النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
كتاب الفضائل
لَهُ الْخَضِرُ: مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلاَّ مِثْلَ مَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنَ الْبَحْرِ)).
قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: وَكَانَ يَقْرَأُ: وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَضْباً.
وَكَانَ يَقْرَأُ: وَأَمَّا الْغُلاَمُ فَكَانَ كَافِراً.
٦١١٤ - (١٧١) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الْقَيْسِيُّ. حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ
التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَقَبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قِيلَ لاِبْنِ عَبَّاسٍ :
إِنَّ نَوْفاً يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى الَّذِي ذَهَبَ يَلْتَمِسُ الْعِلْمَ لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ. قَالَ: أَسَمِعْتَهُ
يَا سَعِيدُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: كَذَبَ نَوْفٌ.
٦١١٥ - (١٧٢) حدّثنا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((إِنَّهُ بَيْنَمَا
خرق السفينة كان نسياناً لما تعهد به، وأما اعتراضه الثاني على قتل الغلام، فلم يكن نسياناً
للعهد، بل حينما رأى الخضر يرتكب القتل دون مبرر ظاهر، لم يتمالك نفسه وأنكر عليه، وأما
الثالث، فكان مشورة.
قوله: (ما نقص علمي وعلمك من علم الله) إلخ لفظ النقص ليس على ظاهره، لأن علم
الله تعالى لا يدخله النقص، وإنما هو تمثيل للتقريب إلى الأفهام، والمراد أن علم المخلوقات
بالنسبة إلى علم الله تعالى شيىء لا يعتد به، وقد وقع في رواية ابن جريج ما هو صريح في هذا
المعنى، ولفظه عند البخاري في التفسير: ((والله ما علمي وما علمك في جنب علم الله إلا كما
أخذ هذا الطائر بمنقاره من البحر)) والروايات يفسر بعضها بعضاً. وهذا التوجيه هو الظاهر
المتبادر من غير تكلف، فلا حاجة إلى التوجيهات الأخرى التي تكلفها الشراح، وذكرها الأبي
والحافظ في كتاب العلم من الفتح.
قوله: (وكان أمامهم ملك) وهذه قراءة شاذة، ولعلها تفسيرية، فإن الإدراجات التفسيرية
ربما يسمى قراءات شاذة. واللفظ الواقع في القرآن الكريم: ﴿وَكَانَ وَرَآءَ هُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩] وقد
ذكر ابن جريج في روايته عند البخاري أن اسمه هُدَد بن بدد. وجاء في تفسير مقاتل أن اسمه
منولة بن الجلندي بن سعيد الأزدي، والله سبحانه أعلم.
قوله: (فكان كافراً) هذه قراءة شاذة أيضاً، ولا يجوز تسميته قرآناً، وهو كما ذكرنا قراءة
تفسيرية، والله أعلم.
١٧١ - ( ... ) - قوله: (عن رقبة) بثلاث فتحات، وهو ابن مصقلة بن عبد الله العبدي
الكوفي أبو عبد الله، تابعي روى عن أنس فيما قيل، وقال أحمد بن حنبل: شيخ ثقة من الثقات
مأمون. وعن يحيى بن معين: ثقة، وكذلك وثقه النسائي والعجلي، وكان صديقاً لسليمان
التيمي. وقال الدارقطني: ثقة إلا أنه كانت فيه دعابة، توفي سنة ١٢٩هـ. أخرج له الجماعة إلا
ابن ماجه. وراجع التهذيب (٣: ٢٨٦).

٤٢
الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلاَمُ، فِي قَوْمِهِ يُذَكِّرُهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ. وَأَيَّامُ اللَّهِ نَعْمَاؤُهُ وَبَلَاؤُهُ. إِذْ قَالَ: مَا
أَعْلَمُ فِي الأَرْضِ رَجُلاً خَيْراً أَوْ أَعْلَمَ مِنِّي. قَالَ: فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ. إِنِّي أَعْلَمُ بِالْخَيْرِ مِنْهُ. أَوْ
عِنْدَ مَنْ هُوَ. إِنَّ فِي الأَرْضِ رَجُلاَ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ. قَالَ: يَا رَبِّ، فَدُلَّنِي عَلَيْهِ. قَالَ: فَقِيلَ
لَهُ: تَزَوَّدْ حُوتاً مَالِحاً، فَإِنَّهُ حَيْثُ تَفْقِدُ الْحُوتَ. قَالَ: فَانْطَلَقَ هُوَ وَفَتَاهُ حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى
الصَّخْرَةِ، فَعُمِّيَ عَلَيْهِ. فَانْطَلَقَ وَتَرَكَ فَتَاهُ فَاضْطَرَبَ الْحُوتُ فِي الْمَاءِ. فَجَعَلَ لاَ يَلْتَئِمُ عَلَيْهِ.
صَارَ مِثْلَ الْكُوَّةِ. قَالَ: فَقَالَ فَتَاهُ: أَلاَ أَلْحَقُ نَبِيَّ اللَّهِ فَأُخْبِرَهُ؟ قَالَ: فَنُسِّيَ، فَلَمَّا تَجَاوَزَا قَالَ
لِفَتَاهُ: ﴿َائِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَفِيْنَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢]. قَالَ: وَلَمْ يُصِبْهُمْ نَصَبٌ
حَتَّى تَجَاوَزَا. قَالَ: فَتَذَكَّرَ قَالَ: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغَّ فَأَرْتَذَا عَلَىْ ءَاثَارِهِمَا قَصَصًا فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ
ـكهف: ٦٤ - ٦٥]. فَأَرَاهُ مَكَانَ
٦٥
عِبَادِنَآ ءَانَيْنَهُ رَحْمَةٌ مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَا عِلْمًا
الْحُوتِ. قَالَ: هُهُنَا وُصِفَ لِي. قَالَ: فَذَهَبَ يَلْتَمِسُ فَإِذَا هُوَ بِالْخَضِرِ مُسَجَّى ثَوْباً،
مُسْتَلْقِياً عَلَى الْقَفَا، أَوْ قَالَ: عَلَى حَلاَوَةِ الْقَفَا. قَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، فَكَشَفَ الثَّوْبَ عَنْ
وَجْهِهِ قَالَ: وَعَلَيْكُمُ السَّلاَمُ. مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا مُوسَى. قَالَ: وَمَنْ مُوسَى؟ قَالَ: مُوسَى
١٧٢ - ( ... ) - قوله: (إذ قال: ما أعلم في الأرض) إلخ يعني: قال ذلك جواباً عن سائل
سأله عن ذلك، كما مر في الرواية السابقة.
قوله: (إني أعلم بالخير منه) يعني: قال الله تعالى: إني أعلم بمن هو خير منه، أي: من
موسى ليلا.
قوله: (أو عند من هو؟) (أو) هنا شك من الراوي، التقدير (أو قال الله تعالى: إني أعلم
عند من هو، يعني: علماً أكثر من علم موسى، أو خيراً أكثر من خيره).
قوله: (فُعُمِّي عليه) وقع في بعض الأصول (عمي بفتح العين وكسر الميم الخفيفة، وفي
بعضها) (عمّى) بضم العين وتشديد الميم والمعنى واحد، ولعل مراد الراوي هنا أن
موسى ظلَّ عمي عليه الطريق، فانطلق وتفرق عن فتاه. وهذا مخالف لما سبق من أن
موسى عليّا كان قد نام في ظل الصخرة، ولعل تفرقهما وقع بعد استيقاظهما لفترة يسيرة، وقول
الراوي هنا: ((وترك فتاه، فاضطرب الحوت في الماء)» يدل بظاهره أن اضطراب الحوت وقع في
حال تفرقهما، ولكن الروايات الصحيحة الأخرى تدل على أنه وقع في حالة نوم موسى عظَلا.
والظاهر أنه قد وقع في هذه الرواية تقديم وتأخير في بيان بعض الواقعات.
قوله: (على حُلاوة القفا) بضم الحاء وفتحها وكسرها، والضم أفصح، وهو وسط القفا.
ومعناه: لم يمل إلى أحل جانبيه ويقال أيضاً (حلاواء) بفتح الحاء والمد في آخره، و(حُلاوى)
بضم الحاء والقصر. وحكى أبو عبيد (حلواء) بالمد أيضاً.

٤٣
كتاب الفضائل
بَنِي إِسْرَائِيلَ. قَالَ: مَجِيءٌ مَا جَاءَ بِكَ؟ قَالَ: جِئْتُ لِتُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً. قَالَ:
[الكهف: ٦٨]، شَيْءٌ أُمِرْتُ
٦٨
﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ، خبراً.
بِهِ أَنْ أَفْعَلَهُ إِذَا رَأَيْتَهُ لَمْ تَصْبِرْ. قَالَ: ﴿سَتَجِدُنِىّ إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَّ أَعْضِى لَكَ أَمْرًا قَالَ فَإِنِ
فَانْطَلَقَا حَقََّ إِذَا رَكِبَا فِ السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾
أَتَّبَعْتَنِ فَلَا تَسْتَلْنِ عَن شَىْءٍ حَتََّ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا
[الكهف: ٦٩ - ٧١]. قَالَ: انْتَحَى عَلَيْهَا. قَالَ لَهُ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أَخَرَقْنَهَا لِنُغْرِقَ أَهْلَهَا
قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ وَلَا
٧٢
لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا
تُرْهِقِ مِنْ أَمْرِى عُسْرًا (٣)﴾ [الكهف: ٧١ - ٧٢ - ٧٣]، فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غِلْمَاناً يَلْعَبُونَ. قَالَ:
فَانْطَلَقَ إِلَى أَحَدِهِمْ بَادِيَ الرَّأْيِ فَقَتَلَهُ، فَذُعِرَ عِنْدَهَا مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلاَمُ، ذَعْرَةً مُنْكَرَةً.
﴿قَالَ: أقَتَلْتَ نَفْساً زَاكِيَةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْرَا﴾. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وََّ، عِنْدَ هَذَا
الْمَكَانِ («رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى مُوسَى، لَوْلاَ أَنَّهُ عَجَّلَ لَرَأَى الْعَجَبَ. وَلَكِنَّهُ أَخَذَتْهُ مِنْ
٧٦) ﴾ [الكهف:
صَاحِبِهِ ذَمَامَةٌ. ﴿قَالَ إِن سَأَلْكَ عَنْ شَىْ بَعْدَهَا فَلَا تُصَحِنِّى قَدْ بَلَغْتَ مِن لَُّنِ عُذْرًا
٧٦]، وَلَوْ صَبَرَ لَرَأَى الْعَجَبَ - قَالَ: وَكَانَ إِذَا ذَكَرَ أَحَداً مِنَ الأَنْبِيَاءِ بَدَأَ بِنَفْسِهِ ((رَحْمَةُ اللَّهِ
قوله: (مجيئي ما جاء بك) (ما) لههنا للتهويل، والمراد من (مجيئي ما) أي: مجيئي عظيم،
وهو مبتدأ، خبره (جاء بك) أي: بك مجيئي عظيم، أو مجيئي لأمر عظيم جاء بك. وضبط أبو
البحر (مجيئي) بالهمزة بدون تنوين، و(ما) حينئذٍ للاستفهام، والمعنى (مجيئي أيُّ شيءٍ جاء
بك؟) أي: جئت لماذا؟ والأظهر هو التفسير الأول.
قوله: (انتحى عليها) أي: اعتمد عليها وقصد خرقها. والانتحاء في الأصل: اعتماد الإبل
في سيرها على أيسرها، كما في القاموس. ولعل المراد أن الخضرلظلّ اعتمد على لوحة من
ألواح السفينة بأحد جانبيه لتنفصل بثقل جسمه .
قوله: (بادي الرأي) يعني: من غير فكر ورويّة. و(بادىء) يجوز فيه الهمز وتركه، والمعنى
عند الهمز (أول الرأي)، وعند تركه (ظاهر الرأي) أي: انطلق إليه مسارعاً إلى قتله من غير فكر.
قوله: (فذُعِر عندها موسى) أي: دَهش. والذعر: الدهش.
قوله: (رحمة الله علينا وعلى موسى) قال النووي: ((قال أصحابنا: فيه استحباب ابتداء
الإنسان بنفسه في الدعاء وشبهه من أمور الآخرة. وأما حظوظ الدنيا فالأدب فيها الإيثار وتقديم
غيره على نفسه)).
قوله: (أخذته من صاحبه ذمامة) بفتح الذال المعجمة، أي: استحياء، لكثرة المخالفة.
وقيل: ملامة. والأول هو المشهور. وذكر عياض عن بعضهم أن الذمامة هنا من الذمام، جمع
ذمة وهى ما كان شارطه عليه من الفراق.

٤٤
الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عَلَيْنَا وَعَلَى أَخِي كَذَا، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنَا)) - فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ لِئَاماً فَطَافَا فِي
الْمَجَالِسِ فَاسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا، ﴿فَأَبَوْ أَنْ يُضِّّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَقَامَةٌ قَالَ لَوْ
شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِ وَبَيْكَ﴾ [الكهف: ٧٧ - ٧٨] وَأَخَذَ بِثَوْبِهِ. قَالَ:
◌ِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع ◌َلَيْهِ صَبْرًا أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَكِينَ يَعْمَلُونَ فِ اَلْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٨.
٧٩]. إِلَى آخِرِ الآيَةِ، فَإِذَا جَاءَ الَّذِي يُسَخِّرُهَا وَجَدَهَا مُنْخَرِقَةٌ فَتَجَاوَزَهَا فَأَصْلَحُوهَا بِخَشَبَةٍ.
وَأَمَّا الْغُلاَمُ فَطْبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كَافِراً. وَكَانَ أَبَوَاهُ قَدْ عَطَفَا عَلَيْهِ. فَلَوْ أَنَّهُ أَدْرَكَ أَرْهَقَهُمَا ◌ُغْيَاناً
قوله: (أهل قرية لئاما) ذكر بعض العلماء أن إضافة المسافرين كان واجباً في شرعهم،
فلما تركوا هذا الواجب استحقوا الملامة، وذهب آخرون إلى أن الإطعام وإن لم يكن واجباً
عليهم، فإن قرى الضيف من مكارم الأخلاق، لا يمنعه إلا اللئام، ولهذا وصفهم باللؤم، والله
أعلم.
قوله: (لمساكين) جمع مسكين، سموا بذلك شفقة عليهم. وقرأ ابن عباس في قراءة شاذة
(مسّاكين) بتشديد السين، وهو جمع مساك، سموا بذلك الإمساكهم السفينة. وقيل: كانوا عشرة،
خمسة يعملون في البحر وخمسة زمناء. كذا في شرح الأبي عن القرطبي.
قوله: (فتجاوزها) أي: تركها ولم يغصبها. والمراد من (الذي يسخّرها) الملك الذي كان
يغصب السفن.
قوله: (فطبع يوم طبع كافراً) قال القرطبي: ((أي خلق قلبه على صفة قلب الكافر من القسوة
والجهل وحب الفساد، وكان أبواه مؤمنين قد عطفا عليه وأحبّاه. وعلم الله تعالى أنه لو بلغ
واستقل بنفسه حملتهما المحبة على أن يوافقاه على ما يصدر منه من كفر، وأعلم الله تعالى
الخضر اللا بذلك وأمره بقتله. وقتله من باب دفع الضرر كقتل الحيات ... ولا إشكال فيه على
أصول أهل السنة، لأنه تعالى لا يجب عليه شيء يفعل ما يشاء)).
قوله: ﴿خَيْرًا مِنْهُ زَّكَوَةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: ٨١] أما الزكاة فالمراد منها هنا معناها اللغوي
وهو الطهارة، والمقصود: الإسلام أو صلاح الأعمال. وأما الرحم، فقيل: معناه الرحمة
لوالديه وبرّهما. وقيل: المراد أنهما، يرحمانه وذكر الحافظ عن الأصمعي أن الرحم بكسر الحاء
القرابة وبسكونها الفرج، وبضمها الرحمة. وذكر بعض العلماء أنه أبدلهما الله بنتاً صالحة،
وأخرج النسائي من طريق أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: ((أبدلهما جارية فولدت
نبياً من الأنبياء)) وذكر السدي أن اسم هذا النبي شمعون، واسم أمه حنة. أخرجه ابن أبي حاتم.
وعند ابن مردويه من حديث أبي بن كعب أنها ولدت غلاماً، (يعني: أبدلهما الله تعالى غلاماً)
ولكن إسناده ضعيف. وراجع فتح الباري (٨: ٤٢١).

٤٥
كتاب الفضائل
وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَمَيْنِ
وَكُفْراً. ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَيُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَوَةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا
يَكِيمَيْنِ فِ اُلْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ﴾ [الكهف: ٨١-٨٢]. إِلَى آخِرِ الآيَةِ.
٦١١٦ - (٠٠٠) وحدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
يُوسُفَ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى. كِلاَهُمَا عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ
أَبِي إِسْحَاقَ، بِإِسْنَادِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، نَحوَ حَدِيثِهِ.
٦١١٧ - (١٧٣) وحدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ
سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ وَّرَ قَرَأَ: ﴿لَتَخِذْتَ عَلَيْهِ
أجراً﴾ .
٦١١٨ - (١٧٤) حدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ
تَمَارَى هُوَ وَالْخُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنِ الْفَزَارِيُّ فِي صَاحِبٍ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَّمُ. فَقَالَ ابْنُ
١٧٣ - ( ... ) - قوله: ﴿لَنَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ يعني: بفتح التاء وتخفيفها وكسر الخاء من
باب سمع، وهو لغة في (اتخذت).
١٧٤ - ( ... ) - قوله: (هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري) بضم الحاء هو ابن أخي
عيينة بن حصن، ذكره ابن السكن في الصحابة، له ذكر في بعض الأحاديث، وفي الصحيح أنه
كان ممن يدنيهم عمر رظه، وراجع الإصابة (١: ٣٢٣). قال النووي تْلُهُ: (في هذه القصة
أنواع من القواعد والأصول والفروع والآداب والنفائس المهمة، سبق التنبيه على معظمها سوى
ما هو ظاهر منها. ومما لم يسبق أنه لا بأس على العالم والفاضل أن يخدمه المفضول ويقضي له
حاجة، ولا يكون هذا من أخذ العوض على تعليم العلم والآداب، بل من مروءات الأصحاب
وحسن العشرة. ودليله من هذه القصة حمل فتاه غداءهما، وحمل أصحاب السفينة موسى
والخضر ◌ِالسَّاه بغير أجرة، لمعرفتهم الخضر بالصلاح. ومنها الحث على التواضع في علمه
وغيره، وأنه لا يدعي أنه أعلم الناس، وأنه إذا سئل عن أعلم الناس يقول: الله أعلم. ومنها:
بيان أصل عظيم من أصول الإسلام، وهو وجوب التسليم لما جاء به الشرع، وإن كان بعضه لا
تظهر حكمته للعقول ولا يفهمه أكثر الناس، وقد لا يفهمونه كلهم كالقدر).
وذكر الحافظ في الفتح (٨: ٤٢٢) فوائد أخرى مستنبطة من هذه القصة، منها: استحباب
الحرص على زيادة العلم، والرحلة فيه، ولقاء المشايخ وتجشم المشاق في ذلك، والاستعانة في
ذلك بالأتباع، واستخدام الحر، وطواعية الخادم لمخدومه، وعذر الناسي، وقبول الهبة من غير
مسلم. وأما من استدل به على جواز دفع أغلظ الضررين بأخفهما، فمقيد بما لا يعارض

٤٦
الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عَبَّاسِ: هُوَ الْخَضِرُ. فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبِ الأَنْصَارِيُّ. فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: يَا أَبَا
الُفَيِّلِ، هَلُمُّ إِلَيْنَا، فَإِّي قَدْ تَمَارَيْتُ أَنَا وَّصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبٍ مُوسِّى الَّذِي سَأَلَ
السَّبِيلَ إِلَىْ لُقِيِّهِ، فَهَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهِ يَذْكُرُ شَأْنَهُ. فَقَالَ أُبَيِّ سَمِعْتُ
رَسُولَ اللّهِ وَ لَهِ يَقُولُ: ((بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ. إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: هَلْ
تَعْلَمُ أَحَداً أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لاَ. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى: بَلْ عَبْدُنَا الْخَضِرُ. قَالَ:
فَسَأَلَّ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَىْ لُقِيْهِ. فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الْحُوتَ آيَةً. وَقِيلَ لَهُ: إِذَا افْتَقَدْتَ الْحُوتَ
فَارْجِعْ فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، فَسَارَ مُوسَى مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسِيرَ. ثُمَّ قَالَ لِفَتَاهُ: آتِنَا غَدَاءَنَا. فَقَالَ فَتَى
مُوسَى، حِينَ سَأَلَهُ الْغَدَاءَ: ﴿أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآَ إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِ نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَآ أَنْسَئِنِيهُ إِلَّا
الشَّيْطَانُ أَنْ أَذَكْرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣]. فَقَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغَّ فَأَرْتَدًا عَلَىَ ءَاثَارِهِمَا
قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤]. فَوَجَدَا خَضِراً. فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا مَا قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ)).
إِلاَّ أَنَّ يُونُسَ قَالَ: فَكَانَ يَتَّبِعُ أَثَرَ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ .
منصوص الشرع، فلا يسوغ الإقدام على قتل النفس ممن يتوقع منه أن يقتل أنفساً كثيرة قبل أن
يقدم على ذلك، وإنما فعل ذلك الخضر لإطلاع الله تعالى عليه. وفي القصة جواز الإخبار عن
التعب وما يلحق بالمرء من مرض أو ألم بشرط أن لا يكون سخطاً من المقدور. وفيها أن
المتوجه إلى ربه يعان، فلا يسرع إليه النصب والجوع. وفيها حسن الأدب مع الله وأن لا يضاف
إليه ما يستهجن ذكره، وإن كان الكل بتقديره وخلقه، لقول الخضر عن السفينة فأردت أن أعيبها،
وقال عن الجدار: فأراد ربك. والله سبحانه أعلم.
تمّ كتاب فضائل الأنبياء بتوفيق الله تعالى الرابع والعشرين من شهر محرم الحرام
سنة ١٤١٢ هـ أسأل الله تعالى أن يوفقني لإكمال شرح باقي الأبواب كما يحبه ويرضاه. آمين.

٤٧
كتاب فضائل الصحابة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
٤٤ - كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم
[٤٤] - كتاب فضائل الصحابة
قبل الشروع في شرح أحاديث هذا الكتاب، نريد أن نأتي بكلام موجز في تعريف الصحابة
وفضائلهم ومكانتهم في الدين، والله سبحانه هو الموفق.
١ - تعريف الصحابيّ:
عرف الإمام البخاري الصحابي في أول كتاب فضائل أصحاب النبيّ ◌َژ من صحيحه،
فقال: ((من صحب النبيّ أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه)) وهو التعريف الذي اختاره أكثر
المحققين، وهو مبني على أن الرؤية كافية لإثبات الصُّحبة. وهل يشترط في الرائي أن يكون
بحيث يميز ما رآه، أو يكتفي بمجرد حصول الرؤية؟ فيه كلام. ومن صنف في تراجم الصحابة
مال إلى الثاني، ولذلك ذكروا مثل محمد بن أبي بكر الصديق في الصحابة، مع أنه إنما ولد قبل
وفاة النبيّ ◌َ﴿ بثلاثة أشهر وأيام كما ثبت في الصحيح أن أسماء بنت عميس ولدته في حجة
الوداع قبل أن يدخلوا مكة. ومع ذلك أحاديث هذا الضرب مراسيل، ولا يقبلها من لا يقبل
مراسيل غير الصحابة. وهذا مما يلغز به، فيقال: صحابيّ حديثه مرسل لا يقبله من يقبل مراسيل
الصحابة .
وقد ذهب بعض العلماء إلى أن الصحابية لا تثبت بمجرد الرؤية، بل يجب أن تكون معها
صحبة عرفية، وهو مذهب عاصم الأحول فيما أخرجه أحمد في مسنده أنه قال: ((رأى عبد الله بن
سرجس رسول الله (ص84* غير أنه لم يكن له صحبة)). وكذا روي عن سعيد بن المسيب أنه كان لا
يعد في الصحابة إلا من أقام مع النبيّ وَّه سنة فصاعداً، أو غزا معه غزوة فصاعداً، وعلى هذين
القولين يخرج من الصحابية من له رؤية أو من اجتمع به لكن فارقه عن قرب. ويؤيده ما جاء عن
أنس رَُّبه أنه قيل له: هل بقي من أصحاب النبيّ وَّ غيرك؟ قال: لا، مع أنه كان في ذلك
الوقت عدد كثير ممن لقيه من الأعراب.
والذي جزم به البخاري من إثبات الصحابية بالرؤية فقط، هو قول أحمد وجمهور

٤٨
الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
المحدثين، ويؤيده أنهم اتفقوا على عد جمع جم في الصحابة لم يجتمعوا بالنبيّ وَّر إلا في حجة
الوداع.
والذي يظهر لهذا العبد الضعيف - عفا الله عنه - أن هناك اصطلاحين مستقلين، الأول: هو
الصحابي الذي يصح أن يكون معدوداً في الصحابة في الجملة، فيكفي له ثبوت مجرد الرؤية.
والثاني: أن يكون من أصحاب النبيّ وَ ﴿ الذين ثبتت لهم الفضائل الجمة، والذين يعود إليهم
الفضل في نصرة النبيّ وَّر، فيشترط له أن يكون صحبه وَ ل صحبة عرفية. فمن أنكر الصحابية
لمن ثبتت له رؤية، إنما أنكرها بهذا المعنى، والله سبحانه أعلم.
ثم يشترط في الصحابي أن يكون رآه وي ليه في حالة الإسلام، ثم مات على الإسلام. وإلى
هذا أشار البخاري بقوله: (من المسلمين). فمن رآه في حالة الكفر، ليس صحابياً، سواء كان قد
أسلم بعده ◌َار، وهو المعتمد. وكذلك من أسلم في عهده ◌َّلتر، ثم ارتد - والعياذ بالله - ومات
على ارتداده، فإنه ليس صحابياً بالإتفاق. وهذا مثل ربيعة بن أمية بن خلف الجمحي، وهو ممن
أسلم في الفتح وشهد مع رسول الله وَّ ر حجة الوداع، وحدث عنه بعد موته، ثم لحقه الخذلان
فلحق في خلافة عمر بالروم وتنصر بسبب شيء أغضبه.
فلو ارتد أحد ثم عاد إلى الإسلام ولكن لم يره وَ ل# ثانياً بعد عوده، فالصحيح أنه معدود
في الصحابة، لإطباق المحدثين على عد الأشعث بن قيس ونحوه ممن وقع له ذلك، وإخراجهم
أحاديثهم في المسانيد.
وهل تختص الصحابية ببني آدم؟ فيه خلاف أيضاً، والراجح أن الصحابية تثبت للجن كما
أنها تثبت لبني آدم، لأن النبيّ وَّه بعث إليهم قطعاً وهم مكلفون بالشرائع.
وقال الحافظ ابن حجر تقُّ في فتح الباري (٧: ٤) بعد نقل ما تقدم: ((هذا كله فيمن رآه
(1) وهو في قيد الحياة الدنيوية. أما من رآه بعد موته (وَ ل*) وقبل دفنه، فالراجح أنه ليس
بصحابي، وإلا لعدّ من اتفق أن يرى جسده المكرم، وهو في قبره المعظم، ولو في هذه
الأعصار. وكذلك من كشف له عنه من الأولياء فرآه كذلك على طريق الكرامة، إذ حجة من
أثبت الصحبة لمن رآه قبل دفنه أنه مستمر الحياة، وهذه الحياة ليست دنيوية، وإنما هي أخروية
لا تتعلق بها أحكام الدنيا (١)، فإن الشهداء أحياء، ومع ذلك فإن الأحكام المتعلقة بهم بعد القتل
جارية على أحكام غيرهم من الموتى، والله أعلم)).
(١) يعني جميع أحكام الدنيا، وإلا فتثبت بعض الأحكام، من عدم قسمة الميراث، وعدم جواز نكاح أزواجهم
وقد مرت مسألة حياة الأنبياء مبسوطة في باب فضائل موسى عليه السلم.

٤٩
كتاب فضائل الصحابة
٢ - مكانة الصحابة في الإسلام:
قد أجمع أهل السنة والجماعة على أن الصحابة أفضل الخلائق بعد الأنبياء لنّلا، وعلى
أنه لا يبلغ مرتبتهم في الفضيلة أحد من الأولياء. وقد شهدت بذلك نصوص الكتاب والسنّة. قال
الله تبارك وتعالى: ﴿وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ أَثَّبَعُوهُم بِإِحْسَنٍ رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ
وَرَضُواْ عَنّهُ وَأَعَذَّ لَهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى تَّحْتَهَا الْأَنْهَرُ﴾ [سورة التوبة، آية: ١٠٠] وأي شهادة أكبر من هذه
الشهادة؟ قد صرّح القرآن الكريم لجميع السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ولجميع من
اتبعهم بإحسان، بأن رضا الله سبحانه وتعالى حاصل لهم، ولا يوجد مثل هذه الشهادة لأحد من
الأولياء، مهما بلغ من العبادة والتقوى بمكان. ويقول الحافظ ابن كثير كثّفُ في تفسير هذه الآية:
فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن إذ يسبون من
يا ويل من أبغضهم أو سبّهم أو سبّ بعضهم ..
رضي الله عنهم)»؟
وقد أبعدت هذه الآية الكريمة كل شبهة من الشبهات التي يثيرها بعض الروافض من كون
الصحابة انقلبت أحوالهم فيما بعد - والعياذ بالله - فإن الآية لا تشهد لهم بالعدالة وقت نزول الآية
فقط، بل يخبر عنهم بأن الله تعالى رضي عنهم، وأنهم من أهل الجنة. وإن رضا الله سبحانه
وتعالى واستحقاق الجنة لا يثبت إلا لمن حسنت خاتمته، فإن العبرة بالخواتيم. فلا يمكن أن
يخبر الله سبحانه وتعالى عن أحد بهذه الصراحة أنه رضي عنه وأعدّ له الجنة، وإنه يعلم أنه لا
يموت على الحق.
وأما حديث الحوض الذي قال فيه النبيّ وَّه: ((ليردنّ عليّ أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم
يحال بيني وبينهم)) وفي رواية: ((فأقول: أصحابي، فيقال: لا تدري ما أحدثوا بعدك)) فقد بسطنا
الكلام عليه في باب حوض النبيّ وَّر من كتاب الفضائل، وأن المراد منه الأعراب الذين ارتدوا
بعد وفاته وقر. قال الخطابي تقذفُ: ((لم يرتد من الصحابة أحد، وإنما ارتد قوم من جفاة
الأعراب ممن لا نصرة له في الدين. وذلك لا يوجب قدحاً في الصحابة المشهورين. ويدل قوله
(أصيحابي) بالتصغير على قلة عددهم)). وقد صرّح القرآن الكريم في مثل هؤلاء الأعراب بأنه لم
يدخل الإيمان في قلوبهم. قال تعالى: ﴿قَالَتِ آلْأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ
اَلْإِيمَنُ فِ قُلُوبِكُمْ﴾ [سورة الحجرات، آية: ١٤].
ولسنا بصدد استيعاب النصوص الواردة في مدح الصحابة والثناء عليهم، فإنها كثيرة وقد
ألّف العلماء في ذلك كتباً مستقلة، وإنما المقصود هنا بيان عقيدة أهل السنة والجماعة في أن
الصحابة أفضل الناس بعد الأنبياء لا، وأن هذه العقيدة مبنية على نصوص صريحة من القرآن
والسنة. فكيف يجوز لأحد أن يطيل لسانه فيهم أو في أحد منهم على أساس بعض الروايات
التاريخية التي هي أولى بالطعن من الصحابة الذين نطق بفضلهم القرآن الكريم. والواقع أن

٥٠
الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٠٠
التشكيك في عدالة الصحابة ها لا ينتج إلا التشكيك في الدين وأصوله، لأن الدين كله، حتى
القرآن الكريم، لم يصل إلينا إلا بواسطة هؤلاء الصحابة، فلو ارتفعت الثقة عنهم - والعياذ بالله -
لارتفع الأمان عن النصوص، ولتزعزعت بنيان الدين، ولأصبح الدين لعبة بأيدي المتطفلين،
يحرّفونه كما يشاؤون. ونسأل الله تعالى أن يعصمنا نحن وجميع المسلمين من مثل هذه الضلالات
التي ليس منشؤها إلا إغواء النفس أو الشيطان، والفرار من أحكام شريعة الله المطهرة البيضاء.
٣ - التفضيل بين الصحابة:
قال النووي تقدُّهُ: ((قال الإمام أبو عبد الله المازَرِيّ تَُّ: اختلف الناس في تفضيل بعض
الصحابة على بعض. فقالت طائفة: لا نفاضل، بل نمسك عن ذلك. وقال الجمهور بالتفضيل.
ثم اختلفوا، فقال أهل السنة: أفضلهم أبو بكر الصديق، وقال الخطابية: أفضلهم عمر بن
الخطاب. وقالت الراوندية: أفضلهم العباس. وقالت الشيعة: عليّ. واتفق أهل السنة على أن
أفضلهم أبو بكر، ثم عمر. قال جمهورهم: ثم عثمان. ثم عليّ. وقال بعض أهل السنة من أهل
. ((
الكوفة بتقديم عليّ على عثمان، والصحيح المشهور تقديم عثمان
((قال أبو منصور البغداديّ: أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة على الترتيب
المذكور، ثم تمام العشرة، ثم أهل بدر، ثم أحد، ثم بيعة الرضوان. وممن له مزية أهل العقبتين
من الأنصار، وكذلك السابقون الأوّلون، وهم من صلّى إلى القبلتين في قول ابن المسيب وطائفة.
وفي قول الشعبيّ أهل بيعة الرضوان. وفي قول عطاء ومحمد بن كعب: أهل بدر)).
((قال القاضي عياض: وذهبت طائفة - منهم ابن عبد البر - إلى أن من توفي من الصحابة في
حياة النبيّ وَّر أفضل ممن بقي بعده. وهذا الإطلاق غير مرضي ولا مقبول. واختلف العلماء في
أن التفضيل المذكور قطعي أم لا؟ وهل هو في الظاهر والباطن؟ أم في الظاهر خاصة؟ وممن
قال بالقطع أبو الحسن الأشعري. قال: وهم في الفضل على ترتيبهم في الإمامة. وممن قال بأنه
اجتهادي ظني أبو بكر الباقلاني)).
وأما ما شجر بين الصحابة من الخلافات والحروب، فقال فيها النووي كثّفُهُ: ((وأما
الحروب التي جرت فكانت لكل طائفة شبهة اعتقدت تصويب أنفسها بسببها، وكلهم
عدول ته ومتأولون في حروبهم وغيرها، ولم يخرج شيء من ذلك أحداً منهم عن العدالة،
لأنهم مجتهدون اختلفوا في مسائل من محل الاجتهاد كما يختلف المجتهدون بعدهم في مسائل
من الدماء وغيرها، ولا يلزم من ذلك نقص أحد منهم. واعلم أن سبب تلك الحروب أن القضايا
كانت مشتبهة، فلشدة اشتباهها اختلف اجتهادهم، وصاروا ثلاثة أقسام. قسم ظهر لهم بالاجتهاد
أن الحق في هذا الطرف ومخالفه باغ، فوجب عليهم مساعدته وقتال الباقي عليه فيما اعتقدوه
ففعلوا ذلك، ولم يكن يحل لمن هذه صفته التأخر عن مساعدة إمام العدل في قتال البغاة في

٥١
كتاب فضائل الصحابة
(١) - باب: من فضائل أبي بكر الصديق، رضي اللّه عنه
٦١١٩ - (١) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
الدَّارِمِيُّ. (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الأَخَرَانِ: حَدَّثَنَا) حَبَّانُ بْنُ هِلاَلٍ. حَدَّثَنَا هَمَّامٌ.
حَدَّثَنَا ثَابِتٌ. حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ؛ أَنَّ أَبَا بَكْرِ الصِّدِّيقَ حَدَّثَهُ قَالَ: نَظَرْتُ إِلَى أَقْدَام
الْمُشْرِكِينَ عَلَى رُؤُوسِنَا وَنَحْنُ فِي الْغَارِ. فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَىَ
قَدَمَيْهِ أَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ .
اعتقاده. وقسم عكس هؤلاء ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق في الطرف الآخر فوجب عليهم
مساعدته وقتال الباغي عليه. وقسم ثالث اشتبهت عليهم القضية وتحيّروا فيها ولم يظهر لهم
ترجيح أحد الطرفين فاعتزلوا الفريقين. وكان هذا الاعتزال هو الواجب في حقهم، لأنه لا يحل
الإقدام على قتال مسلم حتى يظهر أنه مستحق لذلك ... فكلهم معذورون عنه. ولهذا اتفق أهل
الحق ومن يعتد به في الإجماع على قبول شهاداتهم ورواياتهم وكمال عدالتهم ظتها أجمعين)).
(١) - باب: من فضائل أبي بكر الصديق
١ - (٢٣٨١) - قوله: (أن أبا بكر الصديق حدثه) هذا الحديث أخرجه البخاري في فضائل
الصحابة، باب مناقب المهاجرين وفضلهم (٣٦٥٣)، وباب هجرة النبيّ وَّر وأصحابه إلى
المدينة (٣٩٢٢)، وفي تفسير سورة البراءة، باب قول الله تعالى: ﴿ثَانِى أَثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى
الْغَارِ﴾ [التوبة: ٤٠] (٤٦٦٣). وأخرجه الترمذي في التفسير، سورة التوبة، (٣٠٩٦).
قوله: (ونحن في الغار) أي: في غار جبل الثور عند هجرة النبي الكريم وَلّ إلى المدينة
المنورة. وإن هذا الغار، كما رأيته، صخرة على رأس الجبل، وهي مجوفة خاوية ليس لها منفذ
إلى الداخل إلا في أسفلها بحيث يمكن للرجل أن يدخلها مستلقياً على بطنه. فلما دخلها
رسول الله * وأبو بكر الصديق رضيله، وجاء بعض أهل مكة في طلبهما، أبصر أبو
بكر ربه أقدامهم من ذلك المنفذ الذي هو في أسفل الصخرة، فلم يستطع إلا أن يبصر غير
الأقدام لكون المنفذ في أسفل الصخرة.
قوله: (لو أن أحدهم نظر إلى قدميه) قال الحافظ في الفتح (٧: ١١): ((فيه مجيء (لو)
الشرطية للاستقبال، خلافاً للأكثر، واستدل من جوزه بمجيء الفعل المضارع بعدها كقوله
تعالى: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِ كَثِيرٍ مِّنَ اُلْأَمْيِ لَعِنْتُمْ﴾ [سورة الحجرات، آية: ٧] وعلى هذا، فيكون قاله حالة
وقوفهم على الغار. وعلى قول الأكثر يكون قاله بعد مضيهم شكراً لله تعالى على صيانتهما منهم))
قلت: ويؤيد الاحتمال الأول أن النبيّ وَّ قال لأبي بكر تسلية لخاطره: لا تحزن إن الله معنا،
وهذا يدل على أن أبا بكر ربه كان في حالة الخوف حينئذٍ، ولو كان قاله بعد زوال الخوف، لم
يكن لهذا الجواب معنى، والله أعلم.

٥٢
الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا)) .
٦١٢٠ - (٢) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ. حَدَّثَنَا مَعْرٌ. حَدَّثَنَا
مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ،وَهَ جَلّسَ
عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: ((عَبْدُ خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ زَهْرَةَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ. فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ)).
فَبَكَىْ أَبُو بَكْرٍ. وبَكَى. فَقَالَ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا. قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ هُوَ
الْمُخَيَّرُ. وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا بِهِ.
وَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ نِي مَالِهِ وَصُخْبَتِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ
قوله: (ما ظنك باثنين، الله ثالهما) وفي رواية موسى بن إسماعيل عند البخاري في
الهجرة: ((اسكت يا أبا بكر، اثنان الله ثالثهما)). ويعني: (ثالثهما) ناصرهما ومعينهما، وإلا فالله
ثالث كل اثنين بعلمه. قال الحافظ: ((وفي الحديث منقبة ظاهرة لأبي بكر، وفيه أن باب الغار
كان منخفضاً إلا أنه كان ضيّقاً، فقد جاء في السير للواقدي أن رجلاً كشف عن فرجه وجلس
يبول، فقال أبو بكر: قد رآنا يا رسول الله. قال: لو رآنا لم يكشف عن فرجه)).
٢ - (٢٣٨٢) - قوله: (عن أبي سعيد) يعني: الخدري ظُه، وهذا الحديث أخرجه
البخاري في الصلاة، باب الخوضة والممر في المسجد (٤٦٦)، وفي فضائل الصحابة، باب
قول النبيّ وَّ ر: سدوا الأبواب إلا باب أبي بكر (٣٦٥٤)، وفي مناقب الأنصار، باب هجرة
النبيّ وَله وأصحابه إلى المدينة (٣٩٠٤)، وأخرجه الترمذي في المناقب، باب مناقب أبي بكر
الصديق ظه (٣٦٥٩).
قوله: (جلس على المنبر فقال) ويظهر من عدة روايات ذكرها الحافظ في الفتح (٧: ١٢)
أن ذلك كان في مرض وفاته وَله .
قوله: (زهرة الدنيا) قال النووي: ((المراد بزهرة الدنيا نعيمها وأعراضها وحدودها، وشبهها
بزهرة الروض ... وكان أبو بكر به علم أن النبيّ ◌َّ هو العبد المخيّر، فبكى حزناً على فراقه
وانقطاع الوحي وغيره من الخير دائماً. وإنما قال ◌َله: أن عبداً، وأبهمه لينظر فهم أَهْلِ المعرفة
ونباهة أصحاب الحذق)).
قوله: (فبكى أبو بكر وبكى) كرر الفعل لإفادة كثرة البكاء وطول مدته. وزاد في رواية
سالم أبي النضر عند البخاري في فضائل الصحابة: ((فعجبنا لبكائه، أن يخبر رسول الله وَلول عن
عبد خُيّر)) وفي رواية عبيد بن حنين عنده في الصلاة: ((فقلت في نفسي: ما يبكي هذا الشيخ إن
يكن الله خيّر عبداً بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله)).
قوله: (إن أمنّ الناس عليّ في ماله) إلخ وزاد البخاري في رواية عبيد بن حنين قبله ((يا أبا
بكر: لا تبك)) قال الحافظ في الفتح (٧: ١٣): ((قوله (أمنّ) أفعل تفضيل من المنّ بمعنى العطاء

٥٣
كتاب فضائل الصحابة
مُتَّخِذاً خَلِيلاً لاَتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً. وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلاَمِ. لاَ تُبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ خَوْخَةٌ إِلاَّ
خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ)).
والبذل، بمعنى أن أبذل الناس لنفسه وماله، لا من المنّة التي تفسد الصنيعة ... وأغرب
الداودي فشرحه على أنه من المنة وقال: تقديره لو كان يتوجه لأحد الامتنان على نبي
الله ﴿ لتوجه له)) قلت: ليس في قول الداودي غرابة، وقد نقل الحافظ نفسه في كتاب الصلاة
مثل ذلك عن القرطبي، ولا يبعد من تواضع رسول الله وسير أن يقول مثل ذلك في أبي بكر،
ويؤيده ما رواه الترمذي عن أبي هريرة بلفظ: ((ما لأحد عندنا يد إلا كافأناه عليها، ما خلا أبا
بكر، فإن له عندنا يداً يكافئه الله بها يوم القيامة)) وأخرج الطبراني عن ابن عباس مرفوعاً: ((ما
أحد أعظم عندي يداً من أبي بكر، واساني بنفسه وماله، وأنكحني ابنته)).
قوله: (لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن أخوة الإسلام) وفي رواية: (لكنه أخي وصاحبي
وقد اتخذ الله عز وجل صاحبكم (يعني: نفسه) خليلاً، والخلة في اللغة المودّة البالغة، وقيل:
أصل الخلة انقطاع الخليل إلى خليله بحيث لا يسع قلبه غيره. ومعنى الحديث: أن حبّ
الله تعالى لم يدع في قلبه موضعاً لخلَّة غيره، ولو كان هناك مجال لأن يكون أحد خليله وَل﴾ لكان
أبا بكر ظُه، ولكنه وَلّ لم يتخذ أحداً من الناس خليلاً، فسمّى أبا بكر ﴿به أخاً له وصاحباً).
وقد يتعارض هذا الحديث ما روي عن أبيّ بن كعب قال: ((إن أحدث عهدي بنبيكم قبل
موته بخمس، دخلت عليه وهو يقول: إنه لم يكن نبي إلا وقد اتخذ من أمته خليلاً، وإن خليلي
أبو بكر. ألا وإن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً)) أخرجه أبو الحسن الحربي في
فوائده، وذكره الحافظ في الفتح (٧: ٢٣) ثم قال: ((وهذا يعارضه ما في رواية جندب عند مسلم
كما قدمته أنه سمع النبيّ وَ لّ يقول قبل أن يموت بخمس: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم
خليلاً (قلت: وسيأتي مثله من طريق أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود أيضاً) فإن ثبت حديث
أبيّ أمكن أن يجمع بينهما بأنه لما برىء من ذلك تواضعاً لربّه وإعظاماً له أذن الله تعالى له فيه
من ذلك اليوم، لما رأى من تشوّفه إليه، وإكراماً لأبي بكر بذلك، فلا يتنافى الخبران. أشار إلى
ذلك المحب الطبري. وقد روي من حديث أبي أمامة نحو حديث أبيّ بن كعب دون التقييد
بالخمس. أخرجه الواحدي في تفسيره، والخبران واهيان)».
وأما ما روي عن أبي هريرة وأبي ذرّ ◌ًِّا عند رواية عدة أحاديث: ((أخبرني خليلي))
و ((أوصاني خليلي)) فإما أنهما أطلقا لفظ (الخليل) بمعنى الحبيب، وإما أنهما أراد أن النبيّ ◌َلَه
خليل لهما، دون أن يكونا خليلين له وير، لأن كل مسلم يجوز له أن يتخذ النبيّ وَلّ خليلاً له،
بحيث لا يدع في قلبه مجالاً لخلّة غيره، وذلك لأن محبة الرسول وَله عين محبة الله تبارك
وتعالى، ولا يقال مثل ذلك إذا اتخذ رسول الله وَّ ر خليلاً غير الله، والله أعلم.
قوله: (لا تُبقينّ في المسجد خوخة) بفتح الخاء، وهو الباب الصغير بين البيتين أو الدارين

٥٤
الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٦١٢١ - (٠٠٠) حدّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ. حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ سَالِمٍ، أَبِي
ونحوه، وكان الناس قد فتحوا من بيوتهم خوخات إلى المسجد النبوي، ليسهل عليهم دخول
المسجد كلما شاؤوا، فأراد رسول الله # أن تسدّ هذه الخوخات ليصان المسجد عن تطرق
الناس إليه واتخاذه ممراً للناس، فأمر بسد الخوخات كلها، إلا خوخة أبي بكر الصديق نظُبه.
وقد ذكر الحافظ في الفتح أن ذلك كان في آخر حياة النبيّ وَالر، وكان أبو بكر الصديق ظُلُه يؤم
الناس، فتركت خوخته من أجل ذلك. وذكر جماعة من العلماء أن ذلك كان إشارة لاستخلاف
أبي بكر څبه.
وقد أشكل على بعض الناس أن دار أبي بكر الصديق كانت بسنح كما جاء في قصة وفاة
النبيّ ◌َّر، وهذا الحديث يدل على أن داره كانت ملاصقة للمسجد النبوي. والجواب عنه أنه
كان له منزلان. ومنزله بالسنح كان لأصهاره من الأنصار. وقد ذكر عمر بن شبة في أخبار
المدينة أن دار أبي بكر الملاصقة للمسجد لم تزل بيد أبي بكر حتى احتاج إلى شيء يعطيه لبعض
من وفد عليه، فباعها فأشترتها منه حفصة أم المؤمنين بأربعة آلاف درهم، فلم تزل بيدها إلى أن
أرادوا توسيع المسجد في خلافة عثمان، فطلبوها منها ليوسعوا بها المسجد، فامتنعت وقالت:
كيف بطريقي إلى المسجد؟ فقيل لها: نعطيك داراً أوسع منها ونجعل لك طريقاً مثلها، فسلمت
ورضيت. كذا في فتح الباري (٧: ١٤).
وقد وردت بعض الأحاديث على أن رسول الله و # أمر بسد الأبواب كلها إلا باب
عليّ رَظُله، منها حديث سعد بن أبي وقاص قال: ((أمرنا رسول الله وَله بسد الأبواب الشارعة في
المسجد، وترك باب عليّ)) أخرجه أحمد والنسائي بإسناد قوي. ومنها حديث زيد بن أرقم:
((كان لنفر من الصحابة أبواب شارعة في المسجد، فقال رسول الله وَله: سدوا هذه الأبواب إلا
باب عليّ)) أخرجه أحمد والنسائي والحاكم ورجاله ثقات. وأخرج أحمد والنسائي مثله عن ابن
عباس، والطبراني عن جابر بن سمرة، وأحمد عن ابن عمر، والنسائي عن العلاء بن عرار، عن
ابن عمر.
وسرد الحافظ هذه الأحاديث في الفتح (٧: ١٥)، ثم قال: ((وهذه الأحاديث يقوي بعضها
بعضاً، وكل طريق منها صالح للاحتجاج فضلاً عن مجموعها. وقد أورد ابن الجوزي هذا
الحديث في الموضوعات، وأعله ببعض من تكلم فيه من رواته وليس ذلك بقادح لما ذكرت من
كثرة الطرق، وأعله أيضاً بأنه مخالف للأحاديث الصحيحة الثابتة في باب أبي بكر، وزعم أنه من
وضع الرافضة، قابلوا به الحديث الصحيح في باب أبي بكر انتهى، وأخطأ في ذلك خطأ شنيعاً،
فإنه سلك في ذلك رد الأحاديث الصحيحة بتوهمه المعارضة مع أن الجمع بين القصتين ممكن،
وقد أشار إلى ذلك البزار في مسنده فقال :... والمعنى: أن باب عليّ كان إلى جهة المسجد
ولم يكن لبيته باب غيره، فلذلك لم يؤمر بسدّه، ويؤيد ذلك ما أخرجه إسماعيل القاضي في

٥٥
كتاب فضائل الصحابة
النَّضْرِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ وَبُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ. قَالَ: خَطَبَ
رَسُولُ اللّهِ وَ لْهِ النَّاسَ يَوْماً، بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكِ.
٦١٢٢ - (٣) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ الْعَبْدِيُّ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ. قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي الْهُذَيْلِ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي
الأَخْوَصِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ، عَنِ النَّبِّ وَِّ؛ أَنَّهُ قَالَ: ((لَوْ كُنْتُ
مُتَّخِذاً خَلِيلاً لاَتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً. وَلَكِنَّهُ أَخِي وَصَاحِبِي. وَقَدِ اتَّخَذَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ،
صَاحِبَكُمْ خَلِيلاً).
٦١٢٣ - (٤) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَارٍ (وَاللَّفْظُ لإِبْنِ الْمُثَنَّى). قَالاً:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الأَخْوَصَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ،
عَنِ النَّبِّ وَّهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: ((لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذَاً مِنْ أُمَّتِي أَحَداً خَلِيلاً لاَتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ)).
٦١٢٤ - (٥) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ.
حَدَّثَنِي سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الأَخْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ
حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ. أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَيْسٍ، عَنِ ابْنٍ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ.
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِهِ: ((لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذَاً خَلِيلاً لَاتَّخَذْتُ ابْنَ أَبِي ◌ُحَافَةَ خَلِيلاً)).
٦١٢٥ - (٦) حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. (قَالَ
إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا) جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةً، عَنْ وَاصِلِ بْنِ حَيَّانَ، عَنْ
أحكام القرآن من طريق المطلب بن عبد الله بن حنطب: أن النبيّ وَّير لم يأذن لأحد أن يمر في
المسجد وهو جنب إلا لعلي بن أبي طالب لأن بيته كان في المسجد. ومحصل الجمع أن الأمر
بسد الأبواب وقع مرّتين، ففي الأولى استثنى علي لما ذكره وفي الأخرى استثنى أبو بكر. ولكن
لا يتم ذلك إلا بأن يحمل ما في قصة علي على الباب الحقيقي، وما في قصة أبي بكر على
الباب المجازيّ، والمراد به الخوخة كما صرح به في بعض طرقه. وكأنهم لما أمروا بسد
الأبواب سدّوها وأحدثوا خوخاً يستقربون الدخول إلى المسجد منها فأمروا بعد ذلك بسدها .
فهذه طريقة لا بأس بها في الجمع بين الحديثين، وبها جمع بين الحديثين المذكورين أبو جعفر
الطحاوي في مشكل الآثار، وهو في أوائل الثلث الثالث منه، وأبو بكر الكلاباذي في معاني
الأخبار)).
٣ - (٢٣٨٣) - قوله: (سمعت عبد الله بن مسعود) هذا الحديث أخرجه الترمذي في
المناقب، باب مناقب أبي بكر الصديق (٣٧٥٥)، وابن ماجه في المقدمة، باب فضائل أصحاب
رسول الله چلچر، (٨٢).

٥٦
الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ، عَنْ أَبِي الأَخْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((لَوْ كُنْتُ
مُتَّخِذَاً مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ خَلِيلاً، لاَتَّخَذْتُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ خَلِيلاً، وَلَّكِنْ صَاحِبُكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ».
٦١٢٦ - (٧) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً وَوَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا
إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. كُلُّهُمْ عَنِ
الأَعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَأَبُو سَعِيدِ الأَشَجُّ، (وَاللَّفْظُ لَهُمَا)،
قَالاَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((أَلاَ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى كُلَّ خِلُ مِنْ خِلْهِ. وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذَاً
خَلِيلاَ لاَتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً. إِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ».
٦١٢٧ - (٨) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ
أَبِي عُثْمَانَ. أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ بَعَثَهُ عَلَىْ جَيْشِ ذَاتِ
السَّلَاسِلِ. فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: ((عَائِشَةُ)) قُلْتُ: مِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَ:
(أَبُوهَا)) قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ((عُمَرُ)) فَعَدَّ رِجَالاً.
٧ - ( ... ) - قوله: (إني أبرأ إلى كل خِلّ من خلّه) هما بكسر الخاء. فأما الأول فكسره
متفق عليه، وهو الخِلّ بمعنى الخليل. وأما قوله: (من خلّه) فبكسر الخاء عند جميع الرواة في
جميع النسخ، ومعناه: المخالّة والصداقة، والتقدير: إني أبرأ إلى كل خليل من مخالّته، وذكر
القاضي أن الفتح في الثاني أوجه، لأن معنى المخالّة فيه أظهر، والله أعلم.
٨ - (٢٣٨٤) - قوله: (أخبرني عمرو بن العاص) هذا الحديث أخرجه البخاري في فضائل
الصحابة، باب قول النبيّ وَّ ه: لو كنت متخذاً خليلاً (٣٦٦٢)، وفي المغازي، باب غزوة ذات
السلاسل (٤٣٥٨)، والترمذي في المناقب، باب فضل عائشة ثقا (٣٨٨٥).
قوله: (على جيش ذات السلاسل) بفتح السين، جمع سلسلة. قيل: سميت بذلك لأن
المشركين ارتبط بعضهم إلى بعض مخافة أن يفرّوا. وقيل: لأن بها ماء يقال له السلسل. وذكر
ابن سعد أنها وراء وادي القرى، وبينها وبين المدينة عشرة أيام، وقيل: سمي المكان بذلك لأنه
كان به رمل بعضه على بعض كالسلسة. وكانت هذه الغزوة سنة سبع، ونقل ابن عساكر الاتفاق
على أنها كانت بعد غزوة مؤتة، وحورب فيها بنو لخم وجذام.
قوله: (أيّ الناس أحبّ إليك؟) ووقع عند ابن سعد سبب هذا السؤال، وأنه وقع في نفس
عمرو لما أمّره النبيّ وَّه على الجيش، وفيهم أبو بكر وعمر، أنه مقدم عنده في المنزلة عليهم،
فسأله لذلك.
قوله: (فعدّ رجالاً) وزاد البخاري في المغازي: ((فسكتّ مخافة أن يجعلني في آخرهم)».

٥٧
كتاب فضائل الصحابة
٦١٢٨ - (٩) وحدّثني الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ. حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، عَنْ أَبِي
عُمَيْسٍ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، (وَاللَّفْظُ لَهُ)، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ. أَخْبَرَنَا أَبُو
عُمَيْسٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ. سَمِعْتُ عَائِشَةَ، وَسُئِلَتْ: مَنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ مُسْتَخْلِفاً
لَوِ اسْتَخْلَفَهُ؟ قَالَّتْ: أَبُو بَكْرٍ. فَقِيلَ لَهَا: ثُمَّ مَنْ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ؟ قَالَتْ: عُمَرُ. ثُمَّ قِيلَ لَهَا:
مَنْ بَعْدَ عُمَرَ؟ قَالَتْ: أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ. ثُمَّ انْتَهَتِ إِلَى هَذًّا.
٦١٢٩ - (١٠) حدّثني عَبَّدُ بْنُ مُوسَى. حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ. أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ شَيْئاً. فَأَمَرَهَا أَنْ
تَرْجِعَ إِلَيْهِ. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ جِئْتُ فَلَمْ أَجِدْكَ؟ - قَالَ أَبِي: كَأَنَّهَا تَعْنِي
الْمَوْتَ - قَالَ: ((فَإِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ)) .
٦١٣٠ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. حَدَّثَنَا
أَبِي، عَنْ أَبِيهِ. أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ؛ أَنَّ أَبَاهُ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِم أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ امْرَأَةً
٩ - (٢٣٨٥) - قوله: (سمعت عائشة) هذا الحديث لم يخرجه أحد غير المصنف من الأئمة
الستة.
١٠ - (٢٣٨٦) - قوله: (عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه) يعني: جبير بن
مطعم ربه، وهذا الحديث أخرجه البخاري في فضائل الصحابة، باب قول النبيّ وَّل: لو كنت
متخذاً خليلاً (٣٦٥٩)، وفي الأحكام، باب الاستخلاف (٧٢٢٠)، وفي الاعتصام، باب
الأحكام التي تعرف بالدلائل (٧٣٦٠)، والترمذي في المناقب، باب مناقب أبي بكر
وعمر ها (٣٦٧٦).
قوله: (قال أبي: كأنها تعني الموت) قائله محمد بن جبير بن مطعم، والمراد أن أبي،
وهو جبير بن مطعم، فسّر قول المرأة (فإن لم أجدك) بأنها أرادت أنها إن أتت بعد وفاته وص له إلى
من ترجع حينئذٍ !.
قوله: (فأتى أبا بكر) وهذا الحديث كأنه صريح في أن أبا بكر مه هو الذي يتولى
الخلافة بعده وير وفيه ردّ على زعم الشيعة في أن النبيّ وَّر استخلف علياً كرم الله وجهه. وروى
الطبراني من حديث عصمة بن مالك، قال: قلنا يا رسول الله! إلى من ندفع صدقات أموالنا
بعدك؟ قال: إلى أبي بكر. ولكن إسناده ضعيف. وروى الإسماعيلي في معجمه من حديث
سهل بن أبي خيثمة، قال: ((بايع النبيّ وَ له أعرابياً، فسأله، إن أتى عليه أجله، من يقضيه؟ فقال:
أبو بكر، ثم سأل: من يقضيه بعده؟ قال: عمر)) وأخرجه الطبراني في الأوسط. كذا في فتح
الباري (٧: ٢٤).

٥٨
الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ فَكَلَّمَتْهُ فِي شَيْءٍ. فَأَمَرَهَا بِأَمْرٍ، بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبَّادِ بْنِ مُوسَى.
٦١٣١ - (١١) حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ. حَذَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ. أَخْبَرَنَا
إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ. حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ فِي مَرَضِهِ: ((ادْعِي لِي أَبَا بَكْرٍ وَأَخَاكِ، حَتَّى أَكْتُبَ كِتَاباً. فَإِنِّي
أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنُ وَيَقُولُ قَائِلٌ: أَنَا أَوْلَى. وَيَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلاَّ أَبَا بَكْرٍ)).
٦١٣٢ - (١٢) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِيُّ. حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ
١١ - (٢٣٨٧) - قوله: (عن عائشة) هذا الحديث أخرجه البخاري في المرضى، باب ما
رخص للمريض أن يقول: إني وجع إلخ ٥٦٦٦، وفي الأحكام، باب الاستخلاف ٧٢١٧.
قوله: (في مرضه) وفي رواية القاسم بن محمد عن عائشة عند البخاري في المرضى:
(«قالت عائشة: وارأساه، فقال رسول الله والقر: ذاك لو كان وأنا حيّ فأستغفر لك وأدعو لك.
فقالت عائشة: واثكلياه، والله إني لأظنّك تحب موتي، ولو كان ذلك لظللت آخر يومك معرّساً
ببعض أزواجك، فقال النبيّ وَّير: بل أنا وارأساه. لقد هممت .. أو أردت .. أن أرسل إلى أبي
بكر وابنه فأعهد، أن يقول القائلون، أو يتمنى المتمنون، ثم قلت: يأبى الله ويدفع المؤمنون، أو
يدفع الله ویأبی المؤمنون)).
ويحتمل أن تكون قصة حديث الباب غير قصة حديث البخاري، لأن سياق حديث البخاري
أن وجع عائشة رضيّا كان أشد من وجع رسول الله ◌َّ﴾، ولم يذكر في حديث مسلم أن
عائشة ثنا كانت وجعة، والله أعلم.
قوله: (ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر) هذا دليل صريح على أن رسول الله صل * كان يودّ
استخلاف أبي بكر الصديق ظه، ثمّ ترك التصريح بذلك ليقيم سنة الشورى بين المسلمين،
وكان يعرف أن المسلمين لا يتفقون إلا على أبي بكر قه.
وقد صدر عنه مثل هذا القول في واقعة أخرى أخرجها أبو داود في كتاب السنة من سننه
(رقم: ٤٦٦٠) عن عبد الله بن زمعة قال: ((لما استُعزّ برسول الله و ﴿ وأنا عنده في نفر من
المسلمين دعاه بلال إلى الصلاة، فقال: مروا من يصلي للناس، فخرج عبد الله بن زمعة، فإذا .
عمر في الناس، وكان أبو بكر غائباً، فقلت: يا عمر، قم فصلّ بالناس، فتقدم فكبّر، فلما سمع
رسول الله وَ* صوته، وكان عمر رجلاً مجهّراً، قال: فأين أبو بكر؟ يأبى الله ذلك والمسلمون،
يأبى الله ذلك والمسلمون. فبعث إلى أبي بكر فجاء بعد أن صلى عمر تلك الصلاة، فصلى
بالناس)) وأخرجه أحمد في مسنده (٤: ٣٢٢) أيضاً. وأخرج أحمد مثله عن عائشة رضينيها في
مسنده (٦: ٣٤)، وأفاد أن رسول الله وَلو كان إذ ذاك فى بيت ميمونة

٥٩
كتاب فضائل الصحابة
الْفَزَارِيُّ، عَنْ يَزِيدَ، (وَهُوَ ابْنُ كَيْسَانَ)، عَنْ أَبِي حَازِمِ الأَشْجَعِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: (مَنْ أَضْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِماً؟)) قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا. قَالَ: ((فَمَنْ تَبَعَ
مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟)) قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا. قَالَ: ((فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِيناً؟)) قَالَ أَبُو
بَكْرِ: أَنَا. قَالَ: ((فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضاً؟)) قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَّا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَتْ:
((مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِىءٍ إِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ)).
٦١٣٣ - (١٣) حدّثني أَبُو الظَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى.
قَالاَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. حَدَّثَنِي سِّعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو
سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّهُمَا سَمِعًا أَبَا هُرَّيْرَةً يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((بَيْنَمَا رَجُلٌ
يَسُوقُ بَقَرَةً لَهُ، قَدْ حَمَلَ عَلَيْهَا، الْتَفَتَتْ إِلَيْهِ الْبَقَرَةُ فَقَالَتْ: إِنِّي لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا. وَلَكِنِّي إِنَّمَا
خُلِقْتُ لِلْحَزْثِ)). فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، تَعَجِّباً وَفَزَعاً. أَبَقَرَةٌ تَكَلَّمُ؟ فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: ((فَإِنِّي أُومِنُ بِهِ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ)).
١٢ - (١٠٢٨) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه المصنف أيضاً في الزكاة،
باب من جمع الصدقة وأعمال البرّ وقد مرّ شرحه هناك.
١٣ - (٢٣٨٨) - قوله: (سمعا أبا هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الحرث
والمزارعة، باب استعمال البقر للحراثة (٢٣٢٤)، وفي الأنبياء، باب ما ذكر عن بني
إسرائيل (٣٤٧١)، وفي فضائل الصحابة، باب قول النبيّ وَّ: لو كنت متخذاً خليلاً (٣٦٦٣)،
وباب مناقب عمر (٣٦٩٠)، وأخرجه الترمذي في المناقب، باب مناقب أبي بكر
وعمر ها (٣٦٧٧)، وباب مناقب عمر بن الخطاب ظه (٣٦٩٥).
قوله: (بينما رجل يسوق بقرة) استظهر البخاري أن هذه القصة وقعت لرجل من بني
إسرائيل، ولذلك ذكرها في باب ما ذكر عن بني إسرائيل، ولم أجد في الحديث ما يدل على
ذلك، والله أعلم.
قوله: (فقالت: إني لم أخلق لهذا) أي: للحمل، والظاهر أنها تكلّمت على طريق خرق
العادة .
قوله: (أبقرة تكلم؟) قالوا ذلك تعجباً واستغراباً، لا شكاً وارتياباً، والعياذ بالله.
قوله: (فإني أومن به وأبو بكر وعمر) قال الحافظ في الفتح (٦: ٥١٨): ((هو محمول على
أنه كان أخبرهما بذلك فصدقاه، أو أطلق ذلك لما اطلع عليه من أنهما يصدقان بذلك إذا سمعاه
ولا يترددان فيه)). قلت: والظاهر أن رسول الله ( لقد قال ذلك ثقة بهما لما كان يعرف من قوة
إيمانهما، وأنهما لا يستغربان ذلك إذا سمعا رسول الله وَ ل ويخبر بذلك، وفيه فضيلة ظاهرة لهما .

٦٠
الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: (بَيْنَا رَاعٍ فِي غَنَمِهِ، عَدَا عَلَيْهِ الذِّثْبُ فَأَخَذَ مِنْهَا
شَاةٌ. فَطَلَبَهُ الرَّاعِيِ حَتَّى اسْتَنْقَذَهَا مِنْهُ. فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ الَّذُّتْبُ فَقَالَ لَهُ: مَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ، يَوْمَ
لَيْسَ لَهَا رَاعٍ غَيْرِي))؟ فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ تَ: ((فَإِنِّي أَوْ مِنُ بِذَلِكَ.
أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَهُمَرُ)) .
٦١٣٤ - (٠٠٠) وحدّثني عَبْدُ المَلِك بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ. حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ
جَدِّي. حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، قِصَّةَ الشَّاةِ وَالذِّئْبِ. وَلَمْ
يَذْكُرْ قِصَّةَ الْبَقَرَةِ.
٦١٣٥ - (٠٠٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنِي
مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ. كِلاَهُمَا عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ
قوله: (من لها يوم السّبع) أكثر المحدثين على أنه بضم الباء، والمراد من ((يوم السبع)) يوم
تغلب فيه السباع على الغنم، وقال الداودي: المراد من السبع هنا الأسد، والمعنى: إذا طرق
الأسد على غنمك، فتفرّ أنت منه وأتخلف أنا لا راعي لها غيري. وضبطه ابن العربي وغيره
بسكون الباء، وفسره بعضهم بيوم القيامة، ولكنه لا يظهر له معنى صحيح، فإن الذئب كيف
يكون راعياً للغنم يوم القيامة؟ وقيل: السبع، بسكون الباء، اسم يوم عيد كان لهم في الجاهلية
يشتغلون فيه باللهو واللعب، فيغفل الراعي عن غنمه، فيتمكن الذئب من الغنم.
قوله: (ليس لها راع غيري) قاله مبالغة في تمكنه منها .
وقال الحافظ في الفتح (٧: ٢٧٠): ((لم أقف على اسم هذا الراعي، وقد أورد المصنف
(أي البخاري) الحديث في ذكر بني إسرائيل، وهو مشعر بأنه عنده ممن كان قبل الإسلام، وقد
وقع كلام الذئب لبعض الصحابة في نحو هذه القصة، فروى أبو نعيم في (الدلائل) من طريق
ربيعة بن أوس عن أنيس بن عمرو عن أهبان بن أوس قال: كنت في غنم لي، فشدّ الذئب على
شاة منها، فصحت عليه فأقمى الذئب على ذنبه يخاطبني، وقال: من لها يوم تشتغل عنها؟
تمنعني رزقاً رزقنيه الله تعالى، فصفقت بيدي وقلت: والله ما رأيت شيئاً أعجب من هذا، فقال:
أعجب من هذا، هذا رسول الله ◌َ و بين هذه النخلات يدعو إلى الله، قال: فأتى أهبان إلى
النبيّ ◌َ ، فأخبره وأسلم (فيحتمل أن يكون أهبان لما أخبر النبيّ وَّ بذلك كان أبو بكر وعمر
حاضرين، ثم أخبر النبيّ وَ ﴿ بذلك وأبو بكر وعمر غائبين)، فلذلك قال النبيّ وَّ: (فإني أومن
بذلك وأبو بكر وعمر)، وقد تقدمت هذه الزيادة في هذه القصة من وجه آخر عن أبي سلمة في
المزارعة وفيه: قال أبو سلمة: (وما هما يومئذٍ في القوم)، أي: عند حكاية النبيّ بَّر ذلك.
ويحتمل أن يكون وَلّ قال ذلك لما اطلع عليه من غلبة صدق إيمانهما وقوة يقينهما، وهذا أليق
بدخوله في مناقبهما)).