النص المفهرس

صفحات 501-520

٥٠١
كتاب: الفضائل
فَتَرَخَّصَ فِيهِ. فَبَلَغَ ذُلِكَ نَاساً مِنْ أَصْحَابِهِ. فَكَأَنَّهُمْ كَرِهُوهُ وَتَنَزَّهُوا عَنْهُ. فَبَلَغَهُ ذُلِكَ، فَقَامَ
خَطِيباً فَقَالَ: ((مَا بَالُ رِجَالٍ بَلَغَهُمْ عَنِّي أَمْرٌ تَرَخّصْتُ فِيهِ. فَكَرِهُوهُ وَتَنَزَّهُوا عَنْهُ. فَوَاللَّهِ لأَنَا
أَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ وَأَشَدُّهُم لَهُ خَشْيَةً)) .
٦٠٦٣ - (١٠٠) حدّثنا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجّ. حَدَّثَنَا حَفْصٌ، (يَعْنِي ابْنَ غِيَاثٍ). ح
وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَم. قَالاَ: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. كِلاَهُمَا عَنِ
الأَعْمَشِ. بَإِسْنَادِ جَرِيرٍ، نَحْوَ حَدِيثِهِ.
قوله: (فترخّص فيه) أي: عمل فيه بالرخصة الشرعية.
قوله: (وتنزهوا عنه) قال الحافظ في الفتح (١٠: ٥١٤): ((ولم أعرف أعيان القوم المشار
إليهم في هذا الحديث، ولا الشيء الذي ترخص فيه النبي ◌َّر. ثم وجدت ما يمكن أن يعرف به
ذلك، وهو ما أخرجه مسلم في كتاب الصيام من وجه آخر عن عائشة: أن رجلاً قال: يا رسول
الله، إنّي أصبح جنباً وأنا أريد الصيام فأغتسل وأصوم، فقال رسول الله وَّر: وأنا تدركني الصلاة
وأنا جنب فأصوم. فقال: يا رسول الله! إنك لست مثلنا، قد غفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما
تأخر، فغضب رسول الله 8﴿ وقال: إني أرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي. ونحو
هذا في حديث أنس المذكور في كتاب النكاح: إن ثلاثة رهط سألوا عن عمل رسول الله وَّر في
السرّ، الحديث. وفيه قولهم: ((وأين نحن من النبي ◌َّ) وفيه قوله لهم: ((والله إني أخشاكم لله
وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلّي وأرقد، وأتزوج النساء)).
قوله: (ما بال رجال) فيه الاجتناب عن المخاطبة الشخصيّة للمعتوبين، رفقاً بهم وتحرزاً
عن إخزائهم أمام الناس، وهو الطريق المسنون في مثل ذلك.
قوله: (لأنا أعلمهم بالله وأشدّهم له خشية) فيه: أن النبي ◌َّل قد بلغ من الكمال الذروة في
جميع الصفات العلمية والعملية، وقد أشار إلى الأول بقوله: ((أعلمهم)) وإلى الثاني بقوله:
((وأشدّهم له خشية)) وفيه جواز تحدث المرء بما فيه من فضل بحسب الحاجة لذلك، إذا كان
تحديثاً لنعمة ربه، وأمن من المباهاة والتعاظم.
وأمّا ارتباط العمل بالرخصة بكثرة العلم وزيادة الخشية، فمن جهة أن من اختار الأشقّ
على نفسه، ربّما يفشل بعد قليل، وتفتر همته فينقطع عن الأعمال البسيطة أيضاً، وأنّ من اختار
الأسهل يمكن له أن يواظب عليه. وهناك ناحية أخرى نبّه عليها حكيم الأمة الشيخ التهانويّ
رحمه الله تعالى، وهي أن العمل بالرخصة أوفق بمقام العبديّة والتواضع لله تعالى. أمّا اختيار
المشاقّ، فصورته صورة إظهار الشجاعة والصلابة أمام الله تعالى، وربما يورث الإعجاب بنفسه،
فاختيار الأرخص أوفق بمعرفة الله تعالى وخشيته، والله أعلم.

٥٠٢
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٦٠٦٤ - (١٢٨) وحدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِم،
عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ فِي أَمْرٍ. فَتَنَزَّهَ عَنْهُ نَاسٌ مِّنَ
النَّاسِ، فَبَلَغَ ذُلِكَ النَّبِيَّ وَِّ فَغَضِبَ، حَتَّى بَانَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ: ((مَا بَالُ أَقْوَامِ
يَرْغَبُونَ عَمَّا رُخِّصَ لِي فِيهِ، فَوَاللَّهِ لأَنَا أَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ وَأَشَدُهُمْ لَهُ خَشْيَةً)).
(٣٦) - باب: وجوب اتباعه وَالهول
٦٠٦٥ - (١٢٩) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح.
أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ
رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ بِ،
(٠٠٠) - قوله: (عن الأعمش عن مسلم) يعني: ابن صبيح، وهو أبو المتوكل، ذكر في
الرواية السابقة بكنيته، وهنا باسمه .
(٣٦) - باب: وجوب اتباعه وَل
١٢٩ - (٢٣٥٧) - قوله: (أن عبد الله بن الزبير حدثّه) هذا الحديث أخرجه البخاري في
المساقات، باب في سكر الأنهار (٢٣٥٩ و ٢٣٦٠)، وباب شرب الأعلى قبل الأسفل
(٢٣٦١)، وباب شرب الأعلى إلى الكعبين (٢٣٦٢)، وفي الصلح، باب إذا أشار الإمام بالصلح
فأبى حكم عليه بالحكم البيّن (٢٧٠٨)، وفي التفسير، باب ﴿فَلَ وَرَيِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ
فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (٤٥٨٥)، وأخرجه أبو داود في الأقضية، باب أبواب من القضاء
(٣٦٣٧)، والترمذي في الأحكام، باب ما جاء في الرجلين يكون أحدهما أسفل من الآخر في
الماء (١٣٦٣)، والنسائي في القضاة، باب إشارة الحاكم بالرفق (٥٤١٦)، وابن ماجه في
الأحكام، باب الشرب من الأدوية ومقدار حبس الماء (٢٥٠٥).
ثم المذكور هنا أن عروة إنما رواه عن أخيه عبد الله بن الزبير، وأخرجه النسائي عن عروة
عن عبد الله بن الزبير بن العوّام، وأخرجه البخاري في الصلح من طريق شعيب عن الزهري عن
عروة عن الزبير بغير ذكر عبد اللّه، وأخرجه في المساقاة من طريق معمر عن الزهري عن عروة
مرسلاً، ولم يذكر فيه الزبير ولا عبد الله، وإنما صححه الشيخان مع هذا الاختلاف اعتماداً على
صحة سماع عروة من أبيه، وعلى صحة سماع عبد الله بن الزبير من النبي وَّر، فكيفما دار فهو
ثقة. ثم الحديث ورد في شيء يتعلق بالزبير، فداعية ولده متوفرة على ضبطه. وقد جاءت هذه
القصة من وجه آخر من حديث أم سلمة، أخرجه الطبري والطبراني وهي عند الزهري أيضاً من
مرسل سعيد بن المسيب أخرجه بن أبي حاتم. هذا ملخص ما في فتح الباري (٥: ٣٥).
قوله: (أن رجلاً من الأنصار خاصم) وفي رواية شعيب عند البخاري في الصلح: (خاصم

٥٠٣
كتاب: الفضائل
رجلاً من الأنصار قد شهد بدرا)، وفي رواية عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عند الطبري
أنه من بني أمية بن زيد، وهم بطن من الأوس، ووقع في رواية عند ابن المقري في معجمه أن
اسمه حميد، ولكن ليس في البدريّين من الأنصار من اسمه حميد، وحكى ابن بشكوال في
مبهماته أنه ثابت بن قيس بن شماس، ولم يأت على ذلك بشاهد، وليس ثابت بدريّاً.
وحكى الواحدي أنه ثعلبة بن حاطب الأنصاري، ولم يذكر مستنده، ولا كان بدريّاً، وأما
من ذكره ابن إسحاق باسم ثعلبة بن حاطب في عداد البدريّين، فإنه غيره كما حققه الحافظ في
الفتح. وحكى الواحدي أيضاً وشيخه الثّعلبي والمهدوي أنه حاطب بن أبي بلتعة. ومستنده ما
أخرجه ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب مرسلاً في قوله تعالى: ﴿فلا وربك يؤمنون﴾ إلخ،
قال: ((نزلت في الزبير بن العوام وحاطب بن أبي بلتعة اختصما في ماء)) وإسناده قوي مع
إرساله، ولكن يشكل عليه أن حاطب بن أبي بلتعة وإن كان بدريّاً، ولكنه من المهاجرين، وليس
من الأنصار، ولكن يمكن تأويل قوله: ((من الأنصار)) على إرادة المعنى الأعم كما وقع ذلك في
حق غير واحد كعبد الله بن حذافة. وتأول الكرماني بأن حاطباً كان حليفاً للأنصار، فنسب إليهم
من أجل ذلك، وتوقف فيه الحافظ ابن حجر، ثم قال: ((ويترشح بأن حاطباً كان حليفاً لآل
الزبير بن العوام من بني أسد، وكأنه كان مجاوراً للزبير، والله أعلم».
وذكر بعض العلماء، كالداودي وأبي إسحق الزجاج، أن هذا الرجل كان منافقاً، وإنما
أطلق عليه لفظ الأنصار لظاهر حاله، ولأنه كان منهم نسباً، لا ديناً. ولكن ليس مستند هؤلاء في
ذلك إلا استبعاد أن يكون أحد من أنصار الصحابة يجترىء على معارضة قضاء رسول الله الخير
بمثل ما فعله هذا الرجل. ولكن يردّ هذا القول ما سبق من رواية البخاري أن الرجل كان قد شهد
بدراً، وثابت أنه لم يشهد بدراً أحد من المنافقين، وأجاب عنه الداودي أن هذه القضية صدرت
منه قبل وقعة بدر، لانتفاء النفاق عمن شهدها .
ولكن ذكر كثير من العلماء المحققين أنه لا ملازمة بين صدور هذه القضية منه وبين النفاق
ولكن أصدر ذلك منه بادرة النفس، كما وقع لغيره ممن صحت توبته، وقوّاه التوربشتي وهي ما
عداه، وقال: ((لم تجر عادة السلف بوصف المنافقين بصفة النصرة التي هي المدح، ولو شاركهم
في النسب. بل هي زلّة من الشيطان تمكن به منها عند الغضب، وليس ذلك بمستنكر (أي: بعيد)
من غير المعصوم في تلك الحالة)) وقال ابن التين: ((إن كان بدريّاً فمعنى قوله ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾: لا
يستكملون الإيمان)».
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: لا شكّ أنّ الاعتراض على قضاء رسول الله وَلقر كفر،
لصريح قوله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في
أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ وتأويله بعدم استكمال الإيمان كما فعله ابن التّين،

٥٠٤
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ
تأويل لا يقبله السّياق وتأكيد الكلام، وإن أمثال هذه التأويلات تقلّل من قوّة هذا الكلام المعجز
الذي أصدره الله تبارك وتعالى. بيمين بليغ، وتأكيدات متتابعة. فالحقّ أنّ الاعتراض على قضاء
رسول الله ﴿ كفر بلا ريب، ولو فعله أحد اليوم - والعياذ بالله - فلا شكّ في كفره وارتداده.
ولكنّ قضية حديث الباب إنما وقعت في ابتداء الإسلام، وقبل نزول هذه الآية، ولم تكن قواعد
الإسلام تقررت أو عُرفت بصفة عامّة، فما وقع في صدر هذا الأنصاريّ من حرج من قضاء
النبيِ وَلخير، وإن كان شيئاً خطيراً، ولكنه لم يحكم عليه بالكفر أو الارتداد أو النفاق بذلك في
تلك الحالة السابقة على نزول الآية.
والذي يظهر لهذا العبد الضعيف عفا الله عنه: أن الرجل لم يقصد أن النبي ونَ ﴿ه قد جار في
حكمه - والعياذ بالله - وإنّما أراد أنه أشار في الصّلح إلى ما فيه رعاية لابن عمته، لأنّ ما اعترض
عليه الأنصاريّ لم يكن حكماً قضائياً، وإنما كان مشورة على طريق الصّلح، كما سيأتي، وزعم
الأنصاريّ أنّ هذه المشورة فيها رعاية لجانب ابن عمّته، وهذا الشيء وإن كان عظيماً في نفس
الأمر، ولكنه لا يستلزم الكفر والنفاق في تلك الحالة.
ثم رأيت لشيخ مشايخنا الأنور رحمه الله كلاماً قريباً من هذا، قال رحمه الله تحت هذا
الحديث في فيض الباري (٣: ٣٠٤): ((وفيه إشكال، فإن تلك الكلمة توجب نسبة الجور إلى
النبي ◌َّ، وهو كفر بواح، أو نفاق صراح، وقد علمت أن الرجل كان أنصاريّاً. والجواب
عندي أنه أراد من قوله: ((أن كان ابن عمتك)) ترجيح أحد الجائزات (أي الأمور الجائزة) بهذه
الرعاية، دون الترجيح جانب الحرام. والمعنى أن استقاء الزبير واستقائي كانا جائزين، ولكنك
راعيت الزبير، فحكمت له لكونه ابن عمتك. قلت: لا ريب أنه قد أتى بعظيم، ولكن الغضب
قد يحمل المرء على نحو ذلك، فلا يحكم عليه بالنفاق، كيف! وقد ورد في الصحيح أنه بدريّ.
والحق أن المقولة الواحدة تختلف إيماناً وكفراً، بحسب اختلاف النّات، ولا ريب أنها لو كانت
على طريق الاعتراض فهو كفر)).
ثم الظاهر أن من صدر منه هذا القول، فإنه قد تاب منه بعد ذلك. ولعلّ أسرة الزبير
من كونها مخاصمة له، لم تصرح باسمه في الحديث، بل سترت عليه، لأن من تاب من ذنب،
فعلى المسلم أن يستره. قال العيني رحمه الله في العمدة (٦: ١٥): ((قال شيخنا: لم يقع تسمية
هذا الرجل في شيء من طرق الحديث (أي في طرق حديث الزبير وأبنائه وما وقع من التسمية
عند ابن أبي حاتم، فإنه مرسل لابن المسيب) ولعل الزبير وبقية الرواة أرادوا ستره لما وقع منه)).
قوله: (في شِراج الحرّة) الشِراج، بكسر الشين، مسيل الماء. وقيل: هو واحد، وقيل:
جمع شرج (بفتح الشين وسكون الراء) مثل رهن ورهان، وبحر وبحار. وفي المنتهى لأبي
المعاني: الشّرْج مسيل الماء من الحزن إلى السّهل، والجمع شِراج وشروج وشرج، وأما الحَرّة

٥٠٥
كتاب: الفضائل
الَّتِي يَسْقُونَ بِهَا النَّخْلَ. فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: سَرِّح الْمَاءَ يَمُرُّ، فَأَبَى عَلَيْهِمْ، فَاخْتَصَمُوا عِنْدَ
رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَ لِلِزُّبَيْرِ: ((اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ))
فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ، فَتَلَوَّنَ وَجْهُ نَبِيِّ اللَّهِ وَ، ثُمّ
بفتح الحاء وتشديد الراء فهي الأرض الصلبة الغليظة التي تغشاها حجارة سود، وبالمدينة حرّات
كثيرة. والمراد من شراج الحّرة، أن هذا المسيل كان بالحرّة، فنسب إليها. هذا ملخص ما في
عمدة القارى (٦: ١٦).
قوله: (التي يسقون بها النّخل) وفي رواية شعيب عند البخاري: ((كانا يسقيان بها
كلاهما)».
قوله: (سرّح الماء يمرّ) أمر من التسريح بمعنى الإرسال. وإنما قال له ذلك لأن الماء كان
يمرّ بأرض الزبير قبل أرض الأنصاريّ فيحبسه لإكمال سقي أرضه، ثم يرسله إلى أرض جاره،
فالتمس منه الأنصاريّ تعجيل إرسال الماء أو طلب منه أن لا يحبس الماء أصلاً، فامتنع منه
الزبير ه، لأن الحقّ للأعلى فالأعلى. وقال أبو عبيد رحمه الله: كان بالمدينة واديان يسيلان
بماء المطر، فيتنافس الناس فيه، فقضى رسول الله ومقر للأعلى فالأعلى. نقله الحافظ في الفتح.
قوله: (اسق يا زبير! ثم أرسل الماء إلى جارك) قاله رسول الله وَ ﴿ مشورة، لأن فيه
صلاحاً للأثنين ورعاية للجانبين، فإنّه كان من حقّ الزبير ظُبه، بفضل كونه أعلى، أن يحبس
الماء ويسقي أرضه إلى أن يبلغ الماء إلى الكعبين. وبذلك قضى رسول الله وَّر في قضايا كثيرة.
فقد أخرج أبو داود وابن ماجه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه: ((أن رسول الله وَّ قضى
في سيل المهزور أن يمسك حتى يبلغ الكعبين، ثم يرسل الأعلى إلى الأسفل)) ولكنه وَالهو أمر
الزّبير هُنا بالإحسان إلى جاره، وأرشده إلى أن يكتفي بقدر حاجته في السّقي، ثم يرسل الماء
إلى جاره.
قوله: (أن كان ابنَ عمّتك) بفتح همزة (أن) وهي للتعليل، كأنه قال: حكمت له بالتقديم
لأجل أنه ابن عمتك. وكانت أم الزبير صفية بنت عبد المطلب عمّة رسول الله وَ له. وقال
البيضاوي: يحذف حرف الجرّ من (أن) كثيراً تخفيفاً. والتقدير (لأن كان) أو (بأن كان). وحكى
القرطبي تبعاً لعياض أن همزة (أن) ممدودة. قال: لأنه استفهام على جهة إنكار. قال الحافظ في
الفتح: ولم يقع لنا في الرواية مدّ، لكن يجوز حذف همزة الاستفهام. وحكى الكرماني (إن كان)
بكسر الهمزة على أنها شرطية والجواب محذوف. قال الحافظ: ولا أعرف هذه الرواية، نعم
وقع في رواية عبد الرحمن بن إسحق (أي عند الطبري): (فقال: اعدل يا رسول الله وإن كان ابن
عمتك) والظاهر أن هذه بالكسر.
قوله: (فتلوّن وجه نبيّ الله ◌َ﴿) أي: تغير لونه، وهو كناية عن الغضب، زاد عبد الرحمن بن
أسحاق في روايته: ((حتى عرفنا أن قد ساءه ما قال)).

٥٠٦
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قَالَ: ((يَا زُبَيْرُ، اسْقٍ، ثُمَّ اخْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ)). فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللَّهِ، إِنِّي
لأَحْسِبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَّتْ فِي ذُلِكَ: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ
بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيَّ أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا﴾ [النساء: ٦٥].
قوله: (ثمّ احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر) بفتح الجيم وسكون الدال، هو المسناة،
وهو ما وضع بين شربات النخل كالجدار، وقيل: المراد الحواجز التي تحبس الماء. وجزم به
السّهيلي. ويروى (الجُدُر) بضم الجيم والدال، حكاه أبو موسى، وهو جمع الجدار. وقال
القرطبي: لم يقع في الرواية إلا بالسكون.
وعلى كلٍ فالمعنى: أن النبي ◌َّارِ أمره بحبس الماء إلى أن يصل إلى أصول النخل ويبلغ
إلى الجدر وكان هذا حقّاً للزبير ظبه كما تقدم، لأن بلوغ الماء إلى الجدر إنما يكون حين يبلغ
إلى الكعبين من الرجل القائم. وكان رسول الله ﴿ أمر الزبير أوّلاً بالرفق مع جاره، ولكنه لما
لم يقبله، أمره بالتمسك بحقّه الأصليّ.
ولا يرد عليه أنه كان حكماً في حالة الغضب، وقد نهى أن يقضي القاضي وهو غضبان،
لأن النبي ◌َّ معصوم من الخطأ في كل من حالتي الغضب والرضا.
وبهذا الحديث استدل الفقهاء على أن الأعلى له الحق في أن يسقي مزارعه بالماء الذي هو
مباح عام حسب حاجته، ثم يرسل الماء إلى من هو أسفل منه، ولا يجوز له إمساك ما يفضل عن
حاجته، ولا نعلم في ذلك خلافاً بين الفقهاء رحمهم الله تعالى، غير أنه قال أبو الحسن
الماوردي: ((ليس التقدير بالبلوغ إلى الكعبين على عموم الأزمان والبلدان، لأنه يدور بالحاجة،
والحاجة تختلف باختلاف الأرض واختلاف ما فيها من زرع وشجر، وبوقت الزراعة ووقت
السقي)» حكاه العيني في عمدة القارى، وراجعه للتفصيل.
ثم إنّ الأنصاريّ كان قد استحقّ التّعزير بالإنكار على حكم رسول الله وَّر، ولكن ◌َّ عفا
عنه تأليفاً للقلوب، وفيه جواز عفو الإمام عن التعزير. وذكر الماوردي في أدب القاضي (١:
٢٥٣) أنه عليه الصلاة والسلام عزّره بالقول، وذكر رواية جاء فيها أنه وَلّ قال للزبير: ((أمر الماء
على بطنه، واحبسه حتى يبلغ أصول الجدر)) ولكنه لم يسند هذه الرواية، والله سبحانه أعلم.
قوله: (هذه الآية نزلت في ذلك) وقد وقع في رواية ابن جريج عند البخاري أنه نظر اته جزم
بذلك، وكذلك وقع الجزم في رواية أم سلمة عند الطبري والطبراني. وقد وردت في سبب نزول
هذه الآية روايات أخرى، وقد تقرر في موضعه أن الآية الواحدة يمكن أن يكون لها أسباب
متعددة، والله سبحانه أعلم.

٥٠٧
كتاب: الفضائل
(٣٧) - باب: توقيره وَل﴾، وترك إكثار سؤاله عما لا
ضرورة إليه، أو لا يتعلق به تكليف، وما لا يقع، ونحو ذلك
٦٠٦٦ - (١٣٠) حدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى النُّجِيبِيُّ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي
يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ. قَالاً:
كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَقُولُ: ((مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ، وَمَا
أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهِمْ، وَاخْتِلاَتُهُمْ
عَلَى أَنْبِیَائِهِمْ)).
٦٠٦٧ - (٠٠٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ. حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، وَهُوَ
مَنْصُورُ بْنُ سَلَمَةَ الْخُزَاعِيُّ. أَخْبَرَنَا لَيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا
الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ سَوَاءً .
٦٠٦٨ - (١٣١) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالاَ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ.
ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. ◌ِلَهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ، (يَعْنِي الْحِزَامِيَّ). ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي
عُمَرَ. حَذَّثَنَا سُفْيَانُ. كِلاَهُمَا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ح وحدّثناه
عُبَيْدُ اللَّهِ ابْنُ مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةً. ح
وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ بْنِ مُنَبِّهِ، عَن أَبِي
هُرَيْرَةَ. كُلُّهُمْ قَالَ: عَنِ النَِّّ وَِّ: ((ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ))، وَفِي حَدِيثَ هَمَّامِ ((مَا تُرِكْتُمْ،
فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ)). ثُمَّ ذَكَرُوا نَحْوَ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِّيَّ سَلَمَةَ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ.
(٣٧) - باب: توقيره ◌َّله وترك إكثار سؤاله إلخ
١٣٠ - (١٣٣٧) - قوله: (كان أبو هريرة يحدّث) هذا الحديث أخرجه المصنف أيضاً في
الحج، باب فرض الحج مرّة في العمر، وأخرجه البخاري في الاعتصام بالكتاب والسنّة، باب
الاقتداء بسنن رسول الله لا تَير (٧٢٨٨)، والنسائي في الحج، باب وجوب الحج (٢٦١٩)،
والترمذي في العلم، باب في الانتهاء عما نهى عنه وَّر (٢٦٧٩)، وابن ماجه في المقدمة، باب
اتباع سنة رسول الله وَلير (رقم: ٢).
وهذا الحديث قد مرّ شرحه مبسوطاً في كتاب الحجّ، باب فرض الحجّ مرة في العمر، فلا
نعيده .

٥٠٨
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٦٠٦٩ - (١٣٢) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ،
عَنْ عَامِرٍ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ فِي
الْمُسْلِمِينَ جُزْماً، مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَحُرِّمَ عَلَيْهِمْ، مِنْ أَجْلٍ
مَسْأَلَتِهِ».
١٣٢ - (٢٣٥٨) - قوله: (عن عامر بن سعد، عن أبيه) هذا الحديث أخرجه البخاري في
الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من كثرة السؤال ومن تكلف ما لا يعنيه (٦٢٨٩)، وأبو
داود في السنّة، باب لزوم السنّة (٤٦١٠).
١٣٣ - (٠٠٠) - قوله: (إن أعظم المسلمين في المسلمين مجُرماً) أي: ذنباً، كذا فسّره أكثر
الشرّاح، وقال القاضي عياض: ((المراد بالجرم الحدث على المسلمين، لا أنه من الجرائم
والآثام المعاقب عليها إذا كان السؤال مباحاً. ولولا ذلك لم يقل: سلوني)) وقال الأبيّ: ((إن
كان التأثيم حقيقة فيكون السؤال سؤال تعنيت، كما اتفق لبني إسرائيل في البقرة)).
قوله: (فحرّم عليهم من أجل مسألته) أما النهي عن كثرة السؤال، فقد أشبعنا الكلام عليه،
واستوفينا مواقع هذا النهي في كتاب القضاء، باب النهي عن كثرة السؤال ٢: ٥٨٧ من هذه
التكملة، وكذلك في أوائل كتاب اللعان، فلا نعيده. ولكن ينشأ في حديث الباب سؤال آخر،
وهو أنه كيف يحرم على الناس شيء كان حلالاً في نفس الأمر، بمجرد سؤال بعض الناس؟
والجواب: أن هذا التحريم يكون عقوبة للمغالاة في الدين، فإن الإنسان غير مأمور بالتعمّق
والغلوّ، والواجب عليه أن يعمل بإطلاقات النصوص، ما لم ينزل تقييدها بشيء، فمن أكثر
التساؤلات في هذه الأمور المطلقة، فقد ارتكب الغلوّ والتعمّق، فربما عوقب بتحريم ما كان
حلالاً قبل سؤاله. وهذا كما وقع لأصحاب البقرة من بني إسرائيل، حيث قد أمروا بذبح بقرة،
فكان المأمور به مطلقاً عن أيّ شرط، فلو ذبحوا أية بقرة تخلصوا من عهدة الامتثال بالأمر،
ولكنهم أكثروا من التساؤلات، فقد ضيّق عليهم الأمر مجازاة لتعمقهم.
وعلى هذا، هذا الأمر مخصوص لعهد النبي ◌َّ، حيث كان التحليل والتحريم جارياً، أما
الآن، فلا يقع مثل ذلك، لأن الأحكام الآن لا تتجدد، وقد صرّح به الأبيّ في شرحه.
هذا، ويمكن لهذا الحديث تفسير آخر، لم أره منقولاً، ولكنه ليس ببعيد بالنظر إلى ألفاظ
النصّ، وهو أنّ المراد من السؤال هو البحث عن تفاصيل الأشياء التي لم يؤمر بالفحص عنها،
فإن الرجل المسلم إذا أتانا بلحم مثلاً، فلسنا مأمورين بالفحص عن تفاصيله، من أين حصل
على ذلك اللحم؟ وممن اشترى؟ وهل ذبحه الذابح باسم الله؟ أو لم يذكر اسم الله عليه؟ وإنما
نكتفي بظاهر حال المسلم، ونظنّ به خيراً. فإن تعرض أحد لهذه التفاصيل وجعل يتفحص عنها،
حتى يظهر له بهذا الفحص سبب من أسباب التحريم، فإنه يحرم عليه حينئذ تناوله، فلم يحرم
هذا الشيء إلا بأسئلته التي لم يكلّفه الله تعالى بها .

٥٠٩
كتاب: الفضائل
٦٠٧٠ - (١٣٣) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ. قَالاَ: حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. عَنِ الزُّهْرِيِّ. ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : - (أَحْفَظُهُ
كَمَا أَحْفَظُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) الزُّهْرِيُّ: عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللّهِ وَ: ((أَعْظَمُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُزْماً، مَنْ سَأَلَ عَنْ أَمْرٍ لَمْ يُحَرَّمْ، فَحُرِّمَ
عَلَى النَّاسِ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ».
٦٠٧١ - (٠٠٠) وحَدَّثنِيهِ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ. ح
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. كِلاَهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا
الإِسْنَادِ، وَزَادَ فِي حَدَيثٍ مَعْمَرٍ: ((رَجَلٌ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ وَنَقَّرَ عَنْهُ)). وَقَالَ فِي حَدِيثٍ يُونُسَ :
عَامِرٍ بْنِ سَعْدٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ سَعْداً.
٦٠٧٢ - (١٣٤) حدّثنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ وَمُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ السُّلَمِيُّ وَيَحْيَى بْنُ
مُحَمَّدٍ اللُّؤْلُوِيُّ. وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ، (قَالَ مَحْمُودٌ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ. وَقَالَ
الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ)، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ. حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ،
قَالَ: بَلَغَ رَسُولَ اللهِ وَهِ عَنْ أَصْحَابِهِ شَيْءٌ.
فإن كان هذا هو المراد، أو كانت مثل هذه الأسئلة داخلة في عموم حديث الباب، فإن
حکمه باق حتى اليوم، والله أعلم.
قوله: (الزهريّ) أي: حدثني الزهري، وربّما يحذف الرواة صيغة التحديث والإخبار.
(٠٠٠) - قوله: (ونقّر عنه) أصل النقر والتنقير: حفر الخشب، والمراد هُنا: البحث
والتفحص .
١٣٤ - (٢٣٥٩) - قوله: (عن أنس بن مالك) هذا الحديث أخرجه البخاري في العلم، باب
من برك على ركبتيه عند الإمام أو المحدث (٩٣)، وفي مواقيت الصلاة، باب وقت الظهر عند
الزوال (٥٤٠)، وفي الأذان، باب رفع البصر إلى الأمام في الصلوات (٧٤٩)، وفي تفسير
سورة: (٥)، باب ﴿لَا تَسْثَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (٤٦٢١)، وفي الدعوات، باب التعوّذ
من الفتن (٦٣٦٢)، وفي الرقاق، باب القصد والمدوامة على العمل (٦٤٦٨)، وباب قول
النبي ◌َّار: ((لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً)) (٦٤٨٦)، وفي الفتن، باب التعوذ
من الفتن (٧٠٨٩) إلى (٧٠٩١)، وفي الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من كثرة السؤال
ومن تكلف ما لا يعنيه (٧٢٩٤ و٧٢٩٥)، وأخرجه الترمذي في التفسير، سورة المائدة
(٣٠٥٦)، وابن ماجه في الزهد، باب الحزن والبكاء (٦٢٤٤).
قوله: (بلغ رسول الله وَّر عن أصحابه شيء) قال الأبيّ: ((كان الشيخ يقول: يحتمل أنهم

٥١٠
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَخَطَبَ فَقَالَ: ((عُرِضَتْ عَلَىَّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمٍ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا
أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيراً) قَالَ: فَمَا أَتَىْ عَلَى أَصْحَابٍ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ يَوْمٌ أَشَدُ
مِنْهُ. قَالَ: غَطّوْا رُؤُوسَهُمْ وَلَهَمْ خَنِينٌ. قَالَ: فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبَّ. وَبِالإِسْلامِ
أرادوا زيادة أدلة على صدقة ( *) فوقع في نفسه من ذلك وقال: أليس فيما رأيتم كفاية؟ وهذا
الذي حمل عمر رَُّه على أن قال: رضينا بالله رباً إلخ)) وقال آخرون: يمكن أن يكون سببه ما
بلغه رسول الله خير من أن بعض الناس يغوصون في أسئلة لا تعنيهم. ويؤيده ما سيأتي من رواية
قتادة عن أنس: ((أن الناس سألوا نبيّ الله وَّ حتّى أحفوه بالمسألة، فخرج ذات يوم فصعد
المنبر)) ويؤيده أيضاً حديث أبي موسى في آخر الباب، وفيه: ((سئل النبي ◌َّ عن أشياء كرهها)).
قوله: (فخطب) زاد الجارودي في روايته عند البخاري في التفسير: ((خطبة ما سمعت مثلها
قطّ)).
قوله: (عرضت عليّ الجنة والنار) وفي رواية هلال بن عليّ عن أنس عند البخاري في
الأذات: ((صلّى لنا النبيّ وَّر، ثم رقا المنبر فأشار بيديه قبل قبلة المسجد، ثم قال: لقد رأيت
الآن، منذ صلّيت لكم الصلاة، الجنة والنّار ممثلتين في قبلة هذا الجدار، فلم أر كاليوم في
الخير والشرّ إلخ)). وهذا يدل على كون الجنة والنار عرضتا عليه وَر أثناء الصّلاة.
قوله: (فلم أر كاليوم في الخير والشرّ) قال النووي: ((معنى الحديث: لم أر خيراً أكثر مما
رأيته اليوم في الجنّة، ولا شرّاً أكثر مما رأيته اليوم في النّار)).
قوله: (لضحكتم قليلاً ولبيكتم كثيراً) قال الأبيّ: ((فإن قيل: قد علم ◌َّر ذلك، فلم يبك
كثيراً، قيل: البكاء إنما هو للخوف، وهو وَّر آمن)) قلت: ويضاف إلى ذلك أنه وسلّ كان أضبط
الناس لنفسه، وإلا فكانت شفقته على أمته كانت أكثر من خوف الرجل على نفسه.
قوله: (يوم أشدّ منه) لما عرفوا فيه من شدّة عذاب النّار، أو لما شعروا من النبي ◌َّل
الكراهية لكثرة السؤال، وسخطه على ذلك، أو لما ذكر من الفتن العظيمة التي ستقع قبل قيام
الساعة، أو لمجموع هذه الأمور.
قوله: (ولهم خنين) بفتح الخاء المعجمة وكسر النون، هكذا هو في معظم النسخ ولمعظم
الرواة. والخنين خروج الصوت من الأنف، وقال الخليل: هو صوت فيه غنّة، وقال الأصعمي:
إذا تردد بكاؤه فصار في كونه غنّة فهو خنين. وقال أبو زيد: الخنين مثل الحنين، وهو شديد
البكاء. ورواه بعضهم: ((حنين)) بالحاء المهملة، وهو صوت البكاء، وهو نوع من البكاء وهو
الإنتحاب. وممن ذكر الوجهين القاضي وصاحب التحرير.
قوله: (فقام عمر فقال: رضينا بالله ربّاً) وسيأتي في رواية يونس أن عمر ربه برك قبل أن
يقول ذلك، وكذلك وقع في رواية شعيب عند البخاري في العلم: ((فبرك عمر على ركبتيه فقال:

٥١١
كتاب: الفضائل
دِيناً. وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّ. قَالَ: فَقَامَ ذَاكَ الرَّجُلُ فَقَالَ: مَنْ أَبِى؟ قَالَ: ((أَبُوكَ فُلاَنْ)). فَنَزَّلَتْ:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١].
٦٠٧٣ - (١٣٥) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ رِبْعِيِّ الْقَيْسِيُّ. حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ.
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ أَنَسٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَبِي؟ قَالَ: ((أَبُوَكَ فُلاَنٌ)) وَنَزَلَتْ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْثَلُواْ عَنْ
أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]. تَمَامَ الآيَةِ.
٦٠٧٤ - (١٣٦) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَرْمَلَةَ بْنِ عِمْرَانَ
التُّجِيِيُّ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ؛ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ خَرَجَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ. فَصَلَّى لَّهُمْ صَلَّةَ الُهْرِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَام عَلَى
الْمِنْبَرِ، فَذَكَرَ السَّاعَةَ، وَذَكَرَ أَنَّ قَبْلَهَا أُمُوراً عِظَاماً. ثُمَّ قَالَ: ((مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْأَلَنِي عَنْ
شَيْءٍ فَلْيَسْأَلْنِي عَنْهُ، فَواللَّهِ لاَ تَسْأَلُونَنِي عَنْ شَيْءٍ إِلاَّ أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ، مَا دُمْتُ فِي مَقَامِي هَذَا)) .
رضينا بالله رباً إلخ فسكت)) قال ابن بطال: ((فهم عمر منه أن تلك الأسئلة قد تكون على سبيل
التعنت أو الشكّ، فخشي أن تنزل العقوبة بذلك، فقال: رضينا بالله رباً إلخ فرضي النبيّ ◌َ *
بذلك، فسكت)).
قوله: (فقام ذلك الرجل) سيأتي أنه عبد الله بن حذافة
قوله: (فنزلت ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ﴾) ظاهرة أن هذه القصة سبب لنزول
هذه الآية، ولم يقع كونه سبباً للآية في كثير من طرق هذا الحديث، ورواه البخاري في الفتن من
طريق قتادة عن أنس وفي آخره: ((قال: فكان قتادة يذكر هذا الحديث عند هذه الآية: ﴿يَأَيُّهَا
اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْتَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ﴾)).
وقد وردت في سبب نزول هذه الآية روايات أخرى أيضاً. فقد أخرج الترمذي عن عليّ
اله أنها نزلت عندما سئل النبي ◌ّ في الحج: ((يا رسول الله في كل عام؟))، وكذلك أخرج
البخاري في التفسير عن ابن عباس قال: ((كان قوم يسألون رسول الله وليد استهزاء، فيقول
الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تضلّ ناقته: أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾)).
وقد تقرر في موضعه أنه لا تزاحم في الأسباب، فيحتمل أن يكون كل من هذه الواقعات
سبباً، ويمكن أن يكون السبب إحداها، وقد أطلق على غيرها أن الآية نزلت فيها من حيث أنها
تنطبق عليها مضمون الآية، والله أعلم.
١٣٦ - (٠٠٠) - قوله: (فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به) قال العلماء: هذا

٥١٢
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكِ: فَأَكْثَرَ النَّاسُ الْبُكَاءَ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ،
وَأَكْثَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ أَنْ يَقُولَ: ((سَلُونِي)) فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ فَقَالَ: مَنْ أَبِي يا
رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((أَبُوكَ حُذَافَةُ)) فَلَمَّا أَكْثَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ مِنْ أَنْ يَقُولَ: ((سَلُوني)) بَرَكَ عُمَرُ
فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلاَمِ دِيناً. وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً. قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ
حِينَ قَالَ عُمَرُ ذَلِكَ. ثُمَّ قَالَّ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: ((أَوْلَى، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَقَدْ عُرِضَتْ
عَلَيَّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ آنِفاً، فِي عُرْضٍ هَذَا الْحَائِطِ، فَلَمْ أَرَ كَالَيَوْمٍ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرّ».
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُاللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ قَالَ: قَالَتْ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ
حُذَافَةَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ: مَا سَمِعْتُ بابْنٍ قَُ أَعَقَّ مِنْكَ؟ أَأَمِنْتَ أَنْ تَكُونَ أُمُّكَ قَدَّ
القول منه ور محمول على أنه أوحي إليه، وإلا فلا يعلم كل ما سئل عنه من المغيبات إلا بإعلام
الله تعالى. وقال القاضي عياض رحمه: ((وظاهر الحديث أن قوله وَلتر (سلوني) إنما كان غضباً،
كما قال في الرواية الأخرى: (سئل النبي ◌َّر عن أشياء كرهها)، فلما أكثر عليه غضب ثم قال
للناس: سلوني)».
قوله: (فأكثر الناس البكاء) يحتمل أن يكون سبب البكاء غضبه وَله، ويحتمل أن يكون ما
أخبر به من الفتن ومن شدة عذاب النّار.
قوله: (فقام عبد الله بن حُذافة) ومر ترجمته في كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء
(٣: ٣١٤) من هذه التكملة.
قوله: (فقال: من أبي) سيأتي أنه سأل عن ذلك لأن ناساً كانوا يطعنون في نسبه، وكأنه لم
يشعر أن ما قاله النبي وَله (سلوني) إنما قاله تقريعاً وغضباً، واغتنم هذه الفرصة لدفع الطعن عن
نسبه .
قوله: (برك عمر) استسلاماً لرسول الله وَله وتسكيناً لغضبه.
قوله: (فسكت رسول اللّه ◌َ ﴿) هذا يدل على أن قوله: (سلوني) كان غضباً.
قوله: (ثم قال رسول الله وَّج: أولى) قال النووي: ((أما لفظة (أولى) فهي تهديد ووعيد.
وقيل: كلمة تلهف، فعلى هذا يستعملها من نجا من أمر عظيم. والصحيح المشهور أنها للتهديد،
ومعناها: قرب منكم ما تكرهونه. ومنه قوله تعالى: ﴿أَوَ لَكَ فَأَوْلَ (٣)﴾ أي: قاربك ما تكره
فاحذره، مأخوذ من الولى وهو القرب.
قوله: (في عُرض هذا الحائط) بضم العين، أي: في جانبه، وقيل: في وسطه. والظاهر
أن المراد جهة الجدار، وإلا فالجدار لا يسع الجنة والنار، ويحتمل أن تكون الجنة والنار ظهر
مثالهما على الجدار، كالصورة، ويقاربه ما سيأتي من قوله: ((صُوّرت لي الجنة والنّار)).

٥١٣
كتاب: الفضائل
قَارَفَتْ بَعْضَ مَا تُقَارِفُ نِساءُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَتَفْضَحَهَا عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
◌ُذَافَةَ: وَاللَّهِ لَوْ أَلْحَقَنِي بِعَبْدٍ أَسْوَدَ، لَلَحِقْتُهُ.
٦٠٧٥ - (٠٠٠) حدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ. أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ. أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ. ◌ِلاَهُمَا
عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَحَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ، مَعَهُ. غَيْرَ أَنَّ
شُعَيْباً قَالَ: عَنِ الزُّهَرِيِّ. قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ
أَهْلِ الْعِلْمِ؛ أَنَّ أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ قَالَتْ: بِمِثْلِ حَدِيثٍ يُونُسَ .
٦٠٧٦ - (١٣٧) حدّثنا يُوسُفُ بْنُ حَمَّادِ الْمَعْنِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَىُ، عَنْ سَعِيدٍ،
عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ النَّاسَ سَأَلُوا نَبِيَّ اللّهِ وَهِ حَتَّى أَحْفَوْهُ بِالْمَسْأَلَةِ، فَخَرَجْ
ذَاتَ يَوْمِ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ. فَقَالَ: ((سَلُونِي، لاَ تَسْأَلُّونِي عَنْ شَيْءٍ إِلاَّ بَئِنْتُهُ لَكُمْ)) فَلَمَّا سَمِعَ
ذَلِكَ الْقَوَّمُ أَرَمُّوا وَرَهِبُوا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْ أَمْرٍ قَدْ حَضَرَ.
قَالَ أَنَسٌ: فَجَعَلْتُ أَلْتَفِتُ يَمِيناً وَشِمَالاً. فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ لاَتِّ رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي.
قوله: (قارفت) أي: ارتكبت، وأكثر ما يستعمل في الفحشاء.
قوله: (لو ألحقني بعبد أسود للحقته) قد يقال: هذا لا يتصور، لأن الزنا لا يثبت به
النسب. ويجاب عنه بأنه يحتمل وجهين. أحدهما: أن ابن حذافة ما كان بلغه هذا الحكم إذ
ذاك، فكان يظن أن ولد الزنا يلحق الزاني. والثاني: أنه يتصور الإلحاق بعد وطنها بشبهة،
فيثبت النسب منه، كذا في شرح النووي. ويبدو لهذا العبد الضعيف عفا الله عنه رضيه إنما أراد
بيان استسلامه الكامل لقضاء رسول الله يظهر، فذكر إلحاقه بعبد أسود على سبيل الفرض،
وحينئذ، لا يلزم منه عدم معرفته بمسائل الفراش. ومقصوده أنّي إنما فعلت ذلك بنيّة الخضوع
الكامل لما يقضيه رسول الله و38، فلو ظهر شيء مكروه لقبلته، لأنه وخير ما كان ليقضي إلا بوحي
من الله تعالى، ولإثبات الحقّ. وإنّ السعي لإثبات الحقّ ليس فيه عقوق. وإن كان فيه بعض
الفضيحة .
١٣٧ - (٠٠٠) - قوله: (أحفوه بالمسألة) أي أكثروا في الإلحاح فيه. يقال: أحفى،
وألحف، وألحّ، بمعنى.
قوله: (أرقّوا) بفتح الراء وتشديد الميم، أي: سكتوا. وأصله ضم الشفتين. ومنه (رمت
الشاة الحشيش) أي: ضمته بشفتيها .
قوله: (رهبوا أن يكون بين يدي أمر قد حضر) لعل مراده أنهم خافوا أن يكون سؤالهم
سبباً لنزول أمر مكروه. والله أعلم.

٥١٤
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَأَنْشَأَ رَجُلٌ مِنَ الْمَسْجِدٍ، كَانَ يُلاَحَى فَيُدْعَى لِغَيْرِ أَبِهِ. فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مَنْ أَبِى؟ قَالَ:
(أَبُوكَ حُذَافَةُ)). ثُم أَنْشَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا. وبِالإِسْلاَم
دِيناً. وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً. عَائذاً بِاللَّهِ مِنْ سُوءِ الْفِتَنِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّل: ((لَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ قَطَّ
فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. إِنِّي صُوْرَتْ لِيَ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَرَأَنْتُهُمَا دُونَ هَذَا الْحَائِطِ)).
٦٠٧٧ - (٠٠٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ. حَدَّثَنَا خَالِدٌ، (يَعْنِي ابْنَ
الْحَارِثِ). ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ. كِلاَهُمَا عَنْ هِشَامٍ. ح
وَحَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ. حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي. قَالاَ جَمِيعاً: خُّدَّثَنَا
قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ، بِهَذِهِ الْقِصَّةِ.
٦٠٧٨ - (١٣٨) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّاد الأَشْعَرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ الْهَمْدَانِيُّ
قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ وَِّ عَنْ
أَشْيَاءَ كَرِهَهَا. فَلَمَّا أُكْثِرَ عَلَيْهِ غَضِبَ. ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: ((سَلُونِي عَمَّ شِئْتُمْ)) فَقَالَ رَجُلٌ: مَنْ
أَبِي؟ قَالَّ: ((أَبُوكُ حُذَافَةُ)) فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((أَبُوكَ سَالِمْ مَوْلَى
شَيْبَةَ)) فَلَمَّا رَأَىُ عُمَرُ مَا فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ وَلَّ مِنَ الْغَضَبِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَتُوبُ
إِلَى اللَّهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي كُرَيْبٍ: قَالَ: مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (أَبُوكَ سَالِمٌ، مَوْلَى
شَيْبَةً».
قوله: (كان يُلاحى) أي: يخاصم، والملاحاة: المخاصمة. يعنى: كان ناس يخاصمونه
في نسبه، ويطعنون فيه .
١٣٨ - (٢٣٦٠) - قوله: (عن أبي موسى) هذا الحديث أخرجه البخاري في العلم، باب
الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره (٩٢)، وفي الاعتصام بالكتاب والسنّة، باب ما
يكره من كثرة السؤال ومن تكلف ما لا يعنيه (٧٢٩١).
قوله: (فقام آخر، فقال من أبي؟) قال الحافظ في الفتح (١: ١٨٧): ((هو سعد ابن سالم
مولى شيبة بن ربيعة، سماه ابن عبد البرفي التمهيد في ترجمة سهيل بن أبي صالح منه، وأغفله
في الاستيعاب، ولم يظفر به أحد الشارحين، ولا من صنف في المبهمات ولا في أسماء
الصحابة، وهو صحابي بلا مرية، لقوله: (فقال): من أبي يا رسول الله)).

٥١٥
كتاب: الفضائل
(٣٨) - باب: وجوب امتثال ما قاله شرعاً،
دون ما ذكره ◌َله من معايش الدنيا، على سبيل الرأي
٦٠٧٩ - (١٣٩) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ الثَّقَفِيُّ وَأَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ، وَتَقَّارَبَا فِي
اللَّفْظِ. وَهَذَا حَدِيثُ قُتَيْبَةَ. قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ
أَبِيهِ. قَالَ: مَرَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بَهَ بِقَوْمٍ عَلَى رُؤُوسِ النَّخْلِ. فَقَالَ: ((مَا يَصْنَعُ هَؤُلاَءِ؟))
فَقَالُوا: يُلَفِّحُونُهُ. يَجْعَلُونَ الذَّكَرَ فِي الْأَنْثَّى فَتِلْقَحُ. فَقَّالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّرَ: (مَا أَظُنُّ يُغْنِي
ذَلِكَ شَيْئاً)) قَالَ: فَأُخْبِرُوا بِذَلِكَ فَتَرَكُوُهُ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ بِذَلِكَ فَقَالَ: ((إِنْ كَانَ
يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْنَعُوهُ، فَإِنِّي إِنَّمَا ظَتَنْتُ ظَنَّا، فَلاَ تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ، وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنِ
اللَّهِ شَيْئاً، فخُذُوا بِهِ، فَإِنِّي لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ)).
(٣٨) - باب: وجوب امتثال ما قاله شرعاً إلخ
١٣٩ - (٢٣٦١) - قوله: (عن موسى بن طلحة، عن أبيه) يعني: طلحة بن عبيد الله
القرشيّ ◌ُه. وهذا الحديث أخرجه ابن ماجه في الأحكام، باب تلقيح النخل (٢٤٩٥).
قوله: (فقالوا: يلقّحونه) أي: يأبرونه، والتلقيح وإبار النخل إدخال شيء من طلع الذّكر
في طلع الأنثى. وقد أبره إباراً، بالتخفيف وأبّرهٍ تأبيراً، بالتشديد، كلاهما صحيح.
قوله: (وما أظنّ يُغنيى ذلك شيئاً) أي: ما أظن أنه ينفع شيئاً، إنّما قاله وَّ على سبيل
الظنّ، لأنه لم يمارس الفلاحة والزراعة. قال النووي: ((قالوا: ورأيه بَّر في أمور المعايش
وظنّه كغيره، فلا يمتنع وقوع مثل هذا، ولا نقص في ذلك، وسببه همهم بالآخرة ومعارفها)).
قوله: (ولكن إذا حدّثتكم عن الله شيئاً) إلخ تمسك به بعض العلمانيّين والإباحيّين على أن
أحكام السنّة النبوية في المعاملات ليست من الدين، ولا يجب اتّباعها، والعياذ بالله. وهذا جهل
وإلحاد صريح. فإنّ ما قاله وَلير في تأبير النّخل لم يكن حكماً منه، ولا قضاء، ولا فتوى، وإنما
كان ظنّاً في الأمور المباحة التي تتعلق بالتجربة والمشاهدة، بدا له من غير رويّة فأبداه. ولذلك
لم ينه المؤبّرين عن التأبير، ولا أمر أحداً بأن يمنعهم من ذلك، ولو كان يقصد نهيهم عنه شرعاً،
الخاطبهم بالنّهي، أو أرسل إليهم بما يدل على النهي، فلمّا لم يفعل من ذلك شيئاً، تبيّن أنه وَله
اعتبر التأبير أمراً مباحاً فائدته مشكوكة في ظنه. بل قد صرّح الراوي في حديث الباب أنّ
النبيّ ◌َّ لما علم بانتهائهم عن هذه العمليّة، أفصح عن مراده بقوله: ((إن كان ينفعهم ذلك
فليصنعوه، فإنّي إنّما ظننت ظنّاً، فلا تؤاخذوني بالظّنّ)).
وكيف يقاس على مثل هذا الظنّ الأحكام الصريحة الجازمة التي صدرت منه پڑ كفتوى،
أو قضلء؟ فإنها ليست من ظنونه التي ظنها في الأمور المباحة، وإنما هي أحكام بعث رسول

٥١٦
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٦٠٨٠ - (١٤٠) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الرُّومِيِّ الَْمَامِيُّ وَعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ
وَأَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ الْمَعْقِرِيُّ. قَالُوا: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ. حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، أَوَهُوَ ابْنُ
عَمَّارٍ)، حَدَّثَنَا أَبُوَ النَّجَاشِيِّ. حَدَّثَنِي رَافِعُ بْنُ خَدِيج قَالَ: قَدِمَ نَبِيُّ اللّهِ ﴿َ الْمَدِينَةَ، وَهُمْ
يَأْبِرُونَ النَّخْلَ. يَقُولُونَ: يُلَفِّحُونَ النَّخْلَ. فَقَالَ: ((مَا تَصْنَعُونَ؟)) قَالُوا: كُنَّا نَصْنَعُهُ. قَالَ:
(َعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْراً) فَتَرَكُوهُ، فَنَفَضَتْ أَوْ فَنَقَصَتْ. قَالَ: فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ:
((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيِي. فَإِنَّمَا
أَنَا بَشَرٌ)).
الله ◌َ* لتبليغها، وأمرت الأمة باتباعها، قال تعالى: ﴿ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم
فانتهوا﴾ .
قال الشيخ الإمام وليّ الله الدهلويّ رحمه الله في كتابه (حجّة الله البالغة) (١: ١٢٨)
(المبحث السابع): ((اعلم أن ما روي عن النبي ◌ّ﴿ ودُوّن في كتب الحديث على قسمين:
أحدهما: ما سبيله سبيل تبليغ الرسالة، وفيه قوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَانَنَّكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَّكُمْ
عَنْهُ فَأَنْتَهُواْ﴾، منه علوم المعاد وعجائب الملكوت، وهذا كله مستند إلى الوحي، ومنه: شرائع
وضبط للعبادات والارتفقات بوجوه الضبط المذكورة فيما سبق. وهذه بعضها مستندة إلى
الوحي، وبعضها مستندة إلى الاجتهاد. واجتهاده ◌َّله بمنزلة الوحي، لأن الله تعالى عصمه من أن
يتقرر رأيه على الخطأ ... وثانيهما: ما ليس من باب تبليغ الرسالة، وفيه قوله وَله: (إنّما أنا بشر
إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر) وقوله وَلّر في
قصة تأبير النخل: (فإني إنما ظنن (تن ظّاً، ولا تؤاخذوني بالظنّ، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً
فخذوا به، فإني لم أكذب على الله)، فمنه الطبّ، ومنه باب قوله وَلير: (عليكم بالأدهم الأقرح)
ومستنده التجربة. ومنه ما فعله النبي وير على سبيل العادة دون العبادة، وبحسب الاتفاق دون
القصد، ومنه ما ذكره كما كان يذكر قومه كحديث أم زرع وحديث خرافة ... )) وراجع أيضاً ما
كتبناه في مقدمة كتاب الطبّ حول مكانة الطبّ النبويّ في الشريعة.
١٤٠ _ (٢٣٦٢) - قوله: (الَمعْقِريّ) بفتح الميم وسكون العين وکسر القاف، نسبة إلى
المعقر، موضع باليمن.
قوله: (حدثني رافع بن خديج) هذا الحديث تفرد بإخراجه المصنف من بين الأئمة الستة.
قوله: (فنفضت) أي: أسقطت ثمرها. وقوله (نقصت) أي: انتفض ثمرها.
قوله: (وإذا أمرتكم بشيء من رأيي، فإنما أنا بشر) والمراد من الرأي هنا هو الظنّ في
الأمور المباحة، كما دل عليه الحديث السابق، والأحاديث يفسّر بعضها بعضاً، وقد صرّح
عكرمة في آخر الحديث أنه روى حديث رافع هذا بالمعنى، بخلاف الحديث السابق، فإن الظاهر

٥١٧
كتاب: الفضائل
قَالَ عِكْرِمَةُ: أَوْ نَحْوَ هَذَا.
قَالَ الْمَعْقِرِيُّ: فَنَفَضَتْ، وَلَمْ يَشُكَّ.
٦٠٨١ - (١٤١) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، كِلاَهُمَا عَنِ
الأَسْوَدِ بْنِ عَامِرٍ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ
هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ. وَعنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ مَرَّ بِقَوْمٍ
يُلَفِّحُوَنَ. فَقَالَ: ((لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ)) قَالَ: فَخَرَجَ شِيصاً. فَمَرَّ بِهِمْ فَقَالَ: ((مَا لِنَخْلِكُمْ؟))
قَالُوا: قُلْتَ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: ((أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنياكُمْ)) .
(٣٩) - باب: فضل النظر إليه وَّة، وتمنيه
٦٠٨٢ - (١٤٢) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ
هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا:
فيه أنه يروي باللفظ، وقد عبّر عكرمة الظن هنا بالرأي. فليس المراد اجتهاده وَّير في الأمور
الشّرعيّة، لأنه يجب اتباعه على الأمّة، كما دل عليه النصوص المتكاثرة المتظافرة. قال الشيخ
ولي الله الدهلويّ رحمه الله :
((واجتهاده وّله بمنزلة الوحي، لأن الله تعالى عصمه من أن يتقرر رأيه على الخطأ، وليس
يجب أن يكون اجتهاده استنباطاً من المنصوص كما يظنّ، بل أكثره أن يكون علمه الله تعالى
مقاصد التشريع والتيسير والأحكام، فبين المقاصد المتلقاة بالوحي بذلك القانون، ومنه حكم
مرسله ومصالح مطلقة لم يوقتها ولم يبين حدودها، كبيان الأخلاق الصالحة وأضدادها.
ومستندها غالباً الاجتهاد، بمعنى أن الله تعالى علّمه قوانين ارتفاقات فاستنبط منها حكمة وجعل
فيها كلية. وبعضها إلى الاجتهاد)) راجع حجة الله البالغة (١٢٨:١).
١٤١ - (٢٣٦٤) - قوله: (عن عائشة وعن أنس) هذا الحديث أخرجه أيضاً ابن ماجه في
الأحكام، باب تلقيح النخل (٢٤٩٦)، وأحمد في مسنده (٦: ١٢٣).
قوله: (فخرج شيصاً) بكسر الشين، وهو البسر الرديئي الذي إذا يبس صار حشفاً.
قوله: (أنتم أعلم بأمر دنياكم) أي: بالأمور التي وكلها الشرع إلى التجربة، ولم يأت فيها
بأمر أو نهي جازم.
(٣٩) - باب: فضل النظر إليه وَّر وتمنيه
١٤٢ - (٢٣٦٤) - قوله: (ما حدثنا أبو هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في المناقب،
باب علامات النبوة، (رقم: ٣٥٨٩) من طريق أبي الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة في ضمن
حديث آخر.

٥١٨
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أَحَدِكُمْ يَوْمٌ وَلاَ يَرَانِي. ثُمَّ لأَنْ
يَرَانِي أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ مَعُهُمْ)).
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: الْمَعْنَى فِيهِ عِنْدِي، لأَنْ يَرَانِي مَعَهُمْ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ.
وَهُوَ عِنْدِي مُقَدَّمٌ وَمُؤَخَّرٌ.
قوله: (ليأتين على أحدكم يوم ولا يراني) ولفظ البخاري: ((وليأتينّ على أحدكم زمان لأن
يراني أحبّ إليه من أي يكون له مثل أهله وماله)) قال الحافظ في الفتح (٦: ٦٠٧): ((إن كل أحد
من الصحابة بعد موته # كان يود لو كان رآه وفقد مثل أهله وماله. وإنما قلت ذلك لأن كل
أحد ممن بعدهم إلى زماننا هذا يتمنى مثل ذلك فكيف بهم مع عظيم منزلته عندهم ومحبتهم فيه»
وقال النووي: ((ومقصود الحديث حثهم على ملازمة مجلسه الكريم ومشاهدته حضراً وسفراً
للتأدب بآدابه وتعلم الشرائع وحفظها ليبلغوها، وإعلامهم أنهم سيندمون على ما فرّطوا فيه من
الزهادة من مشاهدته وملازمته. ومنه قول عمر ظه: ألهاني عنه الصفق بالأسواق)).
قوله: (قال أبو إسحاق) وهو الشيخ إبراهيم بن محمد بن سفيان النيسابوري الفقيه، تلميذ
الإمام مسلم ورواه صحيحة، وأستاذ أبي أحمد الجلودي.
قوله: (وهو عندي مقدّم ومؤخر) يعنى أن الرواية المذكورة في ألفاظها تقديم وتأخير،
وتقدير العبارة عنده ما ذكره. وفسّره النووي بأن التقديم والتأخير هما فيما بين (لأن يراني) وبين
(ثم لا يراني). وأما (معهم) فهي في موضعها، والمعنى المقصود: ((ليأتين على أحدكم يوم لأن
يراني فيه لحظة فقط، ثم لا يراني بعدها، أحب إليه من أهله وماله جميعاً)).
وهذا الذي قاله النووي رحمه الله بعيد بالنظر إلى لفظ الرواية وبالنظر إلى لفظ أبي إسحاق
جميعاً، والذي يظهر من مراد أبي إسحاق أن كلمة (معهم) ليست موضعها، وأما قوله (ولا
يراني) و (لأن يراني) فهما في موضعهما، والمعنى: ((ليأتين على أحدكم يوم لا يراني فيه (بسبب
وفاتي) ثمّ تكون رؤيتي عنده معهم أحبّ إليه من أهله وماله)) والله أعلم.

٥١٩
المحتويات
المحتويات
[تتمة كتاب: الأطعمة]
٥
٥
(١٣) - باب: آداب الطعام والشراب وأحكامهما
١٢
(١٤) - باب: كراهية الشرب قائماً
١٦
(١٥) - باب: في الشرب من زمزم قائماً
(١٦) - باب: كراهة التنفس في نفس الإناء، واستحباب التنفس ثلاثاً، خارج الإناء ...
(١٧) - باب: استحباب إدارة الماء واللبن، ونحوهما، عن يمين المبتدىء
١٧
(١٨) - باب: استحباب لعق الأصابع والقصعة، وأكل اللقمة الساقطة بعد مسح ما
يصيبها من أذى، وكراهة مسح اليد قبل لعقها
١٨
........
(١٩) - باب: ما يفعل الضيف إذا تبعه غير من دعاه صاحب الطعام، واستحباب إذن
صاحب الطعام للتابع
٢٦
(٢٠) - باب: جواز استتباعه غيره إلى دار من يثق برضاه بذلك، ويتحققه تحققاً تاماً،
واستحباب الاجتماع على الطعام
(٢١) - باب: جواز أكل المرق، واستحباب أكل اليقطين، وإيثار أهل المائدة بعضهم
بعضاً وإن كانوا ضيفانا، إذا لم يكره ذلك صاحب الطعام
٣٩
(٢٢) - باب: استحباب وضع النوى خارج التمر، واستحباب دعاء الضيف لأهل
٤١
الطعام، وطلب الدعاء من الضيف الصالح، وإجابته لذلك
٤٢
(٢٣) - باب: أكل القثاء بالرطب
(٢٤) - باب: استحباب تواضع الآكل، وصفة قعوده
(٢٥) - باب: نهي الآكل مع جماعة، عن قران تمرتين ونحوهما في لقمة، إلا بإذن
أصحابه
٤٤
(٢٦) - باب: في إدخال التمر ونحوه من الأقوات للعيال
٤٦
(٢٧) - باب: فضل تمر المدينة ..
٤٨
(٢٨) - باب: فضل الكمأة، ومداواة العين بها
٥٢
(٢٩) - باب: فضيلة الأسود من الكباث
(٣٠) - باب: فضيلة الخل، والتأدم به
٢٢
٣٠
٤٢
٤٦
٥٣

٥٢٠
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٣١) - باب: إباحة أكل الثوم، وأنه ينبغي لمن أراد خطاب الكبار تركه، وكذا ما في
معناه
٠٠
٥٥
(٣٢) - باب: إكرام الضيف وفضل إيثاره
(٣٣) - باب: فضيلة المواساة في الطعام القليل، وأن طعام الاثنين يكفي الثلاثة،
٦٨
ونحو ذلك
٠٠
(٣٤) - باب: المؤمن يأكل في مِعَّى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء
٧٠
٧٤
(٣٥) - باب: لا يعيب الطعام
...
٧٦
٠٠٠/٣٧ - كتاب اللباس والزينة
(١) - باب: تحريم استعمال أواني الذهب والفضة في الشرب وغيره، على الرجال
والنساء .
٧٨
(٢) - باب: تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء، وخاتم الذهب
والحرير على الرجل، وإباحته للنساء. وإباحة العلم ونحوه للرجل، ما لم يزد على
أربع أصابع
٨٠
(٣) - باب: إباحة لبس الحرير للرجل، إذا كان به حكة أو نحوها
...
٩٦
٩٨
١٠٠
....
(٦) - باب: التواضع في اللباس، والاقتصار على الغليظ منه واليسير، في اللباس
والفراش وغيرهما، وجواز لبس الثوب الشعر، وما فيه أعلام
(٧) - باب: جواز اتخاذ الأنماط
١٠٣
(٨) - باب: كراهة ما زاد على الحاجة من الفراش واللباس
..
١٠٤
(٩) - باب: تحريم جرّ الثوب خيلاء، وبيان حدٍّ ما يجوز إرخاؤه إليه، وما يستحب ...
١٠٥
(١٠) - باب: تحريم التبختر في المشي، مع إعجابه بثيابه
١١٠
(١١) - باب: تحريم خاتم الذهب على الرجال، ونسخ ما كان من إباحته في أول
الإسلام
١١١
(١٢) - باب: لبس النبيّ وَل﴿ خاتماً من وَرِق نقشه محمد رسول الله، ولبس الخلفاء له
من بعده
١١٤
(١٣) - باب: في اتخاذ النبيّ وَّله خاتماً، لما أراد أن يكتب إلى العجم
١١٧
(١٤) - باب: في طرح الخواتم .
١١٨
(٥) - باب: فضل لباس ثياب الحبرة
١٠١
(٤) - باب: النهي عن لبس الرجلِ الثوبَ المعصفر
٥٨