامت أنه لقيه وَّ وأبا بكر في الطواف بالليل، وأن أبا بكر هو الذي أضافه بعد ذلك، بعد ما بقي ثلاثين يوماً في المسجد لا يطعم شيئاً إلا ماء زمزم، وقد ذكرت أن الجمع بينهما مشكل جداً . قوله: (لأصرُخنّ بها بين ظهرانيهم) أي: بكلمة التوحيد، والمراد أنه يرفع صوته جهاراً بين المشركين. وكأنه فهم أن أمر النبيّ وَّر له بالكتمان ليس على الإيجاب، بل على سبيل الشفقة عليه، فأعلمه أن به قوة على ذلك، ولهذا أقره النبيّ وَلقر. ويؤخذ منه جواز قول الحق عند من يخشى منه الأذية لمن قاله، وإن كان السكوت جائزاً. والتحقيق أن ذلك مختلف باختلاف الأحوال والمقاصد، وبحسب ذلك يترتب وجود الأجر وعدمه. كذا في فتح الباري (٧: ١٧٥). (٢٩) - باب: من فضائل جرير بن عبد الله، رضي الله تعالى عنه ١٣٤ - (٢٤٧٥) - قوله: (عن بَيّان) بفتح الباء هو بيان بن بشر الأحمسي البجلي أبو بشر الكوفي المعلم. قال ابن المديني له نحو سبعين حديثاً. وثقه أحمد وابن معين وأبو حاتم والنسائي ويعقوب بن شيبة والدارقطني وابن حبان وغيرهم، كما في التهذيب (١: ٦٠٥). قوله: (عن جرير بن عبد الله) مرّ ترجمته في باب نظر الفجاءة من كتاب الآداب. وحديثه هذا أخرجه البخاري في الجهاد، باب من لا يثبت على الخيل (٣٠٣٥ و٣٠٣٦)، وفي فضائل الصحابة، باب ذكر جرير بن عبد الله (٣٨٢٢)، وفي الأدب، باب التبسم والضحك (٦٠٨٩ ١٧٤ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم حَجَبَنِي رَسُولُ اللهِهِ مُنْذُ أَسْلَمْتُ. وَلاَ رَآنِي إِلَّ ضَحِكَ. ٦٣١٤ - (١٣٥) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِذْرِيسَ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرٍ. قَالَ: مَا حَجَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَ لِ مُنْذُ أَسْلَمْتُ. وَلَ رَآنِي إِلَّ تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي، زَادَ ابْنُ نُمَيْرٍ فِي حَدِيثِهِ عَنِ ابْنِ إِذْرِيسَ: وَلَقَدْ شَكَوْتُ إِلَيْهِ أَنِّي لَ أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ. فَضَرَبَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ ثَبْتُهُ، وَاجْعَلْهُ هَادِياً مَهْدِيًّا)). ٦٣١٥ - (١٣٦) حدّثني عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ. أَخْبَرَنَا خَالِدٌ، عَنْ بَيَانٍ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرٍ. قَالَ: كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بَيْتُ يُقَالُ لَهُ: ذُو الْخَلَصَّةِ. و٦٠٩٠)، وأخرجه الترمذي في مناقب جرير بن عبد الله (٣٨٢٢)، وابن ماجه في المقدمة، فضل جرير بن عبد الله (١٤٦). قوله: (ما حجبني رسول الله وَ﴿) أي: ما منعني من الدخول إليه إذا كان في بيته فاستأذنت عليه. وليس كما حمله بعضهم على إطلاقه فقال: كيف جاز له أن يدخل على غير محرم بغير حجاب؟ ثم تكلف في الجواب أن المراد مجلسه المختص بالرجال، أو أن المراد بالحجاب منع ما يطلبه منه. ويحتمل أن يكون المراد من قوله: حجبني: أي غشيني، - والله أعلم - . قوله: (منذ أسلمت) وكان إسلامه سنة تسع، ووهم من قال إنه أسلم قبل موت النبيّ ◌َّهِ بأربعين يوماً . قوله: (إلا ضحك) وفي الرواية الآتية: ((إلا تبسّم في وجهي)) وهو المراد من الضحك هنا . ١٣٦ - (٢٤٧٦) - قوله: (عن جرير، قال: كان في الجاهلية) هذا الحديث أخرجه البخاري في الجهاد، باب حرق الدور والنخيل (٢٠٢٠)، وباب من لا يثبت على الخيل (٣٠٣٦) وباب البشارة في الفتوح (٣٠٧٦)، وفي فضائل الصحابة، باب ذكر جرير بن عبد الله (٣٨٢٣)، وفي المغازي، باب غزوة ذي الخلصة (٤٣٥٥ إلى ٤٣٥٧) وفي الأدب، باب التبسم والضحك (٦٠٨٩)، وفي الدعوات، باب قول الله تعالى: ﴿وَصَلّ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة التوبة، آية ١٠٣] (٦٣٣٣)، وأخرجه أبو داود في الجهاد، باب في بعثة البشراء (٢٧٧٢). قوله: (يقال له: ذو الخلصة) بفتح الخاء واللام، وحكى ابن دريد إسكان اللام، وحكى ابن هشام ضمها، والأول أشهر. والخلصة نبات له حب أحمر كخرز العقيق. ووقع في رواية للبخاري في المغازي: ((وكان ذو الخلصة بيتاً باليمن لخثعم وبجيلة فيه نُصُب تُعبد، يقال له الكعبة)) وقيل: اسم البيت الخلصة، واسم الصنم ذو الخلصة. وحكى المبرد أن موضع ذي الخلصة صار مسجداً جامعاً لبلدة يقال لها: العبلات من أرض خثعم. ١٧٥ كتاب فضائل الصحابة وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: الْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَةُ وَالْكَعْبَةُ الشَّامِيَّةُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ: ((هَلْ أَنْتَ مُرِيحِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ وَالْكَعْبَةِ الْيَمَانِيَةِ وَالشَّامِيَّةِ؟)) فَنَفَرْتُ إِلَيْهِ فِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ مِنْ أَحْمَسَ فَكَسَرْنَاهُ وَقَتَلْنَا مَنْ وَجَدْنَا عِنْدَهُ. فَأَتْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ. قَالَ: فَدَعَا لَنَا وَلأَحْمَسَ. ٦٣١٦ - (١٣٧) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ. قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ وَّهُ: ((يَا جَرِيرُ، أَلاَ تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ)) بَيْتٍ لِخَشْعَمَ كَانَ يُدْعَى كَعْبَةً الْيَمَانِيَةِ. قَالَ: فَنَفَرْتُ فِي خَمْسِينَ وَمِائَةٍ فَارِسٍ، وَكُنْتُ لاَ أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَ. فَضَرَبَ يَدَهُ فِي صَدْرِي فَقَالَ: ((اللَّهِمَّ ثَبْتُهُ، وَاجْعَلْهُ هَادِياً مَّهْدِيًّ)» . قَالَ: فَانْطَلقَ فَحَرَّقَهَا بِالنَّارِ. ثُمَّ بَعَثَ جَرِيرٌ إِلَى رَسُولِ اللّهِ وَه رَجُلاً يُبَشِّرُهُ. يُكْنَى وحقق الحافظ في الفتح (٨: ٧١) أنه كان في العرب صنمان باسم ذي الخلصة، أولهما: هذا الذي وقع ذكره في حديث الباب، وكان باليمن في أرض خثعم، والثاني: صنم نصبه عمرو بن لحي في أسفل مكة، وكانوا يلبسونه القلائد ويجعلون عليه بيض النعام ويذبحون عنده. وهذا الثاني هو المراد في حديث أبي هريرة عند الشيخين في كتاب الفتن: ((لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس حول ذي الخلصة)). قوله: (وكان يقال له: الكعبة اليمانية والكعبة الشامية) فسره العلماء بطريقين: الأول: أنهم كانوا يسمون ذا الخلصة كعبة يمانية والبيت الحرام بمكة كعبة شامية، لأن من كان باليمن، فإن مكة في جهة الشام بالنسبة إليه فكانوا يذكرون أن في العرب كعبتين إحداهما يمانية والأخرى شامية. والتفسير الثاني: أن ذا الخلصة كانوا يسمونه مرة بالكعبة اليمانية، وأخرى بالكعبة الشامية. أما تسميته بالكعبة اليمانية فظاهرة من جهة كونها واقعة باليمن، وأما تسميتهم إياها بالشامية، فمن جهة أنه كان لها باب يفتح إلى جهة الشام، وهذا المعنى الثاني رجحه الحافظ في الفتح، وهو المؤيد بقوله وقيل: ((هل أنت مريحي من ذي الخلصة والكعبة اليمانية والشامية)»؟ قوله: (هل أنت مريحي من ذي الخلصة؟) والمراد بالراحة: راحة القلب. وأيُّ شيء كان أتعب لقلب النبيّ وَ* من بقاء ما يشرك به من دون الله تعالى؟ وأخرج ابن حبان من حديث جرير: ((أن النبيّ وَّ قال له: يا جرير إنه لم يبق من طواغيت الجاهلية إلا بيت ذي الخلصة)). قوله: (فنفرت إليه في مائة وخمسين من أحمس) أي: خرجت مسرعاً. وأحمس إخوة بجيلة رهط جرير، ينتسبون إلى أحمس بن الغوث بن أنمار. وعدد المائة والخمسين متعلق بقوم جرير، وانضم إليهم بعض أتباعهم، ووفد قيس بن غربة، كما ورد في بعض الروايات، فلا تعارض بين هذه الرواية وبين الروايات التي ذكر فيها عدد المائتين، أو خمسمائة، أو سبعمائة، كما فصله الحافظ في الفتح. ١٧٦ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم أَبَا أَرْطَاةَ، مِنَّا. فَأَتَّى رَسُولَ اللَّهِ وَهِ فَقَالَ لَهُ: مَا جِئْتُكَ حَتَّى تَرَكْنَاهَا كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْرَبُ، فَبَرَّكَ رَسُولُ اللّهِ وَلَهِ عَلَى خَيْلِ أَحْمَسَ وَرِجَالِهَا خَمْسَ مَرَّاتٍ. ٦٣١٧ - (٠٠٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَّنَا مَرْوَانُ، (يَعْنِي الْفَزَارِيَّ). ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ فِي حَدِيثٍ مَرْوَانَ: "فَجَاءَ بَشِيرُ جَرِيرٍ، أَبُو أَرْطَاةَ، حُصَيْنُ بْنُ رَبِيعَةَ، يُبَشِّرُ النَّبِيَّ وَلُ. (٣٠) - باب: فضائل عبد الله بن عباس، رضي الله عنهما ٦٣١٨ - (١٣٨) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ النَّصْرِ. قَالاَ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ. حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ بْنُ عُمَرَ الْيَشْكُرِيُّ. قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي يَزِيدَ يُحَدِّثُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَ أَتَى الْخَلَّءَ، فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءاً، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ: ((مَنْ وَضَعَ هَذَا؟)) - فِي رِوَايَةِ زُهَيرٍ قَالُوا، وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي بَكْرٍ - قُلْتُ: ابْنُ عَبَّاسٍ. ١٣٧ - ( ... ) - قوله: (فَحَرَّقها بالنار) وقد مرّ في الرواية الماضية أنه كسرها، والجمع بينهما أنه كسر بناءه وحرّق ما فيها من خشب ونحوه، فذكر كل من الراويين ما لم يذكره الآخر، ووقع ذكر الأمرين جميعاً فيما أخرجه البخاري في المغازي من طريق أبي أسامة عن إسماعيل بن أبي خالد، ولفظه: ((فحرّقها بالنار وكسرها)). قوله: (يكنى أبا أرطاة) واسمه حصين بن ربيعة، كما في الرواية الآتية، قال الحافظ: هو صحابي بجلي لم أر له ذكراً إلا في هذا الحديث. قوله: (كأنها جمل أجرب) قال القاضي: ((معناه: مطلّي بالقطران لما به من الجرب، فصار أسود لذلك)) يعني: صارت سوداء من حرقها، كأنه جمل أجرب طلّي عليه بالقار. (٣٠) - باب: فضائل عبد الله بن عباس ١٣٨ - (٢٤٧٧) - قوله: (عن ابن عباس) هذا الحديث أخرجه البخاري في العلم، باب قول النبيّ وَّ: اللهم علمه الكتاب، (٧٥)، وفي الوضوء باب وضع الماء عند الخلاء (١٤٣)، وفي فضائل الصحابة، باب ذكر ابن عباس ظنًّا (٣٧٥٦)، وفي الاعتصام بالكتاب والسنة، في فاتحته (٧٢٧٠) وأخرجه الترمذي في المناقب، باب مناقب عبد الله بن عباس ضًا (٣٨٢٣، ٣٨٢٤)، وابن ماجه في المقدمة، فضل ابن عباس رضيًا (١٥٣). قوله: (فوضعت له وضوء) بفتح الواو، أي: الماء الذي يتوضأ به. قوله: (قلت: ابن عباس) ووقع في رواية للبخاري في الوضوء: فأخبر: ولم يعين من هو ١٧٧ كتاب فضائل الصحابة قَالَ: ((اللَّهُمَّ فَقْهُهُ)) . (٣١) - باب: من فضائل عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما ٦٣١٩ - (١٣٩) حدّثنا أَبُو الرَّبِيع الْعَتَكِيُّ وَخَلَفُ بْنُ هِشَامٍ وَأَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ. كُلُّهُمْ عَنْ حَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ. قَالَ أَبُو الرَّبِيعَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ. حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. قَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ فِي يَدِي المخبر. وتعين في رواية أبي بكر أنه ابن عباس نفسه، وتعين في رواية زهير أنه غيره. وحكى الحافظ في كتاب العلم من الفتح (١: ١٧٠) أن المخبرة ميمونة، وقد وقع التصريح بذلك في رواية لأحمد وابن حبان. ويحتمل أن يكون كل منهما أخبره وَله. وذكر في رواية أحمد وابن حبان أيضاً أن ذلك وقع في بيت ميمونة ليلاً، ويمكن أن يكون وقع ذلك في الليلة التي بات فيها ابن عباس في بيت خالته ميمونة غینا . قوله: (اللهم فقّهه) وفي رواية للبخاري في الوضوء: ((فقّهه في الدين))، وفي رواية له في العلم: ((ضمّني رسول الله وَّر وقال: اللهم علّمه الكتاب))، ووقع في رواية مسدد ((الحكمة)) بدل ((الكتاب)). وفي رواية لأحمد وابن حبان والطبراني: ((اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل))، ووقع في بعض نسخ ابن ماجه من طريق عبد الوهاب الثقفي عن خالد الحَذَّاء في حديث الباب: ((اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب)). وأخرج البغوي في معجم الصحابة من طريق زيد بن أسلم عن ابن عمر قال: ((كان عمر يدعو ابن عباس ويقربه ويقول: إني رأيت رسول الله وَّر دعاك يوماً فمسح رأسك وقال: ((اللهم فقّهه في الدين وعلمه التأويل)) وأخرج النسائي والترمذي من طريق عطاء عن ابن عباس قال: ((دعا لي رسول الله بَّ ر أن أوتى الحكمة مرتين)). فهذه روايات مختلفة الظاهر منها أن رسول الله ◌َّ# دعا لابن عباس رَؤُه في عدة مواقع بألفاظ مختلفة. والقدر المشترك في هذه الأدعية هو علم القرآن والفقه في الدين. وقد تحقق إجابة دعوة النبيّ ◌َّر لما علم من مكانة ابن عباس رضيّ في العلم، ولا سيما في التفسير. وقال ابن المنير: ((مناسبة الدعاء لابن عباس بالتفقه على وضعه الماء من جهة أنه تردد بين ثلاثة أمور: إما أن يدخل إليه بالماء إلى الخلاء، أو يضعه على الباب ليتناوله من قرب، أو لا يفعل شيئاً. فرأى الثاني أولى، لأن في الأول تعرضاً للاطلاع، والثالث يستدعي مشقة في طلب الماء، والثاني أسهلها، ففعله يدل على ذكائه، فناسب أن يدعي له بالتفقه في الدين ليحصل به النفع. وكذا كان)) كذا في فتح الباري (١: ٢٤٤). (٣١) - باب: من فضائل عبد الله بن عمر ١٣٩ - (٢٤٧٨) - قوله: (عن ابن عمر) هذا الحديث أخرجه البخاري في المساجد، باب نوم الرجال في المسجد (٤٤٠)، وفي التهجد، باب فضل قيام الليل (١١٢١)، وباب فضل من ١٧٨ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قِطْعَةَ إِسْتَبْرِقٍ، وَلْيَسَ مَكَانٌ أُرِيدُ مِنَ الْجَنَّةِ إِلاَّ طَارَتْ إِلَيْهِ. قَالَ: فَقَصَصْتُهُ عَلَى حَفْصَةَ. فَقَصَّتْهُ حَفْصَةُ عَلَى النَّبِيِّ نَّهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((أَرَى عَبْدَ اللَّهِ رَجُلاً صَالِحاً)). ٦٣٢٠ - (١٤٠) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، (وَاللَّفْظُ لِعَبْدٍ)، قَالاً: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبِرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِم، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ إِ لهَ، إِذَا رَأَىْ رُؤْيَا، قَصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ، فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَرَىْ رُؤْيَا أَقُصُّهَا عَلَى النَّبِّ ◌َِّ. قَالَ: وَكُنْتُ غُلاَماً شَابًّا عَزَباً، وَكُنْتُ أَنَامُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ بِّهِ. فَرَأَيْتُ فِي النَّوْمِ كَأَنَّ مَلَكَيْنٍ أَخَذَانِي فَذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ. فَإِذَا هِيَ مَظْوِيَّةٌ كَطَيِّ الْبِثْرِ. وَإِذَا لَهَا قَرْنَانِ كَقَرْنِّي الْبِثْرِ. وَإِذَا فِيهَا نَاسٌ قَدْ عَرَفْتُهُم، فَجَعَلْتُ تعارّ من الليل فصلى (١١٥٦)، وفي فضائل الصحابة، باب مناقب عبد الله بن عمر طًا (٣٧٣٨، ٣٧٤٠)، وفي التعبير، باب الاستبرق ودخول الجنة في المنام (٧٠١٥)، وباب الأمن وذهاب الروع في المنام (٧٠٢٨)، وباب الأخذ على اليمين في النوم (٧٠٣٠)، وأخرجه الترمذي في مناقب عبد الله بن عمر (٣٨٢٥)، وابن ماجه في تعبير الرؤيا رقم (٣٩٦٦). قوله: (قطعة استبرق) وهو نوع من الحرير. وفي رواية وهيب عند البخاري في التعبير: ((سرقة من حرير)). قوله: (إلا طارت إليه) وفي رواية وهيب المذكورة: ((لا أهوى بها إلى مكان في الجنة إلا طارت بي إليه)) وهو أوضح. قوله: (أرى عبد الله رجلاً صالحاً) كأن رسول الله وَالر استحسن رؤيته للجنة في المنام. ١٤٠ - (٢٤٧٩) - قوله: (وكنت أنام في المسجد) كان ابن عمر ﴿ها إذ ذاك عزباً، ولم يكن له أهل، فجاز نومه في المسجد لأنه صار ملحقاً بالمسافرين. ووقع في رواية للبخاري في التعبير: ((وأنا غلام حديث السن، وبيتي المسجد، قبل أن أنكح، فقلت في نفسي: لو كان فيك خيراً لرأيت مثل ما يرى هؤلاء. فلما اضطجعت ليلة قلت: اللهم إن كنت تعلم فيّ خيراً فأرني رؤيا. فبينما أنا كذلك إذ جاءني ملكان في يد كل واحد منهما مقمعة من حديد يقبلان بي إلى جهنم وأنا بينهما أدعو الله: اللهم أعوذ بك من جهنم، ثم أراني لقيني ملك في يده مقمعة من حديد، فقال: لن تُراع، نعم الرجل أنت لو تكثر الصلاة. فانطلقوا بي حتى وقفوا بي على شفير جهنم، فإذا هي مطوية كطي البئر، لها قرون كقرون البئر، بين كل قرنين ملك بيده مقمعة من حديد، وأرى فيها رجالاً معلقين بالسلاسل، رؤوسهم أسفلهم، عرفت فيها رجالاً من قريش، فانصرفوا بي من ذات اليمين)). قوله: (قرنان كَقَرْنَي البئر) وقرون البئر جوانبها التي تبنى من حجارة توضع عليها الخشبة التي تعلق فيها البكرة، والعادة أن لكل بئر قرنين. ١٧٩ كتاب فضائل الصحابة أَقُولُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ، أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ. أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ. قَالَ: فَلَقِيَهُمَا مَلَكٌ فَقَالَ لِي: لَمْ تُرَعْ، فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ. فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ، لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ)). قَالَ سَالِمٌ: فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ، بَعْدَ ذَلِكَ، لاَ يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّ قَلِيلاً. ٦٣٢١ - (٠٠٠) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ. أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ خَالِدٍ، خَتَنُ الْفِرْيَابِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ فِي الْمَسْجِدِ. وَلَمْ يَكُنْ لِي أَهْلٌ. فَوَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّمَّا انْطُلِقَ بِي إِلَىْ بِثْرٍ، فَذَكْرَ عَنِ النَِّّ ◌َّرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ. (٣٢) - باب: من فضائل أنس بن مالك، رضي الله عنه ٦٣٢٢ - (١٤١) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أُمّ سُلَيْم؛ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللّهِ، خَادِمُكَ أَنَسٌ، ادْعُ اللَّهَ لَهُ، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ، قوله: (لم تُرَعْ) أي: لم تفزع، وليس المراد أنه لم يقع له فزع، بل المراد أنه زال فزعك، فصار كأنه لم يقع. وهذا من محاورات العرب. ووقع في بعض الروايات: ((لن تراع)) يعني: أنك لا روع علیك بعد هذا. (٣٢) - باب: من فضائل أنس بن مالك ١٤١ - (٢٤٨٠) - قوله: (عن أم سليم) هذا الحديث أخرجه المصنف أيضاً في المساجد، باب جواز الجماعة في النافلة، وأخرجه البخاري في الصوم، باب من زار قوماً فلم يفطر عندهم (١٩٨٢)، وفي الدعوات، باب قول الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ (٦٣٣٤)، وباب دعوة النبيّ وَّ لخادمه بطول عمره وبكثرة ماله (٦٣٤٤)، وباب الدعاء بكثرة المال والولد مع البركة (٦٣٧٨)، وباب الدعاء بكثرة الولد مع البركة (٦٣٨٠)، وأخرجه الترمذي في مناقب أنس بن مالك ربه (٣٨٢٧ و٣٨٢٨). قوله: (اللهم أكثر ماله وولده) وأخرج البخاري في الأدب المفرد من وجه آخر عن أنس: ((اللهم أكثر ماله وولده وأطل حياته واغفر له)) فزاد فيه دعاء طول العمر والمغفرة. وقد ثبت في الصحيح أنه كان عند الهجرة ابن تسع سنين وكانت وفاته سنة إحدى وتسعين فيما قيل. وقيل: سنة ثلاث وله مائة وثلاث سنين، قاله خليفة، وهو المعتمد. وأكثر ما قيل في سنه: أنه بلغ مائة وسبع سنين، وأقل ما قيل فيه: تسعاً وتسعين سنة. كذا في فتح الباري (١١ : ١٤٥). ١٨٠ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ)). ٦٣٢٣ - (٠٠٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ. سَمِعْتُ أَنَساً يَقُولُ: قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خَادِمُكَ أَنَسٌّ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ. ٦٣٢٤ - (٠٠٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ. سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: مِثْلَ ذَلِكَ. ٦٣٢٥ - (١٤٢) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِم. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ. قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ وَ عَلَيْنَا. وَمَا هُوَ إِلاَّ أَنَا وَأُمِّي وَأُمُ حَرَامِ، خَالَتِي. فَقَّالَتْ أُمِّي: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خُوَيْدِمُكَ، ادْعُ اللَّهَ لَهُ. قَالَ: فَدَعَا لِي بِكُلِّ خَيْرٍ، وَكَانَ فِي آخِرِ مَا دَعَا لِي بِهِ أَنْ قَالَ: ((اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدُهُ، وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ)) . ٦٣٢٦ - (١٤٣) حدّثني أَبُو مَعْنِ الرَّقَاشِيُّ. حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ. حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ. حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ. حَدَّثَنَا أَنَسٌ قَالَ: جَاءَتْ بِي أُمِّي، أُمُّ أَنَسٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَهِ. وَقَدْ أَزَّرَثْنِي بِنِصْفِ خِمَارِهَا وَرَدَّتْنِي بِنِصْفِهِ. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا أُنَيْسٌ، ابْنِي. أَتَيْتُكَ بِهِ يَخْدُمُكَ، فَادْعُ اللَّهَ لَهُ. فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ)). قَالَ أَنَسٌ: فَوَ اللَّهِ إِنَّ مَالِي لَكَثِيرٌ، وَإِنَّ وَلَدِي وَوَلَدَ وَلَدِي لَيَتَعَادُونَ عَلَى نَحْوِ الْمِائَةِ، الْيَوْمَ. قوله: (وبارك له فيما أعطيته) قال النووي تَّقُ: ((قد دعا له النبيّ وَّر بأن يبارك له فيه. ومتى بورك فيه لم يكن فيه فتنة، ولم يحصل بسببه ضرر ولا تقصير في حق ولا غير ذلك من الآفات التي تتطرق إلى سائر الأغنياء، بخلاف غيره. وفيه هذا الأدب البديع، وهو أنه إذا دعا بشيء له تعلق بالدنيا ينبغي أن يضم إلى دعائه طلب البركة فيه والصيانة ونحوهما، وكان أنس وولده رحمة وخيراً ونفعاً بلا ضرر بسبب دعاء رسول الله ( لتر )). قوله: (وقد أزّرتني بنصف خمارها) إلخ يعني: أنها ألبسته خمارها بحيث قام الخمار مقام الثوبين، فصار نصفه كالإزار، وردّت النصف الباقي على أعلى الجسم، فصار كالرداء. قوله: (إن مالي لكثير) وأخرج الترمذي (رقم: ٣٨٣٣) في مناقب أنس، عن أبي العالية قال: ((ودعا له النبيّ وَّر، وكان له بستان يحمل في السنة الفاكهة مرتين، وكان فيها ريحان كان يجيء منها ريح المسك» قال الترمذي: هذا حديث حسن. قوله: (إن ولدي وولد ولدي ليتعادّون على نحو المائة) وقد ذكر الحافظ في الفتح (١١: ١٤٥) قول أنس رَظُله: ((أخبرتني ابنتي أمينة أنه دفن من صلبي إلى يوم مقدم